الثلاثاء، 25 فبراير 2025

سورية وما بعد سورية... مملكة نتنياهو

 سورية وما بعد سورية... مملكة نتنياهو 

وائل قنديل


مات ستة أطفال صغار متجمّدين من شدة البرد في غزّة، استشهدوا في العراء، لأن جدراناً أربعة لبيت أو خيمة لم تضمّهم. 

ماتوا انتظاراً لدخول المنازل المتنقّلة التي نصّ عليها اتفاق وقف الحرب، كما وعدهم الوسطاء الأشقّاء. 

ما الذي منع الوسطاء من إدخال منازل متنقلّة تنقذ أطفال غزّة من برد العراء المسعور؟... 

رفض نتنياهو، هكذا تصفعنا الإجابة الأشدّ قسوة من عضّة برد الشتاء القارس قي غزّة المُدمَّرة. لأن نتنياهو لم يوافق. ومن ثمّ، فهذا الاتفاق، كما خارطة المنطقة كلّها، ملك نتنياهو، هكذا يقرّ العرب الرسميون عملياً.

قيل للفلسطينيين في غزّة إن هذا الاتفاق محمي بضمان الوسطاء، وإنه فخر إنجازات الدبلوماسية الرسمية العربية، وإنه سوف ينقل غزّة إلى عهد جديد، ثمّ قرّر نتنياهو وحده تمزيق ما جرى الاتفاق عليه رسمياً، والبدء من جديد، على أن يكون كلّ مقبل شفهياً، يتأسّس على ما يعلنه من رغبات ومطالب، ليس في غزّة والضفة الغربية فقط، بل في الجغرافيا العربية كلّها. 

وهاهو يبدأ من سورية، فبعد أن ضمّ نحو 300 كيلومتر مربّع جديد من الأراضي السورية، يقرّر الآن المساحات المسموح للجيش السوري بالوجود فيها داخل سورية، ويحدّد منفرداً، المسافات التي ينبغي أن تقف عندها القوات السورية النظامية، لكي لا تشعر إسرائيل بالقلق، ثمّ يعلن وصايته على دروز سورية، ويفتح الباب أمام السوريين للعمل في مناطق الاحتلال باليومية.
مثل هذه الغطرسة الصهيونية لا يكون الردّ عليها بتظاهرات شعبية في المناطق المطلوب إنهاء وجود الجيش السوري فيها، ولا بلقطات فوتوغرافية تجمع الإدارة السورية بزعماء العشائر الدرزية، فالتظاهرات المسيّرة لم تفتح معبر رفح، المصري الفلسطيني، ولم تحرّر محور صلاح الدين (فيلاديلفي)، ولم تكبح شهية الاحتلال المجنونة لالتهام ما يريد من الجغرافيا العربية الطرية، مع الوضع في الاعتبار أن كلّ مؤقت عند الكيان الصهيوني يتحوّل دائماً، وكلّ مساحة مقتطعة من اللحم العربي الحي تصير جزءاً من نسيج المشروع الصهيوني.

لا يكفي هنا القول إن لدى النظام السوري الجديد ملفّات أهم ومهام أثقل، أو أنه يبني الدولة من الصفر، بعد أن تسلّمها خراباً، ذلك أن أيّ دولة وطنية إن لم تتأسّس، أولاً وقبل شيء، على صيانة ترابها الوطني وحماية حدودها من أطماع العدو، فإنها تلقي بنفسها في طريق مظلم، نهايته معروفة، بحيث لا يبقى معنى هنالك للدولة أو للوطنية. 

باختصار، لا حدود ملزمة للكيان الصهيوني في الشرق الأوسط كلّه، فحدوده حيث يشعر بالأمان الكامل، وحيث لا يوجد أي تهديد عسكري لبقائه، وحيث لا يبقى أيّ شكل من أشكال المقاومة لأحلامه التوسّعية، وبالتالي فهو يريد أن يفعل في سورية ما فعله في غزّة وفي جنوب لبنان.


ما يريده نتنياهو، وما بدأ تنفيذه فعلياً، هو نزعٌ كاملٌ للسلاح السوري من المنطقة الواقعة جنوب غربي سورية، بداية من دمشق. 

وفي غزّة، إنهاء وجود حركة حماس، وسيطرتها المدنية والعسكرية، ونزع سلاح القطاع. وفي الضفة، إعادة الاحتلال مع الرفض القاطع لمسمّى الضفة الغربية، وفرض اسم "يهودا والسامرة". 

وفي لبنان، يريد القضاء على وجود حزب الله، وأن يكون جنوب لبنان، من نهر الليطاني جنوباً وشرقاً، منطقةً منزوعة السلاح (سلاح حزب الله)، مع التهديد بأن إسرائيل ستفعل ذلك بنفسها إذا لم يؤدِّ الجيش اللبناني المهمة. 

ولا يمكن في السياق إهمال الإشارة إلى سيطرة جيش الاحتلال على محور صلاح الدين الممتدّ بين الأراضي المصرية وقطاع غزّة، وإعلان نتنياهو وجنرالاته أنهم لا يعتزمون الانسحاب منه.


والحال كذلك، يصبح الصمت، أو الإبطاء في الردّ، على قرار نتنياهو المنفرد بإعادة رسم الخرائط السورية واللبنانية والفلسطينية، بمثابة محفّز إضافي له، لكي يكرر الشيء نفسه في كلّ أرض عربية، فلا يتوقّف الأمر عند جنوب سورية، بل يمتدّ إلى سورية كلّها، وما بعد سورية، على حدّ تعبير المحلّل السياسي الفلسطيني محمود يزبك، فما الذي يمنعه من أن يصل إلى مصر وإلى السعودية والعراق، مادام المعيار الوحيد عنده هو أمن إسرائيل، وخطّ الحدود المقبول بالنسبة له هو حيث لا توجد قوة عسكرية عربية قد تشكّل تهديداً للاحتلال أو تحدّياً لأحلامه الإقليمية. ومادام بقي عرب يرون في دونالد ترامب، الموافق على ذلك كلّه، والحارس له، صانع السلام الذي انتظروا عودته لكي تدور عجلة التطبيع من جديد، ويلتحق بها كلّ من لم يصبهم الدور بعد.
مرّة أخرى، نحن بصدد اعتداء صريح على دولة عربية قبل أيّام من انعقاد قمّة عربية (طارئة) متوقعة، إن لم يصدر منها ردّ عملي حاسم عليه، سيكون هذا إعلاناً منها بالامتثال لمشيئة مجرم الحرب، الذي يريد التهام سورية وما بعد سورية، في أمّة خذلت الرجل الذي رفع شعار "حيفا وما بعد حيفا"، وطبّقه واقعاً عملياً، ورحل شهيداً له ولفلسطين، ثمّ وجدنا من يهنّئ نتنياهو على اغتياله، ويحتفل به. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق