الأحد، 2 أغسطس 2026

متى نعود الي القيادة؟

  متى نعود الي القيادة؟

د. عبد الرحمن بشير

داعية ومفكر إسلامي، من جيبوتي


نحتاج في البداية إلى استعادة الوعي، والوعي ليس كمية المعلومات التي نملكها، وليست كذلك كمية الأموال التي نملكها، وليست كذلك المساحات الجغرافية التي نقطنها، وليست في البشر الذين يعيشون في أوطاننا، بل هي في النوعية، أي كيف نفهم؟ وكيف يمكن أن نستفيد من عندنا؟ وكيف نوظف الامكانيات الموجودة لدينا؟

نحتاج إلى قراءة حقيقية وصادقة لعالم الأفكار، فالفكر هو الذي يصنع التاريخ، وليس العكس، ومن هنا نجد ان الناس ينقسمون في فهمهم للتاريخ إلى نوعين:

1- قراءة لما يجرى حولهم من الأحداث، ومنغمسون حتى النخاع في الأحداث، فلديهم تكديس من المعارف، ولكنهم لا يمكن لهم ربط الأحداث بعضها ببعض.

2 – قراءة ما وراء الأحداث من السنن، والأشخاص الذين يملكون الرؤية، ويقرؤون التاريخ بعد أن ملكوا الرؤية، وقراءة الجغرافيا السياسية.

لدينا مستويات ثلاثة لفهم التاريخ، وذلك قبل صناعة التاريخ، وهي:

1- السير في الأرض بدون توقف، والقراءة الحقيقية لما جرى، وكيف جرى؟ وما هي الأسباب التي كانت وراء النهوض؟ ووراء السقوط؟

2- نحن لا يمكن أن نفهم التاريخ بدون إحاطة للسياقات، فالتاريخ هو عمل البشر في الجغرافيا، والجغرافيا هو عمل الرب تبارك وتعالي، ولكن الجغرافيا السياسية للدول خليط بين عمل البشر وعمل الرحمن، فالناس هم الذين صنعوا الجغرافيا السياسية، ولكن الذي خلق الجغرافيا هو الله.

3- الاستنباط، وفهم السنن الحاكمة، وهذا من قام به ابن خلدون رحمه الله، وكذلك المفكر مالك بن نبي رحمه الله، وحاول بعد ذلك فهمها المفكر السوري الكواكبي رحمه الله، وما زال يحاول المفكر العراقي القدير عماد الدين خليل، فلا يمكن ان نتحرك في التاريخ بدون فهم للتاريخ.

هناك ركائز خمسة في إمكانية عودتنا للتاريخ:

أولا: العودة إلى مركزية الوحي بفهم وعمل.

ثانيا: الانطلاق من قوة التاريخ لصناعة المستقبل، فمن لا جذور له لا مستقبل له.

ثالثا: بناء الفكر، والانطلاق من التوحيد كقوة فكرية تحررية، فالتوحيد الإسلامي عقيدة تحررية، فلا قداسة للأشخاص، ولا مكانة للخرافات، ولا مجد للطغاة.

رابعا : ربط العلوم بالمصدر، والاستفادة من الطاقات العلمية، وبدء الحركة التاريخية من حيث بدأ الوحي (العلم، والوعي، وصناعة القوة)

خامسا : صناعة العلاقة الصحية بين القيادة الواعية، والقاعدة الشعبية الصادقة، فلا يمكن أن تنجح نهضة بدون قيادة، ولا يمكن أن تنجح قيادة بدون تنظيم للطاقات، ولا يمكن تنظيم الطاقات بدون نظام سياسي صارم وقوي، ولا يمكن نجاح هذا النظام بدون طاعة للقيادة، وكذلك فلا نجاح لكل ذلك بوجود نظام فرعوني فوقي يتجاوز الشورى.

لدينا مشكلتان، إحداهما هي الفوضى التي تدمر السلم الأهلي، والثانية هي الاستبداد الذى يدمر الطاقات، فالغزالي رحمه الله تحدث عن الطاقات المعطلة، ومن أهم الطاقات المعطلة (الطاقات الفكرية) والتي يمكن من خلالها صناعة المستقبل.

لا يمكن أن نعود إلى التاريخ بالكلام الشعري المنمق، ولا بالشعارات المزخرفة، ولا بالخطابات الحماسيّة، ولا بالعمل غير المنظم، بل يمكن ان نعود إلى التاريخ بالوعي، والعمل، ومن الناس من يخلط بين الماضي والتاريخ، فالماضي جزء من التاريخ، ولكن التاريخ اوسع من الماضي، فالتاريخ ما بقي من الماضي، وما هو معاش الآن، وما نريد صناعته في المستقبل، كل ذلك هو التاريخ، ومن ترك التاريخ فلا يمكن له فهم التاريخ، ومن لا يتمكن فهم التاريخ لا يمكن له فهم واقعه الذي تشكل من التاريخ، ومن لا يفهم هذا الوقع لا يمكن له فهم وصناعة المستقبل.

أحييكم من ولاية ميشاغن في أمريكا،

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق