بيني وبينك ..
في مَدِيح القِراءة
د. أيمن العتوم
أوّلُ كلمةٍ في أَقْدسِ كتابٍ على آخِر نبيّ. ما من دينٍ من قبلُ افتتح بها وابتدأ. بها انكتَب التّاريخ، وبها ثبتَ في النّفس اليقين، وبها انتصرتِ الأُمم، وارتفعَ شأنُ الدُّول، وفي حروفها تلخّصتِ الحضارة، وعلى نُورِها استبانت الدّروب، وصَلُحَ أمرُ النّاس، واستقامتِ السّبيل. إنّها كلمة (اقرأ).
مَنْ عَمِل بمقتضاها اهتدَى، ومَنْ تَنَسَّم رُوحَها ارتقَى، ومَنْ تحصَّنَ بها احتمى، ومَنْ أوى إلى ما تُرشِدُ إليه فكأنّما أوى إلى ركنٍ شديد.
استعرضِ التّاريخَ أمامكَ كلّه، فإنّكَ لن تجدَ العُلماء والعُظماء والقادة إلا وهم أهلُها، ولن تجدَ الشّعراء والفُصَحاء والبُلغَاء إلاّ وهم بَنُوها، ولن تجدَ الأنبياء والقدّيسين والصّدّيقين إلاّ نبتٌ طيّبٌ من رِياضِها. اقرأ أيّها الإنسان؛ لأنّه لا يُمكن أنْ تصلَ إلى ما تتوقُ إلاّ بها. اقرأ لأنّكَ لن تعرفَ ما تريدُ إلاّ إذا تمثَّلْتَها؛ بها تتحقّق الغايات، وتُدرك الأمنيات. اقرأ لأنّه إنْ لم تقرأ فإنّكَ آثِم، وإنّ أعظمَ الإثم أنْ يتوجّه إليكَ الحقُّ سبحانه في أوّل أوامره الإلهيّة بها، ثُمّ تضربَ بهذا الأمر عُرضَ الحائط، وتُلقِي به دُبُرَ أُذُنَيك، والله يدعوكَ إليه بهذا الوضوح وهذا الاقتِضاب!
القراءة تُعيدُ إلى الإنسانِ إنسانيّتَه، إنّ المُتوحّشين والطُّغاة والجبابرة وأهل الفُجُور منها على أمرَين: إمّا أنّهم لم يقرؤوا، وإمّا قرؤوا دونَ فَهْمِ المُرادِ مِمّا به أُمِروا، إنّهم قرؤوا على عمًى من الشّيطان لا على هُدًى من الرّحمن، فإنّ الله وهو أصدقُ القائلين، قال مِنْ بعَدِها دونَ فاصلٍ: (اقرأ باسم ربّك). ثُمّ أتبعَها (الّذي خَلَق)، فباسمه، أي: بِهُداه. والّذي خلق؛ أي: بتفكّر في ملكوته «أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ» ؛ وتلك كانتْ قراءةَ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الغار، وهو بعيدٌ عن ضوضاء النّاس، وضجيج الأنام، وصَفْقِ الأسواق. القراءةُ حياة، وإنّ الحياةَ خارجَها مَوْت، فلا يغرّنّك مَنْ تأوّل في الأمر وتَفَكَّه، فإنّ مَنْ تراهم يمشون ويأكلون وينامون ليسوا أحياءً بالمعنى الحقيقيّ للحياة ما لم يكونوا قارئِين.
اقرأ أيّها البَشَريّ المُكوّن من أخطاء وآثام واجتِراحات وعواطف، فإنّ القراءة هي الّتي تُقلّصُ تلك الأخطاء إلى أدنى حدّ بحسب مساحة القراءة الواعية. وإنّها الّتي تَقُودُكَ إلى التّجافي عن الآثام؛ فإنّ مَنْ عَلِمَ لا يستوي معَ مَنْ لا يعلم. وإنّها الّتي تجعلك لا تجترحُ إلاّ ما كان خيرًا، فتأتي الحَسَنَ وتتركُ القبيح. وإنّها تَزِنَ عواطفك بميزانٍ لا يطغَى فيه قلبُكَ على عقلِكَ فيُورِدُكَ المهالك.
اقرأ؛ فلستَ من حجرٍ، ولا كُوّنْتَ من جَهْل، ولا أنَت كائنٌ يريدُ عُبورَ قنطرة الحياة دون أنْ يعرفَ سِرّها أو بعضَه، ولا حَيٌّ يعيشُ دون أنْ يُدركَ كُنه حياته، ولولا القراءة لَكُنْتَ هَمَلاً:
قد رَشَّحُوكَ لأمرٍ لو فِطْنَتَ له
فارْبأ بنفسَكَ أنْ ترعَى مَعَ الهَمَلِ
د. أيمن العتوم
AymanOtoom@

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق