ثقافة المقاومة في مواجهة ثقافة التطبيع (4)
تعريف التطبيع الإعلامي
المراد بالتطبيع الإعلامي هنا، هو ذلك الخط الناظم لعمل بعض المنابر الإعلامية العربية، من صحافة مكتوبة أو سمعية أو مرئية أو إلكتروينة، والذي يقوم بالتسويق للتطبيع السياسي من خلال الترميز والتركيز على الداعين إليه، وإبرازهم.
ونظرًا لأهميته يولي الكيان الصهيوني أهمية كبرى للتطبيع الثقافي أو الاختراق التطبيعي على الواجهة الثقافية والإعلامية، وللدور الذي تضطلع به المؤسسات الثقافية والفنية والإعلامية والأكاديمية في الكيان الصهيوني في تسويق الأيديولوجيا الصهيونية، وتشويه الحقائق، وتلميع صورة إسرائيل الإجرامية والعنصرية، كما هو الشأن بالنسبة لبعض الأعمال الفنية الصهيونية التي أسهمت في نشرها بعض القنوات العربية.
مظاهر التطبيع الإعلامي على الساحة العربية
يتخذ التطبيع الإعلامي مظاهر متعددة يمكن حصر أهمها فيما يلي:
التطبيع على مستوى الممارسة: حيث لم يعد بعض الصحفيين المطبعين يخجلون من الذهاب إلى الكيان الصهيوني، أو الجلوس إلى صحفيين صهاينة في القنوات الغربية.
خط تحرير تطبيعي: إن بعض المنابر الصحفية والقنوات الفضائية التي اختارت لنفسها خطًا تحريريًا "مطبعًا" لم تختره طواعية؛ بل لأن الجهات السياسية التي تتكلم باسمها هي أصلًا جهات مطبعة، صراحة أو من وراء حجاب.
لقد بلغت الصفاقة ببعض النافذين في حقل الإعلام حدّ رفع شعار "كلنا إسرائيليون"، في اعتزاز بالانتماء لـ"إسرائيل" الصهيونية، وذلك في أوج العدوان الصهيوني على الشعبين الفلسطيني واللبناني، وخاصة بعد إصدار مذكرة اعتقال بحق رئيس وزراء الكيان، باعتباره مجرم حرب
زيارات تطبيعية لإعلاميين عرب ومسلمين للكيان الصهيوني: غير أن الأمر لا يقف عند الزيارة، بل إن حالات متطرفة منها تعلن اعتزازها بالانتماء للكيان الصهيوني، ومن أمثلة ذلك مذيعة من القناة الثانية تدعى "غزلان الطيبي"، كانت قبل سنوات سباقة إلى زيارة الكيان الصهيوني، وقامت بنشر صور لها في كل من القدس وتل أبيب.
وحسب ما نقلت تقارير صحفية، نشرت المذيعة شريط فيديو تظهر فيه وهي تعزف "النشيد الوطني الإسرائيلي" على آلة البيانو، وهو الفيديو الذي انتشر بشكل كبير على مواقع التواصل الاجتماعي، وقام الناطق الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي"، بإعادة نشره على صفحته الرسمية في الفيسبوك، وعلق عليه قائلًا: "لا يوجد شعور أروع وفخر أسمى من أن تسمع نشيد بلادك يعزف بأنامل شعب صديق! شكرًا غزلان الطيبي".
إعلاميون من "عرب إسرائيل" يعارضون قرار الجنائية الدولية: وقد بلغت الوقاحة ببعض النافذين في حقل الإعلام حدّ رفع شعار "كلنا إسرائيليون"، في اعتزاز بالانتماء لـ"إسرائيل" الصهيونية، وذلك في أوج العدوان الصهيوني على الشعبين الفلسطيني واللبناني، وخاصة بعد إصدار مذكرة اعتقال بحق رئيس وزراء الكيان، باعتباره مجرم حرب. وكذلك طعن هؤلاء في قرار الجنائية الدولية حين أصدرت مؤخرًا مذكرة اعتقال بحق مجرمي الحرب، رئيس وزراء الكيان ووزير دفاعه المقال.
ومن النماذج الصارخة في ذلك المسمى "أحمد الشرعي"، المالك للمجموعة الإعلامية "غلوبال ميديا هولدينغ"، الناشرة لجريدة "الأحداث المغربية". فقد نُشر له في صحيفة "تايم أوف إسرائيل"، بتاريخ 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، مقال يطعن من خلاله في قرار المحكمة الجنائية الدولية، التي أصدرت مذكرتَي الاعتقال في حق مجرمي الحرب، رئيس وزراء الكيان الصهيوني "نتنياهو" ووزير الدفاع الصهيوني السابق "غالانت".
والأكبر من ذلك أن فريقًا من "عرب إسرائيل" ذهب بعيدًا في التطرف في التأكيد على "إسرائيليته"؛ ففي سياق من ردود الفعل المرحبة بذلك القرار التاريخي الشجاع، أبى أصحاب شعار "كلنا إسرائيليون" إلا أن يكونوا نشازًا كما هي العادة، وأن يبقوا أوفياء لشعار "العار"، شعار الشماتة في عشرات الآلاف من الشهداء ضحايا العدوان وفي معاناتهم، في شذوذ بيِّن عن المواقف الإنسانية النبيلة التي عبرت عنها شعوب العالم، بل عن المواقف الرسمية التي عبرت عنها عدة دول، لا يمكن أن تحسب على التعاطف مع حركة حماس أو الجهاد الإسلامي أو حزب الله.
وهذا يعزز سقوط القناع عن الكيان الصهيوني، والقناع الذي تصنعه البروباغنذا الإعلامية المخترقة صهيونيًا في عدد من الدول والأوساط "الحداثية" المزعومة في بلادنا العربية.
هناك من بني جلدتنا من يتكلمون بألسنة حداد، أشحة بالكلمة الطيبة التي تعكس شعورًا بالألم لما يألم له أخ في الدين والعقيدة والتاريخ والحضارة، وقبل هذا وبعده أخ في الإنسانية، الألم الذي يحرك التظاهرات الحاشدة في شوارع لندن ونيويورك ومدريد وغيرها من عواصم العالم
وفي هذا الصدد نسجل أن "جماعة الشرعي" لم ترفع شعار "كلنا إسرائيليون" لمجرد المناكفة والتعبير عن الاختلاف، بل لتعبر عن أقصى درجات التحلل من الانتماء الثقافي والحضاري والإنساني، الذي يفرض نصرة شعب يباد في فلسطين، وبغية الشماتة بشعب يذبح، وبآلاف الأيامى واليتامى والمشردين، الذين يلاحقهم العدوان الصهيوني بهمجية قل نظيرها في تاريخ البشرية، لا لشيء إلا لأنهم شعب مقاوم يحتضن المقاومة التي يكرهها الكيان الصهيوني، ويكرهها كل من يتماهى مع الهوية الصهيونية برفع شعار "كلنا إسرائيليون".
وبذلك يعبر أولئك عن درجة متقدمة من الوقاحة، والشذوذ عن مواقف الأمة الإسلامية، وعن الضمير العالمي الحي الذي تخرج شعوب الأرض التي لديها رصيد حي منه للتظاهر، والتضامن مع الشعب الفلسطيني، واستنكار جرائم الحرب، والجرائم اليومية التي ترتكبها الصهيونية ضد الإنسانية في فلسطين .
المتطرفون التطبيعيون من بني جلدتنا
من المؤسف أن نقارن بين هؤلاء من أبناء بلدنا وأمتنا -وإن كان هذا هو الأصل، وما يقتضيه منا منطق حسن الظن- بشعوب ومفكرين ومثقفين وفنانين لا يشتركون معنا في المعتقد الديني، أو الموروث الثقافي والحضاري، ممن تحركت فيهم النخوة الإنسانية ووخز الضمير، والشعور بالمسؤولية والتقصير في مواجهة ما يحدث، ما يجعلهم يخرجون في مسيرات ومظاهرات حاشدة تضامنًا مع الشعب الفلسطيني، مساندة له في حرب الإبادة التي تشنها عليه آلة العدوان الصهيوني، ويتطوعون في فرق إغاثية وطبية لإسناد الشعب الفلسطيني ودعمه في محنته.
وفي مقابل ذلك، نجد أن قومًا من بني جلدتنا يتكلمون بألسنة حداد، أشحة بالكلمة الطيبة التي تعكس شعورًا بالألم لما يألم له أخ في الدين والعقيدة والتاريخ والحضارة، وقبل هذا وبعده أخ في الإنسانية، الألم الذي يحرك التظاهرات الحاشدة في شوارع لندن ونيويورك ومدريد وغيرها من عواصم العالم.
ليس ذلك فحسب، بل يصل الأمر أحيانًا ببعض بني جلدتنا إلى كيل كلمات المدح لوجه قبيح هو وجه الصهيونية، حيث تحول الكيان الصهيوني إلى أكبر نموذج عدواني عرفه التاريخ البشري، بالنظر إلى ما تُحدثه حربه على الشعب الفلسطيني من دمار في العمران، وإبادة في البشر الحجر والطبيعة.
لقد تجاوز المدعو "أحمد الشرعي" -على سبيل المثال- كل الخطوط الحمراء في تحدِّيه للشعور الوطني والإنساني، وفي السعي لتبييض الصفحة السوداء، صفحة الإجرام والعدوانية، وفي قلب الحقائق ووصف تلك الدولة القائمة على أساس القتل والتهجير والاحتلال بالدولة "الديمقراطية"، وفي الدفاع -تبعًا لذلك- عن جرائمها بدعوى "حقها في الدفاع عن النفس".
والواقع أن هذه المواقف الشاذة، والمواقف التي على شاكلتها، لا تمثل المغاربة، ولا تعبر عن حقيقتهم التي يؤكدها دورهم التاريخي في الدفاع عن القدس وإعمارها، وارتباطهم بها، حتى إن رحلة الحج لم تكن تكتمل في تقدير عدد كبير منهم دون زيارة القدس، خلال الذهاب أو الإياب من رحلة الحج.
هي مواقف شاذة أيضًا عن الموقف التلقائي الذي عبرت عنه شعوب عدة في العالم، من خلال مسيراتها وتظاهراتها، بما في ذلك في مراكز العواصم الأوروبية وفي كبرى المدن الأميركية.
وهذه – بصورة أخرى- مواقف تتضامن مع الإجرام، ومع أبشع وجه أفرزنه التجربة البشرية عبر التاريخ، وجه تتجسد فيه كل معاني العدوان والغدر والاعتداء، والحرب على الفطرة والبراءة، وكل معاني الإفساد في الأرض.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق