الأحد، 8 فبراير 2026

إعدام قاضٍٍ ميّت

 إعدام قاضٍٍ ميّت

وائل قنديل

مات القاضي، فاندلعت احتفالاتٌ إلكترونيةٌ صاخبةٌ من مختلف الأطياف والتيارات، قد تكون تعبيراً عن إحساسٍ عميقٍ بأن صخرةً من المظالم قد انزاحت من فوق صدر مئات، بل آلاف، المظلومين، هم عشراتٌ من الذين حصدتهم قرارات الرجل الذي اشتهر بلقب"قاضي الإعدامات" من فوق منصّة القضاء، مدفوعاً بعداء شخصي للواقفين أمامه، عبّر عنه شخصياً في عديد المواقف.
"الشماتة" أبعد كلمة عن وصف ردّات الفعل الشعبية على إعلان موت القاضي، بل هو ذلك الشعور العفوي بأن ثمّة ردّ اعتبار لآلافٍ من الضحايا، أطفال أضحوا أيتاماً، وشابّات ترمّلن في مقتبل العمر، وأمهات ثكلى، وشباب انهدمت فرصته في حياة محترمة ومستقبل طالما حلم به، بقراراتٍ هي إلى الانتقام السياسي والتنكيل الأمني أقرب من أن تكون أحكاماً قضائيةً توافرت لها اشتراطات النزاهة والعدالة.
لم يفتأ أحد من الذين طبطب على قلوبهم نبأ رحيله على القاضي الميّت، ولم يدّعِ أحدٌ ما ليس فيه، بل كان الرجل قد أعلن خصومته مع الواقفين أمامه حالمين بالعدل، في أحاديث صحافية أكّد فيها انحيازه ضدّهم وضدّ ما يمثلونه من أفكار. 

والأهم أن محاكم أعلى من محكمته، التي كانت أشبه بمنصّة انتقام، كانت قد دانته وطعنت في موضوعيته وحياديته ونزاهته. 

وأترك الكلام هنا لتقرير صادر عن محكمة الاستئناف نشرته بالكامل صحيفة الأهرام الحكومية المصرية (12 مايو/ أيار 2016) تحت عنوان "إدانة مهنية لـ(قاضي الإعدامات) من الاستئناف"، مع عنوان شارح يقول بالحرف الواحد: "آراء ناجي شحاتة السياسية أفقدته الحيدة والنزاهة".
وفي تفاصيل عرض التقرير، كتبيت الأهرام: "أضافت محكمة استئناف القاهرة المعنيّة بنظر طلبات المتّهمين لتنحية القضاة، المزيد من الحرج للقاضي ناجي شحاتة، رئيس أبرز دائرة إرهاب، وأشهر قضاة مصر الذي حصل على لقب قاضي الإعدامات، الذي أدلى برأيه السياسي في كثير من القضايا، ما أوقعه في دائرة المحظور، حيث وصفته محكمة استئناف القاهرة بأنه (فقد الحيدة والنزاهة).
جاءت العقوبات تباعاً لقاضٍ أعلن مواقفه السياسية، ورأيه في الشأن السياسي الداخلي، بأن دوِّن في ملفّه المهني ملاحظتَين، أشدّ ما يكون على القاضي، وسابقة لم تحدُث إلا قليلاً، نالت من قاضي الجنايات، بموافقة محكمة الاستئناف على إزاحته وتنحيته عن نظر قضيتين يُحاكم فيهما متهمون في قضايا رأي عام، آخرها تنحيته عن نظر قضية الخلايا النوعية اليوم الخميس. وقبلت محكمة استئناف القاهرة، الخميس، طلبات ثلاثة متّهمين ووافقت على تنحية شحاتة للمرّة الثانية عن نظر قضية معروفة إعلامياً بـ(خلايا اللجان النوعية).
ولعلّ ما قالته محكمة استئناف القاهرة في حيثيات حكمها بقبول ردّ شحاتة عن نظر قضية (خلية أوسيم)، بأن القاضي شحاتة (فقد الحيدة والنزاهة بشكل يثير شبهات حول حكمه)، أعقبه تساؤلات عن خروق في معصوبة العدالة لأحكام شحاتة. ومنذ بدء المحاكمات لم تؤيّد محكمة النقض أحكاماً لدائرة شحاتة، وقرّرت إعادة عدد كبير منها للمحاكمة أمام دائرة مغايرة".
هذا هو رأي محكمة الاستئناف، كما نشرته "الأهرام" الرسمية في حينه، ناهيك عن حوارات القاضي الراحل التي أسهب فيها في بيان كراهيّته الماثلين أمامه طلباً للعدل، واحتقاره ما يحملونه من أفكار ومعتقدات، وخصوصاً ما اتصل منها بثورة يناير (2011) التي لعنها وسخر منها وازدرى رموزها والمشاركين فيها، من الدكتور محمّد البرادعي وحتى أصغر متظاهر.
وفي مقالته، لم يخفِ القاضي أنه "يميل" إلى الجنرال عبد الفتّاح السيسي، كما صرّح في حوار مطوّل نشرته صحيفة الوطن في العام 2014، وعلّقتُ عليه وقتها بالقول إنه ينبغي نظرياً وعملياً أن يكون القاضي الذي يحكم بين الخصوم متجرّداً من الهوى الشخصي والانحياز الذاتي، وإن كانت له انحيازات وميول وأهواء، فيحب أن يخلعها جميعاً ويتجرّد منها فور ارتدائه زيّ القضاء، بحيث تبقى هذه المشاعر تحت جلده، لا يعبّر عنها ولا يكشفها للعامة.
ومعلومٌ طبعاً أن كل الذين كانوا يمثلون أمام هذا القاضي من معارضي عبد الفتّاح السيسي ومناهضي الانقلاب العسكري، فكيف يكون هذا حكماً عدلاً ومنصفاً إذا كان يضمر مشاعر سلبية مسبقة ضدّ خصوم الشخص الذي يُعلِن ميله إليه؟
هذه الوقائع والملابسات كلّها كان من الطبيعي أن تحوّل دفتر عزاء القاضي إلى ما يشبه صحيفة سوابق، وتجعل من رحيله مناسبةً لعقد محاكمة شعبية له، ذلك أن المسألة هنا تتجاوز منطقة الشماتة والتشفّي إلى ما هو أهم: محاكمة مستحقّة، بل وواجبة، لميراث من المظالم تجسّد في شخص.
هنا يصبح الظلم الحقيقي أن تطلب من المظلومين والضحايا أن يُظهروا مشاعر الارتياح لنهاية واحد من الذين يعتقدون أنه ظلمهم، وظلم مفهوم العدالة، وظلم مهنة القضاء ذاتها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق