ثقافة المقاومة في مواجهة ثقافة التطبيع (2)
مخاطر التطبيع الثقافي
إذا كان التطبيع السياسي مع خصوم الأمة، وخصوم عقيدتها وفكرها وتاريخها ووحدتها ووجودها السياسي والحضاري، أمرًا منكرًا ومرفوضًا، فإنّ ما هو أخطر منه هو "التطبيع الثقافي".
وقد ورد في كتابي: "في نظرية العمل الثقافي"، في فصل تحت عنوان: "في مقاومة ثقافة التطبيع"، بيان مخاطر التطبيع الثقافي وتحديدها، فيما يلي:
التطبيع الثقافي هو أخطر من التطبيع السياسي لأنه محاولة لقلب المفاهيم، وذلك يؤدي إلى التفريط في مبادئ العقيدة وحقائق التاريخ والحضارة، وما راكمه فكر الأمة وتجارب الأمم التي سعت للحفاظ على وجودها
- هو أخطر أنواع التطبيع؛ لأنه محاولة لاختراق الإرادة ومسح الذاكرة، وقطع الصلة بين الأجيال، وضرب تضامنها التاريخي في تحمل أعباء الرسالة، وفي مواصلة الكفاح من أجل التحرر.
- هو أخطر من التطبيع السياسي؛ لأن هذا الأخير قد يكون انكسارًا ظرفيًا من الحكام أمام خصوم الأمة، في حين أن التطبيع الثقافي هو تسلل إلى الفكر والوجدان، والسعي لصياغتهما صياغة تتنافى مع عقيدة الأمة وقيمها الجامعة.
- هو أخطر من التطبيع السياسي لأنه محاولة لقلب المفاهيم، وذلك يؤدي إلى التفريط في مبادئ العقيدة وحقائق التاريخ والحضارة، وما راكمه فكر الأمة وتجارب الأمم التي سعت للحفاظ على وجودها.
- هو تنكر للانتماء وانسلاخ عن الهوية، واستعداد للذوبان المطلق في هويات أخرى، والانخراط في مشاريع تستهدف الأمة وإنسانها وأرضها وكيانها.
- هو تسويغ معرفي فكري لمصالحة خصومنا الملوثة أيديهم بدمائنا، وتبادل للمودة مع المسؤولين عن جراحنا ونزيفنا.
- هو مسكن يخدر عقولنا وأحاسيسنا حتى نكف عن التألم، وحتى يتغير شعورنا تجاه جلادنا لنجعل منه منقذنا ومخلصنا .
- هو تشويه للحقائق والتاريخ، لأن مقتضاه أن يصبح لعصابات السفاحين موطئ قدم في أراضينا، ونرضى أن نسكن في العراء من أجل أن يسكن سارقنا في حينا ويدفأ في بيتنا ودارنا.
- هو تعبير عن قابلية واستعداد لنسيان تاريخ من الإجرام في حق أمتنا، لمد يد التعاون إلى أعداء ديننا وعقيدتنا، الذين أخرجونا من ديارنا وذبحوا شيوخنا ونساءنا في دير ياسين وغيرها من معاقلنا، وأحرقوا أقصانا وداسوا بيت مقدسنا.
- هو تعبير عن استعداد لنسلم لمن ذبحونا وقتلونا، وبسطوا -ولا يزالون- أيديهم وألسنتهم بالسوء إلينا.
- التطبيع عامة، والتطبيع الثقافي على الخصوص، يدل على أنه قد تغيرت فينا أشياء كثيرة، وأننا لم نعد نحن، وأننا قد تنكرنا لهويتنا، وأن قضية عشرات الأجيال من المسلمين لم تعد هي قضيتنا.
- هو تنازل عن الحق في الوجود، ما قد ينتهي إلى انسلاخ عن معنى الانتماء للأمة، والقبول بالاعتراف بأحقية أعدى أعدائها في الوجود على حسابها.
- هو تبنٍّ لرؤيتهم وروايتهم للتاريخ، علمًا أن لكل شعب ولكل أمة رؤيتها للكون ولتاريخها ولهويتها الثقافية، التي قد تتقاطع في كثير من الجوانب مع هويات أخرى، ولكن أيضًا هي ما يشكل خصوصيتها.
التطبيع الإعلامي العربي هو ذلك التطبيع الذي يتولى كبره لدى بعض المنابر الإعلامية العربية – صحافة كانت أم تلفزيونات أم غيرها-، وتعمل على استنباته أو التبرير له، أو التركيز على الداعين إليه
التطبيع الإعلامي أخطر مداخل التطبيع الثقافي
والتطبيع الإعلامي من أخطر مداخل التطبيع الثقافي، خاصة في عصر الثورة الإعلامية والمعلوماتية، وبالنظر لما أصبح يحتله الإعلام بأشكاله المختلفة في حياة الناس، وما يتمتع به من قدرة على التأثير الناعم في أفكارهم وتوجهاتهم وميولهم. فما المقصود بالتطبيع الإعلامي العربي؟
نقصد بالتطبيع الإعلامي العربي ذلك التطبيع الذي يتولى كبره لدى بعض المنابر الإعلامية العربية (صحافة كانت أم تلفزيونات أم غيرها)، وتعمل على استنباته أو التبرير له، أو التركيز على الداعين إليه. ويتخذ التطبيع الإعلامي مظاهر متعددة يمكن حصر أهمها فيما يلي:
- التطبيع العملي من خلال زيارات للكيان الصهيوني، بحيث لم يعد بعض الإعلاميين المطبعين يخجلون من الذهاب إلى الكيان الصهيوني، أو الجلوس جنبًا إلى جنب مع صحفيين صهاينة في بعض القنوات، والأمر ليس كذلك فحسب، بل أصبح مصدر اعتزاز وتفاخر من قبل بعض المطبعين .
- استقطاب أقلام متصهينة من لدن هذا المنبر أو ذاك بات أمرًا مستحبًا و"طبيعيًا"، مثله مثل استدعاء وجه عربي من هذا القُطر أو ذاك، بل إن بعض المؤسسات الإعلامية العربية لم تعد تتوانى في تأثيث أستوديوهاتها وترتيبها من خلال إجلاس إسرائيلي أو متصهين بين عربي وعربي، أو بين عربي ومسلم، أو إلى جانبهما.
وقد أصبحت هذه الظاهرة حقيقة جلية، لا تتخلف عنها إلا بعض "القلاع" التي لا تزال منظومتها السياسية والدبلوماسية غير خاضعة للتطويع أو للاستقطاب، فالقنوات الفضائية التي اختارت لنفسها خطًا تحريريًا "مطبِّعًا" لم تختره طواعية، بل لأن القائمين عليها، أو الجهات التي تمولها أو تنطق باسمها، هم أصلًا جهات مطبِّعة ولو لم تعلن ذلك جهرة، وتدفع ذات القنوات لجسّ النبض على خلفية من التطلع للتطبيع، أو هم "مشاريع مطبعين" لم تتوفر لديهم الفرصة أو الجرأة للإعلان عن ذلك.
كتبت إيفا كدوش معلقة: "غزة ستُمحى اليوم". كما نشرت عدة منشورات أخرى تدعم من خلالها جيش الاحتلال الإسرائيلي، وتدعو له بالنصر من تخوم لبنان إلى صحراء مصر
- عدد من القنوات الفضائية لم تعد تعمد فقط إلى التمرير لما يمكن تسميته بـ"أيديولوجيا التطبيع"، بل تتبنى منظومة فكرية أضحى الكيان الصهيوني بمقتضاها جزءًا من المنطقة العربية والإسلامية، فتحوَّلت بذلك إلى أداة لشرعنته، باعتباره مقدمة للتسليم بذلك الأمر، والبناء على فرضيته أو حتميته.
- عرض أعمال تلفزيونية يشارك فيها ممثلون صهاينة، حيث قامت بعض القنوات العربية بعرض مسلسلات تلفزيونية بمشاركة ممثلين صهاينة، كما هو الشأن مثلًا مع القناة الثانية في المغرب، التي بثت مسلسلًا تلفزيونيًا تحت عنوان "الناس لملاح"، تشارك فيه ممثلة صهيونية تدعى إيفا كدوش، وهي التي تتوعد بمحو قطاع غزة، وتدعم جيش الاحتلال الإسرائيلي في عدوانه على الشعب الفلسطيني منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وكانت السكرتارية الوطنية للجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع قد أكدت في بلاغ صادر عنها، بتاريخ 13 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، أن المغرب "ما زال مصرًا على مواصلة تطوير علاقاته بالكيان الصهيوني"، مشيرة إلى أن أهم العلامات الأخيرة الدالة على هذا التوجه هو المسلسل التلفزيوني "الناس لملاح"، الذي تبثه القناة الثانية، وشاركت فيه الممثلة المذكورة، والتي لم تتورع عن الدعاية لفائدة جيش الاحتلال ولحرب الإبادة على غزة.
وأعلنت حينها عزمها تنظيم مظاهرات احتجاجية أمام مقر القناة الثانية، إضافة إلى تقديم "ملتمس في مجال التشريع، يقضي بمنح الجنسية المغربية لجميع أبناء وأحفاد اليهود المغاربة".
ومشاركة الممثلة الإسرائيلية إيفا كدوش، التي نشرت صحيفة "صوت المغرب" تقريرًا بتاريخ 4 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، يتحرى من تكون، ويرصد تدويناتها المتطرفة بحق الشعب الفلسطيني، هذه المشاركة أثارت غضب طيف من المغاربة الذين عبروا عن استيائهم من هذه الخطوة التطبيعية، معتبرين إياها استفزازًا لمشاعرهم في ظل ما تعيشه المنطقة من عدوان صهيوني متصاعد بحق الشعبين الفلسطيني واللبناني.
المسلسل الذي بُثت أولى حلقاته الخميس 26 سبتمبر/ أيلول 2024، يسلط الضوء على عودة مغاربة يهود إلى أحياء "الملّاح"، التي تشتهر بها عدة مدن مغربية، بعد سنوات من الهجرة خارج الوطن.
وفي هذا السياق تنتظر مسعودة قدوم ابنتها "جِنين"، التي لا تنوي التفريط في منزل والدتها "الذي أثار أطماع أحد السماسرة، لتعمل جاهدة على إعادة ترميمه بعد العودة"، حسب الموقع الرسمي للقناة الثانية. و"مسعودة" إحدى شخصيات المسلسل "المغربي" المذكور، لمخرجته المغربية جميلة بنعيسى البرجي، والذي صُوّرت حلقاته بين مدينتي الصويرة والدار البيضاء، وبُثت أولاها على القناة الثانية المغربية.
"مسعودة"، الشخصية التي جسدتها إيفا كدوش (غير مشهورة بكونها ممثلة)، اسم لـ"مستوطنة" صهيونية تقيم في تل أبيب، ظهرت في جنيريك المسلسل، وسط عدد من الممثلين المغاربة، إذ تركز منشوراتها في وسائل التواصل الاجتماعي على الطبخ، والتعريف بمأكولات شعبية تنسبها إلى الكيان الصهيوني، إضافة إلى منشورات أخرى تتمنى من خلالها الموت والإبادة الجماعية للفلسطينيين، وتدعم جيش الاحتلال في عدوانه على قطاع غزة.
وحسب صحيفة "صوت المغرب"، فإنها قد حاولت التواصل مع مخرجة المسلسل "جميلة بنعيسى البرجي" والسيناريست "أحمد بوعروة" دون جدوى، وذلك بهدف الاستفسار عن الإضافة التي تقدمها ممثلة "إسرائيلية" بمواقف متطرفة لمسلسل مغربي، ولماذا لم يتم الاستعانة بممثلة مغربية لتجسيد دور مسعودة اليهودية، كما جسدت الفنانة سارة فارس دور "جِنين" ابنة مسعودة؟
ومن المنشورات المتطرفة التي نشرتها المعنية بالأمر في 23 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، صورة صاروخ إسرائيلي متوجه إلى قطاع غزة، كُتِب عليه بخط اليد "أتمنى أن تقصفكم هذه الصواريخ بشكل مباشر"، وتزامن توقيت نشر هذا المنشور مع إقدام عدد من المستوطنين على حجز مكان لرسائلهم المتطرفة على الصواريخ، التي يرسلها جيش الاحتلال لتدمر منازل المدنيين، وتقتل الأطفال والنساء في غزة. وكتبت "إيفا كدوش" مع الصورة ذاتها على حسابها الشخصي: "أرسل لهم: مرحبًا ولا إلى اللقاء".
كما سبق لها أن نشرت في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، عبارة تدعو من خلالها إلى إبادة أزيد من 2.124.000 إنسان في غزة، وكتبت معلقة: "غزة ستُمحى اليوم". كما نشرت عدة منشورات أخرى تدعم من خلالها جيش الاحتلال الإسرائيلي، وتدعو له بالنصر من تخوم لبنان إلى صحراء مصر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق