الاثنين، 14 سبتمبر 2026

بيتُ النَّبيِّ ﷺ ليس فيه إلا الماء! في بيت النبي

 بيتُ النَّبيِّ ﷺ ليس فيه إلا الماء!

في بيت النبي





البيوتُ العظيمةُ ما كانتْ تلك التي تَفيضُ موائدُها، بل التي تفيضُ قلوبُها، ولا كان الغِنى في مدرسةِ النبوّةِ بكثرةِ ما في الأيدي، بل بسِعةِ ما في الصدورِ. 

هناك، حيثُ يُختبَرُ الإيمانُ في لحظاتِ القِلّةِ لا الوفرةِ، وتُقاسُ الأخلاقُ عندَ الحاجةِ لا الرَّخاءِ، كانتِ الكرامةُ تُصانُ ولو لم يبقَ في البيتِ سوى الماءِ، وكان الضيفُ سيّدَ الموقفِ ولو خلا البيتُ من الطّعامِ. 

ومن هذا المقامِ العالي، نقرأُ مشهدًا يُعلِّمُ الدُّنيا أنَّ أعظمَ صورِ العطاءِ تبدأُ أحيانًا حين لا نملكُ شيئا إلا القلبَ!

أتى رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ: إنّي مجهودٌ.

فأرسلَ النَّبيُّ ﷺ إلى بعضِ نسائِه يسألُها إن كان عندَها طعامٌ في البيتِ حتّى يأتيَ بالضيفِ، فقالتْ: والذي بعثَك بالحقِّ ما عندي إلا ماءٌ! فأرسلَ إلى زوجاتِه جميعًا، حتّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ: والذي بعثَك بالحقِّ ما عندي إلا ماءٌ!

فقالَ النَّبيُّ ﷺ لجُلسائِه: مَن يُضيفُ هذا اللّيلةَ رحمَه الله؟

فقالَ رجلٌ من الأنصارِ: أنا يا رسولَ الله!

فانطلقَ به إلى بيتِه، وقالَ لزوجتِه: هذا ضيفُ رسولِ الله ﷺ، فهَيِّئي له الطَّعامَ.

فقالتْ: ما عندي إلا طعامُ أولادِي!

فقالَ لها: نوِّمي أولادَكِ، ثمَّ ضعي الطَّعامَ، فإذا مدَّ يدَه ليأكلَ فقومي إلى السِّراجِ فأطفئيه، ثمَّ تعالي نُوهِمْه أنّا نأكلُ معه حتّى يكفيَه الطَّعامُ فيشبَعَ.

ففعلتْ مثلَما أمرَها، فشبِعَ الضيفُ، وباتا جائعينِ!

فلمّا أصبحَ غدا إلى النَّبيِّ ﷺ، فقالَ له: عَجِبَ اللهُ من صنيعِكما!

وأنزلَ فيكما قرآنًا:

 ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ   شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ).                                      

الدُّنيا دُولابٌ، والزَّمنُ دوّارٌ؛ اليومَ معك مالٌ، وغدًا قد لا تجده، واليومَ لا تجده، وغدًا قد تثرى. لا الفقرُ عيبٌ، ولا الغِنى سُبَّةٌ، المهمُّ أخلاقُ المرءِ في غناه أو فقرِه، المهمُّ ما في قلبِه لا ما في جيبِه. تخيَّلوا أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يجِدْ في بيتِ واحدةٍ من زوجاتِه طعامًا يُقري به ضيفَه! إيّاك أن تعتقدَ أنَّ الفقرَ عقوبةٌ، أو أنَّ الغِنى جائزةٌ؛ كلُّ ما في الأمرِ أنَّ الدُّنيا امتحانٌ، فإيّاك أن ترسُبَ مهما كانتْ أسئلةُ الامتحانِ.

النَّبيلُ هو الذي يُبادِرُ ليسدَّ حاجةَ غيرِه، ولا يُحرِجُه فيُظهِره بمظهرِ المُقصِّرِ. 

ومن النُّبلِ إذا علمتَ بمرضِ أحدٍ في بيتِ جارٍ فقيرٍ أن تُعينَه دونَ أن يطلبَ؛ أنتَ تعرفُ حالَه، وبعضُ النّاسِ تمنعُه كرامتُه أن يطلبَ، وأجملُ العطاءِ ما يرحمُ الكرامةَ ويحفظُ ماءَ الوجهِ.

ومن النُّبلِ إذا أُقيمَ عزاءٌ لفقراءَ تعرفُهم أن تُساهِمَ معهم في تكاليفِ العزاءِ، أو أن تشتريَ لهم بعضَ حاجياتِه ومُتطلّباتِه كي لا تُحرجَهم أمامَ النّاسِ فيظهروا بمظهرِ المُقصِّرِ والمحتاجِ؛ فهذا لا يدخلُ في بابِ الصدقةِ فقط، وإنّما في بابِ السِّترِ أيضًا، ويا لحُبِّ اللهِ للسِّتِّيرينَ من عبادِه!

العطاءُ أدبٌ أيضًا؛ فأن تحرِمَ إنسانًا من صدقتِك أهونُ من أن تُعطيَه إيّاها على ملأٍ فتجرحَ كرامتَه وتُشعِرَه بالحرجِ. وانظُرْ إلى أدبِ الأنصاريِّ عندما علِمَ أنَّ الطَّعامَ قليلٌ، طلبَ من زوجتِه أن تُطفئَ السِّراجَ؛ لأنَّ الضيفَ سيشعرُ بالحرجِ ولن يأكلَ لو رأى أنَّ الطَّعامَ لا يكفي للجميعِ.

رفعُ الحرجِ من جبرِ الخواطرِ، وجبرُ الخواطرِ عبادةٌ!

يُعيدُ لنا هذا المشهدُ تعريفَ الغِنى والفقرِ، فلا الغِنى فيما نملكُ، ولا الفقرُ فيما نفقدُ، بل الغِنى في قلبٍ يتّسعُ لغيرِه، والفقرُ في نفسٍ تُمسِكُ وهي قادرةٌ على البذلِ. لقد كان الإيثارُ هنا عبادةً صامتةً، لا ضجيجَ فيها ولا ادّعاءَ، وكان السِّترُ خُلُقًا يُقدَّمُ قبل اللُّقمةِ، وكانت الكرامةُ محفوظةً كما يُحفَظُ العطاءُ. فمن تعلّمَ أن يرفعَ الحرجَ عن الناسِ، فقد فتحَ لنفسِه بابًا من أبوابِ رحمةِ اللهِ، ومن جعلَ جبرَ الخواطرِ طريقَه، وجدَ عند اللهِ ما لا يزولُ!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق