الإجابة ليست في غرفة مظلمة، بل في تاريخ الإنترنت ذاته، وفي عقود من التمويل العسكري، وفي صفقات سرية كشفت عنها وثائق سنودن واعترافات رؤساء شركات مثل "أوراكل".
المولد العسكري للإنترنت: لم تكن "هدية مجانية"
قبل أن يصبح الإنترنت تطبيقات وأسهماً في البورصة، كان مشروع "أربانت" الذي مولته وكالة "داربا" (ذراع البحث العسكري في البنتاغون). كان الهدف الوحيد: إنشاء شبكة اتصالات لا تتعطل حتى لو ضربت صواريخ نووية بعض مراكزها. التقنية التي نستخدمها الآن ولدت في مختبرات الحرب الباردة، ولم تولد في مرائب السيليكون فالي.
ما معنى ذلك؟ معناه أن الشيفرة الأساسية التي تشغّل كل تطبيق، وبروتوكولات نقل البيانات، وأنظمة التوجيه، جميعها مملوكة فكرياً للجيش الأمريكي، ولم تُمنح للقطاع الخاص مجاناً، بل بيعت له مقابل صفقة واحدة: الوصول المستمر إلى كل بيانات المستخدمين حول العالم. هذا ليس "نظرية مؤامرة"، بل هو النموذج التشغيلي الموثق في عقود "بريزم" و"إكس كي سكور" وغيرها!!
من "بريزم" إلى "مينتا": العلاقة العضوية بين وادي السيليكون وغرف العمليات
عندما كشف إدوارد سنودن في 2013 عن برنامج "بريزم"، أوضح أن شركات مثل جوجل وفيسبوك ومايكروسوفت وأبل وياهو كانت تزوّد وكالة الأمن القومي ببيانات مستخدميها بشكل منهجي. لم يكن ذلك "انتهاكاً"، بل كان امتثالاً لقوانين فيدرالية تُلزم هذه الشركات، لأنها في الأساس بنية تحتية وطنية للولايات المتحدة.
السؤال الأكثر إزعاجاً: كيف أصبحت هذه البيانات أداة حرب في غزة؟
- مشروع "نيمبوس" (غوغل وأمازون) زوّد الحكومة الإسرائيلية بسحابة رقمية عملاقة، تستخدم الآن لتخزين وتحليل كميات هائلة من بيانات المراقبة والاستهداف.
- مشروع "مينتا" السري بين أوراكل وسلاح الجو الإسرائيلي، وهو المشروع الذي اعترفت رئيستها التنفيذية السابقة "صفرا كاتز" بأنه وفّر تكنولوجيا "مخيفة بشكل عميق" للجيش، ورأت فيه موظفيها بالزي العسكري في غرفة عمليات "الكرياه (مبنى وزارة الدفاع) بتل أبيب، ووصفته بـ"أكثر لحظات حياتها فخراً".
الربط هنا لا يحتاج إلى تأويل: البنية السحابية ذاتها التي تدير تطبيقاتك، وتُخزّن صورك، وتحلل تفضيلاتك، هي ذاتها التي تُستخدم الآن لتحليل خرائط التموضع في غزة، وتحديد أنماط الحركة، وتسريع قرارات القصف. أنت عندما تفتح "جوجل ماب" تُعلّم الخوارزميات كيف تقرأ المدن، وهذا التعليم يُعاد استخدامه عسكرياً!
الفلسطيني يموت مرتين: مرة بالقنبلة، ومرة بالبيانات
الحرب على غزة والإبادة الجماعية المستمرة حتى ساعة كتابة هذه السطور، بالتوافق مع "هندسة التجويع" لم تكن مجرد قنابل، بل كانت معركة خوارزميات. الجيش الإسرائيلي يستخدم أنظمة ذكاء اصطناعي مثل "لافندر" و"غوسبلي" لتوليد أهداف من بين مئات الآلاف من عناوين الهواتف المحمولة، بناءً على أنماط سلوكية رقمية تُجمّع من السحابة. البيانات التي تضعها عن نفسك عن غير قصد تُترجم إلى "اشتباه" قد يتحول إلى نقطة حمراء على شاشة طيار مسيّر.
وهنا تكشف المفارقة العربية الأكثر مرارة: المستخدم العربي هو الذي يُغذي بالنقاط التي تستهدفه! كل بحث، كل تفاعل، كل موقع يتم زيارته، كل صورة تُرفع، تصبح جزءاً من "بصمة رقمية" يُعاد تشغيلها في خوارزميات عدائية. القاتل لا يحتاج إلى جاسوس في الشارع؛ يكفيه أن يحلل بيانات السحابة التي تدفع لها اشتراكاً شهرياً.
من يملك السحابة يملك القرار: درس الصين الذي لم نتعلمه
الصين التي اتهمت بـ"الرقابة" كانت تفعل شيئاً أعمق: كانت تفك الارتباط ببنية تحتية معادية. أنشأت نظامها الملاحي "بي دي إس" بدل "جي بي إس"، وطورت منصاتها السحابية والذكاء الاصطناعي بعيداً عن الهيمنة الأمريكية، ليس لأنها تخاف من التجسس فقط، بل لأنها أدركت أن السيادة الرقمية هي السيادة السياسية.
على النقيض، تفتح الدول العربية اليوم أحضانها لأوراكل وأمازون لبناء "مدن ذكية"، وتسليمها مفاتيح بيانات مواطنيها، بينما توقّع هذه الشركات في الوقت نفسه عقوداً عسكرية مع الكيان الصهيوني. لا يمكن أن تكون "شريكاً مدنياً" في القدس و"شريكاً عسكرياً" في تل أبيب بنفس الوقت، دون أن يكون ضميرك ميتاً، أو دون أن تكون فلسفتك في التنمية هي مجرد استهلاك!
ماذا نفعل؟ بين المقاطعة والبناء
هذه ليست دعوة لكسر الهاتف، فهذا لن يغيّر شيئاً. الدعوة هي:
أولا: وعي مؤسسي: على الحكومات العربية أن تدرك أن استضافة السحابة على أراضيها لا تعني السيادة عليها، السيادة تعني القدرة على تشغيل الأنظمة الحيوية دون الرجوع إلى مزود خارجي.
ثانيا: بدائل عربية مفتوحة المصدر: دعم النظم العربية الناشئة التي تطور بدائل للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، حتى ولو كان حجمها صغيراً، لأن البدايات الصغيرة هي التي تنمو.
ثالثا: ضغط مدني منظم: طرح أسئلة واضحة على الشركات العاملة في المنطقة: هل تبرم عقوداً عسكرية مع إسرائيل؟ هل تسمح باستخدام بنيتها في عمليات استهداف؟ ماذا تفعل لمنع ذلك؟
رابعا: إعادة تعريف العلاقة الشخصية: ليس إلغاء الهاتف، بل تقليل التسريب الطوعي. إيقاف الإشعارات ليس فقط للراحة النفسية، بل تقليل نقاط البيانات التي تمنحها للخوارزميات، ولو استطعت أن تحذف تطبيقات ما يسمى "التواصل الاجتماعي" من هاتفك وإبقائها على جهاز الحاسوب، فهذا أفضل، لأنك بهذا تمنع تدفق المعلومات لمن يرصدك وفي "الوقت الفعلي" ولمن يستعمل حركاتك وسكناتك لتغذية بنك معلوماته!!
الخلاصة: الهاتف ليس بوابتك للعالم.. بل هو سلسلة البنتاغون حول عنقك
عنوان هذا المقال ليس استفزازياً بل وصفياً دقيقاً. البنتاغون هو الذي مول التقنية، ووضع شروطها، وفرض قوانينها، وأعاد توزيعها كامتيازات لشركات خاصة. وهذه الشركات هي التي تبيع الآن البنية ذاتها للعدوان الصهيوني في فلسطين ولبنان وسوريا وإيران، وفي كل مكان. الهاتف الذي تلمسه كل صباح ليس أداة محايدة؛ إنه طرف في شبكة تجنيد إلكتروني.
غزة وفلسطين كلها، لم تتعرض للعدوان بالقنابل وحدها، بل لأن العالم العربي (أيضا) ظل مستهلكاً رقمياً، ولم يتحول يوماً إلى منتج للسيادة الرقمية. لذلك، كل نقرة على الشاشة، كل صورة تحملها، كل موقع تسجله، كل رسالة ترسلها، تتحول في الطرف الآخر إلى ذخيرة. فإما أن نعيد تعريف علاقتنا بهذه الأدوات، وإما أن نظل نُذبح مرتين: مرة بالحديد، ومرة بالسيليكون!
الهاتف الذي في يدك قد لا يطلق الرصاص، لكنه يفتح الباب لمن يطلقونه. تحرير فلسطين يبدأ، اليوم، بتحرير بياناتنا من قبضة من يحاربنا بها!

