‏إظهار الرسائل ذات التسميات بيني وبينك. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بيني وبينك. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 29 أبريل 2026

في مَدِيح القِراءة

 بيني وبينك .. 

في مَدِيح القِراءة

د. أيمن العتوم

أوّلُ كلمةٍ في أَقْدسِ كتابٍ على آخِر نبيّ. ما من دينٍ من قبلُ افتتح بها وابتدأ. بها انكتَب التّاريخ، وبها ثبتَ في النّفس اليقين، وبها انتصرتِ الأُمم، وارتفعَ شأنُ الدُّول، وفي حروفها تلخّصتِ الحضارة، وعلى نُورِها استبانت الدّروب، وصَلُحَ أمرُ النّاس، واستقامتِ السّبيل. إنّها كلمة (اقرأ).

مَنْ عَمِل بمقتضاها اهتدَى، ومَنْ تَنَسَّم رُوحَها ارتقَى، ومَنْ تحصَّنَ بها احتمى، ومَنْ أوى إلى ما تُرشِدُ إليه فكأنّما أوى إلى ركنٍ شديد.
استعرضِ التّاريخَ أمامكَ كلّه، فإنّكَ لن تجدَ العُلماء والعُظماء والقادة إلا وهم أهلُها، ولن تجدَ الشّعراء والفُصَحاء والبُلغَاء إلاّ وهم بَنُوها، ولن تجدَ الأنبياء والقدّيسين والصّدّيقين إلاّ نبتٌ طيّبٌ من رِياضِها. اقرأ أيّها الإنسان؛ لأنّه لا يُمكن أنْ تصلَ إلى ما تتوقُ إلاّ بها. اقرأ لأنّكَ لن تعرفَ ما تريدُ إلاّ إذا تمثَّلْتَها؛ بها تتحقّق الغايات، وتُدرك الأمنيات. اقرأ لأنّه إنْ لم تقرأ فإنّكَ آثِم، وإنّ أعظمَ الإثم أنْ يتوجّه إليكَ الحقُّ سبحانه في أوّل أوامره الإلهيّة بها، ثُمّ تضربَ بهذا الأمر عُرضَ الحائط، وتُلقِي به دُبُرَ أُذُنَيك، والله يدعوكَ إليه بهذا الوضوح وهذا الاقتِضاب!
القراءة تُعيدُ إلى الإنسانِ إنسانيّتَه، إنّ المُتوحّشين والطُّغاة والجبابرة وأهل الفُجُور منها على أمرَين: إمّا أنّهم لم يقرؤوا، وإمّا قرؤوا دونَ فَهْمِ المُرادِ مِمّا به أُمِروا، إنّهم قرؤوا على عمًى من الشّيطان لا على هُدًى من الرّحمن، فإنّ الله وهو أصدقُ القائلين، قال مِنْ بعَدِها دونَ فاصلٍ: (اقرأ باسم ربّك). ثُمّ أتبعَها (الّذي خَلَق)، فباسمه، أي: بِهُداه. والّذي خلق؛ أي: بتفكّر في ملكوته «أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ» ؛ وتلك كانتْ قراءةَ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الغار، وهو بعيدٌ عن ضوضاء النّاس، وضجيج الأنام، وصَفْقِ الأسواق. القراءةُ حياة، وإنّ الحياةَ خارجَها مَوْت، فلا يغرّنّك مَنْ تأوّل في الأمر وتَفَكَّه، فإنّ مَنْ تراهم يمشون ويأكلون وينامون ليسوا أحياءً بالمعنى الحقيقيّ للحياة ما لم يكونوا قارئِين.
اقرأ أيّها البَشَريّ المُكوّن من أخطاء وآثام واجتِراحات وعواطف، فإنّ القراءة هي الّتي تُقلّصُ تلك الأخطاء إلى أدنى حدّ بحسب مساحة القراءة الواعية. وإنّها الّتي تَقُودُكَ إلى التّجافي عن الآثام؛ فإنّ مَنْ عَلِمَ لا يستوي معَ مَنْ لا يعلم. وإنّها الّتي تجعلك لا تجترحُ إلاّ ما كان خيرًا، فتأتي الحَسَنَ وتتركُ القبيح. وإنّها تَزِنَ عواطفك بميزانٍ لا يطغَى فيه قلبُكَ على عقلِكَ فيُورِدُكَ المهالك.
اقرأ؛ فلستَ من حجرٍ، ولا كُوّنْتَ من جَهْل، ولا أنَت كائنٌ يريدُ عُبورَ قنطرة الحياة دون أنْ يعرفَ سِرّها أو بعضَه، ولا حَيٌّ يعيشُ دون أنْ يُدركَ كُنه حياته، ولولا القراءة لَكُنْتَ هَمَلاً:
قد رَشَّحُوكَ لأمرٍ لو فِطْنَتَ له
فارْبأ بنفسَكَ أنْ ترعَى مَعَ الهَمَلِ
د. أيمن العتوم
otoom72_poet@yahoo.com
AymanOtoom@

الجمعة، 20 مارس 2026

بيني وبينك .. في مديح اللاحرب

بيني وبينك .. في مديح اللاحرب


د. أيمن العتوم


 = سُمّيت بالكريهة لأنّه لا أحدَ يُحبّها حتّى ذلك الّذي أشعلها، وسُمّيت بالسَّلَب والنّهاب؛ لأنّها تسلبُ وتنهب كرامة الإنسان قبل أنْ تسلب وتنهبَ روحه أو طعامه أو وطنه. 

أولئك الّذين تغنّوا بها من الشّعراء كانوا يدفعون رُعبَها من خلال تفريغه في موسيقى الأبيات، الأبيات التي تضجّ بالذّات المُتضخّمة على هَواءٍ في أكثر الأحايين.

مَنْ ينتصر في الحرب؟ لا أحد. 
مَنْ ينهزمُ فيها؟ كلّ أحد. 
إذا كان العُبور إلى ضفّة النّصر الموهوم يكونُ بالأشلاء والضّحايا وأنّات المحرومين والمفقودين فأيّ نصرٍ هذا؟ 
إذا كان من أجلِ فكرةٍ جنونيّة نبتتْ في عقلٍ مريضِ أُسِّس على أساطير وخُرافات من أجل التّوسّع أو السّيطرة، فأيّ نصرٍ هذا؟
العالَم اليوم يسير إلى الجنون، إلى الفوضى وإلى العبثيّة. 
إنّ الّذين يفقدون حياتهم ليسوا أولئك الّذين أَمَرُوا بالحرب، بل مَنْ أُمِروا بها. 
إنّ الحرب غُولٌ ساحق، ووحشٌ كاسر، وحينَ يدفعه مجنون من ظهرِه إلى أَتُون الموت، فإنّه لن يأكلَ دافِعَه الذي ملأه بأحلام زائفة، بل يأكل الضعاف والمساكين، وينهشُ في جسد البُسطاء والآمنين، ويترك وراءه صيحات الخائفين، ويُخلّف الأيتام والأرامل والثّكالى والمذبوحين. 
كما قال شوقي:
والحربُ يبعثُها القويّ تجبُّرًا
ويَنوءُ تحتَ بلائِها الضُّعفاءُ
لماذا تنشَبُ الحروب؟ مَنْ يأمرُ بها؟ لأيّ غاية؟ أما على وجه هذه الأرض ما يكفينا جميعًا من ضوء الشّمس في النّهار، ومن نور القمر في اللّيل؟! 
أما عليها ما يكفينا من طعامٍ وشراب؟ 
أليسَ فوقَها ما يكفي لأنْ نعيشَ جميعًا في سلام؟ 
لِمَ يأتيني صاروخٌ قادمٌ من وراء البحار قاطِعًا عشرات الآلاف من الأميال ليستقر في قلبي؟ 
لِمَ علَيّ أنْ أتلقَى بصدري هذا الموتَ المختبِئ في الآلاف المُؤلّفة من الطّائرات والمُسيّرات، التي لا تكفّ عن الزّعيق والأزيز حتّى تراني أشلاءً مُبعثَرة؟ 
هل ضاقتْ بنا الأرضُ بِما رَحُبَت؟
otoom72_poet@yahoo.com
AymanOtoom@

الجمعة، 27 فبراير 2026

بيني وبينك .. في مديح الصّوم

 بيني وبينك .. في مديح الصّوم

د. أيمن العتوم


فجأةً تتوقّف حرّيّتُك في أنْ تأكلَ وتشربَ كما تشاء. هذا القيدُ حُرّية من نوعٍ آخر، لقد حبست الجسد وأطلقتِ الرّوح، هذه العبوديّة المحضة لله في امتثال أوامره هي أسمى أنواع التّحرّر، تأخذ شرائعُ الله بيدك لتُساعِدَك على الإفلات من براثن الشّهوات، ومن أنياب الغرائز، حينَها يُدرك المرء أنّه كان عبدًا وهو يظنّ نفسَه حُرًّا، وأنّه بها الذي يبدو قيدًا - وهو الصّوم - صارَ حُرًّا، وعرفَ الحرّيّة كما لم يعرفْها من قبلُ.

الصيام عند أبي حامد الغزاليّ على مراتب ثلاث: (صومِ العموم، «وهو كَفُّ البطن والفرج عن قضاء الشهوة». 

وصومِ الخصوص؛ «وهو كَفُّ السَّمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام». 

وصومِ خُصوص الخصوص، وهو «صوم القلب عن الصفات الدَنِّيَة، والأفكار الدنيويّة، وكفّه عما سوى الله عز وجل بالكلية). 

وإذا ارتبط المرء بالخالق الذي بيده كلّ شيء فأيّ حُرّية منشودةٍ أسمى من تلك الحُرّيّة؟!

إنّ للجوعِ ألمًا، ألم مفارقة العادة، وإنّ الرّحمة لتنشأ من هذا الألم، يرقّ القلب، وتصفو النّفس، وتطيبُ الجوارح، ويُصبِح منظر طفلٍ يلبسُ ثيابًا بالية، أو ينظر نظراتٍ ساهمةً من الفقر تُحرّك ذلك الشّعور بالرّحمة تجاهه، إنّه تدريبٌ إلهيّ على النّقاء والصّفاء والألفة والتّواضع.

إنّ هذا الشّعور الجمعيّ، الرّجال والنّساء، الكبار والصّغار، المشرق والمغرب، المُسلِمون كُلُّهم في بلاد الله الواسعة يصومون معًا، يُؤدُّون هذه الشّعائر التّعبّديّة معًا، لهو أسمى تجلٍّ للوَحدة، وأعظم تحقُّق لمعنى الجسد الواحد، الجسد الذي يقفُ بعضُه إلى بعض، ويسندُ عضوٌ منه أخاه، وإذا توزّع الألم خَفّ، وإذا توزّعَ الفرحُ عَمّ.

إنّ هذا التّعايشَ مع الحرمان، يُعوّد المرء على فلسفة التّخلّي إذا هو أحسنَ إدارته، فلا شيَ يملكُه، بل هو يملكُ كلّ ما يتّصل به، فإذا قلّ طعامُه لم يُوقِظه نهمُه، بل دعاهُ إلى الإعراضِ عن نداءات الجوع صبرُه فتسامَى، وإذا حُرِمَ شهوتَه لم يأسِرْه تعدّيه، بل تخفّفَ من طينيّته، وردّها إلى قليلٍ فقنعت، وإلى مأمولٍ فصبرتْ.

إنّ الصّوم على تطهيره لجسد صاحبه من المُخبِّثات، وعلى ارتقائِه بروح صاحبه إلى أفلاك السّماوات فيهون عنده كلّ صعب، هو إلى ذلك سِرٌّ من أسرار الله يَهَبُ فُيُوضَه لمن شاء من خلقه.

otoom72_poet@yahoo.com


AymanOtoom@

د. أيمن العتوم

24 فبراير, 2026