الصليبيون الجدد (8)
فاتن فاروق عبد المنعم
كاتبة روائية،وعضو بالمجلس الرقابي الأعلى للاتحاد العالمي للمثقفين العرب
تيودور هيرتزل:
الكاتب المسرحي، ناشط سياسي يهودي مسكون بفكر الثورة ووجوب وجود دولة قومية لليهود ولا يشترط أن تكون في فلسطين غير أن رفع شعار “الموت لليهود” في روسيا جعله يعتنق الصهيونية ويسعى جاهدا لتحقيق تلك الدولة فكتب كتاب “دولة اليهود” يقول:
“ستكون الدولة اليهودية موقعا متقدما للحضارة مقابل الهمجية” ستكون امتداد للحضارة الغربية إلى الشرق الأوسط، وهي منارة الحضارة في القفار العربية.
الرعيل الأول من اليهود الذين هاجروا من أوروبا إلى فلسطين عام 1882م وأقاموا أول مستوطنة يهودية تحت ذرائع مختلفة كي يمرروا مخططهم في الخفاء ودون أن ينتبه إليهم أحد، وهؤلاء كانوا براجماتيين (أي يتعاملون مع الواقع كما هو) كي ينفذوا فكرة دون كيشوتية (فلسفة عدم الرجوع للخلف) لأن الرجوع للخلف تعني أنهم ارتكبوا خطأ جسيم وواجب عليهم الاعتراف بخطئهم ما يعني التراجع التام عما أقدموا عليه، وهذا ما لا ينبغي له أن يكون وإلا ما استمر وجودهم حتى هذه اللحظة الراهنة في فلسطين.
فلسطين كان بها يهود كما المسيحيين والمسلمين، نسيج مجتمعي، أما الرؤية الدونكيشوتية الذين جاءوا لتحقيقها هي إقامة دولة صهيونية على أرض فلسطين يكونون فيها على رأس هذه الدولة وعمودها الفقري، مع العلم أن اليهود عانوا الاضطهاد والمذابح ومعاداة السامية في أوروبا وروسيا على حد سواء.
عن هيرتزل الكاتب المسرحي تقول كارين:
“وطوال ثماني سنوات أجهد هيرتزل نفسه حتى الموت، بالمعنى الحرفي للكلمة، ليضع الصهيونية والدولة اليهودية على الخريطة، يحدوه اقتناع شديد بأن كارثة محدقة تجعل إنشاء دولة يهودية مسألة على درجة قصوى من الإلحاح، فبدأ يجتمع برجالات كبار في العالم ليرغبهم بفكرة الوطن القومي لليهود، وكان مستعدا للنظر في أفريقيا أو شبه جزيرة سيناء، وكذلك فلسطين كمكان لهذا الوطن القومي، وراح يبحث عن حلفاء في كل مكان بل إنه تحدث إلى (ف. ك. بلهفي) اللاسامي الروسي، ووزير داخلية القيصر الذي كان العقل المدبر وراء المذابح المنظمة بحق اليهود، هكذا فكر، غير أن هرتزل في الواقع كان مقتنعا بأن بريطانيا هي التي ستنشيء الدولة الصهيونية كجزء من مخططها الاستعماري، فقد كتب يقول:
إنجلترا العظمى، إنجلترا الحرة، إنجلترا المثبتة أنظارها على البحار السبعة هي التي ستفهمنا، وقد اتضح أنه كان على صواب، فمن دون صهيونية هيرتزل السياسية ما كان لدولة إسرائيل أن تقوم، وفي ذلك الوقت والتنافس على أشده بين القوى الكبرى لاقتسام العالم فيما بينها، كان الحصول على دعم إحداها مسألة بالغة الحيوية”
وصف موردخاي بن عامي مندوب أوديسا للشاب هيرتزل في مؤتمر بازل الأول:
“عيون كثيرة اغرورقت بالدموع، ارتقى هيرتزل المنصة بمنتهى الهدوء، لا….. لم يكن هو هيرتزل الذي أعرفه، الشخص الذي التقيته في الليلة الماضية فحسب، كانت تنتصب أمامنا طلة باهرة لأحد أبناء الملوك بنظراته العميقة المركزة، وبالوسامة والكآبة تتخايلان على وجهه في آن، لا… لم يكن هذا هيرتزل الأنيق في فيينا، بل رجل من بيت داوود، نهض فجأة من قبره مكللا بكل مجده الأسطوري، بدا كما لو أن الحلم الذي راود شعبنا على مدار ألفي سنة قد صار حقيقة واقعة أخيرا، والمسيح، ابن داوود ينتصب أمامنا”
ولنا هنا وقفة:
الرجل الذي لولاه ما اغتصب اليهود فلسطين كان كاتبا، ومستشار صلاح الدين الأيوبي كان كاتبا وكان له الكلمة العليا عليه في أحايين كثيرة (القاضي أبو الفضل) فمتى يكون الكاتب مؤثر؟
اليهود كانوا مكروهين من كل الملل عدا المسلمين الذين عاملوهم بنفوس سوية، الرومان والفراعنة ساموهم سوء العذاب، والأوربيون أقاموا لهم المذابح لأنهم قتلة الرب قبل الزحف إلى فلسطين لانتزاعها من أبناء إسماعيل، بطريرك القدس عند تسليم مفاتيح المدينة لعمر بن الخطاب طلب منه ألا يسكن معهم اليهود، وافقه في البداية لكنه أعاد توطينهم بفلسطين كباقي الملل والشيء نفسه فعله صلاح الدين.
وصف هيرتزل آنف الذكر يشير بجلاء إلى كيفية اختيار من يمثلك، من يتصدر المشهد ليعبر عنك، بالإضافة إلى كونه متعلم، مثقف، مرتب الأفكار لديه رؤية واضحة، فكان مهتم بمظهره وهندامه المدعوم بوسامة الملامح وإن كنت (بصفة شخصية) أرى أن هذه الأخيرة تكاد تنعدم أهميتها لكنها في الوقت نفسه استرعت انتباه موردخاي لما لها من بعض التأثير على نحو ما.
هل لمثلي أن تتساءل وتقول، أي حضارة تلك التي سيحضرونها إلى القفار العربية؟ لماذا يتناسون أن الحضارة الغربية بنيت على منجز المسلمين المسروق من الأندلس وأثناء الحروب الصليبية ومازال مخزن في أديرة ومتاحف أوروبا وحتى القرن السادس عشر كان أي طالب بالجامعة لابد أن يكون مرجعيته مؤلفات المسلمين، أما الفئة الناقلة للحضارة إلى القفار العربية!! جاءت هروبا من أوروبا وروسيا الذين عادوهم واضطهدوهم وقرنوهم بسيء الصفات والسلوكيات، فعن أي حضارة يتحدثون؟! أين حمرة الخجل؟ّ ولكنها الروح الاستعلائية الاستعمارية.
كارين تقول أن هيرتزل حضر بمشروع دولتهم بين الدول الكبرى وهي تقتسم دول العالم فيما بينها وأنه اعتمد على إنجلترا “المسيطرة على البحار السبعة” والتي لولاها ما قامت دولتهم، رغم ما فعل بهم في أوروبا، وهو اعتراف يطيح بمصداقية مواثيق أممهم المتحدة علينا، مواثيق لا تساوي الحبر المكتوبة به
الكبر وغرور القوة التي لا يعترفون بغيرها هي التي جعلت الصهاينة (بعد إنشاء البنوك الربوية في العالم كله ليمتلكوا ثرواته في أيديهم لتكون ظهيرهم الحقيقي) هي التي جعلتهم ينظرون إلى دول العالم كأبعدية ورثوها يفعلون به ما شاءوا، فوضعوا احتمالات لدولتهم المزعومة في سيناء أو جنوب أفريقيا أو أوغندا أو فلسطين، وقبل التنفيذ على الأرض بفلسفة دونكيشوتية قاموا بإضعاف الدولة العثمانية على مهل لمدة مائة عام بزرع المنافقين على كل ثغر مؤثر لتكون كلمتهم هي العليا وكلمة الذين آمنوا هي المستبعدة كي ينفرط العقد وتقسم الكتلة إلى دول تنكفئ كل منها على نفسها وتصبح مشغولة بنفسها كي يفعلوا بنا ما شاءوا، والآن الخطط معدة بين أيدي رواد جزيرة إبيستن لتقسيم الدول إلى دويلات.
الشيطان وحوارييه:
لا يفتأ يذكرنا بمشروعه على الأرض، فهو من المنظرين، فالخبيث يشعر أن الأرض في قبضته، مملكته وله عليها جنان عدة وليس “جزيرة إبيستن فقط، ذلك الأنموذج الذي يطلقه في الوجوه ليصدم بني آدم ويخضعهم لسلطانه ونفوذه، هو يرى نفسه ربنا الأعلى الواجب عبادته بكل الصور والأشكال، ولسان حاله يقول أن لا قوانين ولا دساتير ولا حقوق إنسان، فقط أنا الآمر الناهي على هذه الأرض وليس أمام بني آدم سوى الامتثال، رضينا أو أبينا فكلنا مشروع مستهدف لديه دون وجل، فلابد من إعمال كل ما يخالف التعاليم الإلهي.
تقديم شخص ما كطعام على مأدبة قرأت عنه في قصة الحضارة لويل ديورانت وهو يصف سلوك الإنسان في عصر الصيد، فقد يأتي شخص ما لزيارة أقاربه أو أصدقائه أو جيرانه فيقومون بشيه وتقديمه على مائدة الطعام ويقبل البقية الباقية على هذا الطعام دون وخزة ضمير أو استنكار، ولكن بشاعة ما يحدث في جزيرة إبيستن فاقت كل متخيل، بعد أن زين لهم الشيطان سوء أعمالهم فصدهم عن السبيل.
وهو ما يعني السقوط المدوي للحضارة الآنية، فالمشهد يسفر عن العودة إلى عصر الصيد معلنا عن زيف هذه الحضارة لدرجة أن الذي يسقطها بنفسه هو الشيطان وحوارييه وأنوفهم راغمة، صاغرة لأمر الله، وهكذا يكون الإنسان دون الدين، فليس بعد الحق إلا الضلال المبين، إنها ثمار طوفان الأقصى الذي أصابهم بلوثة في عقولهم، إذ كيف لفئة مستضعفة تنتصر على قوى الاستكبار العالمي، الشيطان وحوارييه يعلنون عن أنفسهم بفجر منقطع النظير مبطنين التهديد لكل من تسول له نفسه أن يتحداهم، ولكن المولى جلا وعلا يجيبهم:
يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) التوبة


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق