الحصاد المرّ لوصاية ترامب على غزّة
انتهت بهرجة التسويق الدعائي لسلام دونالد ترامب وتكشّفت الحقائق، وأوّلها أنّ ما أُطلق عليه "مجلس السلام المكلّف بحكم غزّة" ليس إلا ذراعاً أمنيةً صهيونيةً، تأتمر بما يقرّره بنيامين نتنياهو وتعمل على تنفيذه، كما أنّ كلّ ما وعدوا به الجانب الفلسطيني تبخّر وبان أنّه لم يكن سوى فخّ نصبته الإدارة الصهيونية في البيت الأبيض، كما أنّ القصّة كلّها، منذ قرّر العرب إرجاع الأمر كلّه إلى الرئيس الأميركي، كانت تدور حول هدفَين لا ثالث لهما، وقد تحقّقا.
الأول: حصول الكيان الصهيوني من طريق السلام الكاذب على ما تبقّى من أسرى له لدى المقاومة الفلسطينية، الأحياء منهم والأموات.
الهدف الثاني، والأكبر والأهم، إعلان فصائل المقاومة تسليم الأسلحة أو تخزينها أو تعطيلها، كما يفضّل المخدوعون توصيف الموقف، وهو ما حدث بالفعل قبل ثلاثة أيّام في لحظة تسيطر فيها قوات الاحتلال الصهيوني على نحو 70% من أرض غزّة.
تلك هي الحقائق على الأرض، وتلك هي نتائج النضال العربي الرسمي من أجل تسليم غزّة إلى الرئيس الأميركي ليتصرّف فيها تصرّف المالك والحاكم، وهي الحقائق المؤسفة التي لا يكفي للتقليل من قتامتها بيان مائع وفضفاض صادر عن الوسطاء الضامنين للاتفاق الذي منح إسرائيل كلّ شيء، ولم يعطِ الفلسطينيين شيئاً واحداً، حتّى إن كان في سطور البيان أنين غضب وشعور بالإحباط مع عودة المذابح الصهيونية إلى معدّلاتها وقت العدوان الإسرائيلي المدعوم أميركياً على الشعب الفلسطيني.
من المهم، بل من الواجب، أن يراجع الوسطاء نصوص ما وافقوا عليه وفوّضوا به دونالد ترامب لكي يتولّى الأمر كلّه، ليتبيّنوا ماذا فعلت الوساطة بوصفها جزءاً من الإدارة الأميركية للملفّ الفلسطيني، ويسألوا أنفسهم:
هل لا يملك العرب والمسلمون شيئاً ليقدّموه للقضية الفلسطينية سوى تنفيذ مخطّطات ترامب وخرائط طريقه المفروشة بالانحياز المتعصّب للكيان الصهيوني؟
هل يكفي بيان للتنديد تعبيراً عن الإحباط من عدم التزام الاحتلال الإسرائيلي بنود خطّة سلام ترامب وعودة عمليات القتل والاغتيالات لأهل غزّة؟...
مؤسف أنّ لغة البيان ومضمونه لا يختلفان كثيراً عن بيانات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، إذ لا شيء سوى الأسى والتنديد ومناشدة من يهمّه الأمر التدخّل لوقف انتهاكات إسرائيل، بينما كان مُصدِّرو البيان هم العنصر الضامن والفاعل والضاغط الذي أقنع الطرف الفلسطيني بتجرّع سموم خطط ترامب، التي تعاطى معها الوسطاء كأنّها نصوص قانونية مقدّسة، إن في شرم الشيخ، أو قبل ذلك فيما عرف باسم "المؤتمر الدولي رفيع المستوى للتسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتنفيذ حلّ الدولتَين" (نيويورك، 22 سبتمبر/أيلول 2025).
من الواجب العودة إلى النصوص والتمعّن فيها من أجل تقييم حقيقي للمسار البائس، من أوّله إلى لحظته الراهنة، وهو المسار الذي بدأ بمساواة الشقيق بالعدو وفق رؤية ترامب:
"نحن الموقّعون أدناه، نُدرك أنّ السلام الدائم هو السلام الذي ينعم فيه الفلسطينيون والإسرائيليون بالازدهار، مع حماية حقوقهم الإنسانية الأساسية، وضمان أمنهم، وصون كرامتهم".
هذا اقتباس ممّا سمّي "إعلان ترامب من أجل السلام والازدهار الدائم"، الصادر عمّا تسمّى "قمّة شرم الشيخ للسلام" التي انعقدت في 13 أكتوبر/تشرين الأوّل 2025، ونتجت عنها ما سمّيت "خطّة السلام الشاملة" أو "خريطة الطريق"، متضمّنةً عشرين بنداً شكّلت وقتها إعلاناً لوقف القتال في غزّة والدخول فوراً إلى السلام الأميركي.
أمّا الموقّعون على إعلان ازدهار ترامب فهم:
دونالد ج. ترامب – رئيس الولايات المتحدة الأميركية، عبد الفتاح السيسي – رئيس جمهورية مصر العربية، تميم بن حمد آل ثاني – أمير دولة قطر، رجب طيّب أردوغان – رئيس جمهورية تركيا، بحسب النصّ المنشور.
البند الأول من خريطة طريق ترامب نصّ على أن "تكون غزّة منطقةً خاليةً من التطرّف والإرهاب ولا تشكّل تهديداً لجيرانها"، وغني عن التوضيح أنّ الترجمة الحرفية للتطرّف والإرهاب بحسب قاموس دونالد ترامب وفريقه هي المقاومة للاحتلال، أمّا البندان الثاني والثالث فنصّا على "يُعاد إعمار غزّة لمصلحة سكّانها الذين عانوا كثيراً"، ثمّ ثالثاً "إذا وافق الطرفان على هذا المقترح، تنتهي الحرب فوراً. تنسحب القوات الإسرائيلية إلى الخطّ المتّفق عليه للتحضير لإطلاق سراح الرهائن.
في غضون ذلك، تُعلَّق كلّ العمليات العسكرية، بما في ذلك القصف الجوي والمدفعي، وتبقى خطوط القتال مجمّدةً إلى أن يتم استيفاء الشروط للانسحاب الكامل على مراحل". لنصل إلى بيت القصيد في الموضوع كلّه مع البند الرابع: "في غضون 72 ساعة من قبول إسرائيل العلني بهذا الاتفاق، يتم تسليم جميع الرهائن، أحياءً كانوا أم أمواتاً".
تلك كانت المقدّمات المنطقية لما يعلنه الصهيوني صراحةً ووقاحةً بعد إعلان مرحلة تسليم المقاومة سلاحها، إذ أطلّ الهدف الرئيس الثالث وهو مسألة تهجير أهل غزّة، إذ أُعلن أوّل أمس أنّ "مجلس السلام" الذي أنشأه دونالد ترامب قد وجّه طلباً رسمياً لإسرائيل لإعداد خطة واسعة النطاق لإجلاء فئات محدّدة من سكّان قطاع غزّة، وهو ما يعني تدشيناً فعلياً لمخطّط التهجير الطوعي، بديلاً مهذّباً لجريمة التهجير الجماعي، حيث التزم مجلس السلام بالعمل على إيجاد دولٍ حول العالم تكون مستعدّةً لاستقبال الطلّاب والمرضى وتوفير الترتيبات اللازمة لاستقرارهم في تلك الدول.
هذا هو حصاد ما زرعه العرب بأيديهم منذ أن وقّعوا اتفاقات وإعلانات ترامب التى بُنيت على أنّ الصهيوني الميّت أغلى من الفلسطيني الحيّ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق