الأربعاء، 14 يناير 2026

«اكتشفتُ أنني لم أكن أصلي»..

«اكتشفتُ أنني لم أكن أصلي».. 
رحلة الانتقال من حركات الصلاة إلى روحها



د. مسعـود صبري

«اكتشفت أنني لم أكن أصلي»، عبارة ربما يصدق عليها حال ملايين من المسلمين، فالصلاة –في غالب الأحوال- أداء واجب وإسقاط فريضة، وربما صحت الصلاة فقهاً، لكنها أبعد ما تكون عن القبول، فضلاً عن بعدها عن التأثير.

ولعل أصدق حديث في كون الإنسان صلى ولم يصلِّ، هو حديث رفاعة بن رافع، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد يوماً قال رفاعة: ونحن معه إذ جامح رجل كالبدوي، فصلى فأخف صلاته، ثم انصرف فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: «وعليك، ارجع فصلِّ فإنك لم تصل» فرجع فصلى، ثم جاء فسلم عليه فقال: «وعليك، ارجع ‌فصلِّ ‌فإنك ‌لم ‌تصل»، فعل ذلك مرتين أو ثلاثاً(3).

فقال الرجل في آخر ذلك: فأرني وعلمني، وإنما أنا بشر أصيب وأخطئ، فقال: «أجل، إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم تشهد فأقم أيضاً، فإن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فاحمد الله، وكبّره وهلله، ثم اركع فاطمئن راكعاً، ثم اعتدل قائماً، ثم اسجد فاعتدل ساجداً، ثم اجلس فاطمئن جالساً، ثم قم، فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئاً انتقصت من صلاتك» 

(رواه أصحاب السنن بسند حسن).

والرجل قد توضأ وضوء الصلاة، وأدى الصلاة بركوعها وسجودها، ولم ينقص من حركاتها شيئاً، لكنه مع ذلك لم يراع كمال الصلاة وروحها، فالصلاة ليست مجرد حركات يؤديها المصلي، بل كما مع ذلك روح وجوهر، فإذا خلت الصلاة من روحها وجوهرها فكأنما لم تكن موجودة.

وليس معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم له: «ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ» أن صلاته باطلة من ناحية الحكم الشرعي؛ لأن الصلاة إذا أتاها العبد فهي صحيحة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن ينقله من ظاهر الصلاة إلى كمال الصلاة وروحها، حتى تؤتي الصلاة ثمارها.

ولهذا قال ابن بطال في «شرح صحيح البخاري» (2/ 49): إن حذيفة رأى رجلاً لا يتم ركوعه ولا سجوده، فلما قضى صلاته قال له حذيفة: ما صليت، قال: وأحسبه، قال: لو مت مت على غير سُنة محمد، قال المهلب: قوله: «ما صليت»، يعنى صلاة كاملة، ونفى عنه العمل؛ لقلة التجويد فيه، كما تقول للصانع إذا لم يجود: ما صنعت شيئاً، يريدون الكمال، ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم للذي لم يحسن الصلاة: «ارجع فصلِّ ‌فإنك ‌لم ‌تصلِّ»، وإنما نقص من صلاته الطمأنينة في الركوع والسجود وهي من كمال الصلاة، وقوله: «لو مت مت على غير سُنة محمد» يدل أن الطمأنينة سُنة.

إن جوهر الصلاة وكمالها هو الذي يحقق مقاصدها لا أن يسقط الإثم والسؤال عنها فحسب، فإن الله تعالى لما قال: (‌إِنَّ ‌الصَّلَاةَ ‌تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (العنكبوت: 45)، فإن هذا لا يتحقق بمجرد أداء الصلاة حركات فحسب، دون كمالها وجوهرها، فالمسلم مطالب بأن يعايش الصلاة ويدرك المعاني والمقاصد لكل حركة يقوم بها، فإنه حين يكبر «الله أكبر»، فهو يضع وراءها الدنيا بكل ما فيها، فيكون في حضرة المولى سبحانه، وحين يقرأ كل آية من آيات فاتحة أم الكتاب يعايش معناها وكأنه المعني بكل ما فيها، وحين يركع أو يسجد يستشعر عظمة الله تعالى، فتخشع روحه قبل أن تخشع جوارحه.

فالصلاة كما وصفها الإمام الغزالي في «إحياء علوم الدين» (1/ 145) بقوله: «الصلاة عماد الدين، وعصام اليقين، ورأس القربات وغرة الطاعات».

أصول الصلاة

ولا تتأتى تلك المنزلة العلية من الصلاة إلا بأصول ثلاثة، قال عنها الشاه ولي الله الدهلوي في «حجة الله البالغة» (1/ 137-138): وأصل الصلاة ثلاثة أشياء: أن يخضع القلب عند ملاحظة جلال الله وعظمته، ويعبر اللسان عن تلك العظمة وذلك الخضوع أفصح عبارة، وأن يؤدب الجوارح حسب ذلك الخضوع.

ومن الأفعال التعظيمية:

1- أن يقوم بين يديه مناجياً، ويقبل عليه مواجهاً.

2- وأشد من ذلك أن يستشعر ذله وعزة ربه، فينكس رأسه إذ من الأمر المجبول في قاطبة البشر والبهائم أن رفع العنق آية التيه والتكبر، وتنكيسه آية الخضوع والإخبات، وهو قوله تعالى: (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) (الشعراء: 4).

3- وأشد من ذلك أن يعفر وجهه الذي هو أشرف أعضائه ومجمع حواسه بين يديه.

فتلك التعظيمات الثلاثة الفعلية شائعة في طوائف البشر لا يزالون يفعلونها في صلواتهم وعند ملوكهم وأمرائهم.

وأحسن الصلاة ما كان جامعاً بين الأوضاع الثلاثة؛ مترقياً من الأدنى إلى الأعلى؛ ليحصل الترقي في استشعار الخضوع والتذلل، وفي الترقي من الفائدة ما ليس في أفراد التعظيم الأقصى، ولا في الانحطاط من الأعلى إلى الأدنى.

إن من يعيد حسابات صلاته، ويرقيها من صلاة الجوارح والأركان إلى صلاة الجوهر والكمال؛ فسيجد نفسه في عالم آخر، وسيجد للصلاة معنى مختلفاً، لأنه سينتقل من الواجب إلى الحب، ومن إسقاط الإثم إلى التلذذ بالصلاة، ومن المشقة إلى الفعل بالمحبة، وسيجد أنه يهرع للصلاة دون نداء، وأنه أحوج ما يكون إليها، لأنها قد خالطت روحه وعظامه، فيسارع إليها قبل وقتها، ويبقى في حضرة الذكر بعد تمامها، حتى يحقق مقصد «إقام الصلاة»، فيكون قد أتم بناءها، وهو مستشعر حديث الصلاة له: «حفظك الله كما حفظتني»، وكأنه يرى الصلاة ترفع إلى الملأ الأعلى، في شوق إلى الصلاة التالية؛ ليقوم بها أتم القيام كما فعل مع الأولى، وهكذا يكون حاله مع كل الصلاة.

ومن ثمرات ذلك أن يشعر بقوة الصلاة وضيائها في نفسه وحياته، فالصلاة لم تعد مجرد أداء، وإنما نور يقذف في القلب، فتستقيم الجوارح، وتعطى من القوة للقيام بأمور الدين والدنيا، ما يجعله مع اكتشاف جديد للصلاة.

خطوات نحو كمال الصلاة

لا يتأتى كمال الصلاة إلا بخطوات عملية، يقوم بها المسلم، ومن أهمها:

1- أن يحب الصلاة من صميم قلبه؛ لأن الحب دافع لتحسين القيام بحقها.

2- أن يكون دائم الفكر في الصلاة، مستحضراً إياها، منتظراً دخول وقتها.

3- أن يحسن وضوء الصلاة؛ فإن إحسان الوضوء يثمر الخشوع.

4- ألا يتكاسل عن المسجد، بل يسارع إليه، وأن ينوي العودة إليه كل صلاة. 

5- أن يبادر إلى الصلاة قبل وقتها، أو على أقل تقدير عند سماع الأذان.

6- أن يحرص على صلاة السُّنة والصف الأول، والدعاء ما بين الأذان والإقامة.

7- أن يستشعر كل الحركات والأقوال والأذكار التي يقولها في الصلاة، ومما يعينه في ذلك أن يقرأ ويذكر برتبة أعلى السر، فيسمع نفسه ولا يسمع من بجواره.

8- أن يطيل الركوع والسجود وأن يطمئن في كل حركاته في الصلاة.

9- ألا يسارع إلى الخروج من المسجد، بل يجلس بعد الصلاة لقراءة أذكار الصلاة.

10- وله أن يدعو عقب ذلك، فإنه كما ذكر ابن القيم أن الدعاء بعد أذكار الصلاة من المواطن التي يستحب فيها الدعاء؛ لأنه بعد أداء طاعة.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق