بيني وبينك .. في مَدِيح الظّلّ

د. أيمن العتوم
الدرة (( إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ، إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ )) الامام الشافعي

د. أيمن العتوم
بيني وبينك ..
في مَدِيح القِراءة
د. أيمن العتوم
أوّلُ كلمةٍ في أَقْدسِ كتابٍ على آخِر نبيّ. ما من دينٍ من قبلُ افتتح بها وابتدأ. بها انكتَب التّاريخ، وبها ثبتَ في النّفس اليقين، وبها انتصرتِ الأُمم، وارتفعَ شأنُ الدُّول، وفي حروفها تلخّصتِ الحضارة، وعلى نُورِها استبانت الدّروب، وصَلُحَ أمرُ النّاس، واستقامتِ السّبيل. إنّها كلمة (اقرأ).
= سُمّيت بالكريهة لأنّه لا أحدَ يُحبّها حتّى ذلك الّذي أشعلها، وسُمّيت بالسَّلَب والنّهاب؛ لأنّها تسلبُ وتنهب كرامة الإنسان قبل أنْ تسلب وتنهبَ روحه أو طعامه أو وطنه.
أولئك الّذين تغنّوا بها من الشّعراء كانوا يدفعون رُعبَها من خلال تفريغه في موسيقى الأبيات، الأبيات التي تضجّ بالذّات المُتضخّمة على هَواءٍ في أكثر الأحايين.
بيني وبينك .. في مديح الصّوم
د. أيمن العتوم
فجأةً تتوقّف حرّيّتُك في أنْ تأكلَ وتشربَ كما تشاء. هذا القيدُ حُرّية من نوعٍ آخر، لقد حبست الجسد وأطلقتِ الرّوح، هذه العبوديّة المحضة لله في امتثال أوامره هي أسمى أنواع التّحرّر، تأخذ شرائعُ الله بيدك لتُساعِدَك على الإفلات من براثن الشّهوات، ومن أنياب الغرائز، حينَها يُدرك المرء أنّه كان عبدًا وهو يظنّ نفسَه حُرًّا، وأنّه بها الذي يبدو قيدًا - وهو الصّوم - صارَ حُرًّا، وعرفَ الحرّيّة كما لم يعرفْها من قبلُ.
الصيام عند أبي حامد الغزاليّ على مراتب ثلاث: (صومِ العموم، «وهو كَفُّ البطن والفرج عن قضاء الشهوة».
وصومِ الخصوص؛ «وهو كَفُّ السَّمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام».
وصومِ خُصوص الخصوص، وهو «صوم القلب عن الصفات الدَنِّيَة، والأفكار الدنيويّة، وكفّه عما سوى الله عز وجل بالكلية).
وإذا ارتبط المرء بالخالق الذي بيده كلّ شيء فأيّ حُرّية منشودةٍ أسمى من تلك الحُرّيّة؟!
إنّ للجوعِ ألمًا، ألم مفارقة العادة، وإنّ الرّحمة لتنشأ من هذا الألم، يرقّ القلب، وتصفو النّفس، وتطيبُ الجوارح، ويُصبِح منظر طفلٍ يلبسُ ثيابًا بالية، أو ينظر نظراتٍ ساهمةً من الفقر تُحرّك ذلك الشّعور بالرّحمة تجاهه، إنّه تدريبٌ إلهيّ على النّقاء والصّفاء والألفة والتّواضع.
إنّ هذا الشّعور الجمعيّ، الرّجال والنّساء، الكبار والصّغار، المشرق والمغرب، المُسلِمون كُلُّهم في بلاد الله الواسعة يصومون معًا، يُؤدُّون هذه الشّعائر التّعبّديّة معًا، لهو أسمى تجلٍّ للوَحدة، وأعظم تحقُّق لمعنى الجسد الواحد، الجسد الذي يقفُ بعضُه إلى بعض، ويسندُ عضوٌ منه أخاه، وإذا توزّع الألم خَفّ، وإذا توزّعَ الفرحُ عَمّ.
إنّ هذا التّعايشَ مع الحرمان، يُعوّد المرء على فلسفة التّخلّي إذا هو أحسنَ إدارته، فلا شيَ يملكُه، بل هو يملكُ كلّ ما يتّصل به، فإذا قلّ طعامُه لم يُوقِظه نهمُه، بل دعاهُ إلى الإعراضِ عن نداءات الجوع صبرُه فتسامَى، وإذا حُرِمَ شهوتَه لم يأسِرْه تعدّيه، بل تخفّفَ من طينيّته، وردّها إلى قليلٍ فقنعت، وإلى مأمولٍ فصبرتْ.
إنّ الصّوم على تطهيره لجسد صاحبه من المُخبِّثات، وعلى ارتقائِه بروح صاحبه إلى أفلاك السّماوات فيهون عنده كلّ صعب، هو إلى ذلك سِرٌّ من أسرار الله يَهَبُ فُيُوضَه لمن شاء من خلقه.
otoom72_poet@yahoo.com
AymanOtoom@
د. أيمن العتوم
24 فبراير, 2026