التلميذة غزّة وأساتذتها العرب الفاشلون
وائل قنديل
هي الوحيدة التي دخلت امتحاناً حقيقياً ونجحت بتفوّق، والوحيدة التي خاضت معركة حقيقية، وكاملة الشرعية السياسة والأخلاقية وانتصرت، والوحيدة التي واجهت تهديداً مصيرياً ووجودياً واجتازته.
وبالرغم من ذلك كلّه تجد الجميع ينهرها ويعنّفها ويلوّح لها بعصا الأستاذية ويتعالم عليها، وهو الجهل كلّه والفشل كلّه، ويعطيها دروساً فيما كان يجب أن تفعله من قبل، وما يتحتّم عليها أن تنفّذه من بعد.
هي "حماس" وأخواتها المُقاومات الفلسطينيات، ومعها أخوتها في لبنان واليمن والعراق، صنعوا نصراً سياسياً وأخلاقياً، على عدو هو الأكثر سفالة في التاريخ، بكلّ جدارةٍ واستحقاق، وعلى خذلان أشقائها، الأشدّ إيلاماً من طعنات العدو.
هي المقاومة التي صحّحت ماضياً مُختلاً وحرّكت واقعاً بليداً راكداً، ورسمت مستقبلاً أنظف وأكرم، هي التي دفعت الثمن كاملاً وحدها، ثم تجد نفسها مطلوباً منها ألّا تحصل على شيءٍ يُذكر، وأن تسلّم سلاحها وتغادر أرضها، وتكتبَ انتصارها باسم الذين خذلوها ليتقاسموا الأرباح والعوائد، وإلا فهي مرجومة ملعونة من كلّ شياطين التواطؤ والخذلان، متهمة بتعريض الأمن القومي للخطر.
كانت المقاومة هي الأكثر عطاءً وبذلاً، ثم يُراد منها ولها أن تكون الأكثر حرماناً من كلّ شيء، حتى انتصارُها الذي يقفز عليه مَن كانوا إلى صفوف العدو أقرب، بل يمكن القول إنّ غزّة والمقاومة، أو يمكنك القول غزّة المقاومة، أو مقاومةُ غزة، إذ لا يمكن تخيّل غرّة بلا حركة حماس أو "حماس" من دون غزّة، هي صاحبة الفضل على النظام الرسمي العربي كلّه، نعم غزّة هي المعلّم الحقيقي والأستاذ الذي أعاد للعرب القدرة على تهجّي أبجدية الكرامة، وعلمهم أن يقولوا لا في وجه من رآهم قطيع غنم يسوقه كيف يشاء.
هي التي منحتهم ذلك الشعور بالقوّة في وجه ترامب حينما قرّر أنهم سيفعلون ما يأمرهم به، ويقدّمون مساحات من أراضيهم قرابين خضوع وطاعة له لكي ينفذ خطته بتطهير فلسطين من الشعب الفلسطيني، وتهجيره إلى كلّ من مصر والأردن، ليضيف حليفه نتنياهو: والسعودية أيضاً، قبل أن يُقدم قرصان البيت الأبيض على تراجع تكتيكي، ويدور الحديث عن التهجير إلى الصومال، أو تذويب الوجود البشري الفلسطيني في عديد من المنافي الأخرى.
هنا فقط، وجدنا الأنظمة العربية تنتحل مواقف المقاومة وتستعير أزياء المُمانعين وتتقمّص أدوار المناضلين، وتتمرّد، ولو تظاهراً أمام شعوبها، على إملاءاتِ دونالد ترامب التي استفزّت غضباً شعبياً عارماً انعكس على لغة الدبلوماسية العربية الرسمية التي راحت تتسابق في إصدار بيانات تُطرب الجماهير العطشى لماء الكرامة والصمود، حتى شُبِّه لها أن طبول الحرب تُدقّ وأنّ حكوماتها تستعد للقتال، ضدّ الغطرسة الصهيونية الأميركية، على نحو ما فعلت "حماس" والمقاومة في السابع من أكتوبر 2023 المجيد.
وليس ضرباً من ضروب المبالغة، أو شكلاً من أشكال الإطراء المبالغ فيه، أن تقول إنّ "حماس" (المقاومة) قدّمت إلى أنظمةٍ كانت قد سقطت في عين غالبية شعوبها الفرصةَ لكي تنهض، ولو شكلياً، من وصمة التبعية الشاملة للأميركي الباطش، والإذعان الكامل للصهيوني الوقح، وتُظهر وجهاً عربياً وإنسانياً غابت معالمه واختفت ملامحه على مدى 15 شهراً من العدوان، فضلاً عن أن ثمن الانتصار دفعته هذه المقاومة بدمها، فيما تكسّب آخرون من ورائه، تسهيلاتِ قروضٍ من مؤسسات دولية ومساعدات من الدول المانحة، وأرباحاً لأفراد على اتصال بجهاتٍ رسمية من بيزنس المعابر، وقبل ذلك وبعده غسيل سمعة حكومات أمام شعوبها، بعد أن نامت طويلاً في فراش التطبيع الفجّ ولا تزال.
كلّ هذه المعطيات والوقائع تجعل من التطاوُسِ أمام المقاومة وممارسة الأستاذية والوصاية عليها، والانهيال عليها بالأوامر والنواهي عملاً مُستهجناً بل ومضحكاً في الوقت نفسه، خصوصاً عندما يصدر عن أبواق كنّا ظننا أنها اعتراها الصدأ واختفت من الحياة تماماً، غير أنها استثمرت هي الأخرى في أجواء الممانعة المستعارة، وعادت تبثّ رسائل إلى "حماس" والمقاومة، عجزت الأنظمة التي تشغّل هذه الأبواق عن أن تقولها بنفسها، وبلا أيّ خجل، وبمنتهى الفظاظة، يخرج علينا عبد اللطيف المناوي الرئيس التنفيذي للأخبار والصحف في الشركة المتحدة، التي تقوم في مصر السيسيّة مقامَ وزارة الإرشاد في مصر الخمسينات والستينات، ليأمر حماس والعصا في يده، والحمرة في عينه "بأن تتوقف عن محاولات ادّعاء النصر من خلال إيجاد صيغة أو صورة تعطي انطباعاً بأنها حققت الانتصار، لأن ما حدث ليس انتصاراً؛ بل هو رضوخ وخضوع للأمر الواقع".
هكذا أطل الشخص الذي كان قد سقط مع سقوط نظام مبارك، ثم قام في خريف العام الثالث عشر من زمن نظام السيسي، ليصبح المهيمن على إعلام الشركة المتحدة التي هي واجهة النظام الحالي، لاعناً "طوفان الأقصى" ومعلناً على شاشة التلفزة أنه "يكفي ما مرّ به الشعب الفلسطيني والمنطقة من تبعات لمغامرة 7 أكتوبر". هكذا مرّة واحدة، على الرغم من أنّ النظام الذي يمثله يعيش في خير هذه "المغامرة" ومخرجاتها، ويرتدي أثواب البطولة والفروسية باعتبار، أو بالأحرى ادّعاء، أنه منحاز للقضية ولو كلفه الأمر أن يحارب أميركا نفسها ويبارز ترامب شخصياً وأن يوعز لجحافل الطبالين بقرع طبول الحرب.
هذه المغامرة/ المقاومة وحدها التي سترت العرب حين وجدوا أنفسهم في العراء أمام عواصف دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، فراحوا ينتحلون شخصيات الممانعة، وما أن تهدأ العاصفة حتى يعودوا إلى شخصياتهم الأصلية التي لا تستطيع تخيّل الحياة من دون التطبيع مع إسرائيل، والقطيعة مع المقاومة، لتستأنف مسألة الربط الفاسد الفاجر، ولتردّد مقولات الدعاية الصهيونية التي كانت تلقي بمنشوراتها مع القنابل الفتّاكة على الشعب الفلسطيني في غزّة تحرّضه على مقاومته.
تعايشتم مع التطبيع طويلاً فلمْ تحصدوا إلا الهوان، فلماذا لا تجرّبوا التطبيع مع المقاومة؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق