الاثنين، 9 فبراير 2026

مشروع الاستيطان الحريدي في قلب الأغوار

 مشروع الاستيطان الحريدي في قلب الأغوار      

 . أحمد مصطفى الغر

 تُعد الديموغرافيا هي السلاح الذي تشهره إسرائيل في    وجه الفلسطينيين، ويكشف التحليل أن المشروع يهدف    إلى عزل التجمعات الفلسطينية في الأغوار من خلال قطع  طرق التواصل الطبيعية بين القرى الفلسطينية، ومن ثمَّ    كسر إرادة الصمود لدى الإنسان الفلسطيني ودفعه للهجرة


تُمثّل خطة إنشاء ما يُسمّى بـ "مدينة التمور" في قلب الأغوار الفلسطينية المحتلة تصعيدًا نوعيًا وخطيرًا في بنية المشروع الاستيطاني الصهيوني، إذ تنتقل به من نمط المستوطنات الزراعية الوظيفية إلى تأسيس مدن استيطانية كبرى، فخلف الخطاب المموَّه عن حلول سكنية للمجتمع الحريدي، يتكشف مشروع جيوسياسي متكامل يسعى إلى إعادة تشكيل الأغوار بوصفها فضاءً استيطانيًا حضريًا كثيفًا، وإغلاق البوابة الشرقية لفلسطين، وقطع أي إمكانية للتواصل الجغرافي الفلسطيني مع الأردن، بما يحوّل المنطقة من عمق استراتيجي إلى كتلة بشرية استيطانية متصلة تُفرغ فكرة الدولة الفلسطينية تماما ونهائيًا من مضمونها. وبهذا المعنى، لا تبدو مدينة التمور مشروع إسكان عابرًا، بل أداة إحلال استعماري مدروسة، وطعنة محسوبة في خاصرة الهوية الوطنية الفلسطينية، تُنفَّذ تحت مظلة نظام احتلال راسخ يسعى إلى تثبيت السيطرة بالقوة وتحويل الاستيطان من حالة مؤقتة إلى واقع دائم لا رجعة عنه.


جذور المخطط

يعود التفكير في مشروع مدينة التمور إلى ما يعرف بـ "خطة آلون" القديمة المتجددة، والتي رأت في الأغوار خط الدفاع الشرقي الأول لدولة الاحتلال، لكن الجديد هنا هو الانتقال من الاستيطان الأمني إلى الاستيطان المدني الكثيف.


المشروع يقع استراتيجيًا بالقرب من مستوطنة "بتسائيل"، وقد تم التخطيط له في البداية ليستوعب حوالي 3000 وحدة سكنية، مع طموح توسعي ليصل إلى مدينة تضم 10,000 مستوطن. هذا التوقيت يتزامن مع صعود اليمين المتطرف مؤخرًا وسيطرته على مفاصل السلطة، مما سرّع من وتيرة المصادقة على تخصيص آلاف الأفدنة من الأراضي التي تُصنف زورًا كـ "أراضي دولة"، وهي في الحقيقة امتداد للمراعي التاريخية لقرى الجفتلك وفصايل.


إن نشأة الفكرة ترتبط برغبة الاحتلال في خلق توازن رعب ديموغرافي في منطقة يشكل فيها الفلسطينيون أغلبية رغم التنكيل اليومي. من خلال زج الكتلة الحريدية في هذا المكان، يسعى الاحتلال لضرب عصفورين بحجر واحد: حل أزمة السكن المتفجرة داخل المدن الحريدية في الداخل المحتل، ونقل العبء السكاني ليكون حائط صد بشري في الأغوار. إن هذا التوظيف الديني والاحتياج الاجتماعي يوضح خبث المؤسسة الصهيونية التي تحول الفئات الأكثر فقراً وتشددًا إلى رأس حربة في المشروع الإسرائيلي التوسعي، مما يضمن ديمومة الصراع وبقاء المنطقة تحت السيطرة العسكرية بحجة حماية المدنيين.


ولا يمكن إغفال الجانب التاريخي في تسمية مدينة التمور، فهي محاولة بائسة لربط الوجود الصهيوني الطارئ بتاريخ زراعي عريق للمنطقة. الاحتلال يدرك أن منطقة الأغوار هي سلة غذاء فلسطين، وبناء مدينة بهذا الحجم يعني السيطرة المطلقة على الموارد الطبيعية والمائية واللوجستية. ولا شك أن وضع حجر الأساس لمثل هذه المشاريع هو بمثابة إعلان حرب صامت على الوجود الفلسطيني، حيث يتم استبدال الفلاح الفلسطيني الذي ارتبط بالأرض لآلاف السنين بمستوطن أيديولوجي لا يرى في الأرض إلا عقارًا أو منطلقًا لتنفيذ نبوءات دينية متطرفة تحت حماية فوهات البنادق.


توظيف ديموغرافي


تُعد الديموغرافيا هي السلاح السري الذي تشهره إسرائيل في وجه الحقوق الفلسطينية، ويكشف التحليل المتعمق أن هذا المشروع يهدف أيضا إلى عزل التجمعات الفلسطينية في الأغوار من خلال قطع طرق التواصل الطبيعية بين القرى الفلسطينية، ومن ثمَّ كسر إرادة الصمود لدى الإنسان الفلسطيني ودفعه للهجرة الطوعية، واللافت أيضا أنه في مدينة التمور يتم تسييس المجتمع الحريدي بشكل غير مسبوق. 

ويتضح ذلك من خلال:


* اختيار الحريديم تحديدًا يرجع إلى معدلات نموهم السكاني العالية، مما يعني أن أي نواة استيطانية تبدأ بألف عائلة ستتحول في غضون عقد واحد إلى قوة سكانية توازي مدنًا فلسطينية كبرى.


* هذا الزحف السكاني المخطط له يهدف إلى خلق واقع مادي لا يمكن التراجع عنه في أي مفاوضات مستقبلية، حيث ستتحول هذه المدينة إلى مركز ثقل يفرض شروطه على الخارطة السياسية، تماماً كما حدث في مستوطنتي "موديعين عيليت" و"بيتار عيليت".


* الاستيطان الحريدي غالبا ما يكون مدعومًا بمؤسسات دينية وتعليمية ضخمة، مما يجعل المدينة "دولة داخل دولة". الاحتلال يوفر لهذه الفئة ميزات تفضيلية من شقق مدعومة وقروض ميسرة، وكل ذلك على حساب الأرض المسروقة.


* المجتمع الاستيطاني الحريدي مدافع شرس عن البقاء على الأرض المغتصبة، وهو ما يجعل من فكرة إخلاء المستوطنات في المستقبل أمرًا مستحيلًا من الناحية اللوجستية والسياسية والاجتماعية.


نهب الموارد


يقوم جوهر مشروع مدينة التمور على استغلال الموارد المائية لتعزيز الاستيطان؛ فزراعة التمور التي تحمل المدينة اسمها تستهلك تريليونات اللترات من المياه سنويًا، ويأتي هذا في وقت يسيطر فيه الاحتلال على أكثر من 85% من منابع المياه في منطقة الأغوار، وتقوم شركة "ميكوروت" بسحب مياه الآبار الفلسطينية وتوجيهها لري مزارع المستوطنين وتغذية مدنهم الجديدة. ومن المتوقع أن تكون "مدينة التمور" بمثابة الثقب الأسود الذي يمتص ما تبقى من مياه الحوض الشرقي، مما سيؤدي حتما إلى تدمير الزراعة الفلسطينية وتهجير آلاف العائلات التي تعتمد على الأرض كمصدر رزق وحيد.


وقد بدأت تتضح معالم هذه السرقة المنهجية من خلال:


* السيطرة على ينابيع المياه التاريخية وتسييجها لمنع الفلسطينيين من الوصول إليها، وتحويلها إلى مرافق تابعة للمدينة الاستيطانية الجديدة.


* حفر آبار عميقة جدًا تصل إلى طبقات المياه الجوفية السفلى، مما يتسبب في جفاف الآبار الفلسطينية الضحلة التي يستخدمها المزارعون منذ قرون.


* تحويل مياه الصرف الصحي الناتجة عن هذه المدينة الاستيطانية نحو الأراضي الزراعية الفلسطينية لتلويثها وتدمير خصوبة تربتها، في ممارسة لا يمكن وصفها إلا بالإرهاب البيئي.


النهب للموارد لا يقتصر على الماء فحسب، بل يمتد للأرض التي تُسرق تحت مسميات قانونية واهية. فبموجب الأوامر العسكرية، تُعلن مساحات شاسعة كـ "مناطق إطلاق نار" أو "أراضي دولة"، ثم فجأة يتم تحويلها لشركات مقاولات إسرائيلية لبناء عقارات جديدة، في إطار منظومة متكاملة من النهب المنظم الذي يحظى بمباركة القضاء الإسرائيلي.


قاعدة الاقتلاع والإحلال


تتجاوز مدينة التمور في خطورتها مجرد التوسع العمراني لتصل إلى قلب التخطيط الاستراتيجي الصهيوني لإنهاء الصراع لصالح طرف واحد. فالأغوار هي الرئة التي تتنفس منها الضفة الغربية، والسيطرة عليها تعني إحكام الحصار على أي كيان فلسطيني مستقبلي. إن وجود مدينة حريدية ضخمة في هذه المنطقة يضمن للاحتلال سيادة أمنية ومدنية كاملة على طول الحدود مع الأردن، ناهيك عن ضرب الاقتصاد الفلسطيني في مقتل. فالأغوار تسهم بحصة كبيرة من الناتج المحلي الفلسطيني، وتحويلها لساحة استيطان حضري وزراعي صهيوني يعني تجريد الفلسطينيين من أهم مقومات صمودهم الاقتصادي.


علاوة على ذلك، يهدف المشروع إلى تفتيت وحدة الموقف الفلسطيني من خلال خلق وقائع جيوسياسية تجعل من المطالبة بالقدس والأغوار واللاجئين مطالب غير واقعية من وجهة النظر الصهيونية والغربية. ولا شك أن بناء مستوطنات ومدن بآلاف السكان يكرس الظلم ليصبح هو القاعدة، والعدالة هي الاستثناء الذي لا يتحقق.


ويضاف إلى ذلك الفصل العنصري في تفاصيل الحياة اليومية في الأغوار؛ من الطرق التي يُمنع الفلسطيني من استخدامها لتسهيل حركة مستوطني مدينة التمور، إلى الحواجز العسكرية التي تخنق القرى الفلسطينية بينما تفتح ممرات سريعة للمستوطنين.


والهدف هو جعل حياة الفلسطيني لا تطاق، ودفعه لليأس والرحيل القسري، بينما يُقدم للمستوطن كل سبل الرفاهية والترف، هذا التوحش في التعامل يعكس قاعدة "الاقتلاع والإحلال" التي بنيت عليها الصهيونية منذ يومها الأول، والتي تجد في مشروع مدينة التمور تجليًا جديدًا لها، كجزء من محاولات تصفية القضية الفلسطينية برمتها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق