التوازنات في الشرق الأوسط بين إعادة التشكيل واتخاذ التدابير
أكاديمي وسياسي وكاتب تركي
مَنْ يَصْدُقِ الرَّحْمَنَ يَصْدُقْهُ وَذَا.. خَبَرُ الدِّمَاءِ وَلِلدِّمَاءِ كَلامُ
اليوم يعيشُ العالمُ حالةً من فِقدان التوازن وتزايد التساؤلات في مُختلِف اللقاءات الفكريّة والسياسيّة حول التحوّلات المُتسارعة واتجاهاتها والنهاية التي قد تؤول إليها.
والسبب الرئيس في هذه الحالة هو الروح الثورية التي شهدها الشرق الأوسط نتيجة تزامن الزلزال الذي سببه طوفان الأقصى مع سقوط النظام البعثي الاستبدادي الذي استمر أكثر من نصف قرن، الأمر الذي يعني أن الشرق الأوسط على موعدٍ مع إعادة تشكيل الديناميكيات في المنطقة برُمتها.
فغزة قد أظهرت للجميع مقاومةً تدافع عن حقها برقي ومهارة خلال العمليات العسكرية وعمليات تبادل الأسرى، بعد أن كانوا يصفونها بالإرهابية، وعلى النقيض تبينت حقيقة جيش الاحتلال الإسرائيلي بأجهزته الاستخباراتية وشركائه الأمريكيين والأوروبيين الذين يتغنّون بالقيم وحقوق الإنسان، وهم أول من يدهس هذه القيم في الحرب ومعاملة الأسرى.
وتكشف هذه الصورة المتباينة الألوان عن تغييراتٍ تستدعي من الجميع إعادة النظر في المواقف ووجهات النظر والنماذج الفكرية، أمام أملٍ جديدٍ يولد في أحضان التضحيات الجسيمة.
وكذلك الصورة في سوريا، فبعد أن وضع الجميع أقلامهم وشرعوا في إعادة عَلاقاتهم مع الأسد في غفلة، وكأن السنوات الثلاث عشرة العجاف قد انتهت ووئدت الثورة السورية بكل آلامها وآمالها، خرجت عليهم الثورة في ثوبٍ جديدٍ وفي أيام قلائل تمكنت من إعادة ضبط زوايا الصورة من جديد وتضع الجميع أمام واقع جديد مغاير تمامًا لما وَهِمُوه.
فاليوم لا وجود لـ «اليوم التالي» الذي حَلَمَت به إسرائيل، فقد كانت الأوساط الإسرائيلية الأمريكية قد ناقشت لعدة أشهر، تحت عنوان «اليوم التالي»، فرضية أن حماس سيتم القضاء عليها بالكامل وأن إسرائيل ستحقق بهذا هيمنتها الكاملة، لكن الحقيقة هو أن الواقع مغاير تمامًا لهذا التصور، إذ باتت القضايا المطروحة تدور حول كيفية إيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة، وآليات تقرير الشعب الفلسطيني لمصيره.
وقد ظهر من بعض تصريحات قادة حماس ما يبدو للبعض وكأنه تنازل، لكنه في الواقع يعكس ثوابت الحركة التي تبنَّتها المقاومة منذ سنوات، فحماس لم تكن يومًا تُصرُّ على البقاء في الحكم، لكنها في الوقت ذاته رفضت–ولا تزال ترفض–أي شكل من أشكال الوصاية الخارجية المفروضة على الفلسطينيين، فأي حلٍّ لا ينبثق عن الإرادة الشعبية الفلسطينية لن يكونَ قابلًا للتطبيق، كما أنه في ظل إدارة حقيقية تمثل إرادة الشعب الفلسطيني بالكامل، لا حاجة لوجود حماس كتنظيم سياسي. والواقع في غزة يؤكد أن غالبية سكانها اليوم يتبنّون روح المقاومة التي تمثلها حماس، وليس الوضع في الضفة الغربية بعيدًا عن ذلك.
فإسرائيل هدفها الحقيقي هو الضفة الغربية، فليست عمليات السابع من أكتوبر مجرد ذريعة أو مبرر لإسرائيل لارتكاب إبادة جماعية، فالعدوان الإسرائيلي الذي نشهده في الضفة الغربية في الفترة الأخيرة كان على جدول الأعمال قبل 7 أكتوبر بكثير.
فقد كانت هذه الهجمات على الضفة جزءًا من خُطةٍ ممنهجةٍ لإتمام العقيدة الإسرائيلية خطوة بخطوة، في سبيل ضم قوات الاحتلال للضفة الغربية في عملية يطلقون عليها «يهودا والسامرة».
فالإرهاب الإسرائيلي نتيجة للعقيدة الفاسدة والعدوانية التي وردت في التوراة المحرفة.
وقد شهدت الضفة الغربية اعتقال أكثر من 10 آلاف شخص حتى الآن، وتجاوز عدد الشهداء الفلسطينيين في الضفة الغربية 1000 شهيد. والحقيقة أن الضفة الغربية تحولت إلى عدة سجون منفصلة عن بعضها بعضًا.
وهذا يؤكد أن الدافع الحقيقي للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة ليس الرغبة في احتلالها، بل معاقبة غزة التي تُعتبر–كما تدعي المعتقدات اليهودية الأسطورية–«أرضًا ملعونة»، حيث أُجبرت إسرائيل على الانسحاب منها بعد 50 عامًا من احتلالها، ما عزز هذه السردية الملعونة.
ويبدو أن المقاومة التي نشأت في غزة بعد الحصار قد عززت ذلك، حتى إن بعض الروايات الأسطورية توصي بالابتعاد عن غزة.
لكن بالنسبة للضفة الغربية، فإن الروايات معاكسة تمامًا، وتوجه إلى تحقيق الطموحات الإسرائيلية القديمة في احتلالها وضمها.
وفي تأثير الوضع السوري الحالي على سياق الأحداث في غزة، هناك حالة من ترقّب التغيير من خلال «عدالة الفترة الانتقالية»، وما يمكن أن تؤدي إليه.
وفي تأثير الوضع السوري الحالي على سياق الأحداث في غزة، هناك حالة من ترقّب التغيير من خلال «عدالة الفترة الانتقالية»، وما يمكن أن تؤدي إليه.
وقد أشار إلى ذلك الإعلام الإسرائيلي الذي قال إن تحول تركيا إلى جار جديد لسوريا سيُغيّر التوازنات جذريًّا.
وبالفعل اتخذت إسرائيل تدابير احترازية، وأقامت قواعد عسكرية جديدة في المنطقة العازلة بالجولان؛ لتكشف مرة أخرى عن مدى التعاون الوثيق الذي كان بين إسرائيل ونظام الأسد.
@yaktay
@yaktay
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق