الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

مذكرات طبيب نفسي..

قراءة في كتاب مذكرات طبيب نفسي.. 


الكاتب: إرفين د. يالوم

أستاذ الطبّ النفسي في جامعة ستانفورد بالولايات المتحدة الذي كرّس ستين عاماً من حياته في تدريس الطب النفسي، والعلاج النفسي، وعالج عدداً لا يحصى من المرضى الذين فجعوا بفقدان أشخاص عزيزين عليهم، لكن الخوف بدأ يتملكه من أن يعيش حياة “بالغ مستقل” لأول مرة في حياته، بعد فقدان زوجته.

 تم ترجمة كتابه "مذكرات طبيب نفسي" للعربية بقلم عمر العوضي وصدر عن دار عصير الكتب للترجمة والنشر والتوزيع. 

نبذة عن الكتاب

يُقدّم الكاتب والمعالج النفسي الأكثر مبيعاً، إيرفين د. يالوم، مذكراته "الصريحة والمليئة بالرؤى الثاقبة -أبراهام فيرجيز-".

بعد أن أقام إرڤن د. يالوم مساره المهني على استكشاف حياة الآخرين، يتوجه في هذه المذكرات القوية بكتابته ونظرته العلاجية إلى نفسه. 

يستفتح قصته بحكاية كابوس راوده: يقود إرڤن في الثانية عشرة من عمره دراجته أمام منزل فتاة يغطي حَب الشباب وجهها. وكعادته كل صباح، صاح بها معيرًا على أمل أن تنشأ بينهما صداقة: "مرحبًا أيتها المحصوبة!" لكن في الحلم يظهر والد هذه الفتاة ويجعل يالوم يفهم أن تحياته اليومية تؤذيها. في نظر يالوم، كان هذا إيذانًا بمولد التعاطف، فلن ينسى الدرس بعدها.


ومع مجريات الكتاب، نرى مولد المفكر المتبصر الذي أضاء الطريق للكثيرين. هذه ليست قصة حياة رجل بسيط، فتأمُّلات يالوم لحياته وتطوره دعوة لنا للتأمل في أصول صفاتنا النفسية ومعاني حيواتنا


قراءة معاذ مدهش
مذكرات طبيب نفسي.. 
كيف واجه إرفين يالوم الشيخوخة والذنب ومعنى الحياة؟


  • قراءة  في مذكرات طبيب نفسي 
  • ماذا يبقى من الإنسان حين ينظر خلفه ويرى الطريق الذي قطعه؟

من الخارج قد تبدو "مذكرات طبيب نفسي" للكاتب إرفين يالوم سيرة ذاتية، بوصفها سجلا زمنيا لحياته، ولا سيما أن يالوم وسيرته حافلان، ككاتب وطبيب في آن، بما يمنحانه هذه العدة. غير أن ما نجده في الكتاب لا يعدو كونه امتدادا لأسلوب يالوم، المتجسد في محاولة فهم الإنسان الذي أصبح عليه.

لذلك لا يبدو الكتاب مهتما بتعداد الإنجازات بقدر اهتمامه بتتبع التحولات الداخلية التي صنعت طبيبا نفسيا ظل، رغم خبرته الطويلة، يعترف بأن أكثر ما تعلمه جاء من مرضاه لا من كتبه. هذه الصراحة المكاشفة تمنح السيرة صدقيتها، وفي الوقت ذاته تكشف حدودها؛ إذ يجنح يالوم أحيانا إلى تفسير حياته بمنطق الطبيب، فيغدو التحليل النفسي حاضرا حتى في أكثر الذكريات حميمية.

فالإنسان الذي أمضى حياته محاولا الوصول إلى طبقات خفية في نفوس مرضاه، كان عليه هذه المرة أن يفتح الأبواب المغلقة في داخله، وهذا ما ذهب إليه في كثير من كتبه، غير أن مذكراته منحته مساحة أوسع للتوغل. نجد هذا في أول قصة من الكتاب، "مولد التعاطف"، بعودة الطبيب إلى طفولته بحثا عن الإنسان الذي كان.

في الثالثة صباحا، وفي الخامسة والثمانين من عمره، يستيقظ إرفين يالوم على بكاء لم يعرف مصدره في البداية. لم يكن فقدا قريبا، ولا خبرا سيئا، ولا خوفا من مرض ما، بل كان حلما أعاده سنوات طويلة إلى الوراء، إلى طفل يقود دراجته في أحد شوارع طفولته، ويطلق كلمة ساخرة على فتاة صغيرة تدعى "أليس"، مصابة بمرض جلدي.

من هذه القصة بدأت مذكرات إرفين يالوم، بمعزل عن مكانته وشهاداته ومناصبه. جاءت من لحظة ضعف إنسانية، وهذه بداية مواربة لطبيعة الكتاب

في ذلك الحلم لا نرى يالوم الطبيب النفسي الشهير، صاحب الكتب التي قرأها الملايين، ولا الأستاذ الجامعي الذي أمضى نصف قرن وهو يستمع إلى اعترافات الآخرين، بل نرى طفلا في العاشرة أو الحادية عشرة من عمره يقف أمام سؤال لم يستطع الإجابة عنه حينها: ماذا يحدث للإنسان الذي نؤذيه بكلماتنا؟

إعلان

الغريب أن السؤال لم يأت من مريض في عيادته، أو من كتاب في علم النفس، بل جاءه من داخل ذاكرته نفسها. ظهر والد أليس في الحلم، وأوقف دراجته، ثم أجبره على مواجهة شيء ما لم يكن قادرا على رؤيته آنذاك، وهو أن السخرية التي كان يظنها محاولة لجذب الانتباه قد تكون جرحا حقيقيا في قلب شخص آخر.

بعد سبعة عقود تقريبا، يكتشف يالوم أثر المشاعر، وإن كبتت، وكيف تظهر بعد أن يطويها النسيان. فالذنب الذي بدا صغيرا ومنسيا في طفولته بقي في مكان ما داخله، فجاء الحلم ليعيده إلى السطح، في لحظة مواجهة بين طفل لم يفهم أثر أفعاله، ورجل عجوز أمضى حياته كلها في محاولة فهم الإنسان.

من هذه القصة بدأت مذكرات إرفين يالوم، بمعزل عن مكانته وشهاداته ومناصبه. جاءت من لحظة ضعف إنسانية، وهذه بداية مواربة لطبيعة الكتاب، لا باعتباره تقديما لصورة الطبيب الناجح، بقدر ما هي محاولة لفهم الإنسان المختبئ خلف هذه الصورة.

تضم المذكرات أربعين فصلا، تتقاطع فيها محطات حياة يالوم الفكرية والإنسانية، من طفولته ونشأته، وصولا إلى مارلين التي ستصبح شريكة حياته، مرورا بسنوات الدراسة والتكوين المهني وتجارب العلاج النفسي الفردي والجماعي. كما تستعيد الفصول رحلاته وإقاماته في لندن وفيينا والهند واليابان، وتأملاته في الفلسفة الوجودية والموت والحرية، وصولا إلى الظروف التي صاحبته في كتابة أشهر أعماله: "عندما بكى نيتشه"، و"أمي ومعنى الحياة"، و"هبة العلاج النفسي"، و"عامان مع شوبنهاور"، و"التحديق في الشمس".

تكمن قوة هذا الفصل في أنه لا يروي تحولا في الأب، بل تحولا في نظرة الابن إليه. فالوقائع لم تتغير، وإنما تغيرت المسافة التي ينظر منها إليها

  • لماذا يهم هذا الكتاب اليوم؟

لطالما نظر إلى الطب النفسي، أو كما يسوق له، بوصفه حلا سحريا. غير أن يالوم، في مذكراته، يقول ضمنيا، على العكس من ذلك، إن العلاج مساحة للمحاولة، لا ضمان بنسبة مئوية. ويعزز أن العلاج النفسي ليس بطولة أخلاقية، ولا علما دقيقا كما نحب أن نصدق، بل هو علاقة إنسانية هشة، مليئة بالأخطاء والشك والندم أحيانا.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار شجاعة الكتاب. فقليل من الأطباء يعترفون بأنهم أخطؤوا في التشخيص، أو تأثروا عاطفيا، أو أساؤوا الفهم، أو فقدوا الأمل مؤقتا. وهذا الصدق، الذي يفتقر إليه المجال اليوم، يجعل الكتاب إنسانيا أكثر من كونه تعليميا، أو شهادة على هشاشة المهنة نفسها.

في أحد فصول الكتاب يعود يالوم إلى والده، لا بدافع الحنين، بقدر ما هو بدافع المراجعة. فالشيخوخة، كما يوحي منذ البداية باقتباسه من ديكنز، لا تدفع الإنسان إلى استعادة الماضي فحسب، وإنما إلى إعادة النظر فيه. وكلما اقترب من نهاية حياته، وجد نفسه يعود إلى البدايات، لا ليؤكد ما كان يعتقده، بل ليشكك فيه.

لا يستند يالوم هذه المرة إلى ذاكرته وحدها؛ لأنها لم تعد كافية. فرسائل زملاء الطفولة ومكالماتهم تصبح شهودا على حياة عاشها ونسي كثيرا من تفاصيلها. ومن خلال شهاداتهم يكتشف صورة أخرى لنفسه؛ فالصبي الذي ظن أنه كان خجولا وغير مرئي، كان في نظر الآخرين مختلفا تماما. لكن الاكتشاف الأعمق لا يتعلق بنفسه، بل بوالده.

إعلان

طوال سنوات طويلة حمل يالوم في داخله صورة الأب الصامت، المتردد، الذي لم يدافع عنه كما كان يتمنى. غير أن استدعاء الماضي يضع هذه الصورة تحت اختبار جديد؛ فالرجل الذي بدا له ضعيفا في طفولته يظهر الآن مهاجرا اقتلعته الحرب من بلده، وفقد أفرادا من عائلته في المحرقة، ثم أمضى حياته يعمل ساعات طويلة في متجر صغير ليمنح أبناءه فرصة لحياة أكثر استقرارا. لا يحاول يالوم تبرئة والده أو تجميله، لكنه يكتشف أن أحكام الابن لم تكن تتسع لحياة الأب كلها.

تكمن قوة هذا الفصل في أنه لا يروي تحولا في الأب، بل تحولا في نظرة الابن إليه. فالوقائع لم تتغير، وإنما تغيرت المسافة التي ينظر منها إليها. وما كان يبدو في الماضي تقصيرا أصبح في الشيخوخة قابلا للفهم، وربما للمغفرة أيضا. ولهذا تأتي الجملة التي يخاطب بها والديه من أكثر لحظات الكتاب صدقا: "أعلم ما مررتما به.. أرجوكما سامحاني لأنني شعرت بالعار منكما".

يالوم هنا لا يستدر التعاطف، بقدر ما يصرح باعتراف متأخر بأن النضج يجعلنا نعرف آباءنا أكثر، ويجعلنا ندرك كم كنا نجهلهم.

لا ينتهي الفصل عند الخسارة. ففي واحدة من أجمل لحظات الكتاب، يستعيد يالوم فكرته عن "التموج"، تلك الدوائر التي يتركها الإنسان في حياة الآخرين دون أن يدركها

يصل يالوم في الفصل الأخير إلى أكثر لحظات الكتاب هدوءا وصدقا. فمنذ الصفحة الأولى كان يكتب وهو يقترب من الشيخوخة، أما هنا فهو يكتب من داخلها. لذلك لا يتعامل مع التقدم في العمر بوصفه فكرة فلسفية أو موضوعا علاجيا، وإنما بوصفه تجربة يومية تبدأ بنسيان المفاتيح، وتتسع إلى الخوف من أن يخونه عقله أمام مرضاه، وتنتهي بالسؤال الذي يطارده: متى يحين وقت التوقف؟

يحمل عنوان الفصل، "عجوز مبتدئ"، مفارقة لافتة؛ فالرجل الذي أمضى أكثر من نصف قرن يعالج الناس، ويكتب، ويدرس، يكتشف أنه ما زال مبتدئا في شيء واحد: الشيخوخة. لا توجد خبرة سابقة تؤهل الإنسان لها، ولا تنفع فيها المعرفة النظرية. ولهذا يعترف يالوم، بقدر كبير من التواضع، بأن كل ما قاله لمرضاه عن التقدم في العمر لم يمنعه من الشعور بالألم حين أصبح يعيش التجربة بنفسه.

أكثر ما يميز هذا الفصل أن يالوم يرفض بطولة الشيخوخة؛ فهو لا يقدم صورة الحكيم الذي تقبل الزمن بابتسامة، بل يعترف بخوفه من ضعف الذاكرة، ومن أن يكرر قصة أمام الجمهور كما فعل معلمه رولو ماي، أو أن يصبح يوما غير قادر على متابعة مرضاه. وحتى حين يتحدث عن التقاعد، لا يبدو النقاش متعلقا بالعمل وحده، بل بالهوية نفسها. فبالنسبة إليه لم يكن العلاج النفسي مجرد مهنة، وإنما الطريقة التي عاش بها حياته. لذلك يبدو سؤال التقاعد سؤالا عن معنى الوجود بعد أن تتوقف المهنة التي شكلت الإنسان.

ومع ذلك، لا ينتهي الفصل عند الخسارة. ففي واحدة من أجمل لحظات الكتاب، يستعيد يالوم فكرته عن "التموج"، تلك الدوائر التي يتركها الإنسان في حياة الآخرين دون أن يدركها. إذ تصبح مقاومة الموت مغايرة، لا في إنكار نهايته، وإنما في الإيمان بأن أثره سيستمر في مرضاه وطلابه وكتبه وأبنائه. إنها رؤية صريحة لا تعد بالخلود، بقدر ما تسعى إلى منح الحياة معنى يتجاوز صاحبها.

وينهي يالوم مذكراته من دون انتصار كبير أو خاتمة درامية. كل ما يفعله أنه ينظر إلى حياته، بما فيها من نجاح وإخفاق وخسارة، ثم يستعير عبارة نيتشه على لسان زرادشت: "أهذه هي الحياة؟ حسنا.. أعطوني واحدة أخرى". وهي خاتمة تلخص روح الكتاب؛ فيالوم، الذي أمضى عمره يواجه الموت، لم يتغلب عليه، ورغم ذلك تعلم أن ينظر إلى الحياة، حتى في نهايتها، بامتنان أكثر من الخوف.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق