التطبيع الثقافي.. ماهيته ومخاطره (1)
يتعيّن من الناحيةِ المنطقية أن تكون الجبهةُ الثقافيةُ هي الأكثر متانةً في مواجهة الاختراق التطبيعيّ الصهيونيّ؛ فالتطبيع يبدأ بفكرة تشوش على فكرة المقاومة، وتزيّن التعايش مع الاحتلال وتسوّغه وتبرّره.
والاحتلال -قبل أن يكون حضورًا عسكريًّا وأمنيًّا، وقوة استعمارية على أرض بلد آخر- هو قبل كل شيء "فكرة"، تزين التنازل عن الحقوق والتفريط فيها، وتبرر القعود عن المقاومة.
بناءً على ذلك، يتعين أن يكون "المثقف" حارسًا للوعي، وفي مقدمة الجبهة التي تتصدى للتطبيع، وآخر من يترك المعركة؛ فهو حارس الرواية، وحامل مشعل الحقيقة، وإن انزلاق المثقّفين لخدمة التطبيع وتبريره هو خيبة لهم وعار، كما يقول أبو سيف، وزير الثقافة الفلسطيني.. إن دور المثقفين هو التمكين للخطاب الثقافي الرافض لكل أشكال التطبيع، والرافض للانزلاق في مساره، ناهيك عن تزيينه أو تبريره.
مفهوم التطبيع والتطبيع الثقافي ومخاطرهما
ماذا نقصد بالتطبيع؟ وماذا نقصد بالتطبيع الثقافي؟ وما هي مخاطره ومظاهره وتجلياته على الواجهة الإعلامية والثقافية العربية؟ وما موقع التطبيع في إستراتيجية الاختراق الثقافي الصهيوني؟ وما هي تجلياته في الساحة الثقافية الوطنية والعربية؟ وأي دور للمثقفين في التمكين للخطاب الثقافي الرافض للتطبيع عربيًّا وإسلاميًّا ودوليًّا؟ وأية مقاربة وأي مقترحات للتصدي للتطبيع على هذه الواجهة؟
في السياقات، الفلسطيني والعربي والإسلامي، وفي كل سياق مطبوع باحتلال أرض واغتصاب الحقوق التاريخية لهذا الشعب والاعتداء على حقوقه ومقدساته الدينية، فإن التطبيع يعني أن تقبل وتسلّم من الناحية الفكرية والنفسية والسلوكية بالمحتل الغاصب
مفهوم التطبيع
من الناحية اللغوية الصِّرف، "التطبيع" هو "استرجاع" لحالة كانت طبيعية، حالت ظروف ما (ذاتية أو موضوعية) دون استمرارها، فوجب بالتالي اعتمادها من جديد أو تبنيها. هو إضفاء لصفة "الطبيعية" على علاقة (أو علاقات) لم تكن كذلك من قبل، لكنها أضحت، أو أريد لها بحكم الأمر الواقع أن تُضحي طبيعية، أو مقحمة في السياق العام، حتى وإن تسنى للفرد والجماعة النفور منها، وتعذُّر القابلية لديهما على تمثلها والقبول بها.
أما في السياق العالمي الحالي، فالتطبيع هو الرجوع إلى قاعدة السلم والتعاون، والاعتراف المتبادل، وتبادل التعاون والمنافع بين الشعوب والأمم.
وفي السياقات، الفلسطيني والعربي والإسلامي، وفي كل سياق مطبوع باحتلال أرض واغتصاب الحقوق التاريخية لهذا الشعب والاعتداء على حقوقه ومقدساته الدينية، فإن التطبيع يعني أن تقبل وتسلّم من الناحية الفكرية والنفسية والسلوكية بالمحتل الغاصب، وأن تعترف به وتتعامل معه على أساس أنه أمر واقع وحالة طبيعية.
وفي السياق العربي الإسلامي، فإن المطالَب بالتطبيع مع المحتل هو الأمة العربية والإسلامية، مع ما يعنيه ذلك من تسليم في فكرها وسلوكها ومشاعر مسؤوليها ومواطنيها، بأن ينتقل الاعتراف بالمحتل من حالة مرفوضة إلى حالة مقبولة و"طبيعية"، مع ما يترتب على ذلك من تنازل عن الحقوق، وعلى رأسها حقوق أهلنا في فلسطين، وحقوق المسلمين في بيت المقدس باعتباره أولى القبلتين وثالث الحرمين، ومسرى رسول الله صلى الله وسلم، ومنطلق معراجه إلى السماء، وبما يعنيه ذلك من انقلاب على مقررات دينية في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى ثوابت في تاريخ وحضارة الأمة الإسلامية.
وهذا يعني أن التطبيع يتجاوز النطاق السياسي، ليشمل البعد العقدي والديني والحضاري للأمة العربية، سواء تعلق الأمر بالمسلمين أو المسيحيين، أو اليهود غير المتصهينين، أو اليهود غير المحاربين .
التطبيع في الاصطلاح السياسي
ومن ناحية السياق السياسي، الذي يستخدم فيه مصطلح التطبيع، أي سياق العدوان الصهيوني على فلسطين واحتلالها واحتلال القدس وبيت المقدس، والسعي لتهويده، ونزع الطابع العربي والإسلامي عنه، فإن "التطبيع" يعني القبول بالأمر الواقع، كما يستبطن "شرعنة" ضمنية للاحتلال الصهيوني لفلسطين، أي القبول بكيان عنصري إحلالي، تم زرعه في فلسطين بمساعدة القوى الكبرى، التي سعت إلى التكفير عن مظالمها التاريخية الواقعة أو المزعومة تجاه اليهود، والاضطهاد الذي طالهم في أوروبا عبر التاريخ، وخاصة في ألمانيا النازية.
وذلك هو الاحتلال الذي بدأ بوعد "بلفور"، الذي أخذ على عاتقه إحلال "شعب بدون أرض" في "أرض بدون شعب" حسب ما يزعمون، بناء على رؤية عنصرية، ومعتقد فاسد مفاده بأن أرض فلسطين هي الأرض الموعودة لشعب الله المختار، بكل ما يرتبط بذلك من تفاصيل في الرواية الصهيونية.
يتعين على كل عربي ومسلم ألا يطبّع مع دولة مرجعيتها عنصرية أو استبدادية كليانية، أو تعادي الأمة الإسلامية عداء وجوديًّا، وألا يطبّع مع نظام للحكم أو أي وضع سياسي هو كذلك
التطبيع العربي العربي -الإسلامي الإسلامي- ومع المحيط الإنساني
أما في السياق العربي الإسلامي، فيمكن أن نقرر أن القاعدة هي "التطبيع" مع الجهات والأطراف التالية:
- أن يطبّع المرء (عربيًّا كان أم مسلمًا)، فردًا أو ضمن جماعة، مع المجموعات والكيانات والدول العربية والمسلمة.
- أن "يطبع" المسلمون والعرب مع غيرهم من الأمم، بغض النظر عن أديانهم وعقائدهم وثقافاتهم، من منطلق أن الاختلاف بين الأمم والشعوب والقبائل هو معطى إنساني تاريخي، يتعين التعامل معه، وتحويله إلى وسيلة لتحفيز العمل من أجل التكامل والاغتناء المتبادل الذي يفيد البشرية ويطورها، كما وردت الإشارة في قوله تعالى: {يا أيّها النّاس إنّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمهم عند الله أتقاكم} [سورة الحجرات: 13].
فاختلاف الألسنة والألوان ليس مظنة للتناحر والخصام أو النزاع والشقاق، بل ينبغي أن يكون محفزًا على التعاون للنهوض بالتكاليف، والوفاء بالالتزامات، وجلب المنافع ودفع المفاسد. والميزان عند الله ليس اللون أو الجنس أو اللغة أو الوطن، وإنما هو التنافس في العمل الصالح.
- أن يطبع العرب والمسلمون مع أمم أو أنظمة مناصرة للعدالة وللحريات، ورافضة لقمع واضطهاد الشعوب، ولو لم تكن تشترك معها في المعتقد الديني والانتماء العرفي والاجتماعي. وهو ما يمكن استنتاجه مثلًا من أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، للمسلمين حين اشتد قمعهم واضطهادهم من كبراء قريش بالهحرة إلى الحبشة بقوله: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد".
وفي المقابل، يتعين على كل عربي ومسلم ألا يطبّع مع دولة مرجعيتها عنصرية أو استبدادية كليانية، أو تعادي الأمة الإسلامية عداء وجوديًّا، وألا يطبّع مع نظام للحكم أو أي وضع سياسي هو كذلك، ناهيك عن التطبيع مع الكيان الصهيوني، كما ورد في قوله تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَن تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَٰدًا فِى سَبِيلِى وَابْتِغَآءَ مَرْضَاتِى ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ ۚ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ} [سورة الممتحنة: 1]، وألا "يطبّع" مع وضع اجتماعي أو ثقافي أو أخلاقي مبني في شكله وجوهره على القمع أو الإقصاء والفساد والإفساد، أو مع منظومة سياسية مرجعيتها عنصرية.
وهذا يعني أن للتطبيع تجليات ومظاهر متعددة، فهو يشمل التطبيع الأخلاقي مع الفساد، والتطبيع الفكري والمعرفي مع نظم فكرية مختلة الموازين من الناحية العلمية والفكرية، والتطبيع مع المحتل الغاصب، أو أي نظام سياسي ظالم ومتجبر مستبد وفاسد.
ويُبنى على ذلك أنه من غير المستساغ فرض التطبيع على الشعوب، أو العمل على تصريفه في تمثلها، وإقحامه في منظومة قيمها كي يُضحي أمرًا مسلمًا به لدرجة الذوبان في تلك المنظومة؛ فالتطبيع في هذه الحالة صورة من صور الاستبداد السياسي، ووجه من وجوهه، وتجلٍّ من تجلياته .
والأصل في المجتمعات الإسلامية أنها تنطلق من المرجعية الإسلامية، التي تعتبر منظومتها العقدية والتشريعية "متشوفة للحرية"، وفق تعبير الشيخ الطاهر بن عاشور، وكما قال عمر بن الخطاب: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق