الاثنين، 14 سبتمبر 2026

الشبو.. لماذا يعودون؟

الشبو.. لماذا يعودون؟


حمد حسن التميمي

يعود إلى بيته بعد العلاج، فتتنفس أسرته الصعداء. غرفته كما تركها، وهاتفه ينتظره، وربما ما زالت فيه أرقام الأشخاص الذين تعاطى معهم أول مرة. 

حاول خلال العلاج أن يتغير، لكن الحياة التي يعود إليها قد تكون بقيت على حالها. 

نفرح بعودته، ونوشك أن نحسب الحكاية انتهت، كأن الإدمان وقع له تعهداً بعدم الرجوع. 

ثم تخف الزيارات والتهاني، ويجد نفسه أمام تفاصيل حياته القديمة، يحاول ألا يعود إلى ما خرج منه. 

كيف تستمر مساعدته حينها؟

هذا ما يشغلني في الحديث عن الشبو: لماذا يعود بعض الشباب إلى التعاطي رغم وجود العلاج والمتابعة؟ 

هناك رعاية لاحقة وتأهيل، والسؤال عن أثرهما في حياة المتعافي يستحق إجابة واضحة. 

فالحديث عن البرامج يوضح ما نقدمه، والحديث عن النتائج يوضح ما تحقق للإنسان. والأسرة التي تخشى أن تفقد ابنها مرة أخرى تريد أن تعرف ما الذي يساعده على الاستمرار. لن يخف خوفها بمجرد تعداد الخدمات المتاحة.

ولكي نفهم العودة، علينا أن نتحدث بصراحة عن البداية. قد يبدأ التعاطي بحثاً عن المتعة، أو هرباً من ضيق، أو فضولاً ومجاراة للرفاق. نعم، المتعة من الأسباب، وتجاهلها لا يجعل خطابنا أكثر إقناعاً. 

لكن ما يبدأ طلباً للنشوة قد يتحول مع استمرار التعاطي إلى حاجة ملحة يصعب التحكم فيها؛ لذلك لا يصح تفسير كل عودة بالرغبة في الاستمتاع. 

ولمن يظن أنه سيجرب ثم يتوقف متى شاء: قدرتك على اتخاذ الخطوة الأولى لا تضمن قدرتك على التراجع عنها. قد تبحث عن شعور يخصك، ثم تترك تبعاته في بيت كامل؛ أم تخاف، وأب يترقب، وثقة تحتاج إلى وقت طويل لتعود.

وهذا ما يجعل قياس التعافي بعد الخروج ضرورياً. ففي دراسة منشورة عام 2014 في مجلة «Drug and Alcohol Dependence»، 

حللت الباحثتان ماري لين بريخت وديان هيربيك، من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، بيانات 350 شخصاً تلقوا العلاج من تعاطي الميثامفيتامين، المعروف بالشبو. 

وأظهرت إفادات المشاركين أن 61 % منهم عادوا إلى التعاطي خلال السنة الأولى بعد الخروج. كما ارتبطت المشاركة في مجموعات المساعدة الذاتية أو علاج إضافي بفترة أطول من الامتناع. هذه النتائج تخص عينة الدراسة، ولا يصح تعميمها على جميع المتعافين. كما أنها لا تثبت أن المشاركة وحدها كانت سبب استمرار الامتناع. 

ومع ذلك، تضع أمامنا سؤالاً عملياً: 

ما الذي يميز تجارب مَن استمروا في التعافي، وكيف نستفيد منه لمساعدة مَن تعثروا؟

ولهذا أرى أن الحزم في المتابعة ينبغي أن يظهر في التزامات واضحة، وتدخل سريع عند الانقطاع، ومراجعة للحالات التي تتكرر فيها العودة. 

ويشمل ذلك تحديد الحالات التي تستدعي إلزاماً بالمتابعة وفق تقييم طبي وضوابط قانونية، مع معالجة العوائق التي تمنع الالتزام. 

فالإلزام بالمتابعة يختلف عن إلزام الشخص بالإقامة داخل مركز للعلاج، ولكل شروطه. ويكون ذلك بإجراء مناسب في وقته، يعرف المتعافي ما يتطلبه منه، وتُراجع نتائجه. 

أما أن نرفع صوتنا بكلمة «نجبره»، فلا يشرح كيف سنساعده؛ كما أن الاكتفاء بعبارة «هذا اختياره» لا يجيب أسرة ترى ابنها يتعثر أمامها.

والعودة إلى التعاطي لا تثبت وحدها فشل العلاج، لكنها تستدعي فهماً لما حدث واستجابة تناسبه. 

من تعثر رغم التزامه يختلف عمن انقطع، ومن احتاج إلى تعديل علاجه يختلف عمن واجه عائقاً في الوصول إليه. هنا نحتاج إلى مؤشرات عامة تحفظ خصوصية المرضى، وتوضح النتائج وما أُجري بناء عليها من تحسينات. 

فالعدد الذي يهمنا يتجاوز من حضروا المواعيد إلى من استفادوا منها واستمروا في تعافيهم. ومن المشروع أن نسأل عن ذلك؛ فنشر النتائج الجيدة يعزز الثقة، والنتائج التي تحتاج إلى تحسين لا تتحسن بمجرد وصف الجهد المبذول.

وللأسرة والمحيط الاجتماعي دور لا تنوب عنه المواعيد العلاجية. الأسرة تحتاج إلى إرشاد يوضح كيف تسانده، ومتى تتواصل مع المختص، وكيف تحمي أفرادها إذا ترتب على سلوكه أذى. محبتها له لا تعني أن تتحمل كل شيء بصمت، وخوفها عليه لا يبرر إذلاله. وقد نطالبه بأن ينسى حياته السابقة، ثم نحتفظ نحن بنسخة منها لاستخدامها عند أول خلاف. نريد منه أن يتغير، فهل نسمح له بأن نراه متغيراً؟ ومساعدته على العودة إلى الدراسة والعمل والصحبة التي تعينه تجعل البداية الجديدة شيئاً يعيشه، لا نصيحة نلقيها ثم نمضي.

من لديه ابن أو صديق يتعاطى يريد أن يعرف ماذا يفعل اليوم، وإلى من يلجأ، وما الإجراء إذا تكررت المشكلة. والمتعافي عليه مسؤولية في الالتزام والمصارحة وطلب المساعدة، وعلى من يساندونه أن يحولوا فهم حالته إلى خطوات قابلة للتنفيذ. 

هذا هو الحزم الذي أقصده: أن تقود المعرفة إلى قرار، وأن يظهر أثر القرار في حياة الإنسان. فمن السهل أن نسأل الشاب: 

لماذا عدت؟ 

ويبقى أن نسأل أنفسنا أيضاً: 

ماذا تعلمنا من عودته، وما الذي تغير بعدها؟.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق