الاثنين، 3 أغسطس 2026

كيف هزم «3000» أرنب نابليون؟

 كيف هزم «3000» أرنب نابليون؟

حمد حسن التميمي



ثلاثة آلاف أرنب كانت كافية لجعل الرجل الذي أعاد رسم خريطة أوروبا يهرب إلى عربته. 

تروي الرواية الأشهر أن نابليون بونابرت خرج في رحلة صيد أعدها رئيس أركانه لويس بارتييه، بعدما جمع آلاف الأرانب ووزعها في أقفاص مصفوفة على أطراف حقل واسع. كان المشهد معداً بعناية تليق بإمبراطور:رجال ينتظرون الإشارة، وبنادق جاهزة، وطرائد يفترض أن تنطلق مذعورة أمام القائد الذي ارتجفت منه القارة. لكن ما إن فُتحت الأقفاص حتى وقع ما لم يدخل في حساب أحد؛ فلم تهرب الأرانب، بل استدارت بكتلة واحدة واندفعت نحو نابليون ورجاله. ضحك الحاضرون أولاً ظناً أن المشهد مجرد طرفة عابرة. لكن الضحك سرعان ما تلاشى حين التف القطيع حول أقدام الإمبراطور وامتد على عربته، ليفر القائد الذي طارد جيوش أوروبا سنوات أمام مخلوقات لا يزن الواحد منها إلا بضعة كيلوغرامات.


لم تكن الأرانب ثائرة، بل كان الخطأ أبسط وأكثر إحراجاً: فالضابط المكلف لم يشتر أرانب برية، بل اشترى أرانب أليفة اعتادت رؤية الإنسان قادماً إليها بالطعام. تصرفت الأرانب وفق تاريخها، بينما بنى نابليون المشهد وفق توقعاته. وتصلح هذه المفارقة مدخلاً إلى ما سمته عالمة النفس إلين لانغر عام 1975 بوهم السيطرة؛ وهو المبالغة في تقدير قدرتنا على التحكم بالنتائج لمجرد أننا رتبنا المشهد بنفسنا. 

فنحن لا نحتاج السيطرة فعلاً كي نشعر بها؛ يكفينا أن نضع أيدينا على المقود، حتى لو كان الطريق يفرض اتجاهه بعيداً عن رغبتنا. 

غير أن ما يزعج هذه الفكرة من الداخل هو سؤال لا مهرب منه: 

إذا كان نابليون قد أعد الأقفاص والحقل واللحظة ثم سقط أمام تفصيل لم يفهمه، فكم هزيمة نعدها نحن بأيدينا بينما نظن أننا نبني انتصارنا؟

المشكلة لم تكن في تعثر الصيد، بل في أن نابليون أراد مشهداً لا يسمح بالإخفاق أصلاً. 

استدعى الطبيعة إلى مسرحه، ووضعها في أقفاص، وحدد لها اتجاه الركض. أراد انتصاراً مضموناً بلا خصم. وهذا ما نفعله حين نحيط أنفسنا ببيئة أليفة؛ نختار من لا يعارضنا، ونراكم القناعات التي تؤكد رأينا، ثم نتوهم أن هدوء المشهد دليل على قوتنا، بينما نحن لم نسيطر على الواقع، بل استبعدنا منه كل ما قد يكشف ضعفنا.


نحن لا نعيش داخل العالم كما هو، بل داخل نسخة أليفة صنعناها منه. نرتب خططنا لسنوات، ونغلق الأبواب، ثم يأتي تغيير في الخوارزمية، أو مرض صغير، أو إنسان يرفض الدور الذي كتبناه له، فتندفع الأرانب من أقفاصها. 

فالأدوات التي نتخيل أننا نملكها لها دوافعها المستقلة: فالموظف المضمون يملك طموحه، والجمهور يملك زر المغادرة، والجسد يملك طريقته في إيقافنا. وهنا تكمن هشاشة السيطرة؛ فالإنسان لا يسقط دائماً أمام الأزمات العظيمة، بل أمام التفاصيل الصغيرة التي استهان بفهمها. 

لم يخسر نابليون في ذلك الحقل معركة عسكرية، بل خسر الرواية التي أحاط بها نفسه: رواية القائد الذي يضبط الفوضى. 

والسيطرة الحقيقية ليست في تحويل الحياة إلى أقفاص مرتبة، بل في الاعتراف بأن الخطة ناقصة، وأن العالم لم يوقع لك تعهداً بالطاعة. 

حين تنظر اليوم إلى خططك والأبواب التي تظن أنك أغلقتها، اسأل نفسك: هل تقود رحلة صيد فعلاً، أم جمعت في حقل حياتك ثلاثة آلاف أرنب أليف، وتنتظر منها أن تتصرف وفق الخطة؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق