الأربعاء، 6 مايو 2026

كيف استخدم الاستعمار الفرنسي الأشجار للهيمنة على الجزائر؟

كيف استخدم الاستعمار الفرنسي الأشجار للهيمنة على الجزائر؟


  • الاستشراق الأخضر.. شجر الفيكوس وإعادة تشكيل المجال الاستعماري في الجزائر

ما بين 1850 و1857، قدم المدير العام للحديقة الحامة "أوغست هاردي" توصيات بحثية إلى وزارة المستعمرات الفرنسية، مفادها أن تجارب إدخال عناصر نباتية دخيلة إلى الجزائر واستنباتها تعد إنجازا عظيما وفق تصور الفرنسيين. وأكد أن النباتات المستقدمة من شرق آسيا، كشجر "الفيكوس"، قد وزعت على المراكز العلمية للمستعمرة، لتوسيع نطاق التجارب البيئية على النبات المستوطن.

تظهر أبحاث أوغست أن الفرنسيين لم يركزوا على الجانب العسكري للسيطرة على المستعمرات فحسب، بل امتدت سياساتهم إلى عناصر أخرى لتعريف الهوية والتاريخ والإنسان. فقد لعب الاستعمار دورا مركزيا في "تغيير المجال الطبيعي" بما يخدم مصالح المستوطنين، لذلك استجلبت "عناصر نباتية دخيلة" إلى الجزائر، في واحدة من أخطر عمليات الاستبدال البيئي للمستعمرة.

وقد قوبلت توصيات أوغست بحفاوة، لتطور فرنسا مشروعها المسمى "أقلمة المستعمرات" ضمن السياسات الاستيطانية الناعمة، التي يرى أثرها اليوم في صور حضرية تذكر بالجرائم التاريخية ضد الإنسان المحلي.

وهذا المقال ينظر إلى أثر الاستغلال الكولونيالي للطبيعة الجزائرية وتجريدها من صفاتها، من أجل "إعادة تعريف البيئة" بما يخدم المجال الأوروبي، ضمن نزعة "استشراقية خضراء" قادتها مراكز بحثية فرنسية تحت غطاء الدراسات العلمية.

فهل نجحت المساعي الفرنسية في استدامة الحضور الاستعماري؟ أم إن شجر "الفيكوس" شاهد على ذاكرة تاريخية عنوانها الاستشراق الأخضر؟

إن مشاريع الاستشراق الأخضر قد حققت نجاحا نسبيا على صعيد إعادة تشكيل الفضاء البيئي والعمراني، غير أنه ظل محدود الهيمنة في اقتلاع البنى الاجتماعية والثقافية المحلية، التي أبدت نضالا متعددا من المقاومة والاستمرارية

الاستشراق الأخضر

منذ أن وطأت أقدام المستعمر الفرنسي الجزائر، ترافق مع حملاته العسكرية مشاريع التهجير والتوطين في آن معا.

ومن تلك المشاريع التي قادتها وزارة المستعمرات الفرنسية مشروع أقلمة البيئة الجزائرية وفق رؤية تخدم الطابع المدني الكولونيالي، حيث جُند العديد من الباحثين في مجال علوم الطبيعة ضمن حملات ميدانية تزامنت مع مقاومة شديدة كان يخوضها الجزائريون ضد الاحتلال.

كان أوغست على رأس المؤسسة الاستشراقية التي توارت خلفها الإدارة الاستعمارية في سعيها لاستقدام نظام بيئي مغاير تماما للمجال الطبيعي الجزائري، في سبيل خلق فضاء "حضري" يرسم الصورة المدنية للمستعمر، ويسهم في تعزيز استقدام المستوطنين.

ومن جملة العلماء المنضوين تحت ما يسمى بمؤسسات "الاستشراق الأخضر"، نجد إرنست كولن ولويس شارل ترابو والضابط ميشيل دو ميزونوف، حيث جرى توثيق الغطاء النباتي الجزائري من أجل فهم "آليات أقلمة النباتات المستقدمة" من شرق آسيا، بما يخدم الطابع المعماري الكولونيالي.

ولتسهيل عمل الباحثين الميدانيين، أنشئت حديقة الحامة منذ بدايات الاحتلال الفرنسي، ومشاتل تجريبية في وهران وقسنطينة، وتم ربط نشاطها بالإدارة الزراعية بعد عام 1848 ضمن مشاريع التأقلم البيولوجي، التي ساهمت دراساتها الميدانية عن الطبيعة المحلية في صياغة مجال جغرافي موائم للمستعمر.

وقد مثلت هذه الحدائق المستحدثة للنباتات المستزرعة ذراعا استشراقيا للتجارب البيئية ضمن شبكة علمية عملت على تطبيق سياسات استعمارية، لم يقتصر هدفها على الدراسة التاريخية للجزائر، بل سعت، تحت غطاء استشراقي فرنسي، إلى جعل البيئة حقلا معرفيا غرضه الهيمنة على المستعمرات.

وفي هذا السياق، عززت المؤسسات العلمية المنضوية تحت لواء وزارة المستعمرات، وفي مقدمتها المدرسة الإمبراطورية للفلاحة بالحراش التي تأسست عام 1865، رؤية فوقية تجاه المجال المحلي، حيث استقدمت أشجار الأوكالبتوس والفيكوس لتجسيد نموذج حضاري أوروبي.

صاغ "الاستشراق الأخضر"، الذي يمكن تعريفه بوصفه دراسة غربية للبيئة المستعمرة ضمن مشاريع الهيمنة الكولونيالية، نموذجا حضاريا أوروبيا، وأتاح إمكانات تاريخية لاستمرارية الحضور الاستعماري في ضفاف الجنوب، عبر شكل من "الاحتلال البيولوجي" للبيئة والطبيعة المحلية، بما أسهم في إعادة تعريف وصياغة المستعمرات الفرنسية.

وقد خضع هذا التوجه لإطار مؤسساتي سياسي، كان هدفه تحقيق غايات تاريخية ونفسية واقتصادية أسهمت في تفكيك بعض البنى الاجتماعية المحلية.

وعليه، يمكن القول إن مشاريع الاستشراق الأخضر قد حققت نجاحا نسبيا على صعيد إعادة تشكيل الفضاء البيئي والعمراني، غير أنه ظل محدود الهيمنة في اقتلاع البنى الاجتماعية والثقافية المحلية، التي أبدت نضالا متعددا من المقاومة والاستمرارية.

إن جوهر الاستعمار لا يعترف بأي هوية للأرض، إذ تقوم سياساته على إعادة التشكيل والهيمنة، حتى على مستوى الطبيعة نفسها، إذ يمكن فهم حضور الفيكوس في الذاكرة الحضرية الاستعمارية بوصفه ملمحا بصريا ارتبط بتاريخ إعادة إنتاج المكان

هل انتهى الاستعمار البيئي؟

تمثل المدن الحضرية التي بناها المستعمر الفرنسي في الجزائر شاهدا حيا على اختلال وظيفي للبنى الحضارية للأوروبيين، حيث تم تزيينها بأشجار الفيكوس المستجلب من شرق آسيا. وقد مثل استنبات الفيكوس تحديا جماليا للفرنسيين، الذين اعتبروه نهضة بيئية لمستوطناتهم في الجزائر.

رسخ الاستشراق الأخضر فكرة خطيرة في البنى الاستعمارية، حيث سعى إلى ضرب الأسس الاجتماعية والنفسية للسكان المحليين بخلق فضاء مغاير تماما عن البيئة المستعمرة. فالمدن الأوروبية في الجزائر كانت ترسم ذوقا جماليا غربيا محضا، في حين تظهر التقارير الفرنسية عن إدارة المستعمرات أن المجال البيئي للجزائر فوضوي يجب العمل على إعادة صياغته.

هذه النظرة الدونية للطبيعة المحلية كان غرضها التأثير المباشر على سلوك السكان الأصليين، وتقديم ضمانات أمنية للمستوطنين الفرنسيين للهجرة إلى الجزائر.

فرض الفرنسيون نمطا جديدا للاغتراب عنوانه الهيمنة على الطبيعة، وتصنيع مجال بيئي خاص بالأوروبي فقط، حيث يمكن البقاء تحت ظل استعماري مستدام، ما سمح باستصدار قوانين تمييزية تجاه المحلي.

فالبيئة نفسها أصبحت عبئا على الجزائريين، الذين رأوا كيف يشوه الاحتلال الفرنسي أرضهم ويزينها بكل ما هو غريب، حتى إن دراسته الاستشراقية عن بيئة الجزائر كانت ترسم ملامح جامدة ومتخلفة وفوضوية، لشرعنة بناء المستوطنات ومنح أشجار الفيكوس ظلا للاستعمار.

سعت فرنسا إلى "أَوربة مستعمراتها" بخلق مدن حضرية معمارية تتزين بأشجار دخيلة عن الطبيعة المحلية، وذلك لسلب الذاكرة البصرية للسكان الأصليين وإعادة تشكيل المجال البيئي، ومنح صيغة طبيعية للشرعية التاريخية للاحتلال، حيث تمثل أشجار الفيكوس حضورا مستداما للاستعمار، وذاكرة ناعمة بين المستعمِر والمستعمَر، تشهد أن الاحتلال الفرنسي سعى لصناعة جغرافيا مستوطنة ضمن سياسات الأقلمة والأرض المحروقة.

تقوم فكرة احتلال الأرض على انتزاع أي رمز لما يرسخ الهوية الإنسانية والتاريخية للسكان الأصليين، فالاستعمار لا يمكنه التجاوب مع أي ثقافة ممتدة في بعدها الاجتماعي والطبيعي، فهو يرى أن البيئة مجال حيوي للهيمنة على الآخر، شأنها شأن اللغة والدين والأدب والتاريخ.

وهذا ما حصل في الجزائر من تغيير ممنهج للبيئة زمن الاحتلال الفرنسي، وما يحدث الآن في فلسطين المحتلة، حيث تسعى إسرائيل إلى فرض سياسات بيئية لتهجير الفلسطينيين وتثبيت حضورها الاستعماري هناك. فمنذ عام 1965 سعى الاحتلال الصهيوني إلى فرض سياسات الأقلمة عبر مجموعة من القوانين التخطيطية المنظمة لعملية الاستزراع.

إن جوهر الاستعمار لا يعترف بأي هوية للأرض، إذ تقوم سياساته على إعادة التشكيل والهيمنة، حتى على مستوى الطبيعة نفسها، إذ يمكن فهم حضور الفيكوس في الذاكرة الحضرية الاستعمارية بوصفه ملمحا بصريا ارتبط بتاريخ إعادة إنتاج المكان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق