الثلاثاء، 24 أبريل 2018

إنهم يقتلون الجياد.. أليس كذلك؟


إنهم يقتلون الجياد.. أليس كذلك؟


هشام عبد الحميد

كان هنالك عشرة أطفال اختاروا اللعب على قضبان المحطة الرئيسية لقطار البلدة غير عابئين بمخاطر هذا العمل الجنوني، باستثناء طفل انفصل عنهم واختار اللعب على قضبان سكة حديد مهجورة للمحطة نفسها. وعندما حانت اللحظة الفاصلة لاقتراب القطار بسرعة مذهلة مرعبة، أدرك ناظر المحطة حتمية التصرف لإنقاذ هؤلاء الأطفال. عندما قارن بين الأطفال التسعة والطفل الوحيد الذي اختار محطة مهجورة، قرر وبدون تردد أن يغير مسار القطار لمحطة السكة الحديدية المهجورة ليضحي بالطفل المسكين مقابل إنقاذ الأطفال التسعة دفعة واحدة. وبالفعل تم إنقاذ الأطفال التسعة والتضحية بالطفل تعيس الحظ.

إنها العدالة ولا شك!
ولكن لنتساءل: هل هي هذه العدالة فعلا؟

تُرى هل
كان من الحكمة والرؤية بمكان أن يتم إنقاذ تسعة أطفال اختاروا بملء إرادتهم اللعب على قضبان السكة الحديدية للمحطة نفسها، غير مدركين لما يستتبعه هذا الفعل من كارثة محققة، والتضحية بطفل ذكي، بلا شك، كونه اختار اللعب الأكثر أمانا، على قضبان السكة المهجورة؟

ترى هل كان اختيار ناظر المحطة بالتضحية بالطفل الذكي صحيحا، أم العكس هو الصحيح؟

هل العدالة تقتضي المساواة بين الغباء والذكاء على حد سواء؟

لا شك أن ناظر المحطة باختياره ذلك يميل إلى ثقافة الكم، دونما النظر العميق الأفق في اللجوء لاختيار نوعي لإنقاذ طفل استثنائي.

هذا تماما ما تمارسه بانتظام ومنهجية الأنظمة المتخلفة والمجتمعات الغبية. إذ تغتال كل لحظة المواهب والقدرات الاستثنائية، تحت دعاوى عقيمة، فنخسر بمشروعية هذه الاختيارات، وجود من يعطي للحياة معنى وقيمة. نخسر. فاروق الباز، مجدي يعقوب، وسيد درويش، وو.. وو.. وغيرهم في شتى المجالات العلمية والفكرية والثقافية والفنية.

إذ لم ندرك قيمة الجياد الاستثنائية كمعطى أساسي يحقق مشروعية لوجودنا الإنساني ليكون خطا دفاعيا أمام التخلف، وحافزا وجوديا يدفع بنا إلى مسار التقدم، حتى لا نخسر رهاننا الحقيقي بالحياة.

إنهم يقتلون الجياد.. أليس كذلك؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق