الاثنين، 9 فبراير 2026

لم يبقَ من النُّبوَّة إلا المبشِّرات!

نقطة نظام

 لم يبقَ من النُّبوَّة إلا المبشِّرات!



روى الذَّهبيُّ في رائعته سيرِ أعلامِ النبلاءِ:

أنَّ الفرنجةَ لمّا نزلتْ دمياطَ، ما زال نورُ الدِّينِ زنكي، عشرين يومًا يصومُ ولا يُفطر، إلّا على الماء! فضعُفَ جسمُه، وكاد يتلف، وكان مُهابًا، ما يجرؤُ أحدٌ أن يقولَ له: ترفَّقْ بنفسك! فرأى شيخُه يحيى النَّبيَّ ﷺ في المنام، وقال له: يا يحيى بشِّرْ نورَ الدِّينِ برحيلِ الفرنجةِ عن دمياط! فقال يحيى: يا رسولَ الله، ربّما لا يُصدِّقني! فقال له النَّبيُّ ﷺ: قُلْ له بعلامةِ يومِ حارم!

ومعركةُ حارم هي حربٌ طاحنةٌ جرتْ بين جيشِ المسلمين، بقيادةِ نورِ الدِّينِ زنكي، ضدَّ تحالفِ الصليبيين في طرابلسَ، وأنطاكيةَ، والأرمنِ، والإمبراطوريّةِ البيزنطيّة! ونصرَ اللهُ يومَها المسلمين نصرًا ساحقًا. فلمّا صلَّوا الصُّبحَ، قال يحيى لنورِ الدِّينِ: أُحدِّثُك أم تُحدِّثني؟ فقال له نورُ الدِّينِ: حدِّثني أنتَ! فقال له: يُبشِّرك النَّبيُّ ﷺ برحيلِ الفرنجةِ عن دمياطَ بعلامةِ يومِ حارم! 
فما علامةُ يومِ حارم؟ 
فقال له نورُ الدِّينِ: لمّا التقينا العدوَّ، خِفْتُ على الإسلام، فانفردتُ بنفسي، ومرَّغتُ وجهي على التُّراب، وناجيتُ ربِّي قائلًا: يا سيِّدي ومولاي، مَن عبدُكَ الفقيرُ نورُ الدِّين، الدِّينُ دينُكَ، والجُندُ جُندُكَ، وهذا اليومُ افعلْ ما يليقُ بكرمِكَ!

يقولُ النَّبيُّ ﷺ: «لم يبقَ من النبوَّةِ إلّا المُبشِّرات».

قالوا: يا رسولَ الله، وما المُبشِّرات؟
فقال: «الرؤيا الصالحة، يراها الرَّجلُ أو تُرى له»!

ولقد ابتُلينا في هذه الأيّام بصنفين من النّاس، كليهما أنزلَ الرؤى غيرَ منزلتِها، صنف أوّل عاشَ في الأحلام وهجرَ الواقع، فكان فيها مهووسًا، أوقفَ حياتَه وعمرَه عليها، وصنف آخر أنكرَها جملةً وتفصيلًا! 
والحقُّ لا في هؤلاء ولا هؤلاء، إنّما في وسطيّةٍ ليس فيها مغالاةٌ ولا إنكار، وإنِّي لا أدري كيف يُنكرُ الرؤى مَنْ قرأ القرآنَ وعرفَ أحداثَ سورةِ يوسف، أو وحيَ اللهِ لإبراهيمَ عليه السَّلام بذبحِ ابنِه، ورؤيا الأنبياءِ وحيٌ دونَ النّاس!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق