الباشوات الصغار

عندما كان زعيماً للمعارضة وصف مستشار ألمانيا الحالي فريدريش ميرز تلامذة المدارس من أصول مسلمة بالباشوات الصغار.
الصحافة الألمانية لا تتوقّف عن شيطنة أولئك التلاميذ، بل تحمّلهم كلّ المشكلة الألمانية، وهذا ليس من قُبيل المبالغة. فقبل أيّام نشرت سلطة العاصمة برلين ما قالت إنّها نتائج دراسة علمية منهجية هدفت لاستطلاع منسوب الراديكالية في المدارس. وقد طرحت الدراسة على المجموعات المسلمة هذا السؤال: أيّهما أهم بالنسبة لك، قواعد الإسلام أم قواعد المدرسة. قال 41% فقط من التلاميذ المسلمين إنّهم يعتقدون أنّ قواعد الإسلام أهم بالنسبة لهم من قواعد المدرسة.
طُرح على التلاميذ اليهود هذا السؤال: هل تتعرّض للعنف بسبب دينك؟ أجاب 34% منهم بنعم. في سياق لفظي مُحترف تَركت الدراسة انطباعاً يقول "نعم، من قبل التلاميذ المسلمين".
لو طُرح على التلاميذ اليهود سؤال الدين فمن المؤكّد غالباً أنّهم كانوا سيجيبون قائلين "تعاليم ديننا أهم". كان التلاميذ المسيحيون أيضاً سيردون بالطريقة نفسها. بحسب دارسة حديثة لـمركز بيو للأبحاث (Pew Research Center)، تعود إلى العام 2020، قال 63% من طلبة المدارس بين 15 - 17 عاماً إنّهم يعرّفون أنفسهم بوصفهم مسيحيين، بينما قال 50% منهم [المسيحيون] إنّهم يواظبون على حضور الصلوات، القداس، وطقوس دينية أخرى.
للإعلام لغته الشعبوية العالية، وهناك موضوعان مركزيان تُدفن خلفهما الحقائق: معاداة السامية المستوردة، والمهاجرون
الصحيفة السويسرية الكبيرة "Neue Zürcher Zeitung/ NZZ"، الناطقة بالألمانية، لخّصت الدراسة تحت عنوان تحريضي "تعاني المدارس الألمانية من مشكلة مع المسلمين المُتشدّدين. الدولة عاجزة عن تطبيق قوانينها". ووضعت للمقالة صورة تلميذة مُحجّبة تمسك بآيباد. ليس من قبيل الصدفة أنّ كاتب المقالة هو الصحافي الألماني - اليهودي ناثان غيفيرتسيف (Nathan Giwerzew)، من مواليد 1998، يقدّم نفسه بوصفه مُتخصّصاً في شؤون التطرّف. هو، بشكل مطلق، محرّض ضدّ الوجود الإسلامي في أوروبا، ويعمل مع جوقة إعلامية واسعة على قرع طبول الحرب الثقافية ضدّ المسلمين. هنا ينهي مقالته على هذا النحو "لقلب نظام المدرسة رأساً على عقب، يكفي وجود أقلية متمرّدة بوقاحة، شريطة أن تتجنّب غالبية الطلاب وأولياء الأمور والمعلمين مواجهتهم".
الأصوات الليبرالية اليهودية في أوروبا توسّعت، في الأعوام الماضية، في شيطنة الوجود الإسلامي والتحريض عليه، وتمثّل صحيفة التيلغراف البريطانية رأس الحربة. شهدنا دراسات وهمية تحرّض المجتمعات على المسلمين، مثل تلك التي تقول إنّ 70% من اليهود الألمان يشعرون بالخوف. فحص بيانات الدراسة يفضحها، فقد سُئل حوالي 2000 شخص عمّا إذا كانوا يشعرون بالقلق أكثر من قبل، قال ثلثا المجموعة نعم، وهو قلق تشاركهم فيه البشرية كلّها! تُحال هذه النسبة، داخل ألعاب لغوية مُحترفة، إلى خانة معاداة السامية المستوردة، أي المجتمع المسلم المهاجر. تنشر وزارة الداخلية الألمانية تقريرها السنوي هناك، وخانة اسمها PMK، أي الجرائم المحرّضَة سياسياً، ويُعنى بها الاعتداءات التي طاولت الأفراد أو المؤسسات/ الممتلكات لأسباب إيديولوجية. تأخذ خانة معاداة السامية كلّ الاهتمام، وتُهمل خانة الإسلاموفوبيا إعلامياً، رغم ثقلها. في خانة معاداة السامية يسيطر اليمين الألماني، وأقصى اليسار، على ما يزيد عن 90% من حوادث الاعتداء على الأصول اليهودية. للإعلام لغته الشعبوية العالية، وهناك موضوعان مركزيان تُدفن خلفهما الحقائق: معاداة السامية المستوردة، والمهاجرون. اليمين الشعبوي ضدّ المسلمين وينادي بحماية الوجود اليهودي في ألمانيا. يفعل ذلك لا حبّاً باليهود، كما تقول الكاتبة اليهودية الألمانية ديبورا فيلدمان، بل ليصرف النظر عنه، وليقدّم نفسه باعتباره جماعة ليبرالية تنتمي إلى الوسط. تتجه الأصابع إلى المسلمين، عليهم أن يحملوا كلّ أوزار المجتمع الألماني، بما في ذلك تعثّر اقتصادها، وهذه ليست طرفة.
التحريض عمل خطر لا يمكن التحكّم بعواقبه
لم يعد المسلم يوضع في واحدة من خانات الـB الثلاث، كما رصد الباحث جاك شاهين في عمله الصادر في مطلع الألفية: Bomber / Billionare/ Belly dancer. أو: التفجيري، الملياردير الأحمق، الشهواني. الحجاب صار هو الإسلام الراديكالي، الخطر، عدو النظام والمؤسسة، والتهديد الوجودي للحضارة. صار هو "القنبلة، الشهواني، الثراء الأحمق". قبل أيام نشرت وسيلة إعلام نشطة Visegard24 خبراً يقول "نمو سريع للإسلام في إسبانيا". وضعت العنوان فوق صورة امرأة منقّبة. وكتبت رئيسة تحرير صحيفة بيلد افتتاحية نارية تقول فيها إنّ الإرهابيين الذين تسألون عنهم موجودون في شوارعكم، انظروا إلى المحجّبات وسترونهم.
الباشوات الصغار هم تلاميذ لأسر مسلمة تعمل وتكد في تلك البلدان، وتملك هُويّتها الخاصة.
وهم، كما يقول تقرير ألماني رسمي يبلغ حجمه 400 صفحة، يعيشون في أجواء غير مسبوقة من الإسلاموفوبيا، من الخوف والوجل والاستبعاد. التحريض عليهم هو نشاط مربح سياسياً، في الأجواء الإرهابية للشعوبيات وخطاب الهوية. التحريض عمل خطر لا يمكن التحكّم بعواقبه. فقد حذر إميل زولا في "دفاعاً عن اليهود"، في ثمانينيات القرن التاسع عشر، من كارثة وشيكة بسبب التحريض اليومي ضدّ اليهود، ووافقه التاريخ في ثلاثينيات القرن العشرين عندما ارتفع دخان المحرقة في وضح النهار وغطى سماء أوروبا وكساها بالعار.
