‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات أحمد مولانا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات أحمد مولانا. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

الميليشيات التي حكمت العالم.. قصة الجيش الأمريكي الذي حذر منه مؤسسوه

الميليشيات التي حكمت العالم.. قصة الجيش الأمريكي الذي حذر منه مؤسسوه
أحمد مولانا

باحث مختص بالدراسات الأمنية والسياسية.

في الرابع من يوليو/تموز 2026، احتفلت الولايات المتحدة بمرور 250 عاما على إعلان استقلالها، وهو الإعلان الذي تبنته 13 مستعمرة عام 1776 معلنة انفصالها عن بريطانيا. وتستدعي تلك المناسبة استحضار قصة بناء القوة العسكرية الأمريكية، وكيف تحولت مجموعة من الميليشيات المتفرقة، التي لا تملك جيشا نظاميا ولا صناعة حربية متطورة، ولا أسطولا بحريا قادرا على حماية سواحلها، إلى القوة العسكرية الأبرز في التاريخ الحديث.

ففي بداية الاستقلال نظر الآباء المؤسسون إلى الجيوش النظامية بعين الريبة، ورأوا فيها أداة قد تمهد للاستبداد مستقبلا. ولهذا سارعت الدولة الجديدة، بعد انتهاء حرب الاستقلال، إلى حل معظم الجيش القاري كما كان يُعرف حينها بعد مواجهته لبريطانيا، وعادت للاعتماد على الميليشيات المحلية، بحجة أن المواطن المسلح هو الضامن الأفضل للجمهورية وليس الجيش المحترف.


"نظر الآباء المؤسسون إلى الجيوش النظامية بعين الريبة، ورأوا فيها أداة قد تمهد للاستبداد مستقبلا"


لكن الدولة التي بدأت رحلتها وهي تخشى بناء جيش دائم أصبحت، بعد قرنين ونصف، تمتلك أكبر مؤسسة عسكرية في العالم؛ وتحتفظ بقوات وقواعد عسكرية منتشرة في عشرات الدول، وتقود شبكة من التحالفات الأمنية تمتد من أوروبا إلى شرق آسيا، فيما أصبحت قواتها البحرية والجوية قادرة على العمل في شتى أنحاء الأرض. وحدثت تلك التطورات نتيجة سلسلة طويلة من الحروب والتجارب والإصلاحات المؤسسية، التي شكلت مفهوم القوة العسكرية الأمريكية وأنضجته.وكانت العلاقة بين القوة العسكرية وصعود أمريكا بمثابة الخيط الذي انتظم حوله التاريخ الأمريكي الحديث، فقد وُلِد الاستقلال من رحم حرب. ثم أتى التوسع من المحيط الأطلسي إلى الهادئ عبر سلسلة من الحروب ضد السكان الأصليين، ثم الحرب مع المكسيك، إضافة إلى صفقات شراء الأراضي.

وقد صُهِرَت وحدة البلاد في أتون الحرب الأهلية منتصف القرن التاسع عشر، وبعد ذلك خروجت الولايات المتحدة من عزلتها القارية إلى المسرح العالمي عبر حرب مع إسبانيا تخلَّلها غزو الفلبين، ثم عبر الانخراط في الحربيْن العالميتيْن. وكانت هيمنة واشنطن بعد سقوط الاتحاد السوفياتي ثمرة خمسة عقود من الاستثمار والتطوير العسكري، التي تركت أثرها في التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الكبرى في أمريكا، من إلغاء العبودية إلى فرض ضريبة الدخل، ومن حق المرأة في التصويت إلى حركة الحقوق المدنية. ولهذا يصعب، فهم التاريخ الأمريكي بمعزل عن تاريخ مؤسسته العسكرية.


"كانت هيمنة واشنطن بعد سقوط الاتحاد السوفياتي ثمرة خمسة عقود من الاستثمار والتطوير العسكري"

ومع ذلك، فإن مسار القوة العسكرية الأمريكية لم يكن خطيا أو ثابتا. فقد انتقلت الولايات المتحدة من جيش صغير يعتمد على التعبئة المؤقتة في أوقات الحرب، إلى قوة بحرية عالمية مع نهاية القرن التاسع عشر، ثم إلى ترسانة صناعية حسمت الحربيْن العالميتيْن، كما امتلكت خلال الحرب الباردة لأول مرة في تاريخها جيشا دائمًا واسع الانتشار. ومع نهاية القرن العشرين، بدا أن الولايات المتحدة بلغت ذروة تفوقها العسكري، غير أن حربي أفغانستان والعراق، ثم صعود الصين بوصفها منافسًا إستراتيجيا، أعادتا طرح أسئلة جديدة حول طبيعة القوة العسكرية الأمريكية وحدودها في القرن الحادي والعشرين.
الجذور الميليشياوية

حمل المستوطنون الأوائل الذين عبروا المحيط الأطلسي قدوما من بريطانيا تقليد "الفيرد الأنجلوسكسوني" (Fyrd) الذي ألزم كل رجل حر قادر على حمل السلاح، بين عُمر السادسة عشرة والستين، بالدفاع عن مجتمعه، وأصبح هذا النظام جزءًا من الثقافة السياسية التي ربطت الحرية الفردية بحق حمل السلاح والخدمة العسكرية. ووفقا لذلك أسسوا نظام الميليشيات الذي شكَّل، لأكثر من قرن ونصف، العمود الفقري للدفاع في المستعمرات الثلاث عشرة على ضفاف المحيط الأطلسي، والذي يُعتبر سلف الحرس الوطني الأمريكي الحالي. وكانت كل مستعمرة تُلزم كل رجل حر بالتدريب الدوري وتوفير سلاحه الخاص والاستعداد للاستدعاء الفوري.

تشير التقديرات إلى أن عدد السكان الأصليين كان يناهز 4 ملايين نسمة عند اكتشاف كولومبوس للقارة الأمريكية، مُوزعين على 3 آلاف قبيلة، ويتحدثون أكثر من 2200 لغة ولهجة مختلفة، ومن ثم حدثت حروب بين المستوطنين الوافدين من أوروبا وبين السكان الأصليين الذين اعتمدوا التخفي والمباغتة، بدلًا من صفوف المشاة المفتوحة التي اعتادت عليها الجيوش الأوروبية آنذاك، ما دفع المستوطنين إلى تكييف تكتيكاتهم. وقد وُلِد لاحقا من هذا الاحتكاك أسلوب قتال أمريكي لا يزال أثره حاضرًا في مدرسة "الرينجرز" بالجيش، التي تستلهم تقاليدها من الضابط الاستعماري روبرت روجرز الذي شكَّل وحدات تحاكي تكتيكات الشعوب الأصلية.


"انخرطت المستعمرات الأمريكية في سلسلة من الحروب الإمبريالية بين بريطانيا وفرنسا وإسبانيا"

بالتوازي مع الحروب ضد الشعوب الأصلية، انخرطت المستعمرات في سلسلة من "الحروب الإمبريالية" بين بريطانيا وفرنسا وإسبانيا، امتدادًا للصراعات الأوروبية حول السيطرة على القارة الجديدة. ومنحت هذه الحروب المتعاقبة -من حرب الملك ويليام إلى حرب السنوات السبع المعروفة أمريكيًا باسم "الحرب الفرنسية والهندية"- خبرة قتالية لجيل من القادة الأمريكيين المستقبليين، ومن بينهم جورج واشنطن، قبل أن تندلع شرارة حرب الاستقلال في مواجهة التاج البريطاني.

حرب الاستقلال وتشكيل الجيش القاري

وُلِدَت الثورة الأمريكية من رحم صراع مع الإمبراطورية البريطانية، وكانت إحدى الشكاوى الرئيسة للمستوطنين أن لندن أبقت قوات بريطانية نظامية داخل المستعمرات بعد انتهاء الحرب مع الهنود ومع فرنسا التي كان لها وجود في كندا الفرنسية (كيبيك اليوم)، واستخدمت تلك القوات لتنفيذ السياسات الضريبية التي فرضها البرلمان البريطاني على الأمريكيين بحجة المساهمة في تحمل تكاليف الحرب، ما أسهم في إشعال حرب الاستقلال.

ومن هنا نشأت إحدى مفارقات التاريخ الأمريكي. فقادة الثورة رأوا في الجيش الدائم تهديدا للحريات، لكنهم اكتشفوا أنهم لا يستطيعون هزيمة أقوى إمبراطورية في عصرهم بالاعتماد على ميليشيات المتطوعين التابعة للولايات. ولذلك قرر المؤتمر القاري في يونيو/حزيران 1775 إنشاء الجيش القاري، وأسند قيادته إلى جورج واشنطن، لتوضع أول لبنة في مسار بناء مؤسسة عسكرية نظامية أمريكية.



"قادة الثورة رأوا في الجيش الدائم تهديدا للحريات، لكنهم اكتشفوا أنهم لا يستطيعون هزيمة أقوى إمبراطورية في عصرهم بالاعتماد على ميليشيات المتطوعين"

ضم الجيش القاري خليطا من الفارين من صفوف الجيش البريطاني، والعاطلين عن العمل، والعمال المتعاقدين، والسود الأحرار، وآخرين مُنحوا حريتهم مقابل الخدمة، وصولا إلى بعض المحكوم عليهم الذين مُنحوا فرصة الخدمة العسكرية بدلا من قضاء العقوبة. ولتعويض النقص المزمن في المجندين، اضطر الكونغرس إلى تقديم حوافز مالية ومنح أراضٍ للمقاتلين، كما رفع قيمة المكافآت مع اشتداد الحرب.

وفي تلك الآونة برز الافتقار إلى مصانع السلاح، وإلى جهاز إداري قادر على تموين جيش كبير، فضلًا عن نقص وسائل النقل. ولهذا ظل الاعتماد على ميليشيات الولايات ضرورة لا غنى عنها، إذ كان استدعاؤها لأسابيع قليلة أسهل من تمويل جيش نظامي يتحرك باستمرار في الميدان. ومع ذلك، أصبح الجيش القاري مركز المقاومة الأمريكية، بينما صار جورج واشنطن رمزا للوحدة الوطنية في مواجهة بريطانيا.

ولأن الجيش كان أول مؤسسة اتحادية حقيقية، حرص الكونغرس على بناء الأجهزة التي تديره، فأنشأ عام 1776 مجلس الحرب والذخائر للإشراف على التنظيم والتسليح والتمويل، ثم استبدله بمنصب وزير الحرب عام 1781، في خطوة مثلت البداية الفعلية لبناء جهاز عسكري فيدرالي مستقل عن حكومات الولايات، وهي بذرة تطورت لاحقًا إلى وزارة الحرب، ثم وزارة الدفاع الأمريكية، قبل أن تعود إلى اسم وزارة الحرب مجددا عام 2025.

من جانبه، خرج جورج واشنطن من تجربته في القتال مقتنعًا بأن "الانضباط هو روح الجيش؛ فهو يجعل الأعداد القليلة قوة هائلة، ويحقق النصر للضعفاء، ويُكسب الجميع الاحترام". وانطلاقًا من هذه القناعة، عمل على تحويل تجمع غير متجانس من المتطوعين إلى جيش منظم، فأرسى نظامًا دقيقًا لسجلات القوات ونظم القيادة ولوائح الخدمة، وسعى إلى الحد من التنقل العشوائي للضباط والجنود، واضعًا بذلك الأسس المهنية للمؤسسة العسكرية الأمريكية.


"جاء نجاح الثورة الأمريكية نتيجة عملية قاسية من التعلم والتكيف"

وجاء نجاح الثورة نتيجة عملية قاسية من التعلم والتكيف. فقد حاول البريطانيون في البداية حصر التمرد داخل مستعمرة "نيو إنجلاند"، ثم انتقلوا إلى إستراتيجية أكثر طموحًا تقوم على تدمير جيش جورج واشنطن واحتلال المراكز السياسية الرئيسة. وكادت هذه الخطة تنجح خلال حملة نيويورك عام 1776، عندما سعى الجنرال ويليام هاو إلى تطويق الجيش القاري والقضاء عليه.

لكن واشنطن نجح في الحفاظ على قواته، وتبنى إستراتيجية تقوم على تجنب القتال في معارك كبيرة وجهًا لوجه، والاعتماد على الصمود، واستنزاف الإرادة البريطانية، واستثمار المسافة الشاسعة والجغرافيا الوعرة لصالح الثوار. وأخيرا شكَّل الانتصار في معركة ساراتوغا عام 1777 نقطة تحول أقنعت فرنسا بالدخول إلى الحرب إلى جانب الأمريكيين في ظل قناعتها بإمكانية المراهنة عليهم، وهو تدخل غيَّر ميزان القوى وساهم في هزيمة القوات البريطانية.

وقد حمل الاستقلال معه وعيًا مبكرًا بأهمية بناء قاعدة صناعية عسكرية وطنية. فقد حثَّ ألكسندر هامِلتون منذ عام 1783 على "التصنيع الحكومي للأسلحة والبارود"، إيمانًا منه بأن استقلال أمريكا الحقيقي مشروط باستقلالها في تصنيع سلاحها. واستجاب الكونغرس بإنشاء أول ترسانة أسلحة وطنية في سبرينغفيلد بولاية ماساتشوستس عام 1794 واضعا البذرة الأولى لما سيصبح في القرن العشرين أضخم مجمع صناعي عسكري عالميًا.

ومع انتهاء حرب الاستقلال، تجلت سمة تلازم المؤسسة العسكرية الأمريكية حتى يومنا هذا، وهي التوسع الكبير في زمن الحرب، والانكماش السريع بعد انتهائها. فبمجرد توقيع معاهدة السلام، سُرِّح الجيش القاري في ظل قناعة الآباء المؤسسين بأن الجيوش الدائمة الكبيرة تهدد الحرية بقدر ما تحميها.

ولكن بعد 3 عقود فقط من الاستقلال دفعت أمريكا ثمن اعتمادها المفرط على الميليشيات المحلية وضعف جيشها النظامي في حرب عام 1812 مع بريطانيا، حيث أحرقت القوات البريطانية المباني الحكومية في واشنطن، بما فيها البيت الأبيض ومبنى الكابيتول عام 1814. وكانت تلك الحرب، رغم انتهائها بتعادل عسكري، درسًا قاسيًا في خطأ الاعتماد على قوة عسكرية مرتجلة، ودفعت الكونغرس إلى تعزيز الجيش النظامي الدائم بدلًا من الاتكال على متطوعي الولايات.

التوسُّع القاري

بين عامي 1775 و1898، لعبت المؤسسة العسكرية الأمريكية، ممثلة في الميليشيات ثم الجيش النظامي، دورا محوريا في ثلاث مهام رئيسة: تأمين الاستقلال وترسيخه، وتوسيع حدود البلاد من المحيط الأطلسي إلى الهادئ، والحفاظ على وحدة الاتحاد في أخطر أزماته الداخلية أثناء الحرب الأهلية.

قدر توماس جيفرسون أن استيطان القارة الأمريكية سيستغرق 100 جيل، لكنه استغرق 5 أجيال فقط، بفضل موجات متلاحقة من الحروب مع الشعوب الأصلية امتدت من سواحل نيو إنجلاند إلى جبال روكي. ويُنظر عادة إلى مذبحة "الركبة الجريحة" (Wounded Knee) عام 1890 بوصفها نهاية حروب الهنود الأمريكيين. في هذه الأثناء، خاضت أمريكا حربا مع المكسيك بين عامي 1846 و1848 انتهت باحتلال العاصمة المكسيكية، وانتزعت بها أمريكا مساحات شاسعة من الجنوب الغربي منها ولاية كاليفورنيا، ورسَّخت وجودها بين ساحلي المحيطين الأطلسي والهادئ.

لكن الاختبار الأخطر جاء من الداخل، حين اندلعت الحرب الأهلية بين عامي 1861 و1865 بسبب قضية العبودية والوحدة، وكانت تلك أول حرب صناعية واسعة النطاق في التاريخ الأمريكي، حيث شملت تعبئة جماهيرية واسعة، وشهدت استخدام السكك الحديدية لنقل الجيوش، والصناعة الثقيلة لتغذية آلة الحرب، مع حصيلة بشرية هائلة تجاوزت كل ما شهدته القارة من قبل، حيث أودت بحياة 750 ألف شخص.

نقل الجنوبيون الكونفدراليون عاصمتهم إلى ريتشموند بولاية فرجينيا، حيث كانت أهم مركز صناعي في مناطق سيطرتهم، بينما حاز الشماليون الاتحاديون تفوقا كبيرا منذ البداية من حيث القدرة الإنتاجية والقوى العاملة والإمكانات الصناعية. وكان هذا التفاوت الصناعي عاملا حاسما في نهاية المطاف، لذا رسَّخت الحرب لدى النخب الأمريكية قناعة بأن القوة العسكرية قادرة على تحقيق الأهداف الوطنية الكبرى. ومنذ ذلك الحين، تشكَّلت الثقافة الإستراتيجية الأمريكية حول فكرة النصر الكامل، مع تفضيل إنهاء الحروب بسرعة.

بحلول نهاية القرن التاسع عشر، أنجزت أمريكا مشروعها القاري، وشهدت تطورات اقتصادية وصناعية هائلة. فقد أصبحت المصانع الأمريكية تنتج أكثر مما يستوعبه السوق المحلي، وبدأت النخب السياسية والاقتصادية تنظر إلى البحار بوصفها طريقا إلى الأسواق العالمية، لا حاجزا يحمي القارة. ومن ثم اكتسبت أفكار الضابط البحري ألفرد ثاير ماهان تأثيرا هائلا، إذ جادل بأن السيطرة على البحار هي مفتاح القوة العالمية، وأن الدولة التي تريد حماية تجارتها ومصالحها الخارجية تحتاج إلى أسطول قوي وقواعد بحرية منتشرة عبر المحيطات. ولم تمض سنوات حتى تحولت هذه الأفكار إلى واقع.


"رأي ألفرد ثاير ماهان أن السيطرة على البحار هي مفتاح القوة العالمية"

كانت الولايات المتحدة آنذاك، من الناحية العسكرية، لاعبا غير فاعل على المسرح الدولي. لكن الحرب مع إسبانيا، التي كانت تحتل كوبا حينها، عقب انفجار البارجة الأمريكية "يو إس إس مين" (USS Maine) في ميناء هافانا، الذي اتهمت الصحافة الأمريكية إسبانيا بالمسؤولية عنه، غيَّر هذه المعادلة. وقد قام المخطط الأمريكي للحرب على استخدام البحرية، فقد رأت واشنطن أن فرض حصار على كوبا، مع استمرار ضغط الثوار الكوبيين على القوات الإسبانية، كفيل بإجبار مدريد على التراجع، ولم يكن متوقعًا في البداية أن يخوض الجيش الأمريكي عمليات برية كبيرة.



في الأول من مايو/أيار 1898، قاد الضابط جورج ديوي سربًا أمريكيًا صغيرًا إلى خليج مانيلا في الفلبين، حيث دمر الأسطول الإسباني من دون أن يفقد أي بحار أمريكي حياته أثناء الاشتباك. وأصبح هذا الانتصار حدثا سياسيًا ونفسيًا ضخمًا داخل الولايات المتحدة؛ إذ أشعل الحماسة الشعبية للحرب، وأظهر للمرة الأولى قدرة البحرية الأمريكية على خوض عمليات قتالية بعيدا عن السواحل الأمريكية.

ونظرا لأن الجيش لم يكن مجهزًا لنقل قوات كبيرة عبر المحيط أو لإدارة حملة استعمارية بعيدة، حيث اقتصر حجمه على 28 ألف جندي ينتشر معظمهم على الحدود الغربية، فقد اضطر الرئيس ويليام ماكينلي إلى تعبئة مئات الآلاف من المتطوعين، حتى ارتفع عدد القوات إلى نحو 275 ألف جندي، بينهم 59 ألفا من القوات النظامية و216 ألفا من المتطوعين، وافتقر معظم هؤلاء إلى أي خبرة عسكرية تذكر.

واجه هذا الجيش صعوبات كبيرة في الإمداد والتموين، حتى إن كثيرًا من الجنود افتقروا إلى احتياجات أساسية مثل الأحذية والجوارب والملابس الداخلية، كما عانت المعسكرات من سوء التغذية وتردي الأوضاع الصحية، فقد مرض آلاف المتطوعين ومات المئات منهم قبل أن يخوضوا معركة واحدة.

ومع ذلك، انتهت الحرب بانتصار أمريكي حيث تخلت إسبانيا عن سيادتها على كوبا، التي أصبحت تحت الاحتلال الأمريكي المؤقت قبل إعلان استقلالها لاحقا. كما تنازلت إسبانيا عن بورتوريكو وغوام لأمريكا، وباعت الفلبين بعد حرب دامية بعشرين مليون دولار. وهكذا تحولت الولايات المتحدة من جمهورية قارية إلى قوة استعمارية لها ممتلكات في الكاريبي والمحيط الهادئ.


"بعد الحرب مع إسبانيا، تحولت الولايات المتحدة من جمهورية قارية إلى قوة استعمارية لها ممتلكات في الكاريبي والمحيط الهادئ"

وفي الفلبين، استولى الأمريكيون على مانيلا، لكنهم سرعان ما دخلوا في مواجهة مع الحركة الوطنية الفلبينية بقيادة إميليو أغينالدو، التي أعلنت استقلال البلاد بعد انهيار السلطة الإسبانية. وقد خاض الجيش الأمريكي حرب عصابات مريرة ضد الثوار الفلبينيين الذين شاركوه سابقا القتال ضد الإسبان، واستخدم الأمريكيون أساليب قاسية في مكافحة التمرد، شملت إعادة توطين السكان، والعقاب الجماعي، وسياسات الأرض المحروقة في بعض المناطق، وهي تكتيكات طُبقت لاحقًا في فيتنام والعراق.

لكن الأهم في نتائج الحرب الفلبينية أن أمريكا، منذ عام 1898، أصبحت قوة لها مصالح ومسؤوليات تتجاوز القارة الأمريكية، ولم يعد الجيش الأمريكي مؤسسة مكرسة للدفاع عن القارة وتوسيع حدودها الداخلية، بل انتقل دوره ليصبح أداة لحماية المصالح الأمريكية عبر البحار، ما سيدفع واشنطن، على مدار العقود التالية، إلى بناء أسطول عالمي، وتشييد قواعد خارجية، وربط القوة العسكرية بالسياسة الخارجية على نحو لم تعرفه الولايات المتحدة من قبل.

الحرب العالمية الأولى


رغم أن الحرب الإسبانية الأمريكية وضعت الولايات المتحدة على طريق القوة العالمية، فإن جيشها ظل، حتى مطلع القرن العشرين، صغيرا مقارنة بالجيوش الأوروبية، فقد بلغ قوام الجيش النظامي الأمريكي عام 1914 نحو 100 ألف جندي فقط، فضلا عن 15 ألفا من مشاة البحرية. ولم يكن الأمريكيون يرون ضرورة للاحتفاظ بقوات ضخمة في زمن السلم، وظل الاعتقاد السائد هو أن البلاد تستطيع تعبئة جيشها متى اندلعت الحرب، ثم تعود إلى تسريحه بمجرد انتهائها.

حين اندلعت الحرب العالمية الأولى في أوروبا عام 1914، حافظت أمريكا على حيادها لثلاث سنوات. وعندما دخلتها في أبريل/نيسان 1917، عقب إغراق الغواصات الألمانية لسفن تجارية أمريكية، ومحاولة ألمانيا دفع المكسيك لشن حرب على الولايات المتحدة، واجهت واشنطن تحديًا غير مسبوق. فقد كان عليها أن تنقل أعدادًا ضخمة من الجنود عبر المحيط الأطلسي، وأن تؤسس جيشًا قادرًا على القتال إلى جانب البريطانيين والفرنسيين في حرب شرسة.

في أقل من عامين، نقلت واشنطن إلى أوروبا أكثر من مليوني جندي، شارك منهم نحو 1.2 مليون في العمليات القتالية، واكتسب ضباطها خبرة في قيادة الجيوش الكبيرة، وأصبحت التعبئة الصناعية واللوجستية جزءًا من التفكير العسكري الأمريكي مع رفع الإنفاق العسكري كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي من 1% إلى ما يقارب 14% خلال السنوات المالية الأربع التي تلت عام 1915. وكانت تلك الحرب مدرسة تعلمت فيها الولايات المتحدة كيف تُنشئ جيشًا يعمل في مسرح عمليات عالمي.



"كانت الحرب العالمية الأولى مدرسة تعلمت فيها الولايات المتحدة كيف تُنشئ جيشا يعمل في مسرح عمليات عالمي"

لكن المفارقة تكررت مرة أخرى بعد انتهاء الحرب. فبدلا من الاحتفاظ بالجيش الذي بنته، سارعت واشنطن إلى تقليص قواتها، وعادت إلى سياسة الاقتصاد في الإنفاق العسكري. وبين عاميْ 1921 و1936، تبنَّت سياسة الحد من التسلُّح والابتعاد عن الالتزامات المُعقدة مع "العالم القديم"، وقادت مؤتمر واشنطن البحري عام 1922 الذي فرض قيودًا على سباق التسلح البحري.

لكم من جهتها، أدركت المؤسسة العسكرية أن الحرب المقبلة لن تشبه الحرب السابقة، وعكفت طوال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين على إعداد خطط تعبئة أكثر طموحًا، وتطوير مناهج التدريب، وإعادة تنظيم الوحدات، والربط بين التخطيط العسكري والقدرة الصناعية للدولة. وقد عمل القانون الوطني للدفاع الصادر عام 1920 على إعادة تنظيم الجيش الأمريكي على أساس ثلاثي: الجيش النظامي الدائم، والحرس الوطني، وقوات الاحتياط المنظمة. كما وُلد سلاح الجو كقوة قتالية تابعة للقوات البرية في عام 1926. كما وضعت وزارة الحرب خطة التعبئة الصناعية لعام 1930، ثم خطة التعبئة الوقائية لعام 1937، اللتيْن نظمتا لأول مرة تحويل الاقتصاد الأمريكي إلى اقتصاد حرب، وحدَّدتا مراحل استدعاء الحرس الوطني.

الحرب العالمية الثانية.. ميلاد القوة العظمى

إذا كانت هناك لحظة واحدة يمكن تحديدها بدقة بوصفها نقطة الميلاد الفعلي لأمريكا كقوة عظمى عسكريا، فهي الحرب العالمية الثانية. فقد انتقلت واشنطن من امتلاك جيش قوامه 190 ألف جندي فقط عام 1939، إلى قوة بلغت في ذروتها 8.3 مليون جندي عام 1945؛ أي زيادة بأكثر من 40 ضعفا في ست سنوات. وخدم خلال الحرب نحو 16 مليون أمريكي في صفوف القوات المسلحة، ونُقل ملايين منهم إلى ساحات القتال في أوروبا وشمال أفريقيا والمحيط الهادئ في آن واحد في إنجاز لوجستي نادر.

وقد تخلَّت الولايات المتحدة خلال الحرب عن تنظيم "الفرقة المربعة" (تتألف من 4 ألوية) الضخم الذي ورثته من الحرب العالمية الأولى، واعتمدت عام 1940 "الفرقة المثلثة" (3 ألوية) الأكثر مرونة في الحركة والمناورة، حيث خُفض قوام الفرقة من نحو 25 ألف جندي إلى 15 ألفًا، مع الاعتماد على النقل الآلي، وإتاحة إمكانية إلحاق وحدات مدرعة أو مدفعية بها بحسب طبيعة المهمة. وقد أثبت هذا التنظيم نجاحه في أوروبا والمحيط الهادئ، وظل مُعتَمدا في الجيش الأمريكي بعد الحرب.


"ارتفعت حصة الإنفاق العسكري الأمريكي من الناتج المحلي الإجمالي إلى ما يقارب 40% في ذروة الحرب"

وعلى الصعيد الاقتصادي والصناعي ارتفعت حصة الإنفاق العسكري الأمريكي من الناتج المحلي الإجمالي إلى ما يقارب 40% في ذروة الحرب. وسُخرت مصانع السيارات والصلب والطائرات والإلكترونيات لخدمة المجهود الحربي، ووُلِد في هذه السنوات ما سيُعرف لاحقًا بـ"المجمع الصناعي العسكري" الذي تشكل من شبكة تربط الجيش بالجامعات والصناعات. وأصبح الجيش الأمريكي، بعد 1945 محركا للابتكار العلمي والتقني في البلاد.

انتهت الحرب وأمريكا هي القوة الاقتصادية والعسكرية الوحيدة التي خرجت من الصراع أقوى مما دخلته، بينما كانت أوروبا واليابان أنقاضا، والاتحاد السوفياتي ينزف رغم انتصاره. وكانت هذه المرة الأولى التي واجهت فيها واشنطن المفاضلة بين العودة إلى العزلة أو تولي دور القيادة العالمية، فاختارت الخيار الثاني.

الحرب الباردة وولادة الجيش العالمي

قبل عام 1945، عاش الجيش الأمريكي دورة متكررة. فعندما تندلع أزمة كبرى، تبادر واشنطن إلى تعبئة ملايين المواطنين، ثم لا تلبث أن تُسرِّح معظمهم مع انتهاء القتال، لتحتفظ بقوات نظامية صغيرة في زمن السلم. واستمر هذا النمط منذ حرب الاستقلال مرورًا بالحرب الأهلية وحتى الحرب العالمية الأولى، وبات جزءا من الثقافة السياسية الأمريكية التي نظرت إلى الجيوش الضخمة الدائمة على أنها عبء مالي، وخطر على الجمهورية. لكن الحرب العالمية الثانية أنهت هذا التقليد الذي استمر قرابة قرنين. فرغم تراجع حجم القوات البرية الأمريكية من 8 ملايين شخص و89 فرقة عام 1945، إلى 591 ألفا و10 فرق فقط عام 1950، احتفظت الولايات المتحدة بشبكة من القواعد والتحالفات والقوات المنتشرة حول العالم: من ألمانيا إلى اليابان وكوريا الجنوبية.

ويصف الدبلوماسي الأمريكي جورج كينان ما حدث بقوله إن "الدولة التي لم يخطر ببالها عام 1900 أن ازدهارها أو أسلوب حياتها يمكن أن يتعرَّضا لأي تهديد من العالم الخارجي، وجدت نفسها بحلول عام 1950 في وضع لم تعد تفكر فيه تقريبًا إلا في هذا الخطر".


"أصبح الأمن الأمريكي، في ظل التنافس مع الاتحاد السوفياتي، مرتبطا بما يجري في أوروبا وشرق آسيا والشرق الأوسط"

وقد أصبح الأمن الأمريكي، في ظل التنافس مع الاتحاد السوفياتي، مرتبطا بما يجري في أوروبا وشرق آسيا والشرق الأوسط. ولم يكن السبب امتلاك الاتحاد السوفياتي جيشا ضخما فحسب، إذ ظهر عصر جديد من التهديدات العابرة للقارات، بدأ بالسلاح النووي، ثم الصواريخ الباليستية، وانتهى بتنافس عالمي امتد من برلين إلى كوريا وفيتنام. ولهذا تخلت واشنطن عن سياسة التعبئة المؤقتة، وقررت الاحتفاظ بقوات برية وبحرية وجوية كبيرة في حالة جاهزية دائمة، قادرة على التدخل الفوري في أي مسرح عمليات حول العالم، والعمل جنبا إلى جنب مع قوات الحلفاء.

ولتحقيق ذلك، أقر الكونغرس في عام 1947 قانون الأمن القومي الذي أعاد تنظيم المؤسسة العسكرية بصورة جذرية. فقد أُنشئت وزارة الدفاع بصيغتها الحديثة، وتأسس مجلس الأمن القومي لتنسيق السياسات وتقديم المشورة إلى الرئيس، كما أُنشئت وكالة الاستخبارات المركزية، وفُصل سلاح الجو عن القوات البرية، وأسست هذه الإصلاحات لنظام يربط التخطيط العسكري بالاستخبارات والسياسة الخارجية والقدرات الصناعية.

وبالتوازي مع إعادة تنظيم المؤسسات الأمريكية، شرعت الولايات المتحدة في بناء شبكة من التحالفات العسكرية. ففي عام 1947، أُقِرَّت "معاهدة ريو" كأول اتفاقية دفاع جماعي إقليمية في نصف الكرة الغربي. وفي عام 1948، خاض الجيش والقوات الجوية الأمريكية عملية النقل الجوي إلى برلين المحاصرة من طرف السوفيات، في أول اختبار للإرادة الأمريكية أمام النفوذ السوفياتي. وفي أبريل/نيسان 1949، رعت الولايات المتحدة تأسيس حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في خطوة كسرت تقليدا أمريكيا يقضي بتجنب التحالفات الدائمة مع القوى الأجنبية، كما أبرمت معاهدات دفاعية مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ودول أخرى، وانتشرت القواعد الأمريكية في أوروبا وآسيا. وهكذا تشكَّل نظام أمني عالمي، يقوم على الردع، والانتشار المتقدم، والقدرة على خوض الحرب بعيدا عن الأراضي الأمريكية.


"بدلا من انتظار اندلاع القتال ثم استدعاء المجندين، أصبحت الولايات المتحدة تحافظ على قوات كبيرة"

وبدلا من انتظار اندلاع القتال ثم استدعاء المجندين، أصبحت الولايات المتحدة تحافظ على قوات كبيرة، وأساطيل بحرية تجوب المحيطات، وقاذفات إستراتيجية في حالة تأهب، وترسانة نووية قادرة على الرد الفوري. كما أصبحت التكنولوجيا جزءًا لا يتجزأ من مفهوم القوة العسكرية. ففي الحرب العالمية الثانية، نظَّم مركز أبحاث وتطوير الدفاع الوطني تعبئة للعلماء الأمريكيين بلغت نحو 30 ألف فيزيائي وكيميائي ومهندس ورياضي جُنِّدوا بتمويل حكومي. ومن رحم هذا التعاون وُلد مشروع مانهاتن والقنبلة الذرية، ووُلدت معه أيضًا مجالات علمية جديدة مثل بحوث العمليات، ونظرية الألعاب، وعلم الصواريخ الذي قاد لاحقًا إلى برنامج الفضاء الأمريكي.

هذا الاندماج بين الجيش والعلم والصناعة، إلى جانب التنافس مع الاتحاد السوفياتي، يفسر لماذا ظل الإنفاق العسكري الأمريكي، حتى في فترات الانكماش، محركًا رئيسيا للابتكار المدني: من تطوير أجهزة الحاسب الأولى بتمويل من مكتب البحوث البحرية، إلى شبكات الاتصال التي مهدت لاحقا لظهور الإنترنت.
حدود القوة في كوريا وفيتنام

كانت الحرب الكورية بين عاميْ 1950 و1953 أول اختبار حقيقي للنظام الأمني الذي أنشأته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، فقد أثبتت أن أمريكا مستعدة لخوض حروب محدودة دفاعًا عن نظام التحالفات الذي بنته، وذلك رغم الخسائر التي تكبدتها وبلغت 34 ألف قتيل، وانتهاء الحرب عند خط العرض 38 الذي بدأت عنده. وأثناء الحرب طوَّرت القوات الجوية قاذفاتها الإستراتيجية العابرة للقارات، وسعت البحرية إلى تطوير صاروخ "بولاريس" النووي، الذي يُطلق من الغواصات، بينما عمل الجيش على دمج الأسلحة النووية التكتيكية في ساحة المعركة. وأصبح الردع النووي العمود الفقري لإستراتيجية أمريكا العالمية طوال عقود الحرب الباردة اللاحقة.

بعد حرب كوريا، أثبتت حرب فيتنام أن التفوق التقني والعددي الأمريكي لا يضمن بالضرورة النصر في حرب طويلة الأمد ضد خصم صلب يقاتل على أرضه. وقد بلغ عدد القوات الأمريكية في فيتنام في ذروته قرابة نصف مليون جندي، لكن الحرب انتهت بانسحاب أمريكي مرير عام 1973، وسقوط سايغون عاصمة فيتنام الجنوبية عام 1975.

وقد مثَّلت فيتنام صدمة مؤسسية عميقة أثرت في تطور الجيش الأمريكي. فقد أُلغي نظام التجنيد الإجباري عام 1973 لصالح جيش تطوعي، ومال استخدام القوة الأمريكية لعقود لاحقة نحو مزيد من الحذر، وترسَّخ في الثقافة الأمريكية ما سُمِّي لاحقًا بـ"متلازمة فيتنام"، ويقصد بها الإحجام عن الانخراط في حروب برية طويلة بلا هدف واضح ونهاية محددة. لكن المفارقة أن هذا الدرس القاسي أنتج، على المدى الطويل، جيشا أمريكيا أكثر احترافية وأفضل تسليحا وتدريبا، وسيظهر تفوقه بعد أقل من عقدين، في حرب الخليج عام 1991.

الهيمنة الأحادية وحدود الاحتلال


مع انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، لم يعد هناك منافس عسكري للولايات المتحدة، التي أصبحت تمتلك أكبر ميزانية دفاع في العالم، وأقوى بحرية، وأحدث سلاح جو، وأوسع شبكة قواعد وتحالفات، حتى وصف وزير الخارجية الفرنسي الأسبق هوبير فيدرين الولايات المتحدة بأنها "القوة العظمى المفرطة" (Hyperpower) في إشارة إلى أن تفوقها تجاوز المفهوم المعروف للقوة العظمى.

وجاء الإعلان الفعلي عن هذا الواقع الجديد في حرب الخليج الثانية عام 1991، حيث اجتاح تحالف بقيادة أمريكية القوات العراقية في الكويت، بخسائر محدودة للغاية مقارنة بحجم القوات المشاركة، وذلك في استعراض للقوة أبرز التكامل بين الأقمار الصناعية والطائرات الشبحية والأسلحة المُوجَّهة بدقة، وكذلك أنظمة القيادة والسيطرة. وساد الاعتقاد داخل الأوساط العسكرية الغربية بأن العالم دخل عصرًا جديدًا من الحروب، أُطلق عليه "ثورة الشؤون العسكرية". وبدا أن الولايات المتحدة قادرة على حسم أي حرب بسرعة، مع خسائر بشرية محدودة.


"وصف وزير الخارجية الفرنسي الأسبق هوبير فيدرين الولايات المتحدة بأنها القوة العظمى المفرطة"

لكن العقد التالي كشف أيضًا حدود هذا التفوق التقني. ففي الصومال، انتهت عملية أممية بمشاركة أمريكية بالانسحاب بحلول أوائل عام 1995 بعد أن تكبدت خسائر أهمها مقتل 18 جنديا أمريكيا إثر إسقاط مروحيتين في مقديشيو على يد قوات الجنرال محمد فارح عيديد. وتبين أن أمريكا التي أذهلت العالم في صحراء الخليج، عجزت بعد أعوام معدودة عن فرض الاستقرار في مدينة أفريقية.


ثم أتت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 وغيَّرت مسار الإستراتيجية الأمريكية جذريا مرة أخرى. فقد شنَّت الولايات المتحدة حربيْن متزامنتيْن طويلتيْ الأمد في أفغانستان والعراق، وسَعَت من خلالهما إلى إبراز قوتها وهيمنتها، فاحتلت أفغانستان في أقل من شهرين ببضع مئات من عناصر القوات الخاصة والاستخبارات الذي عملوا بالتنسيق مع قوات تحالف الشمال، كما سقطت بغداد بعد أقل من شهر في عملية عسكرية سريعة.

ولكن، كما حدث في الفلبين قبل أكثر من قرن، أثبتت المرحلة التالية للانتصار العسكري في الحرب النظامية أنها الجزء الأصعب. فقد تحوَّلت العمليات في العراق وأفغانستان إلى احتلاليْن طويليْن استنزفا القوات الأمريكية لسنوات، أنفقت خلالهما واشنطن تريليونات الدولارات، وفقدت آلاف الجنود، قبل أن تنسحب من أفغانستان عام 2021 بشكل وصفه الجنرال مارك ميلي، رئيس هيئة الأركان المشتركة، أمام الكونغرس في سبتمبر/أيلول 2021، بأنه بهزيمة إستراتيجية للولايات المتحدة، بينما ظل العراق يواجه تحديات أمنية وسياسية.

وقد أعادت التجربتان إحياء الأسئلة التي واجهتها أمريكا في فيتنام والفلبين: هل يمكن للتفوق العسكري وحده أن يبني استقرارًا سياسيًا؟ فالقوة الأمريكية أثبتت مجددا قدرتها على إسقاط الأنظمة، لكنها واجهت صعوبة في بناء أنظمة مستقرة، أو إنهاء الصراعات بالشكل الذي خطط له صانع القرار الأمريكي. وكان ذلك تذكيرًا بأن القوة، مهما بلغت، تظل أداة من أدوات السياسة، وليست بديلًا عنها.



"كانت العراق وأفغانستان تذكيرا بأن القوة، مهما بلغت، تظل أداة من أدوات السياسة، وليست بديلا عنها"

وفي ذات الوقت نفسه، تغيَّرت البيئة الدولية بوتيرة متسارعة. فبينما انشغلت الولايات المتحدة بالحرب على الإرهاب، بنت الصين قوتها العسكرية والاقتصادية بصورة منهجية، فضاعفت إنفاقها الدفاعي، وطوَّرت أسطولا بحريا أصبح الأكبر عددا في العالم، واستثمرت في الصواريخ الفرط صوتية والقدرات الفضائية والحرب السيبرانية والذكاء الاصطناعي، بهدف تقليص الفجوة مع الولايات المتحدة.

ولهذا أعلنت واشنطن في العقد الأخير أن المنافسة مع الصين أصبحت التحدي الإستراتيجي الأول. ومن ثمَّ لم يعد التركيز منصبا على مكافحة التنظيمات الإرهابية وفق التصنيف الأمريكي، وانتقل نحو الاستعداد لاندلاع مواجهة قوة عظمى تمتلك قدرات بحرية وصاروخية وتكنولوجية متقدمة.

وساهم ذلك في إعادة توجيه الإستراتيجية الدفاعية نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وتعزيز التحالفات مع اليابان وأستراليا والفلبين وكوريا الجنوبية، وإنشاء ترتيبات أمنية جديدة مثل أوكوس مع بريطانيا وأستراليا، وتعزيز التعاون ضمن الحوار الأمني الرباعي "كواد" الذي يضم الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند. وبذلك عادت المنافسة بين القوى الكبرى لتصبح محور التخطيط العسكري الأمريكي بعد عقديْن هيمنت فيهما الحرب على الإرهاب.
تحديات المستقبل

من ميليشيا مزارعين يحملون بنادقهم الخاصة إلى قوة عظمى تنشر جنودها حول العالم، رسمت أمريكا مسارا فريدا لجيشها يرتبط بقصة صعودها. فقد طورت واشنطن مؤسستها العسكرية بناء على دروس الحروب التي خاضتها. فمن حرب الاستقلال تعلمت ضرورة وجود جيش نظامي، ومن الحرب الإسبانية الأمريكية أدركت أن القوة البحرية مفتاح النفوذ العالمي، ومن الحربيْن العالميتيْن اكتشفت أن الانتصار يبدأ من القدرة على الإنتاج الضخم في المصانع والحشد الواسع في مراكز التعبئة، أما الحرب الباردة فمكَّنتها من الاحتفاظ بقوة عسكرية منتشرة على مستوى العالم.

ولعل السر الرئيسي في تفوق المؤسسة العسكرية الأمريكية يرتبط بقدرتها على التكيف والتعلم المؤسسي. فكل حرب دفعت الجيش إلى مراجعة عقيدته، وإعادة تنظيم قواته، وتطوير تعليمه العسكري، وتحديث صناعته الدفاعية، وربط القوة العسكرية بالاقتصاد والبحث العلمي والتكنولوجيا.


"التحدي الأكبر الذي يواجه الولايات المتحدة اليوم هو المحافظة على قدرتها على التكيُّف مع بيئة إستراتيجية تتغير بوتيرة سريعة"

وربما يكون التحدي الأكبر الذي يواجه الولايات المتحدة اليوم هو المحافظة على قدرتها على التكيُّف مع بيئة إستراتيجية تتغير بوتيرة سريعة فضلا عن الإجابة على أسئلة تتعلق بكيفية إدارة تلك القوة، فقد بُني التفوق الأمريكي على مزيج من القوة العسكرية والتحالفات الدولية والانفتاح الاقتصادي والقيادة المؤسسية للنظام الدولي.

وقد شهدت السنوات الأخيرة تصاعد نزعة داخل أمريكا تدعو إلى تقليص الالتزامات الخارجية، وتُشكِّك في جدوى التحالفات، وتربط المظلة الأمنية الأمريكية باعتبارات الكلفة والعائد. وقد تجلت هذه المقاربة في رئاسة ترمب، الذي شكك مرارًا في قيمة حلف الناتو، كما أعاد طرح شعار "أمريكا أولًا".

إن الإفراط في الثقة بالتفوق العسكري، وغرور القوة، قد يدفع القوى العظمى إلى المبالغة في تقدير قدرتها على فرض إرادتها، ما يدخلها في مغامرات تبدد فيها مقدراتها، كما أثبتت حروب كثيرة مثل فيتنام والعراق وأفغانستان وغيرها. كما أن التدافع الاجتماعي الداخلي يكون له تأثيره في أوقات كثيرة على تصوُّر الدولة لمصالحها الخارجية، والإستراتيجية العسكرية الضرورية لتحقيق تلك المصالح، وهو أمر لعله يتجلَّى بوضوح الآن مع إدارة دونالد ترمب أكثر من أي إدارة سبقتها في تاريخ الولايات المتحدة كدولة مستقلة، بعد 250 عاما كاملة على استقلالها.
المصدر: الجزيرة


السبت، 9 مايو 2026

إجابة سؤال ترمب.. لماذا انتظرت أمريكا 47 عاما قبل أن تضرب إيران؟

 إجابة سؤال ترمب.. لماذا انتظرت أمريكا 47 عاما قبل أن تضرب إيران؟


أحمد مولانا

  "لا أدري لماذا انتظرنا 47 عاما قبل أن نتحرك ضد إيران"

بواسطة (الرئيس الأمريكي دونالد ترمب)

أثار وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري ضجة خلال مشاركته في حلقة ببرنامج "ذا بريفينغ" مع الإعلامية والمتحدثة السابقة باسم البيت الأبيض جين بساكي يوم 10 أبريل/نيسان الماضي، حيث كشف أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لطالما حث الإدارات الأمريكية المتعاقبة، بداية من بوش الابن ثم أوباما ثم بايدن، على شن ضربات عسكرية ضد إيران، لكن كل الرؤساء السابقين رفضوا ذلك، باستثناء الرئيس ترمب.

تثير تصريحات كيري سؤالا: لماذا لم يُقدِم الرئيس ترمب نفسه أثناء إدارته الأولى على تنفيذ طلب نتنياهو؟ وهو ما نجد إجابته في مذكرات مايكل بومبيو، مدير الاستخبارات الأمريكية ووزير الخارجية السابق في حقبة ترمب الأولى، إذ يقول: "كان وزير الدفاع جيمس ماتيس والبيروقراطية في البنتاغون يكرهون إثارة ما اعتبروه عش الدبابير الإيرانية، فقد قال ماتيس لي: مايكل، إذا واجهنا الإيرانيين، فإنهم سيُسيطرون على سلم التصعيد، وسننتهي في مكان سيئ للغاية".

وقبل ماتيس، سبق لوزير الدفاع الأمريكي في عهدي بوش الابن وأوباما روبرت غيتس أن صرح بأن "نتائج ضربة عسكرية أمريكية أو إسرائيلية على إيران قد تكون كارثية، وستؤدي في النهاية إلى نتائج عكسية، حيث ستدفع البرنامج النووي الإيراني إلى مزيد من التخفي والتعقيد، وستطاردنا لأجيال".

"كان وزير الدفاع الأمريكي الأسبق جيمس ماتيس والبيروقراطية في البنتاغون يكرهون إثارة ما اعتبروه عش الدبابير الإيرانية"

وعلى ذات المنوال حذر وزير الدفاع الأمريكي في عهد أوباما ليون بانيتا في ديسمبر/كانون الأول 2011 قائلاً: "سنشهد تصعيداً لن يقتصر على إزهاق أرواح كثيرة فحسب، بل أعتقد أنه سيُغرق الشرق الأوسط في مواجهة وصراع سنندم عليهما، وستكون لهذا الهجوم تبعات اقتصادية وخيمة قد تؤثر على اقتصاد أوروبا الهش، وعلى اقتصاد الولايات المتحدة أيضاً، لذا علينا أن نكون حذرين من العواقب غير المقصودة لمثل هذا الهجوم".

سخر بومبيو من تخوُّفات ماتيس وغيتس وبانيتا والبنتاغون قائلاً: "هذه العقلية المزعجة تعتقد بأن علينا أن نخاف أكثر من خصوم أمريكا وليس العكس.. لقد كنت واثقاً من قدرتنا على التحكم في سلم التصعيد من خلال تفوقنا الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري الهائل". وقد انسحب ترمب من الاتفاق النووي مع إيران ثم اغتال قائد فيلق القدس قاسم سليماني مطلع عام 2020، لكن جاءت أزمة وباء كوفيد لتطغى على غيرها من الملفات لحين خروج ترمب من البيت الأبيض بعد هزيمته في الانتخابات أمام جو بايدن.

ولكن بغض النظر عن تعليق بومبيو، فقد استندت مواقف الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى تقديرات مواقف ودراسات ناقشت تداعيات شن حرب على إيران، ومن أبرزها دراسة مهمة برعاية رموز من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، نُشرت عام 2012 بعنوان "تقييم فوائد وتكاليف العمل العسكري ضد إيران".

وتأتي أهمية تلك الدراسة من خلفية المُوقِّعين عليها، والبالغ عددهم 32 شخصا، فجميعهم من المسؤولين السابقين والمتخصصين في قضايا الأمن القومي، وفي مقدمتهم زبيغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي في عهد كارتر وأحد أبرز منظري الجغرافيا السياسية الأمريكيين، ووزير الدفاع في عهد أوباما تشاك هيغل، وبول فولكر رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وريتشارد أرميتاج نائب وزير الخارجية السابق، ونيكولاس بيرنز السفير الأمريكي لدى حلف الناتو والصين، وويليام فالون وأنتوني زيني، وهما قائدان سابقان للقيادة المركزية الأمريكية "سينتكوم".

"رجَّحت الدراسة أن الحرب ستؤثر على سيطرة الحكومة الإيرانية، وستستنزف خزينتها، وترفع مستوى التوترات الداخلية، لكنها لن تؤدي إلى تغيير النظام أو انهياره أو استسلامه"

صدرت الدراسة وقت تبني واشنطن سياسة مواصلة الضغط على إيران مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام إمكانية التوصل إلى حل سياسي، دون استبعاد استخدام القوة العسكرية، لكن مع الاحتفاظ بها كخيار أخير. وخلصت إلى أنه في ظل التشجيع الإسرائيلي لواشنطن، وعدم اليقين بشأن نوايا إيران الحقيقية، فإن السيناريو العسكري الأكثر ترجيحا هو أن تبادر الولايات المتحدة وإسرائيل لتنفيذ هجوم استباقي ضد إيران.

ورجَّحت الدراسة أن الحرب ستؤثر على سيطرة الحكومة الإيرانية، وستستنزف خزينتها، وترفع مستوى التوترات الداخلية، لكنها لن تؤدي إلى تغيير النظام أو انهياره أو استسلامه، بل قد تؤدي إلى اصطفاف المواطنين الإيرانيين خلف الحكومة بدلاً من تثويرهم ضدها، كما ستبقى القدرة العلمية والخبرة اللازمة لاستئناف إيران لبرنامجها النووي إذا ما رغبت في ذلك. بل حتى في حال إسقاط النظام، فلن تصبح إيران بالضرورة، أو المنطقة كلها، أكثر استقراراً نتيجة لذلك.

ونظرا لأهمية تلك الدراسة وارتباط تفاصيلها بشكل وثيق بواقع الحرب الحالية، وتشديدها على أن النقاشات الأمريكية حول شن حرب على إيران غالباً ما تكون ذات دوافع سياسية، ومبنية على افتراضات غير مدروسة حول قدرة العمل العسكري على تحقيق أهداف الولايات المتحدة، سنتطرق لأبرز ما ورد فيها، فهي بمثابة كشَّاف يُسلط الضوء على مستقبل وتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وتجيب على سؤال الرئيس ترمب المتكرر: لا أدري لماذا انتظرنا (في الولايات المتحدة) 47 عاماً قبل أن نتحرك ضد إيران؟

حدود الأهداف والقدرات العسكرية

سعت الدراسة لنقاش أسئلة ينبغي أن يطرحها القادة الأمريكيون على أنفسهم عند التفكير في أي عمل عسكري: متى يكون استخدام القوة مبررا؟ ما هي الأهداف المرجوة؟ هل تمتلك الولايات المتحدة القدرة على تحقيق تلك الأهداف؟ ما هي استراتيجية الخروج من الحرب؟ ما هي الفوائد المحتملة لاستخدام القوة العسكرية في هذا الوضع؟ وأخيرا: ما هي التداعيات الفورية وبعيدة المدى؟

تنطلق الدراسة من تحديد وتقييم للهدف المعلن للعمل العسكري الأمريكي، وهو منع إيران من امتلاك سلاح نووي في حال بروز مؤشرات واضحة على عزمها ذلك، مثل انسحاب طهران من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وفصل أجهزة المراقبة التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومنع أي عمليات تفتيش ميدانية.

"خلص التقييم الأمريكي أن الحملة الجوية وحدها لن تكون قادرة على تدمير برنامج إيران النووي، وأن كل ما ستفعله هو تأخيره لعامين أو 4 أعوام على الأكثر"

وتخلص الدراسة إلى أن هذا الهدف غير قابل للتحقق عسكرياً بالاعتماد على تنفيذ حملة جوية كبيرة، مدعومة بهجمات سيبرانية وعمليات خاصة، سواء نُفِّذَت بشكل أحادي أو بالشراكة مع إسرائيل، واعتبرت أن النتيجة الأكثر ترجيحاً هي تأخير البرنامج النووي الإيراني لفترة زمنية محدودة، قد تصل إلى أربع سنوات، وستتقلص إلى عامين في حال تنفيذ إسرائيل للهجوم بمفردها، في ظل محدودية القدرات العسكرية الإسرائيلية على تدمير أهداف مبنية في أعماق الأرض مثل منشأة فوردو.

واستند هذا التقدير إلى طبيعة البرنامج النووي الإيراني ذاته، القائم على تعدد المواقع وتوزعها الجغرافي، وتحصين بعضها في أعماق الأرض، ما يستبعد تكرار نجاح ضربات إسرائيل السابقة ضد مفاعلات نووية في العراق وسوريا. فالضربات الأمريكية قادرة على إلحاق أضرار جسيمة بالمواقع النووية الرئيسية، لكن لا يُمكنها ضمان تدمير البرنامج النووي الإيراني بالكامل، في ظل احتمال وجود منشآت سرية، وقدرة طهران على إعادة بناء ما دُمِّر استناداً إلى خبرتها العلمية المتراكمة. إذن فالحرب ستولد حاجة إلى تكرار الضربات في المستقبل، أو القبول بعودة البرنامج النووي إلى مساره بعد الترميم.

تمتد إشكالية العمل العسكري إلى غياب التوافق داخل واشنطن بشأن طبيعة الأهداف نفسها. فبينما تشير التصريحات الرسمية الأمريكية عادة إلى هدف محدد يتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، تكشف الدراسة عن وجود اتجاهات داخل دوائر صنع القرار تتبنى أهدافاً أكثر طموحاً، تشمل تغيير النظام، أو إضعاف القدرات العسكرية والاقتصادية الإيرانية، وإعادة تشكيل سلوك طهران الإقليمي.

ويفتح هذا التباين الباب أمام فخ التصعيد، إذ تبدأ الحرب بهدف محدود، ثم تتوسع تدريجياً بفعل ديناميات الصراع، بحيث تتطلَّب حرباً جوية وبحرية لفترة طويلة من الزمن، وربما تمتد لسنوات، ما يستلزم نشر قوات برية واحتلال أجزاء من إيران أو حتى السيطرة على كامل البلد، بحسب الدراسة.

"يفتح غموض الأهداف الباب أمام فخ التصعيد، إذ تبدأ الحرب بهدف محدود، ثم تتوسع تدريجيا بفعل ديناميات الصراع"

يحتاج هذا السيناريو موارد بشرية وعسكرية تفوق ما خصصته الولايات المتحدة لحربي العراق وأفغانستان مجتمعيْن، بالنظر إلى حجم إيران الجغرافي، فمساحتها تبلغ نحو 1.8 مليون كيلومتر مربع، وتعدادها السكاني يبلغ حاليا 93 مليون نسمةٍ. تلك المعطيات جعلت الباحث العسكري الأمريكي مايكل أوهانلون يشير في كتاب أصدره مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية (CSIS)، إلى أن احتلال إيران يتطلب نحو مليون جندي أمريكي، كما أنه يُصعِّب وضع استراتيجية خروج من حرب ستتطلب في نهاية المطاف حلاً سياسياً.

تفترض الدراسة استخداماً كثيفاً للقوة الجوية الأمريكية، بما في ذلك القاذفات الشبحية والقنابل الخارقة للتحصينات، لاستهداف المنشآت النووية الإيرانية المدفونة في أعماق الأرض، إلى جانب تدمير أنظمة الدفاع الجوي ومراكز القيادة والتحكم، وجزء كبير من القواعد والمنشآت العسكرية الرئيسية التابعة للحرس الثوري والجيش. غير أن هذه القدرة الأمريكية، رغم تفوقها التقني، تظل مقيدة بعدة عوامل.

"يرى الباحث العسكري الأمريكي مايكل أوهانلون أن احتلال إيران يتطلب مشاركة نحو مليون جندي أمريكي"

أول هذه العوامل هو الجدل القائم حول قدرة الذخائر الأمريكية، مثل القنبلة الخارقة للتحصينات، على تدمير منشآت عميقة مثل فوردو بشكل كامل، حيث تشير التقديرات إلى أن الضربات قد تلحق أضراراً جسيمة بالمنشأة، لكنها لا تضمن القضاء النهائي عليها. أما العامل الثاني فيتعلق بطبيعة الأهداف نفسها، فنجاح الضربة الأولى لا ينهي العملية، بقدر ما يتطلب الحاجة إلى تقييم الأضرار وإعادة الاستهداف، خاصة إذا تبين أن بعض المنشآت قابلة لإعادة الاستخدام أو أن إيران نجحت في نقل جزء من قدراتها مسبقاً.

كذلك سيصبح الاعتماد على المعلومات الاستخبارية لتقييم نتائج الضربات أكثر تعقيداً في حال طردت إيران مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما يقلل من القدرة على التحقُّق بدقة من حجم الضرر الفعلي. وهو استشراف حدث بالفعل، إذ استهدفت الولايات المتحدة المنشآت النووية الإيرانية عام 2025، وأعلنت على لسان الرئيس ترمب تدميرها بالكامل، ثم عادت مجدداً عام 2026 لشن حرب تحت لافتة "منع إيران من امتلاك سلاح نووي".

إشكالية الرد الإيراني

يُعد طبيعة ومستوى الرد الإيراني عنصرا جوهريا في تقييم جدوى العمل العسكري الأمريكي ضد طهران. وقد رجَّحت الدراسة أن إيران لن تكتفي برد محدود، وستلجأ إلى مزيج من الأدوات العسكرية مثل استخدام الصواريخ الباليستية لضرب إسرائيل، إضافة إلى استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة.

توقعت الدراسة أيضا قيام طهران بشن هجمات على البنية التحتية للبتروكيماويات في الخليج، واستخدام قدراتها البحرية مثل الألغام والزوارق السريعة والصواريخ المضادة للسفن لعرقلة الملاحة في مضيق هرمز، وصولاً لإغلاقه لأيام أو حتى أسابيع، ما سيؤدي إلى اضطراب كبير في أسواق الطاقة العالمية، وارتفاع حاد في أسعار النفط. وهو تخوف حدث بالفعل، حيث ارتفع سعر برميل النفط من 60 دولاراً قبل الحرب ليتجاوز 100 دولارٍ.

"كل رد إيراني سيستدعي ردا أمريكيا أو إسرائيليا، والذي بدوره قد يدفع إيران إلى تصعيد إضافي، في حلقة يصعب التحكم فيها"

إلى جانب ذلك، حذَّرت الدراسة من تفعيل إيران لشبكاتها الإقليمية، مثل حزب الله والجماعات المسلحة في العراق، لتنفيذ هجمات صاروخية أو عمليات غير تقليدية، وتمديد نطاق الصراع جغرافياً، وزيادة تعقيد البيئة العملياتية، ضمن إستراتيجية تهدف لتحويل الصراع إلى حرب استنزاف متعددة الجبهات. كما أشارت الدراسة إلى أن أخطر ما في العمل العسكري ضد إيران هو ديناميات التصعيد التي قد يُطلقها. فكل رد إيراني سيستدعي ردا أمريكيا أو إسرائيليا، والذي بدوره قد يدفع إيران إلى تصعيد إضافي، في حلقة متتالية يصعب التحكم فيها.

وتزداد خطورة هذه الديناميات في ظل "ضباب الحرب" وارتفاع مستويات انعدام الثقة، ما يرفع من احتمالات سوء التقدير أو سوء الفهم السياسي أو سوء التقدير العسكري. وقد يؤدي ذلك إلى اتخاذ قرارات تصعيدية لم تكن ضمن الحسابات الأولية لأي من الطرفين، فما يعتبره أحدهما رداً مبرراً قد يُنظَر إليه من الطرف الآخر على أنه تصعيد وانتهاك للخطوط الحمراء، ما يفتح الباب أمام تحول الحرب المحدودة إلى حرب إقليمية.

وقد خلصت الدراسة إلى أن العمل العسكري قد يؤدي إلى نتائج عكسية حيث سيدفع إيران إلى تسريع برنامجها النووي بدلاً من إبطائه. فالهجوم الأمريكي سيعزز قناعة القيادة الإيرانية بأن تغيير النظام هو الهدف الحقيقي للحرب، ما يدفعها إلى اعتبار السلاح النووي وسيلة ردع ضرورية للحماية من الهجمات المستقبلية.

"خلصت الدراسة إلى أن العمل العسكري قد يؤدي إلى نتائج عكسية حيث سيدفع إيران إلى تسريع برنامجها النووي بدلاً من إبطائه"

كما قد تنسحب إيران من معاهدة عدم الانتشار النووي، وتنهي التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومن ثمَّ تقِل قدرة المجتمع الدولي على مراقبة برنامجها النووي، ويزيد من الغموض المحيط به بسبب نقص المعلومات. وبالفعل بعد هجمات 2025 علقت إيران زيارات مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية للمواقع النووية التي تعرضت لضربات، ما أثار تكهنات حول مدى الضرر الذي لحق بها.

على المستوى الدولي، يبرز احتمال تآكل نظام العقوبات، خاصة في حال تنفيذ الهجوم الأمريكي دون تفويض أممي، فقد تتراجع بعض الدول عن دعمها للسياسات الأمريكية. كما أن ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد، واضطراب أسواق الطاقة العالمية، يُضيفان بعداً اقتصادياً للأزمة يمس بالأمن الدولي والإقليمي، فضلاً عن إلحاق الضرر بسمعة الولايات المتحدة، وزيادة مصداقية الجهات المعادية لأمريكا.

رؤى مغايرة

تكشف تصريحات جون كيري وبانيتا وغيتس، عند النظر لها ضمن التقديرات الواردة في الدراسة، عن مفارقة في السلوك الأمريكي تجاه إيران: فبينما ظل خيار الحرب حاضرا نظرياً على الطاولة لعقود، امتنعت الإدارات المتعاقبة عن تفعيله عمليا لإدراكها حدود هذا الخيار، والحذر مما سيسفر عنه. فأي عمل عسكري دون الغزو البري، لن يحقق الهدف المعلن بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي.

وأقصى المأمول من الضربة تأخير القدرات الإيرانية عدة سنوات، مع بقاء إمكانية إعادة البناء قائمة، ما يطرح سؤالاً حول مدى استعداد واشنطن لتكرار الضربات كلما أعادت إيران بناء برنامجها، وهو ما حذر منه الرئيس ترمب قائلاً إنه لا يريد العودة لشن حرب كل 5 سنوات على إيران، ما يعني أن الخيار البديل هو أن تتجه واشنطن لتوسيع نطاق الحرب عبر تنفيذ عمليات برية لإسقاط النظام بالكامل.

"بينما ظل خيار الحرب ضد إيران حاضرا نظريا على الطاولة لعقود، امتنعت الإدارات المتعاقبة عن تفعيله عمليا لإدراكها حدود هذا الخيار"

في هذا الإطار، تُجسِّد تحذيرات ماتيس، التي نقلها بومبيو، منطقا راسخا داخل وزارة الحرب، مفاده أن شن حرب على إيران يعني الدخول في مسار تصعيدي تملك طهران أدوات مؤثرة فيه، سواء عبر قدراتها الصاروخية أو موقعها الجغرافي أو شبكاتها الإقليمية. وفي المقابل، يُمثِّل موقف بومبيو تصوُّرا مغايرا، يفترض قدرة الولايات المتحدة على التحكم في سلم التصعيد استناداً إلى تفوقها العسكري والاقتصادي. غير أن هذا التصور يصطدم بحقيقة أن ديناميات الحرب، بمجرد انطلاقها، لا تخضع لإرادة طرف واحد، وأن تفاعل الضربات والردود يولد مسارا تصعيديا قد يتجاوز الحسابات الأولية، خاصة في بيئة تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين وانعدام الثقة.

من هنا يمكن فهم سبب تردد الإدارات الأمريكية المتتالية تجاه شن عملية عسكرية على إيران، خصوصاً في ظل تقديرات تشير إلى أن الحرب قد تؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها تعزيز الدافع الإيراني نحو امتلاك سلاح نووي، وتآكل منظومة الرقابة الدولية، واضطراب علاقات واشنطن مع حلفائها في حال شن الحرب بشكل أحادي.

إن تحليلات حسابات فوائد الحرب وتكاليفها أدَّت طوال عقود إلى تراجع الإغراء باستخدام القوة، لصالح إدراك أكثر تعقيدا لطبيعة الصراع، ما جعل الحرب على إيران، رغم حضورها الدائم في الخطاب الأمريكي، خيارا مؤجلا، إلى أن عاد ترمب للبيت الأبيض، وقرر شنها دون النظر لتحفظات من سبقوه، بل ومع تعجُّبه من أسباب عدم إقدام أسلافه على شنِّها طوال نحو نصف قرن.

الأربعاء، 5 مارس 2025

مصر.. السفينة الغارقة

 مصر.. السفينة الغارقة

أحمد مولانا 

ماجستير علاقات دولية، باحث في مجال الدراسات الأمنية والسياسية

قبل أقل من شهرين كشفت الحكومة المصرية أنها تخطط لتشكيل لجنة وزارية من أجل التفاوض مع عدد من البلدان والبنوك الدائنة لمصر، من أجل مبادلة الدين العام بحصص في بعض الشركات المملوكة للدولة، كما أعلنت أنها تخطط بداية من العام الجاري حتى عام 2030، لتوريق 20-25% من عائداتها الدولارية أمام بنوك الاستثمار والمستثمرين الدوليين.


إن هذا السلوك هو ما قام به الخديوي إسماعيل في القرن التاسع عشر، وأدى إلى إفلاس البلد، وتعيين لجنة رقابة بريطانية فرنسية على الميزانية المصرية، فاشترطت تخفيض حجم الجيش آنذاك وصولا إلى عزل الخديوي إسماعيل، ضمن سلسلة من الأحداث قادت لاحقا إلى حدوث ثورة أحمد عرابي، واحتلال الإنجليز لمصر.


فضلا عما سبق، فقد استبعد بنك «جيه.بي مورغان» الأمريكي مصر من مؤشراته للسندات الحكومية، وهو ما يعني عدم ترشيحه للسوق المصري أمام المستثمرين الأجانب. فيما تجاوز سعر الدولار 50 جنيها في السوق السوداء، بينما السعر الرسمي 31 جنيها.


في الأسواق توجد شكاوى من ارتفاع الأسعار وعدم توافر العديد من السلع.


إقليميا، الأوضاع في غزة والسودان، فضلا عن ليبيا، تعني أن الدور على مصر التي أغرقها السيسي في دوامة منذ 2013، ولا تزيده الأيام سوى فشلا، بينما من أنشدوا تسلم الأيادي على دماء الأبرياء يعضون اليوم أصابع الندم، ولكن لات حين مناص. 
فكما ورد في التفسير (حين نـزل بهم العذاب لم يستطيعوا الرجوع إلى التوبة، ولا فرارا من العذاب).

الخميس، 16 يناير 2025

درس غزة القاسي.. لماذا انهزمت إسرائيل إستراتيجيا رغم فداحة التدمير؟

 درس غزة القاسي.. لماذا انهزمت إسرائيل إستراتيجيا رغم فداحة التدمير؟

أحمد مولانا 
باحث و كاتب


"لن نقبل بصفقة تبدد إنجازات الحرب، والصفقة الوحيدة المقبولة هي استسلام من بقي من حماس، وتحرير المختطفين".

هكذا صرح وزير المالية الإسرائيلي، ووزير الدولة بوزارة الدفاع، وعضو مجلس الوزراء الأمني المصغر، بتسلئيل سموتريتش في يوليو/تموز 2024 بعد أكثر من 9 أشهر على الحرب، وهو تصريح يتسق مع ما أفصح عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أكثر من مناسبة، ومنها في خطابه أمام الكونغرس الأميركي في الشهر نفسه، إذ أشار إلى أن الحرب في غزة ستنتهي فقط إذا استسلمت حماس وألقت سلاحها وأعادت الأسرى.

شدد نتنياهو في خطابه أيضا على أن الجيش الإسرائيلي سوف يبقى في غزة كي لا تشكل أي تهديد عسكري، مشيرا إلى إمكانية تشكيل إدارة مدنية في غزة يقودها فلسطينيون لا يعادون إسرائيل، ومؤكدا رفض تسليم القطاع للسلطة الفلسطينية تحت شعار "لا حماستان ولا فتحستان"، ثم عزز نتنياهو موقفه بتأكيد الاحتفاظ بمحوري نتساريم وفيلادلفيا زاعما أن محور فيلادلفيا أصبح قضية وجودية وأن التواجد فيه أصبح إستراتيجية لا غنى عنها لأمن إسرائيل.

ولعله من نافلة القول أن تلك التصريحات الإسرائيلية ومثيلاتها لم تُطلق في الفراغ، إذ رافقتها تحركات عسكرية على الأرض شملت حشد نصف مليون جندي إسرائيلي نظامي واحتياطي بعد ما جرى يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بهدف تحقيق 3 أهداف للحرب، وهي: القضاء على حكم حماس في غزة، وتفكيك القدرات العسكرية للحركة وسائر فصائل المقاومة في القطاع، والإفراج عن الأسرى الإسرائيليين.

وفي المقابل، التزمت حماس بأن أسرى الاحتلال لن يفرج عنهم دون اتفاق تبادل، وتمسكت الحركة بـ3 شروط لقبول أي صفقة وهي: عودة السكان لشمال غزة دون استثناء الرجال، والوقف الدائم لإطلاق النار، والتعهد بالانسحاب الإسرائيلي من القطاع.

وبالفعل انتهت الحرب الطويلة أخيرا باتفاق بوساطة قطرية مصرية ورعاية أميركية ينص على الانسحاب الإسرائيلي تدريجيا من غزة، بما في ذلك محور نتساريم الذي يفصل شمال القطاع عن جنوبه، ومحور فيلادلفيا على الحدود المصرية الفلسطينية، والإفراج عن الأسرى وفق اتفاق تبادل، مع عدم التطرق إلى مستقبل حكم القطاع داخل الاتفاق.


في غضون ذلك، كان الأسبوع الأخير قبل اعتماد الاتفاق من الأسابيع الدامية لجيش الاحتلال حيث شهد مقتل أكثر من 15 ضابطا وجنديا وإصابة العشرات، في دلالة على أن الهيكل العسكري لفصائل المقاومة لم يتفكك، وأن عناصرها رغم الحصار وشدة القصف وحجم المجازر الضخم ضد المدنيين، لم يرفعوا رايات الاستسلام، ولم يجعلوا الاحتلال يقرّ له قرار على أراضيهم، وجعلوا أيامه نزيفا متواصلا من الخسائر.

أهداف الحرب

لم تكن حرب غزة حربا تقليدية بين جيشين، بل هي حرب بين جيش احتلال مدعوم بقوى دولية ضد فصائل مقاومة محاصرة تملك القليل من الإمكانات العسكرية.

ولذا فإن مؤشرات الانتصار أو بمعنى أدق "نظرية النصر" لدى كل طرف تظل مختلفة تماما عن الآخر، ولا يحددها فقط حجم الخسائر البشرية لدى كلا الطرفين، وعلى جانب الاحتلال يتمثل الانتصار في تحقيق أهداف الحرب الثلاثة التي حددها نتنياهو بنفسه كمعايير للنصر، بينما يتعرف النصر لدى المقاومة من خلال قدرتها على الصمود ومنع الاحتلال من تحقيق أهدافه.

في صبيحة 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 انهارت أركان نظرية الأمن الإسرائيلية القائمة على الردع والتفوق الاستخباري، مع سقوط خط الدفاع الإسرائيلي مع قطاع غزة بالكامل، فضلا عن نجاح مقاتلي المقاومة في أسر مئات الأشخاص والعودة بهم إلى غزة، ومقتل وإصابة آلاف الجنود والمستوطنين في أضخم خسارة بشرية تلحق بإسرائيل في يوم واحد منذ تأسيسها، مما دفع نتنياهو إلى التصريح بأن "إسرائيل في حرب وجودية صعبة"، في حين لخص مارتن أنديك السفير الأميركي الأسبق في تل أبيب -الذي توفي في يوليو/تموز من العام الفائت- دلالة ما حدث قائلا إن "حماس أعادت إحياء فكرة هزيمة إسرائيل بالقوة".

في مواجهة هذه الحقيقة الجديدة والصعبة، شنت إسرائيل أضخم هجوم لها في فلسطين منذ النكبة وخاضت أطول حرب في تاريخها امتدت إلى 15 شهرا. واعتمدت الحملة العسكرية في مرحلتها الأولى على قصف جوي غير مسبوق لتدمير كل ما له صلة بالمقاومة والمجتمع المحيط بهم من منازل سكنية ومقرات حكومية ومؤسسات اجتماعية، فضلا عن الانتقام الجماعي من الأهالي عبر إحداث مقتلة هائلة في صفوف المدنيين، بالتزامن مع حصار مشدد يشمل منع المياه والطعام والوقود والكهرباء عن سكان القطاع، وتهديم البنية التحتية من مستشفيات ومدارس ومؤسسات.

لاحقا، شن الاحتلال عملية برية شملت كل أنحاء قطاع غزة، مع تكرار حملات الإخلاء لمنع السكان من الشعور بالاستقرار ولو في خيم النزوح، وأسفرت تلك المجزرة عن قرابة 50 ألف شهيد وفق الأرقام الرسمية، وأضعافهم من المصابين والمهجرين والمشردين، فضلا عن تدمير أغلب مقومات الحياة في قطاع غزة

        جانب من آثار الدمار التي خلفها قصف طائرات جيش الاحتلال (وكالة الأناضول)                     

عسكريا، أعلن الاحتلال شروعه في تفكيك البنية التحتية للمقاومة، وتدمير بنيتها العسكرية ومنظومات القيادة والسيطرة، متعهدا بقتل كل من شارك في طوفان الأقصى، والقضاء على شبكة الأنفاق الواسعة، والأهم تحرير أسراه من خلال الضغط العسكري، رافضا عرض المقاومة منذ بداية الحرب بالتفاوض لإجراء عملية تبادل أسرى تشمل كل الأسرى من الجانبين.

وفي منتصف عام 2024 أعلنت هيئة البث الإسرائيلية أن حكومة نتنياهو أعطت الجيش الضوء الأخضر للانتقال تدريجيا للمرحلة الثالثة والأخيرة من الحرب، والتي تشمل البقاء في محوري نتساريم وفيلادلفيا للضغط على حماس، وتنفيذ غارات وعمليات برية مركزة تستهدف مقدرات المقاومة وعناصرها. ووسع جيش الاحتلال محور نتساريم عبر هدم المنازل على جانبيه، بهدف فصل شمال قطاع غزة الذي تعرض للقدر الأكبر من التدمير عن جنوبه.
فشل المخططات الإسرائيلية

في غضون ذلك، أعلن الاحتلال مخططات عدة لمستقبل قطاع غزة، بينما أطلق وزراء يشغلون مناصب حكومية تهديدات بمحو غزة تماما وتهجير أهلها عن بكرة أبيهم، كما في حديث وزير التراث عميحاي إلياهو بأن أحد الخيارات أمام إسرائيل هي إسقاط قنبلة ذرية على القطاع، وإشادة وزير المالية سموتريتش بمقال عضوين في الكنيست بصحيفة وول ستريت جورنال، دعوَا فيه إلى تهجير 10 ألاف فلسطيني لكل دولة من دول العالم، في حين شدد وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير على أن الاستيطان في قطاع غزة وتشجيع هجرة الفلسطينيين منه صارا هدفين واقعيين.

ومن بين تلك المخططات التي قادت الاحتلال خلال شهور الحرب الطويلة مقترح إقامة حكم عسكري في غزة، وهو المخطط الذي ندد به علنا وزير الدفاع الإسرائيلي -آنذاك- يوآف غالانت بمؤتمر صحفي في مايو/أيار 2024، فقد كشف أن بعض الجهات في حكومة الاحتلال تدفع باتجاه إقامة حكم عسكري في غزة، وأبدى تخوفه من غرق الجيش في حرب استنزاف طويلة في حال المضي قدما في تنفيذ هذه الخطة.

أكثر من ذلك، سعى الاحتلال من خلال غسان عليان منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية للشؤون المدنية في محاولات لدفع بعض العائلات الغزية إلى تشكيل إدارة أهلية في مناطق وجودها، والتنسيق معها في إدخال المساعدات وتوزيعها، وهو ما رفضه وجهاء العشائر وكبار العائلات مشترطين التنسيق أولا مع الأجهزة الأمنية بغزة، وهو موقف رحبت به حماس.

كذلك شجع الاحتلال على حدوث مظاهر فوضى في غزة شملت عمليات للسطو على شاحنات المساعدات، غير أن المقاومة ووجهاء العشائر عملوا على التصدي بحزم لتلك المظاهر ولإحباط المخططات الإسرائيلية.


أما واشنطن، فأعلنت تدشين رصيف بحري في غزة لتسليم المساعدات الإنسانية، وهو ما عكس رغبة أميركية إسرائيلية في سحب ملف توزيع المساعدات من أي جهة فلسطينية بغية تحقيق قدر أكبر من السيطرة عبر التحكم في توزيع الطعام في القطاع، وتزامن ذلك مع الاستهداف الإسرائيلي الممنهج لأي مظاهر حكم في غزة لتعزيز حالة الفراغ الإداري والأمني، إذ استهدف جيش الاحتلال عناصر أجهزة الأمن العام والأمن الداخلي ولجان الطوارئ والشرطة بقطاع غزة.

وكشف الجيش الأميركي أن تكلفة بناء الرصيف بلغت 320 مليون دولار بمشاركة ألف جندي أميركي، لكن مشروع الرصيف انتهى بالتخلّي عنه وتفكيكه بسبب تجاوز أعباء تشغيله الفوائد المجنية منه، وفشله عمليا مع تعطله أكثر من مرة بسبب الأمواج العالية.

وفي سبتمبر/ أيلول 2024، درس الاحتلال خطة اقترحها مستشار الأمن القومي السابق الجنرال غيورا أيلاند، وتقضي بإعلان شمال غزة منطقة عسكرية مغلقة، وطرد من تبقّى من المدنيين والسكان "300 ألف شخص" إلى جنوب القطاع عبر تجويعهم ومنع إدخال أي مساعدات إنسانية، واعتبار كل من يظل في الشمال مقاتلين في المقاومة، وتصفيتهم، مما يجعلهم عرضة للاستهداف. وذلك للضغط على حماس لإجبارها على الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين، فيما عُرف إعلاميا بـ "خطة الجنرالات".

وبالفعل بدأ الاحتلال في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2024 عملية عسكرية جديدة في مخيم جباليا بشمال غزة مع إجراءات في شمال القطاع تتسق مع  هذه الخطة.

وفي الخلفية من المشهد كله، كانت حركات الاستيطان الإسرائيلية تمني نفسها بالعودة إلى القطاع الذي انسحبت منه مرغمة قبل عقدين، ضمن خطة فك الارتباط لرئيس الوزراء الأسبق أرييل شارون. وقد عقدت حركة نحالا الاستيطانية مؤتمرا في أكتوبر/تشرين الأول الماضي بخصوص "إعادة الاستيطان في غزة" بحضور وزراء في حكومة نتنياهو مثل بن غفير وماي غولان، وأعلنت تسجيل 700 عائلة للسكن في مستوطنات محتملة في غزة.

وأشار البيان الختامي للمؤتمر إلى أن البدء في بناء المستوطنات قد يحدث في غضون عام. واللافت أن منظمي المؤتمر من بينهم وزراء بالحكومة يدفعون باتجاه تنفيذ مخططهم رغم إبداء الجيش تحفظه تجاه إمكانية تنفيذه وكلفته.

الخلافات الداخلية

وسط هذا الزحام من الخطط الصهيونية المتخبطة، أصبح واضحا أن حكومة الاحتلال لا تمتلك رؤية لإنهاء الحرب وتحقيق الأهداف التي ألزمت نفسها بها، وأن السبب الرئيسي لاستمرار الحرب هو أن قادة الاحتلال لا يمتلكون تصورا حول تحقيق النصر خلالها، مكتفين فقط بالإمعان في أعمال التنكيل والإبادة الجماعية.

ومع كل يوم إضافي للحرب تناقصت مكتسباتها العسكرية باضطراد، بما يعني أن تكلفة مواصلة الحرب تفوق المنجزات العسكرية المتحققة على الأرض. ويوما بعد يوم، توسعت الهوة بين وعود القيادة الإسرائيلية ونتائج الحرب، وبدأ كبار السياسيين والقادة العسكريين في تبادل الاتهامات.

فمن جهته، حمّل نتنياهو قيادة الجيش وأجهزة الاستخبارات المسؤولية عن الفشل في التصدي لهجوم 7 أكتوبر، وقال إن "كل وكالات الاستخبارات اعتبرت أن حركة حماس كانت تحت الردع إثر الحروب السابقة وتتجه نحو التسوية".

وفي المقابل، صدم دانيال هاغاري المتحدث باسم جيش الاحتلال نتنياهو وحكومته بتصريح صاعق في 19 يونيو/حزيران 2024 قائلا إن "الكلام عن القضاء على حماس خداع للجمهور لأنّ حماس فكرة ولا يمكن تدمير الأفكار، وأنه طالما لم تجد الحكومة بديلا لها فستبقى في غزة"، ولذا سرعان ما رد وزير الاتصالات شلومو كارعي قائلا "إن تصريحات المتحدث باسم الجيش تشير إلى الروح القيادية المتراخية والضعيفة لرئيس الأركان ووزير الدفاع".


لم تقتصر الخلافات على التراشقات الإعلامية فقد شملت تطورات عملية حملت رسائل سلبية وقت القتال، فعلى سبيل المثال انهار مجلس الحرب الذي تشكل من 5 أعضاء بعد طوفان الأقصى عقب انسحاب بيني غانتس وغادي أيزنكوت منه في 9 يونيو/حزيران 2024، ودعوتهما لإجراء انتخابات بأسرع وقت ممكن، واتهامهما لنتنياهو بعرقلة اتخاذ قرارات إستراتيجية مهمة لاعتبارات سياسية.

كما تصاعدت الخلافات بين نتنياهو وبين وزير الدفاع والجيش من جانب آخر على وقع تداعيات الحرب، فحينما صادق الكنيست على قانون تمديد إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية صوت وزير الدفاع غالانت إلى جانب المعارضة، وخالف حزب الليكود الذي ينتمي له، بحجة عدم العدالة في توزيع أعباء الحرب، وعيش الحريديم عالة على المجتمع، وهو ما تسبب في تفاقم الخلافات وصولا إلى قرار نتنياهو بإقالة وزير دفاعه غالانت في الأسبوع الأول من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

بالإضافة إلى ذلك، وقعت العديد من الاستقالات وسط قادة الجيش وأجهزة الأمن على خلفية الإخفاق في التصدي لطوفان الأقصى، والخلاف مع إدارة الحكومة والجيش للحرب، ومن أبرز المستقيلين أهارون هاليفا رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، وأمير برعام نائب رئيس الأركان، وتامير يدعي قائد القوات البرية، ويوسي شاريئيل قائد وحدة التجسس 8200.

وكانت المحصلة لكل ذلك هي ازدياد حجم التشققات في المجتمع الإسرائيلي مع طول أمد الحرب، وتضرر جنود الاحتياط من طول فترات خدمتهم، والانزعاج من رفض الحريديم للتجنيد في الجيش، واستمرار نزيف الخسائر البشرية، والإنهاك من صفارات الإنذار المتكررة بسبب القصف الصاروخي وبالطائرات المسيرة من لبنان واليمن.

الفصل الأخير

لقد ماطل نتنياهو طويلا في عقد صفقة لوقف الحرب، وطرح شروطا على المقاومة أقرب إلى الاستسلام، وراهن على أن الضغط العسكري المكثف وارتكاب المجازر في غزة سيحسن شروط الصفقة؛ وسيضمن تفكيك القدرات العسكرية لحماس فضلا عن إضعاف قدرتها على الحكم، فيما عمل جيش الاحتلال على تحويل قطاع غزة إلى منطقة غير قابلة للمعيشة، بهدف دفع السكان عند أول فرصة لمغادرته.

لكن في المقابل، صمدت حماس رغم ضخامة الثمن، ولم ترفع راية الاستسلام، وأعلنت أنها لن تقبل اقتراحات جديدة من إسرائيل، وأنها تطالب بتنفيذ الاتفاق السابق الموافقة من الطرفين عليه منتصف عام 2024 استنادا إلى رؤية بايدن وقرار مجلس الأمن، دون قبول تعديلات كتلك التي تشترط بقاء الاحتلال في محوري فيلادلفيا ونتساريم، وتفتيش العائدين إلى شمال القطاع من السكان.

ونجحت المقاومة بتوليد قناعة لدى الأطراف كافة بما فيها واشنطن باستحالة القضاء على المقاومة عسكريا، وهو ما أقرّ به وزير الخارجية الأميركي بلينكن قائلا إن حماس جندت خلال الحرب مقاتلين أكثر ممن فقدتهم.

تشير قدرة حماس وفصائل المقاومة على الاحتفاظ بأكثر من 90 أسيرا (يُعتقد أن بعضهم قتلوا بسبب القصف الإسرائيلي) رغم تلك الحرب الطاحنة، وتنفيذ هجمات يوميا على جيش الاحتلال في أنحاء غزة، واستمرار التواصل بين القيادة السياسية في الخارج والقيادة العسكرية في الداخل، إلى أن أهداف الاحتلال المعلنة لم تتحقق، وأن بنية المقاومة ما زالت موجودة وفاعلة، وأن منظومة القيادة والسيطرة تعمل ولم تتفكك، وذلك يعني فشل نتنياهو في تحقيق أحد الأهداف الرئيسية الكبيرة للحرب، ومن نافلة القول الإشارة إلى أن الهدف الكبير الآخر وهو استعادة الأسرى لم يتحقق أيضا.


تقاطع هذا الصمود الكبير لحماس في مواجهة التعنت الشديد لنتنياهو مع قرب وصول إدارة ترامب للبيت الأبيض في 20 يناير/كانون الثاني 2025، حيث تشكلت قناعة في واشنطن بأن نتنياهو يطيل أمد الحرب لتحقيق أهدافه السياسية الخاصة، وهو ما تقاطع مع رغبة ترامب في إنهاء الحرب بالشرق الأوسط للتفرغ لملفات أخرى ذات أولوية لديه، ولتجنب توريط أميركا في حرب لا مصلحة لها فيها، فضلا عن رغبة ترامب في تعزيز مسار التطبيع العربي مع إسرائيل بضم دول أخرى لاتفاقية أبراهام، وهو ما لا يمكن تنفيذه مع استمرار الحرب.

لقد أثبتت عملية طوفان الأقصى استحالة تحقيق إسرائيل للأمن مع استمرار انتهاكاتها للفلسطينيين واحتلالها لأراضيهم، كما أعادت طرح ملف الاحتلال الإسرائيلي على الأجندة السياسة العالمية، وأحدثت زلزالا جيوسياسيا بالمنطقة، ظهرت أولى تداعياته في لبنان وسوريا، ووضعت إسرائيل تحت مطرقة الحصار الدولي رغم مظلة الحماية الأميركية، حيث أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال بحق نتنياهو ووزير دفاعه غالانت، في حين اعترفت النرويج وإسبانيا وأيرلندا بالدولة الفلسطينية.

ومع هدوء غبار المعركة، ستصبح المسيرة السياسية لنتنياهو في خطر، إذ ستتشكل لجان تحقيق لتحديد أوجه القصور ومحاسبة المسؤولين عنها، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء الذي أشغل الرأي العام الإسرائيلي بتعديلاته القانونية التي أحدثت شرخًا مجتمعيا وأضعفت الاحتلال أمام خصومه، في وقت تتعالى فيه الأصوات في إسرائيل بأن الصفقة الأخيرة هي ذاتها التي عرقلها نتنياهو في منتصف عام 2024، وها هو ذا يقبل بها بعد أن دفعت إسرائيل ثمنا أكبر، وخاضت شهورا إضافية من القتال بلا طائل.

لا شك أن حرب الإبادة الإسرائيلية أحدثت دمارا هائلا في غزة بشريا وماديا، وتركت ندوبا غائرة تحتاج زمنا طويلا للتعافي، لكن الحقيقة الأكيدة أنها فشلت في تحقيق أهدافها، والأهم أنها لم تكفل الأمن لإسرائيل. لقد خرجت دولة الاحتلال من الحرب أكثر توحشا، لكنها في الوقت نفسه أكثر ضعفا وهشاشة، والأهم أن تداعيات هذه "الهزيمة الإستراتيجية" لإسرائيل لا تزال في بدايتها، وربما يتطلب الأمر سنوات قبل أن يدرك الإسرائيليون حقيقة ما فعله نتنياهو بدولتهم حين أوهمهم أن بإمكانه تحقيق الأمن من خلال تدمير غزة وإبادة شعبها.