السبت، 22 فبراير 2025

ثقافة المقاومة في مواجهة التطبيع الثقافي (3)

ثقافة المقاومة في مواجهة التطبيع الثقافي (3)


مفكر وقيادي إسلامي مغربي


بالنظر إلى مخاطر تفشي ثقافة التطبيع، ودور الإعلام في التمكين لها وتمرير مغالطاتها، يتعين تعزيز ثقافة المقاومة، وجعلها أولوية في التدافع الثقافي والسياسي المناصر لقضية العرب والمسلمين وأحرار العالم.

انطلاقًا من ذلك يتعين التأكيد على ما يلي:

اعتبار المعركة الثقافية والإعلامية، وخاصة عبر الإعلام الجديد اليوم، أهمَّ الأولويات، وجزءًا لا يتجزأ من المقاومة.

  • أن تتوجه المعركة من خلال الإعلام بجميع أشكاله لخدمة ثقافة المقاومة، مع ما يعنيه ذلك من تصحيح المفاهيم والتصورات، والتصدي للمرجفين والمتخاذلين والمثبطين.
  • بناء وتعزيز الإيمان بعدالة قضية المقاومة، والصمود والصبر على تكاليفها وتبعاتها رغم حجم الابتلاء، مع الثقة في موعود الله.
  • الدعم غير المشروط للمقاومة، وهو الدور الذي كان يقوم به القرآن وآياته التي كانت تتنزل بالتوجيه للثبات والصبر، والتذكير بسنن التدافع، وفضح المنافقين ومخططات المرجفين، وذلك يقتضي جعل المقاومة الثقافية في مقدمة الأولويات، والإسهام في المعركة الثقافية والإعلامية خلال الانحياز الواضح لعدالة القضية الفلسطينية، وبذل الجهد على الواجهة الإعلامية المكتوبة والسمعية البصرية، والواجهة الرقمية والإعلام الجديد على الأخص.

التعريف والتصدي للتهديدات التي تواجه ثقافة المقاومة، أو التصدي لما يسميه مالك بن نبي "الأفكار القاتلة"، من قبيل:

  • التسويات على حساب المقدسات والحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.
  • التطبيع في مظاهره وتجلياته المختلفة (وأخطر من التطبيع تعزيز ثقافة التطبيع).
  • التهويل من الكيان الصهيوني وقدراته، ومن الجهات الدولية الداعمة له، فإن تداعي خصوم الأمة على الأمة وجب أن يكون حافزًا لاستعادة روح وفكرة وواقع المقاومة بجميع أشكالها ومجالاتها.
  • التصدي لروح الهزيمة والانكسار أمام حجم العدوان وحجم التواطؤ معه.. {الّذين قال لهم النّاس إنَّ النّاس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173].
  • التصدي للاختراق الصهيوني للعقل الغربي ولفئة واسعة من المثقفين والسياسيين العرب والمسلمين.
  • التبشير بالفرص الواعدة من أجل تعزيز ثقافة المقاومة من خلال الاستناد إلى ما يلي:
  1. الدليل التاريخي والسنني المطرد، الذي يؤكد انتصار المقاومة على كل أشكال التطبيع مع المحتل، ويشهد له الاستقراء التاريخي في تجربة الأمة، وفي تجارب الأمم الأخرى.
  2. وجود نموذج مقاوم صابر ومصابر، تعضده بيئة صابرة مصابرة، حاضنة لمقاومة صابرة ومبدعة، وتشهد له فاعلية حركات التحرر والمقاومة الوطنية ورموزها ورجالاتها على طول وعرض خريطة العالم الإسلامي وحركات المقاومة في العالم.

صياغة مفردات موجهة لعناصر الخطاب الإعلامي والتواصلي المقاوم، مع تكييفه مع المستهدفين؛ فالخطاب الذي يتعين توجيهه لأهل القضية المؤمنين بها ليس هو الخطاب الذي يتعين توجيهه لغيرهم، والخطاب الذي يصلح للرأي الإعلامي المسلم ليس هو الخطاب الذي يصلح للرأي العام الدولي والإنساني.

فدعوات الأنبياء راعت لسان القوم ولغتهم، وقد قال تعالى: {وما أرسلنا من رسولٍ إلّا بلسان قومه ليبيّن لهم}. وقال صلى الله عليه وسلم: "ما من الأنبياء نبيّ إلا أُعطِي ما مِثلُه آمنَ عليه البشرُ، وإنما كان الذي أُوتيتُ وحيًا أوحاه اللهُ إليَّ ، فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعًا يومَ القيامةِ".

فالمطلوب مراعاة اللسان المعاصر، ومخاطبة مداخل الفهم بمفردات ذات محتوى سهل الاستيعاب في لغة المخاطبين المعاصرين، من قبيل: الهولوكوست، الإبادة الجماعية، الحق في الحياة، الحق في المقاومة وفي تقرير المصير.

التصدي للخطاب المعادي للمقاومة، وللتضليل الذي يسعى للخلط بين المقاومة والإرهاب، وللخطاب المشكك في جدوى المقاومة، ومواجهة عمليات التضليل والتدليس، سواء تعلق الأمر بتزوير الحقائق التاريخية أو المعطيات الواقعية، ومواجهة خطاب التشكيك في جدوى المقاومة من خلال التعريف بنماذج من حركات المقاومة، والتأكيد على رسوخ ثقافة المقاومة في الأمة عبر تاريخها، وأيضًا في حاضرها.

والواقع أن تاريخ الأمة يؤكد رسوخ ثقافة المقاومة؛ فلم تخلُ لحظة أو فترة من تاريخها من مقاومة، سواء في التاريخ القديم أو التاريخ الحديث. ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

  • الملك الناصر أبو المظفر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب الدويني التكريتي، المشهور بلقب صلاح الدين الأيوبي، القائد المسلم.
  • حركات المقاومة في العصر الحاضر للحملة الاستعمارية الأوروبية، بعد إسقاط دولة الخلافة في المشرق، وعلى إثر معركة إيسلي في المغرب، حيث برزت حركات وثورات تحرر مقاومة وتحرير وطني على يد علماء مسلمين مخلصين، لمواجهة الاستعمار، ومن ذلك مثلًا ثورة عزالدين القسام والعلماء في فلسطين.
  • ثورة عبدالكريم الخطابي وحركة المقاومة وجيش التحرير في المغرب.
  • ثورة الأمير عبد القادر الجزائري والإمام ابن باديس والشيخ الإبراهيمي في الجزائر، وفي تونس جهاد الخضر حسين والشيخ عبد العزيز الثعالبي، وفي السودان كفاح المهدي والثعالبي، وفي الصومال نضال الشيخ الملا، وفي ليبيا ثورة عمر المختار، وفي العراق ثورة رشيد عالي الكيلاني والشيخ محمود شكري الآلوسي، وفي اليمن حركة التحرر الوطني بزعامة الشيخ عبدالله الحكيمي.. والقائمة طويلة؛ وبها يتضح أن المقاومة والتصدي للاستعمار والتبعية خاصية ملازمة للأمة الإسلامية، بل هي واجب للدفاع عن حرية الاعتقاد، ومواجهة الظلم والاستبداد والاحتلال
إالتعريف بتجارب المقاومة لدى أمم أخرى

إذ تكشف عدة تجارب لأمم أخرى أن المقاومة وثقافتها رد فعل طبيعي لمواجهة الاستعمار والطغيان، رغم عدم التكافؤ في موازين القوى؛ إذ لم يكن التفوق العسكري الساحق لجيوش المستعمرين في يوم من الأيام مانعًا من مقاومة المحتل، ولا سببًا في أن تغلب قوته وقهره إرادة الشعوب التي تكافح من أجل التحرر، حتى لو اتُهمت بـ"الإرهاب". ومن الأمثلة على ذلك:

  • المقاومة الفرنسية ضد الغزو النازي (la résistance).
  • الحالة الفيتنامية، حيث لم يكن من الممكن تحرير فيتنام دون مقاومة، ودون ثقافة مقاومة.
  • حالة جنوب أفريقيا والنضال ضد التمييز العنصري.

 

ويتعين التأكيد أخيرًا على ما يلي:

العلاقة التي تربط بين مختلف أشكال التطبيع: (السياسي، الاقتصادي، العسكري، الثقافي)، والتي تجعل معركة مواجهته معركة واحدة تشمل كل أشكاله. كما تجدر الإشارة إلى أن كل أشكال التطبيع ومجالاته: (على سبيل المثال المشاركة في معرض تجاري، أو تسيير رحلة سياحية، أو إغراق محلات السوبرماركت بالبضائع الإسرائيلية) تصب في خدمة التطبيع الثقافي.

الحاجة لوضع إستراتيجية لمواجهة التطبيع الثقافي وثقافته، تستند إلى خطاب ثقافي يقوم على ما يلي:

  • استلهام قيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسان.
  • التأكيد على جوهر القضية الفلسطينية، وعمقها العربي والإسلامي، ومضمونها الكوني والإنساني.
  • دور المثقف العربي هو الانحياز لقضايا أمته، ما يقتضي من المثقفين العرب والمسلمين وأحرار العالم تشكيل جبهة عربية وإسلامية مفتوحة على أحرار العالم لمواجهة التطبيع.
  • إصدار ميثاق شرف من المثقفين العرب والمسلمين وأحرار العالم، يحرِّم أي شكل من أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني في هذا السياق، والاستفادة من نموذج  تجربة "حركة مقاطعة إسرائيل BDS"، التي تم تأسيسها عام 2005، والتي حققت إنجازات مهمة على صعيد المقاطعة الأكاديمية والثقافية بفعل عدالة القضية التي تناضل من أجلها، وطبيعة خطابها وعمقه ولغته، وبفضل آليات عملها.
وقد اعتبر مؤتمر هرتسيليا الصهيوني (2015) أن حركة BDS تشكل خطرًا إستراتيجيًا، وربما وجوديًا على إسرائيل (هرتسيليا نسبة إلى مدينة تسمى بهذا الاسم توجد في الكيان الصهيوني. ينعقد المؤتمر بشكل دوري منذ عام 2000، وقد تأسس بمبادرة من عوزي آراد، وهو ضابط سابق في الموساد، شغل منصب المستشار السياسي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق