الخميس، 6 أغسطس 2026

لماذا يستسلم البعض للخطاب الديماغوجي؟

لماذا يستسلم البعض للخطاب الديماغوجي؟
د. جاسم الجزاع
أكاديمي كويتي 
Jassimaljezza@hotmail.com

على مدار الأزمنة والعصور، نجد أنه لطالما انساقت الشعوب بضميرها الطيب والبسيط وراء خطابات براقة ومعسولة من بعض الساسة والسياسيين تَعِدهم بالمدينة الفاضلة والرخاء الذي لا ينقطع، لتستيقظ الشعوب لاحقاً على واقع هش وبنيان مترهل، وهنا نتساءل وحق لنا أن نتساءل.. 
هل خدعتنا الديماغوجيا السياسية حقاً، أم أننا كنا شركاء متواطئين في هذا الانخداع؟، 
بداية فالديماغوجيا بمفهومها في الادبيات السياسية ليست مجرد خطاب بليغ أو بلاغة لغوية للاستهلاك الجماهيري، بل يعرفها الباحثون أنها منظومة سياسية لفن " تسويق الوهم "

عبر استخدام الكلمات الرنانة الملهبة للعواطف والأحاسيس البشرية وإثارة الأمنيات، وإذكاء الغرائز العصيبة، وتقديم إجابات شعبوية مبسطة ومغلوطة لمعضلات هيكلية واقتصادية واجتماعية معقدة بشكل كبير، فهي تستخدم ببراعة فائقة في صناعة رأي الجماهير، لترسم لهم إما عدوًا وهميًا أو بطلًا أسطوريًا منقذًا، مما يعطل ملكة التفكير النقدي لدى الشعوب ويستبدلها بالحماس الأعمى والتبعية المطلقة.



أما أركان الديماغوجيا السياسية فتقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية، أولها استقطاب الشارع عبر خطاب متطرف في التأثير المعنوي ويعتمد كلياً على ثنائية الحق المطلق والباطل المطلق (نحن الأخيار في مواجهة الأشرار)، 
وثانيها الاستبدال الممنهج والمخطط للحقائق والأرقام المعقدة بشعارات عاطفية رنانة تخاطب البطون والرغبات والأحاسيس المشتعلة بعيداً عن مخاطبة العقول المفكرة، 
وثالثها شيطنة النقد والتحذير منه وتصويره على أنه جزء من مؤامرة خفية تتآمر على مصالح العامة، فهذا المثلث بمثابة الخلطة السحرية التي تضمن للمتحدث أمام الشعوب السيطرة المطلقة على الوعي الجمعي، وتخدير عقلهم، متجاهلاً التحديات الحقيقية المتمثلة في بناء الدول وتطوير مؤسساتها بكفاءة.

ولعل التجربة السياسية المعاصرة للرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" تقدم نموذجًا مباشرًا لتوظيف "الديماغوجيا السياسية" ببراعة فائقة في تهييج الشارع وإثارة النعرات والعصبيات، فلقد اعتمد خطابه الأساسي على زرع حالة من الذعر والخوف الوجودي لدى أتباعه ومحبيه، محذراً إياهم باستمرار من "أعداء خفيين" يتربصون بالدولة من داخل العقر الأمريكي نفسه، ويصور لهم أن كيانهم وهويتهم مهددة وفي خطر دائم دون أن يكلف نفسه العناء في تقديم تعريف واضح أو دليل حقيقي على هؤلاء الخصوم والأشرار، مكتفياً بصب الزيت على النار وإثارة الفوضى العارمة هناك، ولتحقيق هذه الغاية، نجد أن الرئيس ترامب وظّف مصطلحات تستفز العصبيات العرقية والعنصرية وتوقظ الغرائز القومية الضيقة لدى قطاعات واسعة من أتباعه، محولاً السياسة إلى مسرح شعبي محموم وملتهب يمده بالتعصب والانقسام، ويقصي تماماً لغة العقل والأرقام، مما يفسر ذلك الولاء الأعمى والتعصب المطلق الذي تبديه قواعده الشعبية متجاهلةً تماماً التداعيات المدمرة لتلك السياسات على نسيج دولتهم هناك بأكملها.

إذن، وأمام هذا المشهد المعقد والمتقلب، ما هو دورنا كشباب عربي تجاه هذا التغلغل الديماغوجي المستمر والمتجدد في عالم السياسة وأهلها ؟، نجد أن مواجهة هذا التغلغل الديماغوجي يتطلب بناء حصانة فكرية في عقولنا قوامها النقد الحي والمنطقي، والتشكيك الإيجابي في كافة الشعارات المطلقة التي لا تستند إلى براهين أوأدلة مادية ملموسة، وينبغي على النخب الفكرية العربية والمثقفين العرب تفكيك الخطابات الشعبوية وتوضيح مآلاتها على المدى البعيد، بدلاً ممن الاكتفاء بالاستنكار السلبي الانسحاب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق