‏إظهار الرسائل ذات التسميات مروان الغفوري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مروان الغفوري. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026

حدوده حيث تقف دباباته

حدوده حيث تقف دباباته

مروان الغفوري
كاتب وروائي وطبيب قلب من اليمن

التقيت ببعض الأصدقاء، في الأيّام الماضية، في مدينة أوتريخت بهولندا. ذهبنا للصلاة في مسجد المدينة. في الخارج، بعد الصلاة، كنّا نتحدّث عن الحرب. 

اقترب منّا رجل يبدو من لهجته أنّه فلسطيني، خاطبنا بلهجة عدوانية: "أنتم راضون عن إطلاق الصواريخ على مكّة والمدينة؟ وصل بكم الحال أن.."، قاطعه الشباب، حاولوا توضيح سوء الفهم، لكن الرجل واصل هجومه علينا دفاعاً عن مكة والمدينة. أشرت بيدي للأصدقاء فتركوني أتحدّث، سألته: "من يطلق الصواريخ على مكّة والمدينة؟"، أجاب: "الحوثي". قلتُ له: "إذن هو كذا وكذا". تراجع الرجل إلى الخلف، وضع يده على صدره واعتذر عن سوء الفهم.

شيئاً فشيئاً يذوب الثلج ويظهر المرج. على نحو يومي يتعرّف مزيد من الناس، خارج اليمن، على طبيعة المأساة اليمنية. على أنّ الحوثي خطرٌ، ليس لأنه يطلق المقذوفات على مكّة، بل لأنّه سحق شعباً كاملاً ثم وضع قواعد الصواريخ فوق ركام منازله. 

الحوثية ليست جزءًا من السياسة، ومن غير الممكن الحديث عنها بوصفها كياناً مجتمعيّاً يمكن فهمه والتعامل معه بالقواعد والشروط المُتعارف عليها. الجهادية تمثّل العصب الذهني لدى الجماعة، والسيف أكبر من السياسة في رؤيتها للعالم. كانت "داعش" شظية جهادية غير عاقلة، بلا تاريخ، أمّا الحوثية فهي تجلّ حديث لنظرية قديمة. إنْ كانت الثورة الإيرانية رصاصة انطلقت من القرن السابع الميلادي وحطّت في القرن العشرين، كما يقول هيكل، فالحوثية قذيفة انطلقت من القرن العاشر الميلادي وهبطت في القرن الواحد والعشرين. الفرق بين الرصاصة والقذيفة ليس شأناً مجازياً، بل وضعية تاريخية لا تزال في طور التشكّل. 

الحوثي خطرٌ، ليس لأنه يطلق المقذوفات على مكّة، بل لأنّه سحق شعباً كاملاً ثم وضع قواعد الصواريخ فوق ركام منازله

الأقلية التي تمثّلها الحوثية تجعل منها مشروعاً على أهبة الرحيل، جماعة تنام فوق حقائبها المُعبّأة. ينبغي علينا التركيز على الحقيقة الجهادية للجماعة، فهي المعمار الشامل الذي يتجوّل بداخله التنظيم. يقدّم الحوثي نفسه بحسبانه الدولة اليمنية، وتطلق تشكيلاته العسكرية على ذاتها مُسمّى القوات المسلّحة اليمنية. غير أنّ الجماعة وهي تخوض حروباً ضدّ الداخل اليمني، كما لاحظ الباحث المرموق زيد جابر، تُطلق على عملياتها العسكرية مُسمّى الجهاد.

الجهاد فعلٌ ينتمي إلى المدوّنة اللغوية والفلسفية للحركات الإسلامية المتطرّفة، لا إلى سلوك الدول. منذ العام 2015 والحوثيون يرفضون إعطاء موظفي الخدمة العامة رواتبهم. الأموال التي تصبّ في خزينة الحوثي تذهب جميعها إلى حقول البنية الجهادية، المجهود الحربي، والدعاية الأيديولوجية. لا يقدّم الحوثي أي إشارة تقول إنّه يفهم في بناء الدول أو صناعة السلام. العيش المشترك تحدّ صعب بالنسبة له، فلم تمض عليه سوى أيّام قليلة منذ سيطرته على ريف تعز المُختلف عنه مذهبياً، حتى شرع في تأثيث بنيته التحتية الأيديولوجية على صعيد العبادات، الطقوس، التعليم، الإشارات، وحتى الكود اللغوي. لا يؤمن الحوثي بالتنوّع على أي مستوى، فالتنوّع شكلٌ من أشكال العصيان.

يعيش اليمن في هامش العالم العربي، وعلى حدود العالم الحديث. أراد في العام 1962 الخروج من سجن الإمامة الكهنوتية فضلّ طريقه داخل سرداب من الجمهوريات الشائكة. خلال ستين عاماً غادر كلّ رؤسائه، شمالاً وجنوباً، إمّا قتلى أو منفيين أو مسجونين. يصعب علينا العثور على استثناء. بقي اليمن ينمو ديمغرافياً، ويصغر سياسيّاً حتى صار بلا شأن.

كانت داعش شظية جهادية غير عاقلة، بلا تاريخ، أمّا الحوثية فهي تجلّ حديث لنظرية قديمة

لم يكن الرئيس صالح جديراً بإدارة البلد، إذ كان يعاني من عجز في الخيال، ويفتقد إلى الصفات التي تتطلّبها قيادة بلد يعيش على حافة الحضارة. اخترع، في سياق تاريخي، مسألة الإرهاب ظنّاً منه أنّها الوسيلة الوحيدة التي ستقرّب بلاده من مصالح العالم وشبكاته الحيوية. تلاعب بالمسألة، قدّم شعبه كشحّاذين وإرهابيين، وكان كلّما خرج تصنيف اليمن من قائمة الدول الأكثر فقراً إلى الدول الفقيرة يرسل رجاله بقائمة بيانات تقول إنّ البلاد لا تزال ضمن الدول الأكثر فقراً. روّع نفسه وبلاده، ولو استطاع أن يضع على كلّ فرد من شعبه قتبة ليشحذ بها لفعل، كما هي مقولة الصحافي اليمني فكري قاسم. أخذته اللعبة بعيداً حتى اكتشف الحوثية، وهي لا تزال حفنة دبابير في عشّ اسمه مرّان. فتح صندوق باندورا فخرجت العفاريت وغزت البلاد، وأهلكت الحرثَ والنسل.

الحوثية أخطر من القاعدة، الأولى ظاهرة جهادية تمتحُ من تاريخ ليس له قرار، تعرف السياسة والشعر والسيف والتاريخ. أمّا القاعدة، أو حتى داعش، فشظايا خارج سياق الزمان والمكان. يسيء العالم تقدير خطورة الحوثيين ربّما لأنّ اليمن، لوحده، اختبر حقيقتهم. فهم يصدّرون للعالم وجهاً مُتحضّراً ومُتسامحاً، ولديهم ذلك الوجه. فقد تدرّبوا على السياسة والعلاقات الدولية من خلال عملهم داخل جهاز الجمهورية لزمن طويل. قالت دراسة أجراها البنك الدولي، قبل أعوام، إنّ معدل عمر مقاتلي "داعش" كان 23 عاماً، ما يعني أنّها في نهاية المطاف حركة مراهقين مُنفلتين، يعالجون مشاكلهم النفسية بالقتال كما لاحظت آن أبلباوم، في مقالة لها على واشنطن بوست. الحوثية، بالمقابل، كيانٌ تاريخي بالغ التعقيد، حوله إجماع من الداخل، يملك جهازاً ثقافياً ومعرفياً يحرسه ويُنير له الطريق، جماعة متعدّدة الطبقات يزهرُ الإرهاب في كلّ جنباتها. 

اختفت داعش من عالم اليوم، أو تراجعت إلى زاوية مُظلمة. الحوثية لن تعود إلى حجرة مُظلمة، ولا حتى إلى العشّ في جبل مرّان. إن انهارت، وهذا احتمال قائم، فستختفي من الوجود. هي الآن جسد عسكري كبير، قيادة عالية التدريب، وتشكيلات بخبرة عالية في أصعب المعارك، معارك الجبال. دخلت في الورطة التي انزلقت إليها كيانات مختلفة في التاريخ: نصر بلا استراتيجية خروج. 

لا يؤمن الحوثي بالتنوّع على أي مستوى، فالتنوّع (بالنسبة له) شكلٌ من أشكال العصيان

بخبرة ثلاثين عاماً في الحرب لن يكون الحوثي قادراً على الحياة عاماً واحداً في السلام. حصل على هدنة لمدّة أربعة أعوام، استغلّها في التحضير للحرب القادمة، الحرب الراهنة. لا تزال أمامه أرض كبيرة تزيد مساحتها عن 300 ألف كيلومتر مربّع، وجيوش ومجتمعات تعارضه لأسباب سياسية وأخرى دينية. لا يقبل المشاركة في حكم البلاد، نظريته قائمة على أساس كونه "القائم مقام النبي"، أي صاحب العصمة السياسية والدينية. يفكّر في أن يفرض جبروته على كلّ ما بقي من الأرض وعلى من تبقّى من السكّان. لذا تبدو معاركه في اتجاه عدن أكثر ضراوة من أيّ جبهة أخرى. فيما يشبه الحملات الصليبية يقوم رجاله بحشد القادرين على السلاح حتى من مؤسساته المدنية، فلا بُدّ من إنهاء المسألة اليمنية لصالح دولة يكون هو فيها النائب بالحقّ عن النبي، تصدر عنه خيوط كلّ شيء وتنتهي إليه خيوط كلّ شيء. هذه الفكرة تجعل الحرب بالغة الضراوة، فمن جهة يدفع اليمنيون ضدّ هذه الرؤية القاتلة بكلّ ما لديهم من وسائل، ومن الناحية الأخرى يزج الحوثي بكلّ البشر في معركة صفرية. رؤيته للعالم لا تقبل أنصاف الحلول، ولا الوقوف في منتصف الطريق، هكذا قتل حليفه صالح بعد عامين فقط من العمل المشترك. 

أراد لهذه الحرب أن تكون حرباً خاطفة، وإن تعثّرت فسيجعل منها حرباً مُستدامة. شعاره، الذي يردّده مراراً: "ليس لدينا ما نخسره". وهو بهذا يراهن على إرهاق الحروب، على سأم الحلفاء والشركاء، وعلى وجع الشتات. غير أنّ الذين يقاتلونه الآن، في نسبة كبيرة منهم، كانوا تحت العاشرة من أعمارهم حين دخل صنعاء، ما يعني أنّ الحرب المستدامة التي يريدها ستصير، على الجهة الأخرى، إلى حرب أبدية.

قلتُ في مقالة سابقة إنّ هذه الحرب، المستدامة أو الأزلية، لا يمكنها أن تكون منسية، فلا يملك العالم، ولا الإقليم، ترف غضّ البصر عنها. ربّما كان من الأفضل أن ندعو العالم إلى فهم أفضل لأزمتنا الوجودية قبل أن نطلب منه مدّ يد العون. من المؤكّد أنه سيُصاب بالذهول حين يقف على طبيعة المعضلة التي نراها وندركها ونختبرها منذ زمن. فالرجل الذي نهرنا ونحن نغادر المسجد في أوتريخت، ظنّاً منه أنّنا مُتحوّثون، ما كان ليفعل ذلك لو أنّ خبر مكّة والمدينة لم يصل إليه. 

الجمعة، 23 أكتوبر 2026

الأمواج الحوثية.. من الداخل إلى العالم

الأمواج الحوثية.. من الداخل إلى العالم

د.مروان الغفوري
كاتب وروائي وطبيب قلب من اليمن


أنهى الحوثي هدنة استمرّت لسنوات وأشعل حرباً شاملة هجينة الطابع. بدأها بالحديث عن الحصار، وهدّد بضرب المطارات والموانئ. 

السؤال الأوّل الذي طرحناه على أنفسنا كان: ما هي الموانئ التي يقصدها؟ سرعان ما انهالت صواريخه على ميناء المخا لتجعل منه أثراً بعد عين.

استغل سنوات الهدنة في الإعداد للحرب القادمة. دخل، منذ العام 2004، في عشرات الهدن، ولم تكن الهدنة بالنسبة له سوى استراحة محارب.

بينما انشغلت الحكومة خلال سنوات الهدنة بمحاولة تعزيز مؤسسات الدولة وتثبيت الركائز الهشّة للاقتصاد، كان الحوثي يبني في السرّ هجومه الكبير لبسط نفوذه على كلّ البلاد. 

تقول تقديرات العسكريين في الجيش اليمني إنّ الموجة الأولى من الهجوم، التي استهدفت محافظة تعز، حشد لها حوالي 85 ألف مقاتل. 

تعز هي الباب الذهبي لعدن، رأى الحوثي الطريق إلى عدن أقرب من أيّ وقت مضى، وتوقّع حياداً سعودياً. لم يتردّد في إطلاق أخطر صواريخه على مدن سعودية في محاولة لدفعها لمغادرة المشهد اليمني، وإفساح الطريق أمامه لينفرد بالداخل المُفكّك والتائه. 

لم تكن الهدنة بالنسبة للحوثي سوى استراحة محارب

السعودية لم تقف على الحياد، فهي لا تملك ذلك الترف. في المواجهة مع إسرائيل قدّم الحوثي نفسه بحسبانه المحارب المجنون، ذلك الذي لا يمكن التنبّؤ بردّة فعله. كذلك فعل في صدامه البحري مع أميركا. في خطاباته هدّد السعودية، كما إسرائيل، باللاشيء اليمني. يردّد قائلاً "ليس لدينا ما نخسره"، وهي جملة تعني في أبسط ترجماتها: بلادي مسحوقة، ليس هناك من شيء صالح للكسر. سأضربكم، يقول، ولن يكون بمقدوركم إيذائي.

الفقر، الانسحاق، والمأساة، هذا هو الوقود الحيوي للحوثي، وهو المادة السوداء التي يخوّف بها العالم.

وجد حكام اليمن، من السلالة، وقوداً جيّداً في الفقر. كانوا يستخدمون الفقراء آلة حربية لإخضاع من يحاول العصيان أو حتى يبقى على الحياد، كما لاحظت شيلاغ واير في كتابها "السياسة والقانون في جبال اليمن، 2007". على المنوال ذاته، عملوا على نشر الجوع في المدن والنجوع وجنوا بسبب ذلك أمواجاً كبيرة من المقاتلين. يصير القتال مهنة، والقتل نشاطاً بيروقراطياً، فما من طريقة لكسب العيش في اليمن سوى الذهاب إلى القتال. ردّد محمد الحوثي، رئيس اللجنة الثورية، هذه الجملة مراراً: "من أراد الراتب فليذهب إلى الجبهة". الحرب، في الرؤية الحوثية، هي المصنع، وهي مؤسّسة التوظيف الوحيدة. 

الفقر، الانسحاق، والمأساة، هذا هو الوقود الحيوي للحوثي، وهو المادة السوداء التي يخوّف بها العالم

يتساءل الناس عن سرّ الحشود التي يرسلها الحوثي إلى الجبهات. أولئك المقاتلون، إن أحببنا وصفهم كذلك، هم عمّال، عملهم الأساسي الحرب، ومهارتهم إطلاق النار. التحقوا بخطوط النار، بل وأطلقوا النار، ليحصلوا على رغيف العيش. تقول العرب "قتيل الماء لا قتيل الظمأ"، وتعني بذلك أنّ الموت في سبيل الحصول على الماء خيرٌ من الموت انتظاراً. 

يجلس الحوثي على بحيرة بشرية ليس لعمقها قرار. ما من تقديرات واضحة عن حجم القدرة البشرية التي جنّدها في الأعوام الأخيرة، غير أنّ السلوك الانتحاري لقواته يقول الكثير. يتحدّث الناس في اليمن عن سياسة الأنساق، أي الأمواج البشرية على الطريقة الخمينية. يفني الحوثي موجات بشرية بلا حساب لصالح كسب جزء من الأرض. العسكريون في مأرب يتحدّثون عن اضطرابات نفسية في صفوف المقاتلين على خطّ النار. السبب يعود لانخراطهم في عمليات قتل كثيفة للأنساق الحوثية التي تعشو بلا هدى. أخبرني مصدر عليم بأنّ الجنرالات أعدوا خطّة مواجهة تقتضي تبديل الأنساق الدفاعية خلال فترات قصيرة كي لا تنفرد مجموعات بعينها في التصدي للموجات البشرية. يهدف التكتيك لحماية السلامة النفسية للمقاتلين الحكوميين. 

الكلفة البشرية عالية، والحوثي مثل الخميني، كلاهما لا يحصيان القتلى

في العام الرابع للحرب العراقية – الإيرانية (1984) أنتج جهاز التعبئة العراقي الفيلم الشهير "الحدود الملتهبة". قرّب الفيلم مسألة الأمواج البشرية الإيرانية على نحو يصعب نسيانه. كان حجم الشعب الإيراني آنذاك يعادل تقريباً ثلاثة أضعاف الشعب العراقي، وهي نسبة تشابه إلى حدّ كبير الفارق الديمغرافي بين مناطق الحوثيين والمناطق التي تحكمها الشرعية. لتعويض العجز في الآلة الحديثة، وفي الغطاء الجوي، اعتمد الخميني على القدرة الديمغرافية من خلال الزج بموجات الباسيج إلى خطوط النار، ومن خلفها الحرس الثوري. 

الباسيج، أو قوات التعبئة العامة، تشابه إلى حدِّ بعيد موجات الحوثيين التي تتسلّق الجبال والشعاب وتلتف على خطوط المقاومة والجيش اليمني. قبل سقوط المخا ارتفعت أصوات كثيرة تُطالب بسحب الجثث من المنحدرات والشعاب، غير أنّ تلك المذابح انتهت بسقوط الساحل الغربي في قبضة الحوثيين. استنزف الحوثي، بأمواجه البشرية، الذخيرة والمجهود، كما اكتشف مصادر ونوع النيران. نجح في اختراق خطوط الدفاع بأجساد جلبتها وسائل التعبئة الشعبية. كانت الكلفة البشرية عالية، والحوثي مثل الخميني، كلاهما لا يحصيان القتلى.

وصل الفقر إلى عظام الناس في شمال اليمن، تضطر الأسرة لإرسال العديد من أبنائها إلى هيئات الحوثي ومؤسّساته الثقافية والعسكرية للتخلّص من الأعباء. تمرّ أوقات طويلة قبل أن تسمع الأسر شيئاً عن ذويها، وغالباً ما تأتيهم أنباء "الاستشهاد" مشفوعة بالطبول والأناشيد والصور. 

ثمّة تخوّف من أن تنجح تقنيات التعبئة الحوثية في ريف تعز. إن حدث فسيعوّض الحوثي عن خساراته البشرية الأخيرة، وسيجد وقوداً لمعاركه القادمة في اتجاه عدن. فعل النازيون الشيء نفسه، كانوا يقتحمون المنطقة ثم يأخذون شعبها جنوداً يفتحون بهم البلاد التالية. في نهاية المطاف، فالمعضلة الحوثية غاية في التعقيد، وهي برغم كلّ ذلك لا تزال في مطلعها. طبيعة المشكلة، تاريخها، والعناصر المؤسّسة لها، كلّ ذلك يقول إنّها ستصير قريباً إلى مشكلة عابرة للحدود.




الثلاثاء، 6 أكتوبر 2026

فجر اليمن.. المحاولة الأخيرة

 فجر اليمن.. المحاولة الأخيرة

 د.مروان الغفوري

كاتب وروائي وطبيب قلب من اليمن

أطلق رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، عملية "فجر اليمن" لطرد المليشيا الحوثية من سائر البلاد. عملية مركّبة، بقوّات يمنية خالصة على الأرض، وقوّة جوية وبحرية غير يمنية. البداية كانت مُفاجئة وسريعة، إذ استُعيد شريط بحري خطِر، من باب المندب إلى المخا، خلال ساعات. هناك توقّعات بحسم المعركة خلال وقت قصير، بالنظر إلى اكتمال عناصر الحسم: قوة برية ضخمة، مدعومة بالتعبئة العامة، تفوق برّي وبحري حاسم، وإجماع داخلي وخارجي على إنهاء حقبة عبدالملك الحوثي.

يمثّل الحوثي النسخة الحديثة من تيار ديني عمره زهاء 800 عاماً. ضمن مصادفة تاريخية وجد له مكاناً في شمال اليمن، جبال صعدة وما حولها، وهناك وضع بذرته. ثمانية قرون من اللا-استقرار عاشها اليمن الذي سيُدعى في مرحلة من تاريخه بمقبرة الأتراك. والحقّ أنّه كان، على مرّ تلك القرون، مقبرة لليمنيين.

قبل ستين عاماً تمكّن اليمنيون، بدعم حاسم من الجيش المصري، من الإطاحة بآخر إمام من تلك السلالة التاريخية. غير أنّ الثورة التي أطاحت بالإمام أبقت على الإمامة، ظنّاً منها أنّ دمج الإمامة داخل الجهاز الجمهوري سيُفرّغ الإمامة من الأحلام والخيال.  

 كسر هيبة الموت على ذلك النحو المجازي يخفّف من وطأته، ما يجعل شرايين وخطوط التعبئة مستدامة

عقب انتصار صالح عسكرياً على رفيقه علي سالم البيض، 1994، راح يستثمر في المشروع الإمامي مُعتقداً أنّ بمقدوره التحكّم بتلك اللعبة الخطرة. اندفع إلى ذلك التكتيك خوفاً من خصومه داخل القوات المسلّحة، ومن الشعبية المُتزايدة لتيار الإسلام السياسي المُتمثّل في حزب الإصلاح. وأيضاً، بسبب النمو المُتزايد للتيارات السلفية التي ترى في الزيدية تحديّاً من نوع خاص. في رسالة كتبها يحيى المتوكّل، أحد أفراد السلالة الذين ثاروا ضدّها، إلى القائد الشعبي المعروف، مجاهد أبو شوارب، تخوّف الأوّل من نيات صالح الرامية إلى "تأسيس جماعة دينية مسلّحة من أصحاب المذهب الزيدي تُعنى بالدفاع عنه" كما في نصّ الرسالة المُوقّعة بتاريخ 1 يوليو/تموز 1995. سرعان ما رأت الجماعة الدينية النور، وخلال سنوات قليلة خاضت حربها الأولى ضدّ الدولة. نقف الآن على بعد ثلاثة عقود من تلك الرسالة وها نحن نرى البذرة وقد صارت إلى دويلة في شمال اليمن، مدرّعة بالسلاح والخوف والعنصرية.

الحرب الراهنة كشفت جانباً استثنائياً عن هذه الجماعة- الدولة. أوقفت كلّ مظاهر الحياة عدا التعبئة العامة المُستدامة، وإعادة هندسة المجتمع ثقافياً. بوصفها تمثّل أقلية اجتماعية، وحتى دينية، اندفعت في اتجاه إنتاج شعبها الخاص. حالياً تستوعب مؤسّستها المُعقّدة المُسمّاة "المدارس الشرعية" حوالي 12 ألف طالب للعلوم الشرعية، علوم آل البيت. سيلتحق هؤلاء بجهاز التعبئة الشامل الذي أسّسته الجماعة. معارك الجماعة في ريف تعز يقودها، حاليّاً، شابٌ اسمه "أبو نصر الشميري". أبو نصر، هذا، كان طفلاً في دكان أبيه في صعدة قبل عقدين من الزمان. كما يُنبئنا الاسم، فالعائلة تنتمي إلى محافظة تعز، وهي محافظة أبعد ما تكون عن إيديولوجيا جماعة الحوثي. غير أنّ "المحاضن التربوية" للجماعة حوّلت الطفل، عبر عملية تنشئة وهندسة غاية في التعقيد والكثافة، إلى قاتل مؤدلج يؤمن بكلّ ما لا تعرفه ولا تقبله عشيرته.

الموت، داخل الطقوسية الحوثية، شأن يسير، بل داعية بليغ

هذا النوع المُعقّد من التنظيمات المُزوّدة بخبرة تاريخية عميقة، يفرض كلفة باهظة على كلّ عملية تستهدفه. خلال ثلاثة عقود توغّل الحوثي في نسيج المجتمع، ربط مصالح فئة واسعة بوجوده، اختطف الأبناء وأعاد إنتاجهم إلى حوثيين، وحوّل الفقر إلى نظام للتعبئة العامة. 

الفقراء غالبا ما يكونون مُرتزقة جيدين. إشاعة الفقر هي استراتيجية حوثية مستدامة، وقد رأينا كيف تؤتي أُكلها في الحرب الراهنة. من اللافت أنّ الناس باتت تعتقد أنّ الحوثي، لفرط القوّة البشرية التي حشدها، لم يعد يتنبه إلى الآلاف منها التي تفقد حياتها في معاركه.

نرى كيف يحوّل الحوثي الموت إلى مشهد كرنفالي، تُعزف فيه الأناشيد وتمضي الجنازات في مشاهد مهيبة حاملة صور القتلى. في تقدير عدنان الجبرني، أبرز الخبراء في الظاهرة الحوثية، فالمقصود من وراء تلك الطقوسية هو تطبيع حياة الناس مع الموت باعتباره شأناً طبيعياً. كسر هيبة الموت على ذلك النحو المجازي يخفّف من وطأته، ما يجعل شرايين وخطوط التعبئة مستدامة. الاحتفالات تأتي بالموت من الجبهات إلى الأحياء والفقراء، وتمجّد الراحلين بوصفهم الناجين الوحيدين، لذا نرى أُسراً تعلن عن مقتل العديد من أبنائها واحداً وراء الآخر. تفعل ذلك بالحدّ الأدنى من الندم. فالموت، داخل الطقوسية الحوثية، شأن يسير، بل داعية بليغ. الجنازة الكرنفالية التي تحمل نعوشاً وهمية إلى المقابر هي، في ذاتها، حملة للتعبئة، تملك إغراءها الخاص. لاحظ محمد الحيدري، الخبير العسكري، أنّ أسرى الحوثي ينفجرون بكاءً ما إن يقعوا في الأسر، على خلاف ما يتوقّعه المرء من انفعالات الأسير. يُرسل الحوثي مقاتليه إلى غايتين: السلب أو الشهادة. الوقوع في الأسر هي حقيقة أخرى لم يتدرّبوا عليها، كما أنّها تحرمهم من العودة الكرنفالية، تحت غطاء من الفخر والأناشيد، إلى قراهم.

غيّر الحوثي كثيراً في البنية النفسية للفرد، وفي السياق العام للمجتمع، ووصلت اختراقاته إلى المحكية الشعبية والكود اللغوي. فعل ذلك ضمن نشاطه الدؤوب لتنفيذ إبادة ثقافية شملت التعليم، التربية، التشريع، العقيدة، الإبداع، الصورة، الطقوس، إعادة كتابة التاريخ، هندسة الحياة الاجتماعية، وحتى نظام الأعياد والمواسم. تخلّق، إلى حدّ كبير، الشعب الحوثي، وتشكّلت النواة الصلبة للحاضنة الاجتماعية، والعمق الثقافي. تلك هي المنعة المُتزايدة التي ينجزها الحوثي إلى جانب الطيران المُسيّر والصواريخ. 

كل يوم يمضي يراكم فيه الحوثي منعة وقوّة، وتزداد أسوار مدينته صلابة. لذا فإن عملية فجر اليمن هي المحاولة الأخيرة قبل فوات الأوان.

الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

في مديح الحرب

في مديح الحرب


مروان الغفوري

كاتب وروائي وطبيب قلب 

عادت الحرب إلى اليمن. لم تكفّ عن العودة منذ ثمانية قرون. اليمن الذي مزّقته الحروب مئات المرّات صار أكيداً أنّه بحاجة إلى مزيد منها، وربّما إلى حرب كبرى، كي يخرج من تلك الدوامة. 

هذه الفكرة تمثّل جوهر رواية "حرب الشيخ أحمد" التي كتبتُها بين عامي 2019- 2021، وأصدرتها دار الفارابي في بيروت. 

قبل أن يصير أحمد إلى الشيخ انتظره والده على الجبل، سأله عن المعركة، فقال أحمد إنّه لم يقتل أحداً. يتكرّر الأمر، فيشعر الأب بالمهانة، سيموت يوماً وخلف ظهره غلامٌ لم ينل من دم أحد. فرّ أحمد من قريته، أخذته الوهاد والجرود، وكلّما توغّل في أرض التبابعة ضجّت الحربُ في رأسه. 

ركضت خلفه من جبل إلى آخر، ومن وادٍ إلى الثاني، بل كانت تسبقه، إلى أن اهتدى، وقد صار في الوادي، إلى الفكرة السهلة والعبقرية: 

لماذا لا نصنع نحنُ الحرب الكبيرة التي ستلتهم كلّ هذه الحروب الصغيرة؟ ولمّا أدرك أنّ اليمنيين ليس في مقدورهم، بمفردهم، إنتاج الحرب الكبرى جلس وانتظرها. 

من أين ستجيء، إذاً، يا أحمد؟ كانوا يسألونه، وكان يشير إلى البحر.

 يتقادم به الزمن ويفرّ مرّة أخرى إلى جبل في جنوب اليمن، في تعز. هناك يسكن. يبني مسجداً ويجلس في انتظار كبرى الحروب. غير أنّها لم تأت. أحاطت الحروب بحياة أحمد وبالجبل، إلّا أنّها جميعها لم تكن كافية لإحلال السلام. أمّا وقد آوى إلى غرفته المُظلمة، المُطلّة على فراغ البلاد، وبدأ يفقد بصره، فقد تبيّن له أنّ أم الحروب لن تصل قط، وأنّ هذه البلاد موبوءة بالحروب الصغرى. ثم جاءه البشير، كان يصيح من أعلى الجبل: يا أحمد، يا أحمد... فعرف أحمد كلّ شيء.

الحرب الراهنة بدأت بالأناشيد والأشعار، لم يحدث أن تحمّس اليمنيون لمعركة مثل هذه، ظنّاً منهم أنّها يمكن أن تكون الحرب الأكبر، الحرب الأم، الحرب التي ستلتهم صغار الحروب وشظاياها وتأتي بالسلام.

لم يحدث أن تحمّس اليمنيون لمعركة مثل هذه، ظنّاً منهم أنها يمكن أن تكون الحرب الأكبر

ما الأخلاقي في الحرب الراهنة؟ ما هو غير الأخلاقي؟ لماذا وقعت في المُقام الأوّل؟ كنتُ قبل أشهر أتحدّث إلى الصديق محمد العمراني، وهو من الذين يقعدون منها مقاعد للسمع، قال لي "الوضع الراهن غير قابل للاستمرار، لا لنا ولا للحوثيين، ولا للإقليم". ستحدث الحرب، قال. فلتكن الحرب الكبرى، قلتُ. في خطاب دانى الساعتَين بشّر عبدالملك الحوثي أتباعه بالتصعيد الشامل، أي الحرب الكبرى. احتشد بكلّ ما يملك. احتشد اليمنيون بعواطفهم وبما يزيد عن نصف مليون مقاتل. كلّهم ذاهبون إلى الحرب لإنهائها، ماضون إلى النار بنيّة إحلال السلام، يرحّبون بهذه الحرب لأنّهم ملّوا الحروب وسئموها، يلقون القصائد والأهازيج في طريقهم إلى الحرب التي أنهكتهم. إنّه البحث عن الشفاء في السم.

انفجرت الحربُ وكسب الحوثي معركة الساعات الأولى قبل أن ينكسر. وصل إلى البحر، وهو ابن جبل لا يدري ما يفعله بالبحار والجزر. نيابة عنه تحدّثت إيران عن مكاسبه، وهدّد قادتها بإشعال البحار اليمنية في وجه أميركا إن هي هاجمت إيران!

صار الشأن اليمني إلى مسألة دولية، مياه اليمن تخصّ العالم. ماذا عن ترابه؟ يخصّ فقط اليمنيين. اليابسة لنا والمياه لغيرنا. في الزمان القديم كان رسول كسرى يقرأ على اليونانيين: ونريد منكم الماء والتراب. ما من حدود لجوع فارس للماء. 

صار الشأن اليمني إلى مسألة دولية، مياه اليمن تخصّ العالم. ماذا عن ترابه؟ يخصّ فقط اليمنيين. اليابسة لنا والمياه لغيرنا

مع سقوط المخا وباب المندب في القبضة الواهية للحوثيين تحدّثت الصحف الإسرائيلية عن نجاح إيران في اختراع حلقة نار جديدة تمتدّ من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، مروراً بالمحيط الهندي. دول أخرى في المنطقة رأت حلقة النار تلك وشعرت بحجم التهديد. الحرب الكبرى التي أرادها اليمنيون ليُغيّروا واقعهم الصعب باتت تهدّد بتغيير واقع الإقليم بأكمله. ميزة الحرب الكبرى أنّه لا حدّ لسقفها، وأنّها لا تنهي الحروب الصغيرة وحسب، بل الكيانات الجيوسياسية. فعندما أطلق شابٌ صربي، كان يقف أمام محل كباب، النار على ولي عهد النمسا لم يكن يفكّر سوى بأمر واحد: على النمسا أن تتوقّف عن التدخّل في بلادنا. طاشت تلك الرصاصة وأشعلت حرباً كبيرة بين عامي 1914 و1918. 

مع نهاية الحرب كانت هذه الإمبراطوريات قد اختفت من الوجود: الإمبراطورية العثمانية، الإمبراطورية البروسية/ الألمانية، الإمبراطورية النسماوية- المجرية، والإمبراطورية الروسية.

ستحدث الحربُ الأم يوماً ما، وهذا ما ينتظره اليمنيون. الطريق إلى السلام الآمن والدولة يمرّ عبر السيل الخطر، لا بُدّ من تخطّي السيل. لا أخطر من أن تصير الحربُ إلى وضع مستدام، كما يجري في اليمن. لا ينشأ وضعٌ كهذا ما لم تكن التناقضات الداخلية قد استعصت على الحل، أو بلغت من التعقيد مستوى يجعل من خلق أرض مشتركة لكلّ الناس أمراً مستحيلاً. في الحقيقة، يحدث ذلك في غياب الأفكار، الأفكار الخلاقة في المقام الأوّل. وتلك ينتجها الأدباء والفلاسفة لا الساسة والجنرالات. افتقر اليمن في قرونه الماضية إلى ذلك النوع من المنتجين. 

هل يمكن تسوية الأرض الصعبة عبر آلة الحرب؟ تاريخياً نعم، الإمبراطوريات القديمة، ونسبة كبيرة من الدول الحديثة، قائمة على التنوّع العرقي والثقافي. ينصّ دستور نيجيريا، على سبيل المثال، على أنّ البلاد تتأسّس على التنوّع العرقي. لنأخذ إندونيسيا مثالاً: استقرّ المجتمع الإندونيسي على عقيدة اجتماعية جديدة عنوانها "الوحدة في التنوع". 

إليكم الشكل الذي يأخذه التنوّع في إندونيسيا: 

17 ألف جزيرة، ستة أديان، 1300 عرقية، وحوالي 700 لغة محلية. السلام الهادئ الذي ترسو عليه كلّ هذه الاختلافات، ولا أقول التناقضات، لم يحدث مصادفة ولا قدراً، ولا يمكن القول إنّ الوصول إليه كان وليد صدفة هادئة. تعيّن على الشعب أن يعبر السيل مرّات عديدة، أن يواجه أشكالاً مختلفة للاستعمار، وأن يتجاوز تاريخاً مُعقّداً من الحروب الأهلية والتناقضات. 

تأخّر اليمن كثيراً، وربما لاحت له فرصة الآن. 

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026

طاعون صعدة

 طاعون صعدة




مروان الغفوري

كاتب وروائي وطبيب قلب من اليمن، حازت أعماله عدداً من الجوائز العربية.

في أوج الحرب على قطاع غزّة سافرتُ مع أسرتي إلى الأردن لزيارة أقارب لها. أفصحت، على منصّة فيسبوك، عن وجهتي فتلقيت دعوات كثيرة. اخترت منها دعوة من طبيب أسنان أردني لم أكن أعرفه من قبل، ثم صار الدكتور صديقاً لي. في الطريق إلى ضيعته في جرش أوقفت السيارة أمام مشتل، قلتُ لصاحب المشتل، والشمس طافية في سماء أغسطس/آب، أريد نبتة تصلح أن تكون على طاولة الطعام. سألني، وهو يقلّب بصره في المشتل، عن بلدي. أجبته: من اليمن. قال مُعاتباً "أين الصواريخ؟ لماذا توقفتم؟" قلتُ "نحن نرتّب لشيء كبير". أدار الرجل ظهره لي واتجه إلى الداخل، إلى غرفة الحراسة. سمعته يقول لرفيقه "الزلمة من اليمن، بيقول لك مرتبين لشيء كبير". عاد وأعطاني نبتة رائعة بسعر زهيد، وهو يودّعني قال: "أنا من القدس، ولكنّ جدي من اليمن".

وفي إبريل/ نيسان الماضي (2025) دُعيت إلى معرض تونس الدولي للكتاب لتوقيع كتابي "على مقام الصبا". هناك، وأنا أستقبل القُرّاء، جاء كهل تونسي مع زوجته وحيّاني بعينَين مُتلألئتين. لم يلبث أن قبّل جبيني ثم قال "هذه قبلة لأهل اليمن، لأهل المدد". ما استطاع أن يحبس دمعته. 

الجماعة التي حازت شرفاً تاريخياً في مدن المسلمين هي ذاتها التي زرعت أكثر من ثلاثة ملايين لغم في قرى اليمنيين

في الأيّام الماضية كنت مع أسرتي في نابولي بإيطاليا. في مطعم صغير للبيتزا المحلية سمعت البائعة تتحدّث إلى زبون باللهجة التونسية. عندما جاء الدور عليّ حدّثتها بالعربية. سألتني عن بلدي، قلتُ اليمن. أضافت إلى ما طلبته قطعة بالمجان. قالت "أنتم أسياد العالم يا أهل اليمن". سمعتُ من خلفي صوتاً مغاربياً يقول لها "المرحوم صدام حسين قال إنّ أبطال العرب ثلاثة: اليمنيون، الجزائريون والتوانسة". نهرته المرأة "على أيش الجزائريين والتوانسة؟". ثمّ قالت له: "اليمنيون حكموا العالم". تمنّت لي ولأسرتي طريق السلامة. سمعتها تقول إنّ أجدادها من اليمن.

تلك النشوة العربية حول الحوثيين، الذين سرقوا اسم اليمن، كنّا نجدها مؤذية. الجماعة التي حازت شرفاً تاريخياً في مدن المسلمين هي ذاتها التي زرعت أكثر من ثلاثة ملايين لغم في قرى اليمنيين، صنعت لهم مأساة حجمها تسعة ملايين نازح ولاجئ. قتلت رئيسهم، وحبست خليفته، وقاتلت قبائل البلاد بأطفالها. أعادت الجماعة الجهادية كتابة تاريخ اليمن، هندست عقيدة الناس إلى نسخة طائفية قاتلة، اختطفت أطفالهم وجعلت منهم قتلة ومقتولين. قسّمت اليمنيين إلى مؤمنين بالولاية ومُنافقين ثم ساقت قطعان المؤمنين لقتال المُنافقين. اجتاحت قرى ومدن اليمنيين وفجّرت منازلهم تحت صرخات الله أكبر، لا رقم حتى الآن قادراً على الإحاطة بالمأساة الحوثية، ولكن محافظة تعز كانت قد أعلنت عن 17 ألف مُعاق بعد بداية الحرب بعامين!

أعادت الجماعة الحوثية كتابة تاريخ اليمن، هندست عقيدة الناس إلى نسخة طائفية قاتلة

تتجلّى الكارثة الحوثية، أكثر ما تتجلّى، في الإبادة الثقافية. وهي هنا تأخذ شكلاً مركّباً يبدأ من تقويض منظومة التعليم ولا ينتهي عند تأسيس تعليم بديل، طائفي، جهادي، غير وطني. لنأخذ هذه الصورة البانورامية غير النهائية عن الوباء، ننقلها من مصادر أممية ومحلية مختلفة: 2.4 مليون طفل في سن الدراسة خارج المدرسة، 8.5 ملايين طفل في المدرسة من المُحتمل أن يغادروها، 46% من خريجي الثانوية لا يلتحقون بالتعليم الجامعي، 32% من خريجات الثانوية العامة لا يلتحقن بأيّ تعليم، 40% من سكان المدن لا يُجيدون القراءة، 60% من سكان الريف لا يعرفون الأبجدية، حوالى 27% من خريجي الثانوية العامة يُمنحون شهادات مُزوّرة، 60% من المعلمين لم يحصلوا على راتب منذ 10 سنوات، 20% من المعلمين غادروا المهنة واحترفوا أشغالاً يدوية، 3 آلاف مدرسة دمّرتها الحرب، ربع أطفال البلاد يعولون أسرهم، و32% من فتيات البلاد يتزوّجن في سن المدرسة.

لا تزال الكارثة الحوثية، رغم كلّ هذا، في بدايتها. فلم يحالفها الحظ حتّى الآن في فرض نفوذها على كلّ الجغرافيا بسبب من مقاومة شعبية واستبسال جماهيري غير مسبوق. تعلم الحوثية أنّها فقيرة إلى المشروعية، ليس السياسية والحسب، بل كل أشكال المشروعية. تستعيض عن ذلك بالدأب على خلق شعبها الخاص عبر آلة تعليم وتثقيف مُعقّدة ومُستدامة. ثم، وهذا أقلّ خطراً، من خلال السلاح والعنف الشامل المُنفلت. 

تلك هي الصورة الحقيقية لجماعة قدّمت نفسها، في الأعوام الأخيرة، بحسبانها مسيح فلسطين، والحارس الأخير لقيم النخوة والأخوة. الجماعة التي يراها أهل اليمن إرهابية حتى العظم، ويظنّها العربُ يسوعَ الفضيلة والنخوة. 

الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

من يحمي الديمقراطية من نفسها؟

من يحمي الديمقراطية من نفسها؟




مروان الغفوري
كاتب وروائي وطبيب قلب من اليمن

 قال الرئيس الثاني للولايات المتحدة الأميركية وأحد بُناة ديمقراطيتها، جون آدامز، إنّ كلّ ديمقراطية ستنتحر في نهاية المطاف. بين آدامز والرئيس الأميركي الحالي، دونالد ترامب، ما يزيد على قرنين من الزمن، وتبدو نبوءة الأوّل ليست بعيدة عن الحقيقة. فالديمقراطية التي ناقشت مراسلات جون آدامز وجورج واشنطن وسائل تحصينها، باتت عرضة للبيع. إذ يقول 80% من الأميركيين إنّ ديمقراطية بلادهم ليست مثالاً يُحتذى به، وفقاً لبيو سنتر.

الواقع أنّ الديمقراطية بناء غاية في التعقيد، إنّها القول الثقيل بالتعبير الديني. غير أنّ بمقدورنا النظر إليها بحسبانها منظومة إنتاج، ناتجها النهائي هو الحوكمة. عندما تكون العملية الإنتاجية جيّدة فإنّ المُنتج النهائي لا بُدّ وأن يكون جيّداً أيضاً، والعكس صحيح.

ثمّة مبادئ أساسية داخل هذه العملية الإنتاجية المُعقّدة: الصوت يساوي الصوت، مواطن واحد صوت واحد، والناخب العاقل. تفترض الديمقراطية وجود ناخب عقلاني، سيختار مرشحيه على أساس عقلاني، وأنّ ناتج عمليات الاختيار الحر هو بالضرورة نظام حكم يتمتّع بالعقلانية والكفاءة. 

لنأخذ التصويت على البريكست مثالاً. 

في يونيو/ حزيران 2016 صوّتت أغلبية البريطانيين على خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي. قبل ذلك بشهر (مايو/ أيار 2016) نشرت صحيفة التايمز رسالة وقّع عليها 200 خبير اقتصادي بريطاني يحذّرون من خطورة الخروج. وقبل الانتخابات بأيام (يونيو/ حزيران 2016)، وقّع عشرة من الحاصلين على نوبل في الاقتصاد على رسالة يحذّرون فيها من مخاطر البريكست. في الأيام نفسها استطلعت مؤسسة إيبسوس رأي 600 خبير اقتصادي حول البريكست، قال 90% منهم إنّه سيضرّ بالاقتصاد البريطاني. 

لا تأبه الشعبوية للحقائق، ولا توليها الكثير من الاهتمام      

لنكتب كلّ هذا على الجانب الأيمن من السبورة، وعلى الجانب الأيسر سنرسم حافلة مكتوباً عليها 350 مليون جنيه استرليني. 

تحت الجملة أو فوقها تقرأ: "بريطانيا تحوّل 350 مليون جنيه استرليني إلى موازنة الاتحاد الأوروبي كل أسبوع". 

جاءت النتيجة لمصلحة البريكست، انتصرت الحافلة على كلّ المجتمع العلمي، ولا توجد حقيقة وراء ما كُتب على الحافلة، غير أنّ الشعبوية لا تأبه للحقائق، ولا توليها الكثير من الاهتمام. تعمل الشعبويات على مستوى المخاوف والانطباعات. في آخر الأمر تستطيع جملة على شاحنة أن تقنع شعباً بالذهاب إلى الهاوية فيما لو لامست عصباً عارياً.

لا يوجد ما يؤكّد أنّ الناخب عقلاني في اختياره، بل أناني في الغالب. تُشير بيانات كثيرة إلى أنّ الناخب قد يختار برنامجاً يلبّي تطلّعات عشيرته، وإن كان مدمّراً للبلدة بأكملها. 

في عام 2019 حذّرت دراسة ممّا سبق أن حذّر منه جون آدامز: الديمقراطية بناء هش غير قادر على الدفاع عن نفسه. وضعت الدراسة، التي قُدِّمت في مؤتمر علمي في لشبونة، الديمقراطية والشعبوية وجهاً لوجه، وافترضت أنّ أيّ عملية سباق ستنتهي إلى مصلحة الشعبوية. فالديمقراطية بناء مُعقّد، يقوم على مفاهيم وقيم متداخلة ومركّبة، بينما تبسّط الشعبوية هذا العالم إلى جمل سهلة على غرار ما رأيناه على حافلة لندن! ففيما تحفر المؤسسة الديمقراطية عميقاً لفهم كيف تنشأ الظواهر، تخاطب الشعبوية "شعبها"، قائلة إنّ المهاجرين سبب الفقر، وإنّ السفور يسبّب الفيضان.

تستطيع جملة على شاحنة أن تقنع شعباً بالذهاب إلى الهاوية فيما لو لامست عصباً عارياً

التحليل الذي قدّمته صحيفة دي تسايت الألمانية لناخبي حزب البديل من أجل ألمانيا، الفاشي، توصّل إلى أنّ 80% منهم لا يملكون شهادة ثانوية عامة. يجلس الحزب في المقدّمة، كأقوى أحزاب البلاد، وبينما تحذّر كلّ المؤسسات الأكاديمية والثقافية من التصويت لبرامجه الفاشية وغير العلمية، فإنّ الهاربين من الثانوية العامة لهم رأي آخر، بل لهم كلمة الفصل.

حتى يكون بمقدوره أن يمرّر برنامجه الاقتصادي الساذج على جمهور الناخبين، فإنّه يؤسّس له بخطاب عاطفي حول الهُويّة، مع بلاغة عالية حول خطورة "الإبدال السكّاني"، والإشارة إلى البياض الآخذ في التلاشي. التركيز على "الأمن الثقافي" يمكّن الشعبوية من تمرير الهراء الذي تتخيّله. يجري الاختيار أحياناً بين أمرين حاسمين: الأمن الاقتصادي والأمن الثقافي، مصلحة الشركة، أو مصلحة الأمة. حين تُطرح مثل هذه الأمور على جمهور لم يحصل على شهادة ثانوية عامّة، فإنّ الديمقراطية ستخسر المنافسة. 

قد يختار الناخب برنامجاً يلبّي تطلّعات عشيرته، وإن كان مدمّراً للبلدة بأكملها

الناخب ليس كائناً عقلانياً، ولأنه كذلك، فإنّ منحه الحقّ في تحديد مستقبل البلاد أمرٌ ينطوي على خطورة عالية. قديماً قال أكسونوفان، تلميذ سقراط، إنّ علينا أن نبحث عن الرجل صاحب أفضل خبرة مع البحر إذا أردنا للسفينة أن تصل إلى بر الأمان، فمن شأن الاقتراع على القيادة أن يعرّض حياة البشر للخطر.

هذا ليس خطاباً في هجاء الديمقراطية، بل مداخلة بسيطة حول هشاشتها، بل واستحالتها. فلم تعد الديمقراطية مهدّدة من الخارج، بالانقلابات أو الغزو، بل من داخلها، تحديداً على يد الناخب غير العقلاني. 

من يحمي الديمقراطية من نفسها؟ 

هذا هو السؤال الذي بات خبراء الديمقراطية يطرحونه على أنفسهم ولا يعثرون له على جواب. 

الأربعاء، 26 أغسطس 2026

عوى الذئبُ، فاستأنستُ بالذئب إذ عوى

 عوى الذئبُ، فاستأنستُ بالذئب إذ عوى

مروان الغفوري
كاتب وروائي وطبيب قلب من اليمن


نسينا كيف كنّا نجلس حول النار، ولم نعد نتذكّر شكل النجوم.

العجلة الكبيرة التي اخترعناها معاً، أملاً في أن تُساعدنا على احتواء الطبيعة، ابتلعت الطبيعة وطمست ملامحنا.

هيا بنا ننجز، نحن قادرون على فعل أيّ شيء، وكلّ شيء. قديماً كنّا نسمع "لا"، الآن لا نسمع سوى نعم. لم نعد نحن، صرنا ما نفعله. يُحاصرنا ما يُنشر على منصّات السوشيال ميديا بما يُحطّمنا من الداخل، بصور أولئك الناجحين الذين لا يعرفون الفشل. نحن، وحسب، الفاشلون. لا عيب في المنظومة، لا خطأ في العالم، الفشل يعود إلينا. لنُنجز شيئاً في الغد، ولكنّه سيصبح غير كافٍ بعد غد. النجاح مكان مراوغ، مناور، غير ثابت، لا سبيل للوصول إليه، هناك سعي، سعي بلا سكينة.

اشتغل الفيلسوف الكوري الجنوبي، بيونغ تشون هان، من مكان إقامته في برلين، على أسقام المجتمع الحديث؛ القلق، الهوس، الاكتئاب، الاحتراق، التوحّد، والعزلة. تبدأ المعضلة، عند هان، من خروجنا من مجتمع الانضباط Disciplinary Society  إلى مجتمع الإنجاز Achievements Society. داخل مجتمع الانضباط هذا تسود القيم والروح الجماعية، هناك حدود لكلّ شيء، الحدود تمنح الأمن والسكينة، والمجتمع يحمي نفسه وأفراده. الحياة الحديثة متطلّبة، عنيفة، لا تؤمن بالمجتمع. هذا ما قالته تاتشر عام 1987 "لا يوجد شيء اسمه المجتمع، هناك أفراد من الرجال والنساء". ليست مصادفة أن تقود تاتشر، إلى جانب ريغان، قطار النيوليبرالية بكلّ وحشيته وانفلاته. على الفرد أن يجد له مكاناً داخل هذا المجتمع "الوهمي" من خلال الإنجاز، والإنجاز مُمكن، والإنجاز أيضاً غير كاف. يشبه الأمر لعبة المترويشكا الروسية: كلّما نزعت غلافاً برز غلافٌ جديد.

قديماً كنّا نسمع "لا"، الآن لا نسمع سوى نعم. لم نعد نحن، صرنا ما نفعله

يصعد "هان" في تفكيره إلى مستوى أعلى وهو يدرس مجتمع الإنجاز. في المجتمع القديم كان الناس ينقسمون إلى سادة وعبيد، على الأقل في زمن الأقنان في العصور الوسطى. السيد، غليظ الطباع وفي يده السوط، يجلد عبيده طالباً المزيد من الإنجاز والإنتاج، قلّما اكترث لمشاكلهم ومخاوفهم، أمّا أعماقهم – الخوف والرجاء والانتظار والحب - فهي آخر ما يمكن له أن يتخيّله.
المجتمع الحديث حرّر العبيد، وأنهى تلك اللعبة القديمة القاسية. على الأقل هذا ما تدّعيه الحضارة المُعاصرة عن نفسها. بالطبع لا تسندها الحقائق، ويمكننا أن نخوض جدالاً حول هذا الإدّعاء حتى موعد الكريسماس. غير أنّ ما يشغل هان، وما يشغلنا هنا أمرٌ آخر: صار الإنسان الحديث جلّاد نفسه، يحاصرها بالأوامر والأحلام، يُغرقها بالطموحات، يفرض عليها قسوة العالم الخارجي. المزيد من الإنجاز، المزيد من العمل. حتى في وقت الراحة، وأنتَ مسترخ على الأريكة بعد يوم منهك تفكّر بما لم تنجزه لا بما أتممته. لم تعد تملك القدرة، لا على الوصول ولا على الرضا.
الهدف هنا، الهدف هناك، ينأى ويقترب. السيد حامل السوط هو أنت، القِنّ هو روحك، تتلقى نفسك السياط من ذاتك بلا رحمة. أنت الجلاد والضحية، وقعت في فخ "الاستغلال الذاتي الطوعي" كما يرى هان.

صرت معزولاً داخل نفسك، تعرف كلّ الناس ولا تعرف أحداً

كلّ هذا وأنت تعوم في بحر من المعرفة لا حدود له. لم تعد قادراً على التركيز. أنت ضحية لما بات يُطلق عليه "التركيز الجزئي المستمر". تحدّق في عشرات الأشياء، بانتباه منخفض، ولا تركّز في شيء بعينه. تخضع لعوامل تشتيت لا نهاية لها. تفقد، في آخر الأمر، القدرة على التأمّل العميق، وعلى تخليق الإبداع.

دورانك حول ذاتك، ركضك الوحشي وراء هدف غير مستقر، السياط التي تنهال عليك من داخلك، كلّ ذلك دفعك إلى قلعة معزولة، صرت معزولاً داخل نفسك، تعرف كلّ الناس ولا تعرف أحداً، لم تعد قادراً على إقامة تواصل عميق وفاعل ومستقر. لا أنت ولا الآخرون. تذكُر قصيدة صموئيل كوليردج "سجع الملاح القديم". تمخر سفينته في بحر لجي (عميق الماء، متلاطم الأمواج)، وهو يرى الحقيقة التي لا يفهمها سواه: ماءٌ في كلّ مكان، ولا قطرة للشرب. هل هذه هي الصورة التي رأتها تاتشر سنة 1987؟ لا شيء اسمه المجتمع، هناك أفراد؟

أوهموك بأنّك الخاسر الوحيد، وأيقظوا الذئب بداخلك، فلم تقدر على احتوائه

العزلة ليست آخر المطاف، داخل حصونك يُحاصرك الاكتئاب، المرار العميق، التوتّر، القلق، والتوجّس. الراحة السهلة، تلك اللحظة السعيدة الصافية حول الموقد، الحكاية والطبق المشترك، النوم العميق الذي ينتهي بأحلام من أبسط ما يكون، كلّ ذلك بات حلماً بعيد المنال. داخل هذه المتاهة، بحر كوليردج اللجّي، تصير أنت ذلك الأعرابي القديم، ساكن البريّة، إذ يقول: "عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئب إذ عوى، وصوّتَ إنسانٌ فكدتُ أطيرُ". تصبح خائفاً من البشر، فهُم العذاب الأليم الذي نلته في حياتك. هم الذين ينشرون نجاحهم على منصّات السوشيال ميديا فيدفعونك إلى فقدان الثقة بذاتك، هم الذين اخترعوا معرضاً للنجاح الوهمي الزائف وأوهموك بأنّك الخاسر الوحيد، هم الذين أيقظوا الذئب بداخلك فلم تقدر على احتوائه.

في الحالات الدنيا سيأخذ الذئب شكل هرمون اسمه الدوبامين، وهو هرمون سعادة قاتل. في عملها المثير "أمّة دوبامين" ترصد أنا ليمبكه أزمتنا مع الأغواء والإغراء والتحفيز اللانهائي. مع كلّ تحفيز، إثارة، اشتهاء، تقفز مستويات الدوبامين إلى الأعلى فنشعر بالنشوة. غير أنّ النشوة اللاحقة تتطلّب مستويات أعلى من الدوبامين. عليك أن تخترع نجاحاً جديداً، لذّة غير مسبوقة، وضعاً أكثر وحشية حتى تحصل على جرعة أعلى من الدوبامين. دماغك يستجيب، ثم يستجيب بكسل، ثم سينهار في آخر المطاف.

يا لها من حياة حديثة رائعة مليئة بالنور، لا تنام ولا تغفو، ولكن أهلها باتوا حطاماً.



الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

هيّا بنا نلعب

هيّا بنا نلعب


مروان الغفوري
كاتب وروائي وطبيب قلب 

نتذكّر تفاصيل مسلسلات كرتونية من طفولتنا، بل نستعيدها بالشجن ذاته، ونُردّد أغاني التتر، ونحن نقود سياراتنا أو نبتكّر أشياء في مطابخنا. نتذكّر ملامح الأبطال والأشرار، كأنّها البارحة. بل أكثر من ذلك، نتذكّر محاولاتنا لتعديل النهايات وتغيير أسماء الأبطال.

بمستطاعنا أن نحكي عن رواية قرأناها في طفولتنا، بما في ذلك روايات "التيار العام" التي تتشابه كلّها. قد نتعثّر قليلاً في تذكّر اسم بطلة في رواية كلاسيكية، غير أنّنا سنقول في النهاية "ماجدولين".

إذا نزلنا بضع درجات إلى الطفولة، وجلسنا لنتذكّر: سنرى القميص الذي حصلنا عليه في "ليلة الشعبانية"، الهدية التي أُعطيت لنا "في الوقفة"، والمطعم الذي زرناه بصحبة العمّة والشمس تحجبها الغيوم. كانت الأشياء قليلة، لذا كنّا قادرين على الدهشة، والدهشة هي الذاكرة.  

كانت الأشياء قليلة، لذا كنّا قادرين على الدهشة، والدهشة هي الذاكرة.

كان لكل منّا حبيبة واحدة، بدلة واحدة، كتاب واحد، أغنية واحدة، وقرية من الأصدقاء. كنّا ننتظر الغسق كلّ يوم لنجلس أمام التلفاز على الموعد. لم نكن قادرين على التحكّم بأيّ شيء، كان علينا الانتظار والامتثال، كلّ ذلك كان يعزّز من ذاكرتنا، ويربّي شبكة انفعالاتنا، ويعلّمنا احترام المواقيت والنظام.

نتذكّر الجزء من المسلسل حين ألقت الفتاة بنفسها في النهر، والكرة التي أصابت العارضة، وقفزت إلى الأعلى. نفكّر الليل كلّه، النهار كلّه: هل سينقذها الصياد، وهل سيقفز الكابتن وليد، رغم وجع ساقيه، خلف الكرة.

تتدافع السيناريوهات في خيالنا، وكان خيالنا يتسع، يصير أكثر ليونة وطراوة. الخيال هو الذي أعاننا، في تلك الطفولة البعيدة الصعبة، على تجاوز ظروف هذا العالم الذي تفشل أمامه الحضارة نفسها.

عندما زارتنا العمّة من مكان بعيد كنّا قد فرغنا للتو من غدائنا، تناولنا الأرز بالصلصة والبطاطا، ووزّعت أمي نصف الدجاجة علينا. حصلتُ، في ذلك اليوم البعيد، على جزء من ظهر الدجاجة، كانت دجاجة بيضاء اشتريناها بكذا، وكان البائع يحكّ ذقنه، ويسأل: هل أذبحها لكم؟ عندما قال "لكم" رأينا ضروسه الناقصة، ولم يكن قد تجاوز الثلاثين من عمره. كلّ هذا في الذاكرة، في الخيال، في الوجدان، في التجربة. لا يفلت منه شيء، يزداد اختماراً مع الأيّام، الماضي يُعيد إنتاج نفسه، ثم نعيد خلقه في النصوص والآداب، في الفنون والحيل والتجارب الجديدة. كان ساراماغو، الروائي البرتغالي، يقول "دع الطفل الذي بداخلك يتحدث"، وقال ماركيز إنّه عندما أراد أن يكتب على نحو مختلف قرّر أن يحكي كما كانت جدّته تحدّثه في طفولته.

أعاننا الخيال، في الطفولة البعيدة الصعبة، على تجاوز ظروف هذا العالم الذي تفشل أمامه الحضارة نفسها.

تعلّمنا التاريخ على رويّة، بصرف النظر عن جودة المادة التي قُدِّمت لنا من وجهة نظر علمية. التاريخ، أو الحكاية، كان متعدّد الطبقات والأبطال والذرائع، فيه تحوّل البطل إلى شرير، وعاد الشرير ليلتحق بجيش الأخيار قبل المعركة بساعة. كانت الغجرية ترقص، وتغنّي عالياً، وكان "علي أحمد باكثير" يحيط برقصتها، وينقلها لنا حركة حركة. لا يزال صوتها يرنّ في الأذان، وكلّما شاهدنا فيلم "أحدب نوتردام"، ورأينا إزميرالادا هتفنا "نعرف هذه الغجرية، رأيناها في مكان آخر".

لماذا أقول كلّ هذا؟

فيما بعد اعتقدنا أن تعدّد الخيارات في الدنيا سيصبّ في صالحنا. من الأفضل أن نجد عشرين نوعاً من الجبنة، وثلاثين نسخة من الموبايل، ومئة تصميم للفستان. هذا أفضل، لأنّه يحقّق في النهاية رفاهاً وسعادة. الاختيار بين "بضاعتَين" كان يعود علينا، في القديم، بشيء من القلق. نسأل أنفسنا في طريقنا إلى البيت، ما إذا كانت البضاعة الأخرى هي الأفضل، هل اخترنا الأسوأ؟ بيد أنّ الأمر بات مدمّراً الآن، على المستوى النفسي. يسأل المرء نفسه: لماذا اخترت هذه النسخة، وتركت الأخريات، ويفكّر بمئة نسخة استبعدها. ما إن يصل الفرد البشري إلى منزله حتى تكون علاقته بما اشتراه قد انهارت. الوفرة غمرتنا بالقلق، بالتوتّر، باللايقين، وأفقدت أشياءنا جاذبيتها، وهكذا جعلتنا غير قادرين على إنشاء علاقة اجتماعية- نفسية مع ما نملكه، من اللعبة إلى الحب، ومن جهاز الموبايل إلى الصداقة. 

أتذكر حكاية مع ابنتي، سبعة أعوام آنذاك، وهي تلقي بالآيباد على الأريكة قائلة "الآيباد خلص". تقصد أنّها شاهدت كلّ المواد المُتاحة للأطفال على تطبيق ديزني. الآن، بعد خمسة أعوام، لم تعد تتذكّر شيئاً من كلّ تلك البحيرة التي شاهدتها وعايشتها. تعيش بلا أبطال في الذاكرة، ويتداخل عليها الخيال، ولا تبدو قد استفادت عاطفياً من تجربتها المُبكّرة مع الفن، باستثناء الأعمال الكلاسيكية المركّبة.

كانت الندرة كنزاً، لم تكن معضلة. كانت منصّة للتربية العاطفية المعمّقة، لتدريب الخيال.

كانت رواية واحدة تجعل من المرء منّا كاتباً. وكانت قصيدة واحدة، ربّما بيت شعر واحد، يخلق عدداً من الشعراء. وكانت القبيلة يهنّئ بعضها بعض إذا نبغ فيها شاعرٌ أو وُلِدت لهم فرس. كانت الندرة كنزاً، لم تكن معضلة. كانت منصّة للتربية العاطفية المعمّقة، لتدريب الخيال. الخيال هو أعظم ما يملكه الإنسان، يقول بورخيس. هو كذلك، مع الحلم. الوفرة جعلتنا خائفين، قلقين، غير ناضجين، وأفسدت طبائعنا. كان ويلسون يتحدث عن الخيول التي جيء بها من البادية إلى المدينة، وقُدّمت لها العصيدة. يقول: أحبّت العصيدة اللينة السهلة، ومع الأيّام سقطت أسنانها.

أسنان الخيول للشوك والبريّة لا للعصيدة. هكذا صار لدينا خيول بلا أسنان، وبشر لم يعودوا قادرين على الحب، وأجساد مُكتشفة لم تعد تُخفي سرّاً، وحياة بلا غموض، وذاكرة يتسرّب منها كلّ شيء.

صار لدينا خيول بلا أسنان، وبشر لم يعودوا قادرين على الحب، وأجساد مكتشفة لم تعد تخفي سرّاً، وحياة بلا غموض.

ثم أضيف إلى كلّ هذه "المأساة" التعقيد البيروقراطي لحياتنا، الحصار القانوني، القيود، والنماذج السلطوية بالمعنى الذي يذهب إليه فيكون، السلطوية البنيوية الكامنة في كلّ التمظهرات. من الضحية؟ يجيب ماكس فيبر، قبل قرن من الآن: الخيال والإبداع. عندما مات مارادونا، وبكته الصحف، كتب المحرّر الرياضي في صحيفة Neue Zürcher Zeitung السويسرية الناطقة بالألمانية: دعوا الرجل يذهب، فلو كان يلعب الآن لأوقفه المدربون، وأجلسوه في دكّة البدلاء. 

نسمع هذا الأسى على لسان إدوارد غاليانو، الكاتب الأوروغواني، إذ يقول: في الماضي كان المدرب يجتمع مع لاعبيه قبل المباراة، ويقول لهم "هيا بنا نلعب". الآن يسمع اللاعبون جملة واحدة "هيا بنا نعمل". ليتنا، مثل زمان، نذهب لنلعب، ونقف في السوق، ولا نرى سوى شيئَين أو ثلاثة.

الجمعة، 7 أغسطس 2026

إذا دخلتَ ظفار..

 إذا دخلتَ ظفار..


مروان الغفوري

كاتب وروائي وطبيب قلب من اليمن


في لندن، قبل أعوام، التقيتُ بالمهندس عبد الرحمن الحمدي، شقيق الرئيس اليمني الأشهر إبراهيم الحمدي. 

كنّا، كِلانا، مدعويين من قبل مركز قرطبة للمساهمة في ندوة حول اليمن. دار الحديث حول التعقيدات السخيّة للمُعضلة اليمنية. ذهب الحديث إلى ما هو مُعقّد حدّ السخرية المُهلكة. 

قال الحمدي، وهو يتذكّر، إنه ترشّح للبرلمان في أوّل انتخابات جرت بعد الوحدة اليمنية، 1993م. 

ليلة فرز الأصوات تبادلت القبائل، التي أدلت بأصواتها في أكثر من جهة، إطلاق النار إلى ما بعد منتصف الليل. صباح اليوم التالي لم يعثروا على قتيل واحد. سأل كبار السنّ عن الأمر فأجابوه: "بيتناقشوا". أي أنّ كلّ ذلك الرعب لم يكن سوى نقاش. 

انفجرت الحرب بعد ذلك بعام واحد، 1994. انتصر صالح وحلفاؤه ولكن المعركة بقيت مُستعرة حتى الآن. الحرب تلك كانت استمراراً للنقاش اليمني - اليمني الذي تُوّج باتفاقية رعتها الأردن. إذا ذهب اليمنيون إلى النقاش فإنّ الكثير من الدخان سيتصاعد خلف الجبل. 

بعد ست جولات قتال مع الحوثيين قال الرئيس الراحل صالح إنّ كلّ ذلك لم يكن سوى "خلاف إداري". فهو والحوثيون يشتركان في تفاهمات "كُتبت في السماء"، على حدِّ تعبيره. انتهت تفاهمات السماء بمقتله وتهشيم رأسه في مشهد أذهل العالم.

إذا ذهب اليمنيون إلى النقاش فإنّ الكثير من الدخان سيتصاعد خلف الجبل

يُحاول قادة سياسيون من جنوب اليمن فرض معنى واحد للقضية الجنوبية، ثم يختزلون الحلّ في طريق واحد: استقلال الجنوب. اليمني الشريف هو ذلك الذي يرى في تقسيم اليمن حلاً أخلاقياً، بل وتاريخياً. 

"لماذا لا تعترف بالقضية الجنوبية"، يُطرح السؤال على الدوام. 

الإجابة الحذرة تأتي غالباً على هيئة سؤال: وكيف أفعل ذلك؟ 

ينال هذا السؤال الساذج جواباً حاسماً: استقلال الجنوب. 

التفكيك يُسمّى القضية، انهيار المشروع الوطني التاريخي يُعد حلّاً. المشكلة لا أحد يضع يده عليها، هناك ضجيج عال، ضجيج وحسب. 

في الشمال، حيث الحوثيون، يُقصد باليمن الأرض التي تُدين بالولاء لعبد الملك الحوثي، لإمامته كما ترسمها كتب المذهب الجهادي "الزيدي". 

المرتزقة هم أولئك الذين يُسائلون إمارة عبد الملك أخلاقياً وقانونياً وتاريخياً. 

يُعاد إنتاج النزاع، والنقاش، بالآليات نفسها التي قادت إلى النكسة

يُقال أنّ شيخاً عربيّاً وفد على ملك حِميري في مكان إقامته في ظفار. حيّاه الملك قائلاً "ثب"، فوثب الشيخ وكسر ساقه. هنا قال له الملك "إذا دخلت ظفار فتحمير"، أي تعلّم الحميرية. 

في الحميرية عليك أن تجلس حين يُقال لك ثب! امتداداً لذلك العمق التاريخي المُثير يصبح القتال نقاشاً، تصيرُ الحرب خلافاً إدارياً، ويُمجّد الانقلاب بوصفه تكتيكاً في السياسة. من غير المُستغرب أن يأخذ الجزء الأخير من هذه الملحمة التاريخية صورة مدمّرة عنوانها "المسيرة القرآنية".

كما لو أنّ الحرب ابنة البارحة، النقاش العام لا يمنحك انطباعاً أنّها قد علّمت الناس شيئاً. يُعاد إنتاج النزاع، والنقاش، بالآليات نفسها التي قادت إلى النكسة. تُخاض الضغائن كما لو أنّها اكتشاف جديد، كلّ حديث عن استعادة الدولة يُقصي أوّل ما يُقصي أولئك الذين يريدون بالفعل استعادتها. الضحايا لم ينتظموا بعد على خطّ واحد، لا يزالون يرفضون الاعتراف بالحقائق كلّها. لا يوجد منتصرون ولا مهزومون، هناك تفكّك عظيم، سديم، أمّة كبيرة غادرت التاريخ وتركت خلفها جغرافيا بلا صاحب. 

داخل هذا التفكّك لا يزال عالقاً بمفهوم الحرب شيء من معنى "الخلاف الإداري والنقاش". 

وفقاً لمفوضية اللاجئين، هناك حوالي خمسة ملايين نازح يمني، وحوالي ثلث مليون آخرين مسجلون على قوائم اللجوء. ملايين أخرى تاهت في الأرض، غير مرئية وغير مرصودة.

كلّ حديث عن استعادة الدولة يُقصي أوّل ما يُقصي أولئك الذين يريدون بالفعل استعادتها

اختفى كثيرٌ ممّن بنوا كلّ هذا الجحيم، ماتوا أو قتلوا تاركين خلفهم أجيالاً تتحدّث مثلهم، تحتال مثلهم، تبيع كتفيها مُستأنسة بتاريخهم، وتستعير من شفاههم الميتة كلمات قديمة.

 في بعض جوانب المُعضلة اليمنية يبدو التفكّك قدراً مستداماً، كما لو أنّ الرهان يذهب إلى الإعياء، أن يصاب كلّ الناس بوهن الحروب Kriegsmüdigkeit، ثم ستسقط الجدران والحصون من تلقاء نفسها.

على أنّ اليمن ليس استثناء في التاريخ. 

أمم كثيرة أعادت إنتاج نفسها من رُكام تاريخي مُعقّد ومُتناقض، أخرى وصلت إلى الاستقرار عبر طريق طويل من زعزعة الاستقرار. 

ربّما يكمن الاستثناء اليمني في "ثب" التي تعني اجلس، في النقاش بالبنادق، وتمجيد التفكيك بوصفه حلاً عادلاً.