‏إظهار الرسائل ذات التسميات الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 13 سبتمبر 2026

"نازا.. فيلم "إسرائيلي" يعترف بـ"نازيتهم" في غزة!

 "نازا.. فيلم "إسرائيلي" يعترف بـ"نازيتهم" في غزة!

حلمي الأسمر

في العاشر من أيلول/سبتمبر 2026، حدث شيء في قاعة "سالا غراندي" بمهرجان البندقية السينمائي يتجاوز حدود السينما بكثير. أُطفئت الأضواء، وبدأ عرض الفيلم الوثائقي الإسرائيلي "نازا"، وبعد ثمانين دقيقة تقريباً لم يكن الجمهور أمام فيلم آخر عن غزة، بل أمام محاولة لفتح باب غرفة العمليات التي صُنعت فيها الحرب نفسها. وحين أضيئت الأنوار، وقف الجمهور وصفق قرابة خمس وعشرين دقيقة، في واحدة من أطول وقفات التصفيق في تاريخ المهرجان، فيما رُفعت أعلام فلسطينية داخل القاعة، ووقف المخرجان الإسرائيليان يوفال أبراهام وراحيل تسور متأثرين أمام جمهور يعرف أن ما شاهده ليس رواية فلسطينية عن الحرب، ولا تقريراً من منظمة حقوقية، وإنما شهادات جاءت من الجهة الأخرى: من رجال ونساء كانوا جزءاً من المنظومة التي راقبت وحددت واستهدفت الفلسطينيين في غزة. ولهذا فإن السؤال الذي تركه "نازا" خلفه لم يكن: ماذا حدث في غزة؟ فالعالم يعرف بعضاً مما حدث؛ السؤال كان أكثر رعباً: كيف حدث؟ ومن صنع الآلة التي جعلت قتل هذا العدد الهائل من البشر ممكناً؟

والحدث نفسه يستحق التوقف، فالفيلم عُرض ضمن المسابقة الرسمية للدورة الثالثة والثمانين لمهرجان البندقية، أحد أقدم وأهم مهرجانات السينما في العالم، وكان الفيلم الوثائقي الوحيد المتنافس على الأسد الذهبي. ولم يصل إلى المهرجان كعمل مجهول أو هامشي؛ فمخرجاه يوفال أبراهام وراحيل تسور هما من الأسماء المرتبطة بفيلم "لا أرض أخرى"، الذي فاز بأوسكار لأفضل فيلم وثائقي عام 2025.

أما إنتاج "نازا" فجاء بالشراكة مع صحيفة "الغارديان" وشركة المنتج جيمس ويلسون، فيما تولى المخرج البريطاني جوناثان غليزر، صاحب فيلم "منطقة الاهتمام"، الإنتاج التنفيذي. وهذه المصادفة الأخيرة ليست تفصيلاً سينمائياً عابراً؛ فغليزر الذي صنع في "منطقة الاهتمام" فيلماً عن قدرة الإنسان على مواصلة حياته الطبيعية بينما تجري الإبادة خلف الجدار، يجد نفسه الآن منتجاً تنفيذياً لفيلم يضع أمام المشاهدين شهادات عن منظومة قتل في غزة.

من هنا تأتي كلمة "نازا"، وهي الكلمة التي اختارها المخرجان عنواناً للفيلم لأنها تكشف، في حد ذاتها، شيئاً من طبيعة هذه الحرب. المصطلح مشتق من العبارة العبرية التي تعني "الضرر الجانبي"، لكنه يشير في السياق الذي يكشفه الفيلم إلى عدد المدنيين المتوقع مقتلهم في ضربة معينة


وهنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات "نازا" قسوة، وربما أكثرها دلالة: فالرجل الذي يتولى إنتاج الفيلم التنفيذي هو المخرج البريطاني جوناثان غليزر، صاحب "منطقة الاهتمام"، الفيلم الذي عاد إلى أوشفيتز لا ليروي حكاية الضحايا من داخل المعسكر، وإنما ليرينا شيئاً أكثر رعباً: عائلة رودولف هوس، قائد معسكر الإبادة، وهي تعيش حياتها اليومية في بيت وحديقة وأجواء عائلية عادية، بينما كانت ماكينة قتل اليهود تعمل خلف الجدار. كان غليزر يريد أن يسأل كيف يستطيع الإنسان أن يفصل بين حياته الطبيعية والجريمة التي تجري على بعد خطوات منه، وكيف يصبح الجدار وسيلة نفسية وأخلاقية لعزل الضحية عن الضمير.

وبعد سنوات قليلة، يجد المخرج نفسه منتجاً تنفيذياً لفيلم آخر يأتي من الجهة المقابلة تماماً لهذا الجدار. "نازا" لا يراقب عائلة تعيش بجوار ماكينة الإبادة، بل يدخل إلى داخل ماكينة القتل نفسها، إلى غرف المراقبة وشاشات الاستهداف وشهادات 24 من الجنود وضباط الاستخبارات الذين شاركوا في عمليات المراقبة والقتل عن بُعد في غزة.

وهنا يصبح الربط بين الفيلمين أكثر من مصادفة سينمائية؛ ففي "منطقة الاهتمام" كان السؤال: كيف يمكن للبشر أن يعيشوا حياة طبيعية فيما يجري قتل آخرين خلف الجدار؟ وفي "نازا" يصبح السؤال: كيف تتحول عملية قتل الآخرين نفسها إلى عمل إداري وتقني، إلى بيانات وأرقام وخوارزميات وأوامر وشاشات، بحيث يستطيع من يديرها أن يتحدث عنها كما لو كان يدير عملية عسكرية عادية؟

وبين أوشفيتز وغزة تتغير التكنولوجيا، وتتغير اللغة، وتتغير أدوات القتل، لكن السؤال الذي يلاحق غليزر وصنّاع "نازا" واحد: كيف تبدأ عملية نزع إنسانية الآخر، وكيف يصبح قتله قابلاً للحساب، ثم قابلاً للتنفيذ، ثم قابلاً للحياة اليومية؟ وليس من العبث أن يقول مخرجا "نازا" إنهما وجدا نفسيهما أمام الأسئلة نفسها التي طرحتها أجيال القرن العشرين: كيف تسمح جماعة من البشر بـ"نزع الإنسانية الكامل" عن جماعة أخرى؟ عند هذه النقطة لا يعود غليزر مجرد منتج لفيلم عن غزة؛ يصبح وجوده نفسه جسراً سينمائياً بين صورتين تاريخيتين للشر: صورة الجدار الذي كان يخفي الإبادة في أوشفيتز، وصورة الشاشة التي تجعل الإبادة في غزة بعيدة عن العين، قابلة للضغط على زر، وقابلة لأن تتحول إلى رقم في نظام إلكتروني. وإذا كان "منطقة الاهتمام" قد علّم العالم كيف يمكن أن يعيش الإنسان على بعد أمتار من الإبادة من دون أن يراها، فإن "نازا" تسأل السؤال المعاكس والأشد رعباً: ماذا يحدث عندما تصبح الإبادة نفسها نظاماً يستطيع الإنسان أن يديره من خلف شاشة؟

لكن الأهم أن "نازا" لم يولد في البندقية، فالمخرجان أمضيا ثلاث سنوات في العمل السري للوصول إلى أربعة وعشرين ضابطاً وجندياً وعاملاً في الاستخبارات الإسرائيلية، شاركوا، بدرجات مختلفة، في منظومة المراقبة والاستهداف التي يتناولها الفيلم. صُورت المقابلات ليلاً على أسطح في تل أبيب، وأخفيت الوجوه وحُرفت الأصوات رقمياً لحماية أصحابها. هؤلاء ليسوا شهوداً على حرب سمعوا عنها في نشرات الأخبار؛ إنهم، بحسب الفيلم، أشخاص كانوا داخل النظام نفسه، بعضهم في الاستخبارات وبعضهم في وحدات مرتبطة بالاستهداف، ولذلك فإن قيمة شهاداتهم بالنسبة لصانعي الفيلم تكمن تحديداً في أنهم يستطيعون أن يقولوا كيف كانت المنظومة تعمل من الداخل. وقد قال أبراهام إنهما لم يريدا صناعة فيلم عن "جنود مارقين"، وإنما عن النظام نفسه، عن الأوامر والسياسات واللغة والآليات التي تجعل القتل الجماعي ممكناً.

ومن هنا تأتي كلمة "نازا"، وهي الكلمة التي اختارها المخرجان عنواناً للفيلم لأنها تكشف، في حد ذاتها، شيئاً من طبيعة هذه الحرب. المصطلح مشتق من العبارة العبرية التي تعني "الضرر الجانبي"، لكنه يشير في السياق الذي يكشفه الفيلم إلى عدد المدنيين المتوقع مقتلهم في ضربة معينة. تخيلوا ذلك: قبل أن تسقط القنبلة، وقبل أن ينهار البيت، وقبل أن تُنتشل الجثث من تحت الركام، يوجد رقم تقديري لعدد المدنيين الذين سيقتلون. يصبح الطفل "نازا"، والأم "نازا"، والجد والجدة والأخوة والجيران أرقاماً تدخل في معادلة الاستهداف. ليس السؤال إذن: هل سيموت مدنيون؟ بل: كم مدنياً يمكن أن يموتوا حتى يظل الهدف العسكري مقبولاً؟ وهنا تنهار اللغة التي تحاول أن تجعل القتل عرضاً جانبياً للحرب؛ لأن الموت الذي تعرفه مسبقاً، وتحسبه مسبقاً، وتناقش إمكان قبوله مسبقاً، لم يعد مجرد حادث وقع بعد العملية، وإنما صار جزءاً من عملية اتخاذ القرار نفسها.

لكن الأكثر إثارة للرعب أن "نازا" لا يقدم هذه المعادلة في صورة جندي يرفع بندقية ويطلق النار، إنه يدخل بنا إلى عالم أكثر برودة: عالم الهواتف والبيانات والخوارزميات والشاشات. في غزة، يصبح الهاتف جزءاً من عين الحرب؛ الموقع، الاتصال، حركة الجهاز، علاقته بأجهزة أخرى، نمط الاتصالات، كلها إشارات يمكن جمعها وتحليلها، ثم تأتي الأنظمة الإلكترونية التي تساعد الاستخبارات على غربلة هذا الكم الهائل من المعلومات. ومن أبرز ما يناقشه الفيلم نظام "لافندر"، الذي كان قد ظهر في التحقيقات الصحفية السابقة حول استخدام منظومات تعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي للمساعدة في تحديد الأشخاص الذين تعتبرهم إسرائيل أهدافاً محتملة. هنا لا تعمل الآلة بوصفها قاتلاً مستقلاً؛ وهذه نقطة يجب فهمها بدقة؛ الآلة لا تضغط الزناد وحدها، وإنما تساعد المؤسسة على صناعة قائمة الأهداف بسرعة وعلى نطاق هائل، ثم يأتي الإنسان للمراجعة والموافقة والتنفيذ.

وهذا هو الوجه الحقيقي للثورة التكنولوجية في الحرب: الذكاء الاصطناعي لا يلغي الإنسان، وإنما يستطيع أن يجعل الإنسان قادراً على إدارة عدد من عمليات القتل أكبر بكثير مما يستطيع أن يستوعبه كأفعال فردية. عندما يجلس موظف أمام شاشة ويشاهد رقماً أو إحداثية بدلاً من وجه إنسان، تصبح المسافة النفسية بين القرار والضحية هائلة. أحد المشاركين في الفيلم يصف العملية بأنها شبيهة بلعبة فيديو، وآخرون يتحدثون عنها كأنها مصنع. وهذه الكلمات، مهما بدت صادمة، تكشف جوهر التحول: القتل الذي كان يحتاج في الماضي إلى مواجهة مباشرة بين القاتل والضحية أصبح يمكن أن يمر عبر طبقات من البيانات والخوارزميات والشاشات حتى لا يرى أحد في السلسلة الإنسان الذي سيموت.

لكن "نازا" يذهب إلى مكان أشد ظلمة، فالمسألة، وفق الشهادات التي يقدمها، لم تكن دائماً تحديد مقاتل في شارع أو استهداف منشأة عسكرية بعيدة عن السكان، بل الوصول إلى الأشخاص داخل بيوتهم. وهنا يصبح الهاتف أداة لمعرفة أين يوجد الهدف، ومتى يوجد في منزله، ومن يمكن أن يكون معه. ويشير الفيلم إلى شهادات عن معرفة مسبقة بأن البيوت (أو حتى الخيم والخرابات!) المستهدفة مأهولة، وأن أطفالاً ونساء موجودون فيها. هذه النقطة بالذات هي التي تجعل مصطلح "الضرر الجانبي" يبدو كأنه قناع لغوي؛ لأنك إذا كنت تعرف أن البيت مأهول، وتعرف أن عائلة ستقتل، وتعرف تقريباً عدد الذين سيسقطون، ثم تمضي في الضربة، فهل ما يحدث "ضرر جانبي" فعلاً؟ أم أن المدنيين أصبحوا جزءاً متوقعاً من النتيجة؟

وهنا يفتح الفيلم الباب على مفهوم الإبادة الجماعية، لا باعتبار أن فيلماً وثائقياً يستطيع وحده إصدار حكم قضائي، وإنما باعتبار أن شهاداته تفرض السؤال عن القصد والمنهج والغاية، فالقتل الجماعي هو الوجه الأكثر وضوحاً للإبادة، لكنه ليس الوجه الوحيد الذي ينبغي أن نبحث عنه عندما نتحدث عن تدمير جماعة بشرية. ماذا يحدث عندما لا يُقتل الإنسان فقط، بل يُدمر البيت الذي يعيش فيه، والمستشفى الذي يعالجه، والمدرسة التي يتعلم فيها أطفاله، ومصادر الماء والطاقة والغذاء، والطرق التي تربطه بالعالم، والأحياء التي تشكل ذاكرته ومجتمعه، ثم يُدفع إلى النزوح مرة تلو أخرى حتى تصبح العودة إلى المكان الذي كان يسمى "وطناً" أمراً بالغ الصعوبة؟ هنا لا يعود السؤال: كم جثة أنتج القصف؟ بل يصبح: هل تُدمر شروط الحياة نفسها؟

وهذه، في رأيي، أخطر نقطة في "نازا"، لأنها تنقل النقاش من إبادة الأجساد إلى إبادة إمكانية الحياة. أن تقتل الإنسان يعني أن تنهي حياته، أما أن تدمر البيئة التي تجعل حياته وحياة جماعته ممكنتين، ثم تجعل العودة وإعادة البناء شبه مستحيلتين، فأنت لا تضرب فرداً فقط؛ أنت تضرب قدرة مجتمع على الاستمرار. وهذه هي الإبادة الجماعية في أبشع نسخها: النسخة الإسرائيلية؛ وهنا يمكن فهم الحديث في الفيلم عن تدمير واسع للمنازل وخلق واقع يمنع السكان من العودة. فالبيت ليس إسمنتاً فقط، والمدرسة ليست جدراناً، والمستشفى ليس مبنى، والماء ليس أنبوباً؛ هذه كلها شروط مادية لبقاء المجتمع. وعندما تُسحق بصورة متزامنة، يصبح الدمار أكثر من مجموع أجزائه.

وهنا تتضح خطورة نظام القتل الإلكتروني نفسه، فهو يستطيع أن يساعد على قتل الأشخاص، بينما تقوم القوة العسكرية في الوقت نفسه بتدمير المكان الذي يفترض أن يعيش فيه من بقي منهم. التكنولوجيا تلاحق الإنسان، والقنابل تطارد المكان، والنتيجة مجتمع يفقد البشر ويفقد البيئة التي تحفظ بقاءه. هذه ليست مجرد معادلة عسكرية؛ إنها، في أبشع صورها، معادلة تفكيك مجتمع وإبادته بمنتهى الوحشية وقدم بارد أيضا.

والشهادات التي يقدمها "نازا" لا تأتي دائماً من أشخاص يقولون إنهم كانوا مذعورين مما يحدث منذ البداية. بعضهم يتحدث عن العمل كأنه وظيفة، وبعضهم يصف الإثارة والأدرينالين، وبعضهم يصفه بأنه لعبة أو مصنع، وبعضهم يحتمي بعبارة "أنا مجرد ترس" في آلة. وهذه العبارة الأخيرة ربما تكون أكثر العبارات دلالة في الفيلم كله؛ لأن الإبادة الحديثة، إذا أردنا فهم آليتها، لا تحتاج إلى آلاف الوحوش الذين يستمتعون بالقتل؛ تحتاج إلى آلاف البشر الذين يُقنع كل واحد منهم نفسه بأنه مجرد جزء صغير من منظومة أكبر منه. واحد يجمع البيانات، وآخر يحدد الموقع، وثالث يقترح الهدف، ورابع يوافق، وخامس ينفذ، وسادس يراجع النتائج. وفي النهاية يستطيع كل واحد أن يقول: لم أقتل أنا.

لكن الآلة لا تقتل وحدها؛ البشر يصممونها ويشغلونها ويضعون قواعدها، والخوارزمية لا تمتلك أخلاقاً من تلقاء نفسها؛ الأخلاق التي تحملها هي الأخلاق التي يضعها البشر في النظام الذي تستخدمه. ولذلك فإن السؤال الأخطر الذي يطرحه "نازا" ليس: هل كان الذكاء الاصطناعي مسؤولاً؟ وإنما: أي نوع من البشر يصبح قادراً على قتل هذا العدد من البشر عندما تساعده الآلة على ألا يراهم؟

وهنا تأتي واحدة من أكثر لحظات الفيلم إيلاماً، عندما يدخل المشاركون في مواجهة مع صورتهم عن أنفسهم وعن التاريخ. أحدهم يستحضر النازيين باعتبارهم الشر المطلق، ثم يصل إلى السؤال الذي لا يستطيع الهروب منه: إذا كنت ما زلت أرى النازيين أشراراً، فما الذي يجعلني مختلفاً؟ ليست هذه محاكمة تاريخية جاهزة، لكنها لحظة مرآة؛ رجل شارك في منظومة قتل يجد نفسه مضطراً إلى مقارنة صورته الأخلاقية عن نفسه بما فعله بالآخرين!

ومن هنا جاء عنواننا: "نازا".. فيلم إسرائيلي يعترف بـ"نازيتهم" في غزة! كلمة "نازيتهم" هنا ليست حكماً قضائياً، ولا ادعاء؛ إنها المفارقة السوداء التي يضعها الفيلم أمام المشاهد الإسرائيلي والعالمي: مجتمع يحمل ذاكرة النازية بوصفها أقصى درجات الشر، ثم يظهر منه أشخاص يقولون إنهم شاركوا في منظومة تحول الإنسان إلى رقم، وتعرف أن الأطفال موجودون في البيت، وتحسب مسبقاً عدد المدنيين الذين سيموتون، وتستخدم التكنولوجيا لتوسيع نطاق الاستهداف، وتشارك في تدمير المكان الذي يفترض أن يعيش فيه الناجون.

الجيش الإسرائيلي -كالعادة- يرفض هذه الصورة رفضاً قاطعاً، ويقول إن الشهادات مجهولة الهوية ولا يمكن التحقق منها، وإن قرارات الاستهداف والموافقة على الضربات يتخذها بشر، وإن الجيش يتخذ إجراءات لتقليل أذى المدنيين(!). وهذا الرد يجب أن يبقى في أي قراءة جادة للفيلم؛ لكن المشكلة بالنسبة إلى الرواية الرسمية أن "نازا" لا يقف وحده في الفراغ؛ فهو يأتي بعد سلسلة من التحقيقات الصحفية التي نشرتها "972+" و"لوكال كول" و"الغارديان" حول أنظمة الاستهداف والمراقبة والذكاء الاصطناعي في غزة، ويحاول تحويل تلك التحقيقات إلى شهادات بشرية مصورة من داخل المؤسسة نفسها

ولهذا فإن المعركة الحقيقية حول الفيلم لم تبدأ بعد، عرض البندقية كان مجرد البداية. "نازا" ينتقل بعد ذلك إلى مهرجان نيويورك السينمائي، حيث يعرض في 26 و27 أيلول/سبتمبر ضمن الدورة الرابعة والستين للمهرجان، فيما حصلت شركة "إم كيه2" الفرنسية على حقوق المبيعات العالمية. أي أن الفيلم لن يبقى حبيس القاعة الإيطالية التي شهدت التصفيق الطويل؛ إنه يدخل إلى الجمهور الأمريكي، ثم إلى سوق التوزيع الدولي، ويحمل معه شهادات قد تصبح جزءاً من النقاش الإعلامي والسياسي والقانوني حول الحرب في غزة

وربما لهذا تحديداً يجب ألا ننشغل كثيراً بعدد دقائق التصفيق في البندقية، مهما كان الرقم لافتاً. التصفيق سينتهي، والمهرجان سينتهي، وستغادر الكاميرات القاعة، لكن ما لن ينتهي بسهولة هو السؤال الذي يتركه الفيلم وراءه: ماذا يعني أن تمتلك "دولة!" نظاماً يستطيع مراقبة ملايين الإشارات، وتحويل البيانات إلى أهداف، وتقدير عدد المدنيين الذين سيموتون، ثم إرسال القنابل إلى البيوت؟ وماذا يعني أن تتزامن هذه القدرة على قتل الإنسان مع قدرة عسكرية على تدمير البيت والمدرسة والمستشفى والماء والطريق، بحيث لا يعود الناجي إلى المكان الذي كان يعيش فيه؟

الفيلم لم يأتِ ليخبر العالم أن غزة تحترق، العالم يعرف ذلك، لقد جاء ليضع أمام العالم بعض الذين جلسوا خلف الشاشات ويقول لهم: هذه ليست فقط صورة القنبلة وهي تسقط، هذه هي الطريقة التي اخترنا بها أين تسقط


هنا تصبح غزة في "نازا" أكثر من أرض تجري فوقها حرب، تصبح المكان الذي التقت فيه الخوارزمية بالقنبلة، والبيانات بالإحداثية، والإنسان بالرقم، والقتل بتدمير شروط الحياة. وإذا كان قتل الإنسان هو الوجه الأول للإبادة، فإن جعل الحياة مستحيلة هو وجهها الذي لا يجوز أن يضيع خلف أعداد القتلى.

فالإبادة لا تبدأ دائماً عند لحظة الموت، قد تبدأ قبلها بكثير؛ في اللحظة التي يجلس فيها رجل أمام شاشة ويحوّل إنساناً إلى بيانات، وفي اللحظة التي تتحول فيها الأسرة إلى "خسارة مدنية متوقعة"، وفي اللحظة التي يصبح البيت هدفاً لأن صاحبه موجود داخله، وفي اللحظة التي يصبح عدد الأطفال الذين سيموتون رقماً يمكن تحمله، وفي اللحظة التي يقرر فيها أحدهم أن دوره "تقني" وأنه مجرد "ترس صغير". ثم تأتي القنبلة، ثم يأتي الركام، ثم يأتي النزوح، ثم لا يبقى بيت يعود إليه أحد.

وهنا يكون السؤال الأكثر قسوة الذي يتركه "نازا" أمام العالم: هل كان الهدف قتل الفلسطينيين في غزة فقط، أم كان الهدف أيضاً قتل غزة بوصفها مكاناً يمكن للفلسطينيين أن يعيشوا فيه؟ إذا كانت الإجابة موجودة في الشهادات التي يقدمها الفيلم، فإننا لا نكون أمام "ضرر جانبي" على الإطلاق، وإنما أمام شيء أكثر اتساعاً وأشد رعباً: منظومة تجعل الموت محسوباً، والقتل قابلاً للتكرار، والمدينة قابلة للمحو، والحياة نفسها هدفاً.

وهنا، ربما، نفهم لماذا كان الصمت بعد التصفيق أهم من التصفيق نفسه؛ لأن الفيلم لم يأتِ ليخبر العالم أن غزة تحترق، العالم يعرف ذلك، لقد جاء ليضع أمام العالم بعض الذين جلسوا خلف الشاشات ويقول لهم: هذه ليست فقط صورة القنبلة وهي تسقط، هذه هي الطريقة التي اخترنا بها أين تسقط.

وهذا هو الجرح الذي فتحه "نازا" داخل إسرائيل، وفي الوعي العالمي كله: ليس جرح الضحية هذه المرة، بل "جرح!" القاتل حين يُجبر على النظر إلى الآلة التي شارك في تشغيلها، ويرى أن الإنسان الذي كان رقماً على شاشته كان طفلاً، وأن البيت الذي كان إحداثية كان حياة، وأن "الضرر الجانبي" الذي حسبه قبل القصف كان عائلة كاملة، وأن المدينة التي كان يراها خريطة عمليات كانت وطناً. عندها فقط يصبح عنوان الفيلم مرعباً في بساطته: "نازا"؛ الاسم الذي اختصر الإنسان إلى رقم، والرقم الذي سبق القنبلة، والقنبلة التي لم تقتل الإنسان وحده، بل بدأت، مع آلاف القنابل الأخرى، في قتل المكان الذي كان يفترض أن يعيش فيه.

"نازا".. فيلم إسرائيلي يعترف بـ"نازيتهم" في غزة!


السبت، 23 مايو 2026

إسرائيل تسْتتِر بورقة توت

 إسرائيل تسْتتِر بورقة توت

جعفر عباس

ليس من الغريب أن أمر الرقابة الصارمة على شبكات الإعلام في إسرائيل، 
ظل على الدوام في يد المؤسسة العسكرية، فهي وحدها الآمر الناهي الذي يحدد 
ما هو مباح وما هو محظور نقله وبثه ونشره من قِبل وسائل الإعلام..

باستشهاد الزميل محمد وشاح، ارتفع عدد شهداء الصحافة في قطاع غزة وحده، خلال 3 سنوات، الى 262 شهيدا. صعدت أرواح معظمهم برصاص القناصة والاستهداف المباشر، وهذا العدد من شهداء الكلمة والحقيقة يفوق عدد الصحفيين الذين قتلوا في ميادين الحروب في كل القارات منذ بداية تدوين التاريخ، وجاء في تقرير لجمعية حماية الصحفيين الدولية في عام 2025، أن إسرائيل هي أكثر دول العالم قتلا للصحفيين على مستوى العالم.

جاء ترتيب إسرائيل في المركز الـ 108 في قائمة الدول الأكثر قمعا للصحافة والصحفيين في عام 2025، وفيما يخص الصحافة الإسرائيلية وحدها، تقول مجلة +972 إن الرقابة العسكرية حظرت جزئيا او كليا، في عام 2024 نحو 7900 تقريرا صحفيا، وأن متوسط عدد التقارير التي تخضع للحظر بلغ العشرين يوميا منذ حرب غزة.

ولم يكن غريبا أن يكون صحفيو شبكة الجزيرة الإعلامية الأكثر استهدافا من قبل آلة الحرب الإسرائيلية، فالقانون الذي أصدره البرلمان الإسرائيلي في 1 نيسان/ ابريل من عام 2024 ويبيح للسلطات الإسرائيلية طرد وإبعاد شبكات الأخبار الأجنبية، ومصادرة ممتلكاتها، يحمل اسم "قانون الجزيرة"، وأجيز بأغلبية 71 صوتا مقابل 10 أصوات، وكان وزير الاتصالات الإسرائيلي شلومو كرحي، في منتهى الوضوح عندما قال أن القانون يستهدف الجزيرة تحديدا، وبعد صدور القانون بثلاثة أسابيع تمت إغلاق مكاتب وكالة أسوشيتد برس، بزعم أنها تقوم بتسريب الصور والمعلومات الى شبكة الجزيرة، وسبق في عام 2021، أن دمرت إسرائي مكتبي الجزيرة وأسوشيتد برس في غزة.

ليس من الغريب أن أمر الرقابة الصارمة على شبكات الإعلام في إسرائيل، ظل على الدوام في يد المؤسسة العسكرية، فهي وحدها الآمر الناهي الذي يحدد ما هو مباح وما هو محظور نقله وبثه ونشره من قِبل وسائل الإعلام، ذلك أن تاريخ إسرائيل كله سلسلة من الحروب والاعتداءات والاغتيالات، وفي الدول والمجتمعات المُعَسْكَرة، تكون هيئة الضباط في حالة هلع وجزع من انكشاف وافتضاح تجاوزاتهم، ومن ثم لم يكن مستغربا ان تنهال سياطهم الى صحيفة هآرتس الإسرائيلية نفسها، بحرمانها من العون والاعلانات الحكومية، لأنها نشرت تحقيقا عن فساد وتجاوزات المؤسسة العسكرية. وبإزاء هذا الشطط في الرقابة صارت بعض الصحف الإسرائيلية تلجأ الى حيلة ذكية، تتمثل في تسريب التقارير الى صحف أجنبية، ثم تعود وتنقل تلك التقارير عن تلك الصحف، بمنطق "ناقل الكفر ليس بكافر".

وهكذا جاء ترتيب إسرائيل في المركز الـ 108 في قائمة الدول الأكثر قمعا للصحافة والصحفيين في عام 2025، وفيما يخص الصحافة الإسرائيلية وحدها، تقول مجلة +972 إن الرقابة العسكرية حظرت جزئيا او كليا، في عام 2024 نحو 7900 تقريرا صحفيا، وأن متوسط عدد التقارير التي تخضع للحظر بلغ العشرين يوميا منذ حرب غزة.

أما في حرب حزيران/ يونيو 2025 التي أشعلتها إسرائيل بضرب العديد من الأهداف في ايران، فقد سمحت الرقابة لوسائل الإعلام بقول إن 29 إسرائيليا قتلوا بالقذائف الإيرانية، ولكنها لم تسمح بكلمة واحدة عن مواقع سقوط تلك القذائف، وعندما أشعلت إسرائيل حرب 28 شباط/ فبراير على ايران بالتواطؤ مع الولايات المتحدة، صار الصحفيون الأجانب والإسرائيليون ملزمين بعرض كل ما لديهم عنها على الرقيب العسكري، ومن ثم لا يعرف أحد سوى قادة الجيش الإسرائيلي حجم الخسائر التي تكبدتها إسرائيل، جراء الاستهداف الإيراني بالصواريخ والطائرات المسيرة.

تقول منظمة صحفيون بلا حدود إن الصحفيين الفلسطينيين في غزة، والضفة الغربية بشقيها المحتل و"المختل"، يحظون بمعاملة "خاصة جدا" من الرقيب الإسرائيلي، تتسم بالعداء المفرط، وتأليب وسائل الإعلام الإسرائيلية عليهم، بإلصاق اتهامات مخزية بهم، وترويعهم بتشجيع المستوطنين على استهدافهم، حتى صار بعض أولئك الصحفيين مرغمين على الاستعانة بحراس شخصيين، بل وبلغ العسف أن حرمت إسرائيل، في عام 2021، أكثر من 20 صحفيا فلسطينيا من مغادرة غزة والضفة الغربية الى وجهات خارجية، ثم أغلقت في آب/ أغسطس 2022، مكاتب سبع جمعيات فلسطينية لحقوق الإنسان، بزعم أنها تتواصل مع منظمات إرهابية.

إسرائيل ظلت تمارس قمع الحريات الصحفية لتتستّر على جرائمها، ولكن ديمقراطية تداول المعلومات التي أتاحتها منصات التواصل التكنولوجية أسقط عنها ورقة التوت، فبات الرأي العام العالمي يراها على حقيقتها، بلا مكياج.

استمرأت إسرائيل قمع الحريات الإعلامية لأنها ظلت تجد المؤازرة في ذلك من الحكومات ووسائل الإعلام الأوروبية والأمريكية، بـ "التواطؤ والصمت"، بل وترديد أن إسرائيل هي قلعة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، ومن ثم فهي حليف الغرب المؤتمن، وذراعه في ترويض وتدجين حكومات المنطقة. ولهذا لم يرتفع صوت رسمي أو صحفي أوروبي أو أمريكي يستنكر اختطاف إسرائيل، للخبير النووي مردخاي فعنونو من إيطاليا، وهو الذي كشف تفاصيل برنامج الأسلحة النووية الإسرائيلي للصحافة البريطانية عام 1986، ثم الزج به في السجن ل18 سنة، وحتى بعد الإفراج عنه عام 2004 ما زال فعنونو محروما من حرية الحركة والكلام، بل إن صحفيا بريطانيا تواصل مع فعنونو لإجراء حوار معه، بات ممنوعا من دخول إسرائيل "نهائيا".

كل هذا الهلع والجزع من التقارير الصحفية، يجعل من إسرائيل "المريب الذي يكاد يقول خذوني"، فهي تعلم ان سجلها في مجال حقوق الانسان مخزٍ ودموي، ومن ثم فهي تخاف من الكلمة والصورة، بدرجة أنها حظرت استخدام كلمة النكبة في وسائل الإعلام عند الإشارة لأحداث عام 1948، باعتبار أن بها حمولة دعائية معادية لإسرائيل. ومنذ عام 2016، صارت هناك إدارة خاصة في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية تراقب وتلاحق المدونات وصفحات منصة فيسبوك التي تخص مواطنين إسرائيليين. وإسرائيل وعبر أصحاب الملايين الأمريكان اليهود، هي من تسعى لانتزاع حصة كبيرة من تطبيق تيك توك من الصين، لأن محتواه في السنوات الأخيرة، هو ما أدى إلى فضح جرائم الإبادة في غزة، ومن ثم تأليب الرأي العام الغربي عموما على إسرائيل.

والشاهد هو أن إسرائيل ظلت تمارس قمع الحريات الصحفية لتتستّر على جرائمها، ولكن ديمقراطية تداول المعلومات التي أتاحتها منصات التواصل التكنولوجية أسقط عنها ورقة التوت، فبات الرأي العام العالمي يراها على حقيقتها، بلا مكياج.

المزيد حول هذا الموضوع

عباس وفتح وحماس: قراءة في التوجهات


الأحد، 19 أكتوبر 2025

ما جرى في غزة لم يكن “حربًا” و”وقف إطلاق النار” كذبة مماثلة

 ما جرى في غزة لم يكن “حربًا” و”وقف إطلاق النار” كذبة مماثلة

جوناثان كوك 19 أكتوبر ,2025
ترجمة وتحرير: نون بوست

تستمر اتفاقات وقف إطلاق النار عندما تبلغ الأطراف المتحاربة حالة من الجمود العسكري، أو عندما تفوق الحوافز التي تدفع كل طرف إلى إلقاء السلاح تلك التي تحثه على مواصلة سفك الدماء، ولا ينطبق أي من ذلك على غزة.

لقد شهد القطاع الكثير من الأحداث خلال العامين الماضيين، لكن ما حدث لم يكن حربًا قط، مهما أراد الساسة والإعلام الغربي إقناعنا بذلك. وهذا يعني أن الرواية الحالية عن “وقف إطلاق النار” ليست سوى كذبة، تمامًا كالرواية السابقة عن وجود “حرب في غزة”.

إن وقف إطلاق النار ليس “هشًّا” كما يُقال لنا باستمرار، بل هو غير موجود من الأساس، كما يتضح من الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة، من خلال استمرار جنودها في إطلاق النار على المدنيين الفلسطينيين وقتلهم، ومنع المساعدات الموعودة.

فما الذي يحدث حقًا؟


لفهم “وقف إطلاق النار” و”خطة السلام” التي اقترحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي تتكون من 20 بندا، والتي لا تقل تضليلا عن وقف إطلاق النار، علينا أولًا أن نفهم ما الذي كانت تحاول إخفاءه السردية السابقة عن “الحرب”.

خلال الأربعة والعشرين شهرًا الماضية، شهدنا أمرًا بالغ الخطورة. رأينا مجازر عشوائية بحق سكان مدنيين كانوا يعيشون أصلًا تحت حصار دام 17 عامًا فرضته إسرائيل، القوة العسكرية الإقليمية المدعومة والمسلّحة من القوة العسكرية العالمية: الولايات المتحدة.

شاهدنا تدمير كل مباني غزة تقريبًا، وتحول القطاع إلى معسكر اعتقال، وأُجبرت العائلات على الإقامة في خيام مؤقتة، كما حدث عندما طُردوا من أراضيهم قبل عقود تحت تهديد السلاح فيما يُعرف الآن باسم إسرائيل. لكنهم تعرضوا هذه المرة لمزيج سام من غبار أنقاض منازلهم السابقة وبقايا مواد متفجرة تعادل ما أُسقط على هيروشيما مرات عديدة.

رأينا سكانًا أسرى يتضورون جوعًا منذ أشهر طويلة، في سياسة لا يمكن وصفها في أحسن الأحوال إلا بأنها عقاب جماعي سافر، وجريمة ضد الإنسانية يُلاحق بسببها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من قِبل المحكمة الجنائية الدولية.

تعرض مئات الآلاف من أطفال غزة تعضوا لأضرار جسدية، بالإضافة إلى الصدمات النفسية، نتيجة سوء التغذية الذي غيّر تركيبة حمضهم النووي، وهو ضرر يُرجّح أن ينتقل إلى الأجيال القادمة.

شاهدنا مستشفيات غزة تُفكك واحدة تلو الأخرى بشكل منهجي، حتى انهار القطاع الصحي بأكمله، وأصبح غير قادر على التعامل مع تدفق الجرحى أو الموجة المتزايدة من الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية.

ورأينا عمليات تطهير عرقي واسعة النطاق، حيث أُجبرت العائلات – أو ما تبقى منها – على النزوح من “مناطق الإبادة” إلى مناطق وصفتها إسرائيل بأنها “آمنة”، لتتحول تلك المناطق سريعًا، ودون إعلان مسبق، إلى مناطق إبادة جديدة.

ومع تصاعد ضغط ترامب من أجل “وقف إطلاق النار”، رأينا إسرائيل تطلق موجة عنف عارمة، لتدمر أكبر قدر ممكن من مدينة غزة قبل حلول الموعد النهائي لوقف إطلاق النار.

سردية “حرب غزة”

لا يمكن، ولا ينبغي وصف أي من هذا بأنه حرب. الأمم المتحدة، وكل منظمات حقوق الإنسان الكبرى في العالم، بما في ذلك منظمة “بتسيلم” الإسرائيلية، وأبرز الهيئات الأكاديمية المتخصصة في دراسات الإبادة الجماعية، تتفق على أن ما حدث في غزة يندرج تحت تعريف الإبادة الجماعية، كما ورد في اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية، والتي صادقت عليها إسرائيل والولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي.

ومع ذلك، حاول الخطاب الإسرائيلي والغربي حول “الحرب” تسويق سردية لا تقل زيفًا عن “وقف إطلاق النار” و”آمال السلام” للرأي العام الغربي.

إن كذبة وقف إطلاق النار الحالي هي الوجه الآخر لكذبة “حرب غزة” التي رُويت لنا على مدار العامين الماضيين، وهو وصف يخدم الغرض ذاته: التغطية على الأهداف الإسرائيلية الكبرى.

يوم الثلاثاء، وأثناء ما يُسمى “وقف إطلاق النار”، وبينما كان يتم تبادل الجثث بين الإسرائيليين والفلسطينيين، واصلت إسرائيل قتل المزيد من الفلسطينيين. كانت صحيفة “فايننشال تايمز” من بين وسائل الإعلام التي أفادت بأن جنودًا إسرائيليين قتلوا عددا من الفلسطينيين في ذلك اليوم.

ونشر جنود إسرائيليون في وقت سابق مقاطع فيديو وهم يحرقون المنازل والمؤن الغذائية ومحطة معالجة مياه الصرف الصحي الحيوية أثناء انسحابهم من مدينة غزة.

بعبارة أخرى، لم تكن لدى إسرائيل أي نية لوقف إطلاق النار، وهذا نمط مألوف.

قتلت إسرائيل ما لا يقل عن 170 فلسطينيًا خلال “وقف إطلاق نار” سابق عمل عليه ترامب في يناير/ كانون الثاني، ثم أنهته من جانب واحد بعد أسابيع لتستأنف الإبادة الجماعية.

وقد سُجل أكثر من 4,500 خرق إسرائيلي لبنود وقف إطلاق النار الذي يفترض أن يكون ساريًا في لبنان منذ العام الماضي تحت إشراف الولايات المتحدة وفرنسا.

وحسب ملاحظة السفير البريطاني السابق، كريغ موراي، حول فترة وقف إطلاق النار، فقد قتلت إسرائيل “مئات الأشخاص، بينهم رُضّع، وهدمت عشرات الآلاف من المنازل، وضمّت خمس مناطق من لبنان”.

فهل يتصور أحد أن غزة، تلك الرقعة الصغيرة التي لا تملك جيشًا ولا مقومات دولة، ستلقى مصيرًا أفضل من لبنان في ظل وقف إطلاق نار إسرائيلي؟

مسرحية وقف إطلاق النار

قد يكون وقف إطلاق النار مجرد هدنة مؤقتة في خضم حملة الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل على غزة منذ عامين، لكنه لا يوقف بأي حال من الأحوال الاحتلال الإسرائيلي المستمر منذ عقود للأراضي الفلسطينية، والذي يُعد السبب المحرّك لما يُسمى “الحرب”، فالاحتلال مستمر.

وهو لا يوقف أيضًا بأي حال من الأحوال نظام الفصل العنصري الذي تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين، والذي اعتبرته أعلى محكمة في العالم العام الماضي غير قانوني.

وطالبت محكمة العدل الدولية حينها إسرائيل بالانسحاب الفوري من الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك غزة، كما دعت الدول الأخرى إلى الضغط عليها لتنفيذ هذا الانسحاب.

وقد أمهلت الجمعية العامة للأمم المتحدة إسرائيل حتى الشهر الماضي للامتثال لقرار محكمة العدل الدولية، لكن إسرائيل لم تكتف بتجاهل هذا الموعد النهائي، بل مازالت تنشر جنودها بشكل مباشر في أكثر من نصف مساحة غزة حتى خلال ما يُسمى بـ”وقف إطلاق النار”.

بالإضافة إلى ذلك، تواصل إسرائيل السيطرة على كامل أراضي غزة عن بُعد عبر طائرات التجسس والطائرات الهجومية والمقاتلات الحربية وتقنيات المراقبة والحصارين البري والبحري.

ومن البديهي أن الدولة التي تنوي تنفيذ الإبادة الجماعية لا تملك سببًا لوقفها ما لم تُجبر على ذلك من طرف أقوى.

وقد استعرض ترامب قوته على الساحة الدولية متظاهرًا بأنه يقوم بهذا الدور من خلال الضغط على إسرائيل وحماس. لكن هذه المسرحية لا يصدقها سوى السذّج والنخب السياسية والإعلامية الغربية.

إن “وقف إطلاق النار” ليس “هشًّا”، بل تم تصميمه ليفشل، لا ليمهد الطريق إلى السلام. والغرض الحقيقي منه هو منح إسرائيل تفويضًا جديدًا لاستئناف الإبادة الجماعية.

سجناء مجردون من إنسانيتهم

لقد أُجبر الفلسطينيون على العيش في معادلة مستحيلة على مدى عقود من الزمن: فهم يُعاقبون إن قاوموا، ويُعاقبون إن لم يفعلوا شيئا. أي مقاومة للاحتلال الوحشي تؤدي إلى مذابح – أو ما تسميه إسرائيل “جزّ العشب” – فضلًا عن تصنيفهم كـ”إرهابيين”.

أما سياسة عدم المقاومة، التي تنتهجها السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس في الضفة الغربية، فتترك الفلسطينيين عرضة للتهميش، حيث يعيشون كسجناء دائمين مجردين من إنسانيتهم تحت الحكم الإسرائيلي، ويُحشرون في مناطق محمية تتقلص باستمرار، بينما يُسمح للميليشيات اليهودية ببناء المستوطنات على أراضيهم.

هذا هو نفس “الاختيار” الزائف الذي يتمحور حوله وقف إطلاق النار الحالي.

لقد حصلت حماس على صفقة تبادل أسرى – بعد أن تم اختطاف آلاف الفلسطينيين من الشوارع (وسيجري اختطاف آلاف آخرين قريبًا ليحلوا محلهم) – بينما نال سكان غزة هدنة قصيرة من حملة التجويع والإبادة التي تشنها إسرائيل. كانت هذه هي الصيغة التي حُوصرت بها حماس للموافقة على اتفاق وقف إطلاق النار، الذي تعرف تمامًا أنه مليء بالفخاخ.

أبرز هذه الفخاخ هو الشرط المفروض على حماس بإعادة آخر الإسرائيليين المحتجزين في غزة، بمن فيهم 28 جثة، مقابل الإفراج عن نحو 2000 أسير فلسطيني من السجون الإسرائيلية. وقد حدد الاتفاق مهلة زمنية مدتها 72 ساعة لإتمام صفقة التبادل.

لكن حماس واجهت صعوبة في تحديد مواقع دفن القتلى، وقد أعادت حتى الآن 10 جثث فقط، ويبدو أن إحداها لا تعود لإسرائيلي.

تحولت غزة إلى أرض قاحلة تفتقر إلى المعالم التي يمكن من خلالها تحديد مواقع الدفن الأصلية، أما جبال الأنقاض التي ترقد تحتها جثث الإسرائيليين – والتي تسببت بها القنابل الخارقة للتحصينات التي قدمتها الولايات المتحدة لإسرائيل، والتي يُرجّح أنها أدت إلى مقتل الرهائن – فيكاد يكون من المستحيل تحريكها دون آلات ثقيلة، وهي آلات تفتقر إليها غزة.

وحتى لو أمكن تحديد المواقع وإزالة الأنقاض، فقد تكتشف حماس أن الجثث لم تعد موجودة، وأنها قد تبخرت إلى جانب الضحايا الفلسطينيين بفعل القنابل الإسرائيلية. وبالطبع، هناك مشكلة أخرى محتملة: قد تكون بعض الجثث موجودة في المناطق التي لا تزال إسرائيل تحتلها، والتي تزيد عن نصف أراضي غزة، وهي مناطق لا تستطيع حماس الوصول إليها.

وقد أقرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وهي الجهة المحايدة الأكثر تخصصًا في هذا الشأن، بأن العثور على الجثث في هذه الظروف سيكون “تحديًا هائلاً”.

والجدير بالذكر أن وسائل الإعلام الغربية، التي لم تتردد في تضخيم مزاعم إسرائيل بشأن سوء نية حماس في إعادة الجثث، وكذلك معاناة العائلات الإسرائيلية التي تنتظر جثث أبنائها، لم تقم بتغطية مماثلة لحالة الجثث الفلسطينية التي أعادتها إسرائيل.

وصلت الجثث المبردة إلى مستشفى ناصر في غزة دون أي شكل من أشكال التعريف، ولم يتمكن الطاقم الطبي هناك من إجراء اختبارات الحمض النووي بسبب الدمار الذي ألحقته إسرائيل بمرافقه، وبذلك لن تتعرف العائلات على أحبائها إلا إذا بذلت جهودا إضافية.

ستكون تلك مهمة مروّعة ومؤلمة، فقد أشار الأطباء إلى أن الجثث المعادة لا تزال مكبّلة الأيدي ومعصوبة العينين، وأنها أُعدمت برصاص في الرأس، مع علامات واضحة على تعرضها للتعذيب قبل وبعد الوفاة.

وفي الوقت نفسه، استغلت إسرائيل التأخير حتى تواصل سياسة التجويع في غزة حتى قبل انتهاء مهلة الـ 72 ساعة المحددة للتبادل، وقيدت المساعدات الضرورية لمعالجة المجاعة التي سببتها في القطاع.

والأخطر من ذلك، أن تقارير إعلامية إسرائيلية تشير إلى أن الولايات المتحدة وافقت على “بند سري” يسمح لإسرائيل باستئناف “حرب الإبادة” إذا لم تتمكن حماس من تسليم جميع الجثث خلال المهلة المحددة بثلاثة أيام.

فخ مزدوج

إذا تمكنت حماس من تجاوز هذا الفخ، فهناك شرط آخر يُفرض عليها: نزع السلاح، ويُصوَّر هذا الشرط باعتباره تمهيدًا لعملية “السلام”. لكن الحقيقة الوحيدة المؤكدة هي أنه حتى لو تخلّت حماس عن سلاحها، فلن يكون السلام هو النتيجة.

أطلق ترامب هذا الأسبوع تهديدات غير محددة كعادته، قائلًا: “إذا لم ينزعوا [حماس] سلاحهم، فسنقوم نحن بنزع سلاحهم”. وأضاف أنه إذا تدخلت الولايات المتحدة، “فسيحدث ذلك بسرعة وربما بعنف. لكنهم سينزعون سلاحهم”.

هذا ما يضع حماس وغيرها من الفصائل التي تمارس المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي – وهو حق معترف به في القانون الدولي – في فخ مزدوج متعمد.

أولًا، سيكون سكان غزة، إذا نُزع سلاحهم، أكثر عجزًا في مواجهة الهجمات الإسرائيلية.

وبغض النظر عن صواب أو خطأ استراتيجية حماس العسكرية، فإنه يصعب تجاهل حقيقة أن الخسائر التي تكبدتها القوات الإسرائيلية في المعارك – من حيث الصدمات النفسية وأعداد الضحايا – شكلت نوعاً من الضغط المضاد.

خرج عدد كبير من الإسرائيليين إلى الشوارع احتجاجًا على سياسات نتنياهو في غزة، وليس ذلك بسبب اهتمامهم بمئات الآلاف من الفلسطينيين القتلى والمصابين هناك، لكن دوافع احتجاجاتهم – كما تُظهر استطلاعات الرأي – ترتبط بالقلق على مصير الأسرى الإسرائيليين في غزة، وبالعبء الذي يتحمله الجنود الإسرائيليون.

لذلك فإن حماس والكثير من سكان غزة يخشون أن يؤدي نزع السلاح إلى تغيير معادلة الكلفة والعائد لدى الإسرائيليين بشكل أكبر لصالح استمرار الإبادة الجماعية، مما يهدد بمزيد من سفك الدماء، لا بتحقيق السلام.

معادلة خاسرة

ثانيًا، لا يرجح أن توافق حماس على نزع السلاح في ظل وجود عصابات إجرامية مسلّحة ومدعومة من إسرائيل، وبعضها مرتبط بتنظيم الدولة الإسلامية، في شوارع غزة.

لقد أدرك الفلسطينيون منذ زمن بعيد أن طموح إسرائيل هو تقويض الحركات الوطنية الفلسطينية الكبرى – سواء كانت حماس أو فتح – عبر دعم أمراء حرب ليحلوا محلّهم.

حذرني أحد المحللين الفلسطينيين قبل 14 عامًا من مخاطر ما وصفه بخطة إسرائيل لـ”أفغنة” غزة والضفة الغربية.

وتتمثل الاستراتيجية الإسرائيلية النهائية في سياسة “فرّق تسد” عبر تشجيع زعماء العشائر المتنافسة الذين يركزون على حماية إقطاعياتهم الصغيرة ومحاربة بعضهم البعض، بدلًا من مقاومة الاحتلال غير القانوني والسعي نحو دولة فلسطينية موحدة.

في ذروة الإبادة الجماعية، ظهرت خطورة هذه السياسة على الفلسطينيين. بمساعدة من إسرائيل، ومع وجود أغلب مقاتلي حماس داخل الأنفاق، نهبت هذه العصابات شاحنات المساعدات، وسرقت المعونات من العائلات الضعيفة، ثم احتفظت بالطعام لعائلاتها وباعت الباقي بأسعار باهظة لا يستطيع معظم الناس تحملها. أما الآخرون، فقد تُركوا ليموتوا جوعًا.

وإذا تخلّت حماس عن سلاحها، ستحظى هذه العشائر بحرية مطلقة بدعم من إسرائيل. لا تريد حماس، ولا غالبية سكان غزة رؤية هذا السيناريو يتكرر. هذا ليس طريقًا نحو السلام، بل نحو استمرار الاحتلال الإسرائيلي الوحشي الذي يساعد في تنفيذه وكلاء محليون.

ومما يثير الحيرة أن ترامب يبدو وكأنه يدرك جزءًا من هذا الواقع، فقد قال يوم الثلاثاء إن حماس “قضت على عصابتين سيئتين للغاية… وقتلت عددًا من أفراد العصابات. وهذا لم يزعجني كثيرًا بصراحة. لا بأس بذلك”.

فما الذي يتصور ترامب إذًا أنه سيحدث إذا ألقت حماس سلاحها، كما يطالب هو وإسرائيل؟ ألا يُحتمل أن تعود تلك “العصابات السيئة للغاية” للظهور؟

هذا بالضبط هو الفخ المزدوج الذي تريد إسرائيل أن تُغرق فيه حماس وغزة.

إرباك متعمد

زاد ترامب من إرباك الموقف يوم الأربعاء الماضي، محذرًا من أن إسرائيل ستستأنف هجماتها على غزة إذا لم تتخل حماس عن سلاحها “بمجرد أن أنطق بالكلمة”.

ذهب ترامب إلى أبعد من ذلك في اليوم التالي، ملمّحًا إلى أن الولايات المتحدة نفسها قد تتدخل في غزة. وكتب على حسابه على تويتر: “إذا استمرت حماس في قتل الناس في غزة، وهو ما لم يكن جزءًا من الاتفاق، فلن يكون لدينا خيار سوى التدخل وقتلهم”.

فما الذي يُفترض أن يملأ الفراغ الناتج عن احتمالين شبه مستحيلين: حلّ حماس لنفسها، وانسحاب إسرائيل الكامل من غزة؟

تصرّ إسرائيل على عدم وجود أي شكل من أشكال الحكم الفلسطيني في القطاع، ويشمل ذلك نظام عباس المتعاون معها في الضفة الغربية. كما تواصل رفض الإفراج عن مروان البرغوثي، القيادي الفتحاوي المعتقل منذ سنوات، والذي يُعد الشخصية الوحيدة القادرة على توحيد الصف الفلسطيني، وغالبًا ما يُشار إليه بـ”نيلسون مانديلا الفلسطيني”.

لو كانت إسرائيل مهتمة حقًا بإنهاء الاحتلال وتحقيق “السلام”، فإن كان البرغوثي هو الخيار الأمثل. لكن بدلًا من ذلك، تتردد تقارير بأنه يتعرض مجددًا للضرب الوحشي على يد سجانيه، مما يعرض حياته للخطر.

إن رؤية ترامب للسنوات القادمة لا تقدم سوى ما يُعرف بـ”مجلس السلام” سيء السمعة، وهي إدارة من الطراز الاستعماري الصريح، يُفترض أن تحكم من مصر لا من غزة، ويُتوقع أن يترأسها توني بلير “نائبا عن الملك”. وقد ساعد رئيس الوزراء البريطاني السابق الولايات المتحدة قبل عقدين في تدمير العراق، مما أدى إلى انهيار مؤسسات البلاد وموت الآلاف من العراقيين.

أما على الأرض، يتصور ترامب وجود “قوة استقرار” أجنبية. لكن هذه القوات، إن ظهرت أصلًا، لن تكون على الأرجح أكثر فعالية في مواجهة العدوان الإسرائيلي من قوات حفظ السلام في لبنان، والتي فشلت لعقود في كبح انتهاكات إسرائيل.

هاجمت إسرائيل مرارًا قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في جنوب لبنان، ولم تفعل هذه القوات شيئًا يُذكر لوقف انتهاكات إسرائيل المستمرة لما يُسمى “وقف إطلاق النار”.

لن تستطيع قوة الاستقرار فعل الكثير لمنع تدخل إسرائيل المباشر في غزة عبر الاغتيالات بالطائرات المسيّرة، أو القيود التي تفرضها على استيراد الإسمنت والغذاء والإمدادات الطبية، أو الحصار البحري المفروض على مياه غزة الإقليمية.

إن رؤية ترامب لـ”السلام” هي أن يعيش الفلسطينيون حياة بائسة وسط أنقاض غزة، تحت رحمة طائرات إسرائيل المسيّرة التي تراقبهم باستمرار.

قال رامي عبده، رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، لموقع “ذا إنترسبت” هذا الأسبوع إن ما سنشهده على الأرجح خلال الأسابيع والأشهر المقبلة هو انتقال إسرائيل من الإبادة الجماعية العشوائية إلى ما وصفه بـ”إبادة جماعية منظمة، وتهجير قسري منظم”.

ستتمكن إسرائيل الآن من التحكم في الوضع عن بعد وعرقلة إعادة إعمار القطاع، وإرسال رسالة واضحة إلى السكان المعوزين في غزة بأن خلاصهم لن يتحقق أبداً.

لن يكون مستقبل الضفة الغربية مستقبل سلام أيضًا، بل ستكثف إسرائيل فظائعها هناك، وتحوّل التجمعات السكنية الصغيرة التي حُشر فيها الفلسطينيون تدريجيًا إلى “غزات” مصغّرة.

لن تنتهي المقاومة الفلسطينية في مثل هذه الظروف، فلا يوجد شعب في التاريخ استسلم للعبودية والقهر بشكل دائم، والفلسطينيون لن يكونوا استثناءً.

المصدر: ميدل إيست آي

الجمعة، 10 أكتوبر 2025

ن خلال تدمير غزة، دمرت إسرائيل صورتها كمؤسسة أخلاقية.

من خلال تدمير غزة، دمرت إسرائيل صورتها كمؤسسة أخلاقية.

بعد المرحلة الأولى، يُرجَّح أن تكون صفقة ترامب بشأن غزة قد باءت بالفشل. لكن مع تزايد الدعم العالمي لتحرير فلسطين، تلوح


لقد كانت هذه أطول حرب وأكثرها دموية وتدميراً خاضتها إسرائيل ضد الفلسطينيين في تاريخ هذا الصراع.

سينتهي الأمر بمسرحية، يُدبّرها إلى حد كبير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي سيسافر إلى إسرائيل لاستقبال الرهائن الذين ما زالوا على قيد الحياة. وقد يُعلن أيضًا، بإصرار حماس وقطر ، انتهاء الحرب رسميًا.

ستنسحب القوات الإسرائيلية من كافة المدن الكبرى في غزة، وستعود شاحنات الأمم المتحدة إلى القطاع مرة أخرى - في الوقت الحالي.

لكن لا شك في ذلك: لم يتم التوصل إلى اتفاق بعد بشأن المرحلتين الثانية أو الثالثة من الاتفاق، اللتين تشملان نزع سلاح حماس وفرض تفويض دولي لحكم غزة. ومن غير المرجح أن يتم التوصل إلى اتفاق.

إن نظرة ترامب للخسائر التي تكبدتها حماس خلال عامين من الحرب، وإن كان ذلك أقل ما يقال، تتناقض مع الواقع. فقد صرّح الرئيس الأمريكي مؤخرًا بأن حماس على شفا الدمار ، بعد القضاء على قيادتها ومقتل 25 ألف مقاتل، أي ما يقارب نصف قوتها القتالية.


إن تقييم حماس للضرر الذي سببته المعركة هو أن سلامة مؤسساتها، وقيادتها وسيطرتها، واتصالاتها، صمدت أمام أقسى الاختبارات، بما في ذلك اغتيال كبار القادة، إلى جانب القنابل شديدة الانفجار التي أسقطتها إسرائيل على غزة والتي تعادل عدة قنابل هيروشيما .

إن حزب الله لديه الآن عدد من المقاتلين مساوياً لعددهم في بداية الحرب، ويمكنه الاعتماد على كمية غير محدودة تقريباً من الأسلحة الصغيرة والمتفجرات لصنع صواريخ مضادة للدبابات وأجهزة متفجرة بدائية الصنع.

حماس، المُصنّفة جماعةً إرهابيةً في المملكة المتحدة ودولٍ أخرى، لا تعتبر نفسها قوةً مهزومةً، ناهيك عن كونها مُجبرةً الآن على الرضوخ للإرادة العسكرية الإسرائيلية. وينطبق الأمر نفسه على الفصائل المُقاتلة الأخرى في غزة.

بعيدًا عن "السلام في عصرنا"

صمدت شعبية حماس في غزة أمام الحرب، وازدادت في الضفة الغربية المحتلة. وفي الشارع العربي، وخاصةً في الأردن ، بلغت شعبية كتائب القسام مكانةً أسطورية.

ولا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار هذه اللحظة في التاريخ، من بين كل اللحظات، بمثابة نهاية للصراع المسلح، كما يدعي ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

من وجهة نظر حماس، لا يمكن التوصل إلى هدنة طويلة الأمد في القتال إلا إذا وافقت إسرائيل على الانسحاب إلى خطوط عام 1967، وإنهاء احتلال غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية.



وتبدو المجموعة أقل استعداداً للسماح لهيئة دولية بالسيطرة على غزة، الأمر الذي من شأنه أن يعيدنا إلى أيام الاستعمار البريطاني التي بدأت قبل أكثر من قرن من الزمان.

ومن الواضح أن هذا بعيد كل البعد عن "السلام في عصرنا" الذي يزعم ترامب أنه كذلك ــ حتى لو كان ذلك يمثل نهاية معركة وحشية وطويلة الأمد بشكل خاص.

يمكن لحماس والفصائل المسلحة الأخرى، وفوق كل ذلك، سكان غزة، أن يدّعوا تحقيق نجاحات استراتيجية. فقد أحبطوا أخطر محاولة إسرائيلية للتهجير الجماعي منذ عام ١٩٦٧. وصمد السكان أمام إبادة جماعية.
استطلاعات الرأي واضحة جدًا ليس فقط بشأن سرعة سقوط إسرائيل من النعمة، بل أيضًا بشأن اتجاه السفر.

لقد فعلت كل ذلك بمفردها. كان دعم الدول العربية المجاورة غائبًا تمامًا، والسبب الوحيد لمنع مصر أو الأردن الترحيل الجماعي للسكان هو ضمان مصالحهما الوطنية. لم يكن ذلك نابعًا من أي تعاطف مع الفلسطينيين.

لكن البقاء على الأرض كان له ثمن باهظ: أكثر من 67 ألف روح، ناهيك عن الجثث التي لا تزال تحت الأنقاض، وتدمير معظم مساكن غزة ومستشفياتها ومدارسها ومساجدها ومؤسساتها. سيعاني سكان غزة من صدمة الجوع طوال حياتهم.

وفي الوقت نفسه، سوف يفتخر نتنياهو بأنه سحق حماس كمنظمة مقاتلة، تماماً كما يدعي أنه فعل مع حزب الله والحرس الثوري الإيراني .

إنه يستعيد جميع رهائنه، وقد أرسى دعائم الهدوء على جبهته الغربية للجيل القادم على الأقل. ولن تشن غزة أي هجمات أخرى على إسرائيل لفترة طويلة قادمة.

تمزق سمعة إسرائيل

لقد دمّر نتنياهو غزة وجعلها شبه غير صالحة للعيش. لكن في هذه العملية، حطمت القوة الحركية الساحقة والمُطلقة لإسرائيل أيضًا ميزةً أخرى لا تقل أهميةً بالنسبة لتل أبيب عن إخضاع شعبٍ أصلي أو أرضه.

إنها القاعدة التي اعتمدت عليها إسرائيل لعقود من الزمن، وهي الأساس لكل المعدات العسكرية والأموال التي تلقتها من الولايات المتحدة وأوروبا.

وهذه هي سمعة إسرائيل الدولية. بعد عامين من الإبادة الجماعية ، تمزقت سمعتها.

طوال هذا القرن ومعظم القرن الماضي، كانت الرواية الإسرائيلية هي أن "الدولة اليهودية" هي مشروع أخلاقي في جوهره ــ ملاذ لليهود المضطهدين في جميع أنحاء العالم.


أصبحت هذه الرواية راسخة كقانون أخلاقي في جميع الدول الغربية التي لديها تاريخ طويل من معاداة السامية . ورُدد حق إسرائيل في الوجود بحماس من قبل جميع الأحزاب السياسية الرئيسية.

لقد أصبح التعريف بالنفس كـ"صديق لإسرائيل" بمثابة طقس مرور لكل سياسي طموح ــ دليل على الجدية، ورخصة للحكم، سواء كانوا يعرفون أو يهتمون على الإطلاق بالشرق الأوسط.

في كل مرة كانت إسرائيل تشن حرباً جديدة تحت ستار الضربة الاستباقية، كان رد فعل الدول الغربية عبارة عن جوقة صاخبة من الدعم لـ "حق الدولة اليهودية في الدفاع عن نفسها".

في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ارتقى هذا "اليمين" إلى مستوى حربٍ عادلة ردًا على "هجمات 11 سبتمبر/أيلول الإسرائيلية". واعتُبرت عملية احتجاز الرهائن الجماعية التي نفذتها حماس تهديدًا لوجود إسرائيل.

يرتكز بناءٌ ضخم، أو بنيةٌ معمارية، على أسس الدعم الذي تتلقاه إسرائيل من الولايات المتحدة وأوروبا. فإذا تعثر أو بدأت تصدعاته بالظهور، فإن إسرائيل تواجه مشكلة.
لكن في عامين قصيرين، لم يكتفِ بالتعثر، بل انهار.

دعم التحول

يمكن قياس هذا بأربع طرق مختلفة: من خلال استطلاعات الرأي، وفي السرد السائد على وسائل التواصل الاجتماعي، ومن خلال التطورات في المحاكم الدولية، وأخيرا، في كيفية رد فعل النخب السياسية - على الرغم من أن هذا هو العنصر الأبطأ والأكثر ترددا من بين الطرق الأربعة.

استطلاعات الرأي واضحة جدًا، ليس فقط بشأن سرعة سقوط إسرائيل من عليائها، بل أيضًا بشأن مسارها. ويشير مؤيدون متفانون لإسرائيل، مثل صحيفتي نيويورك تايمز والغارديان، إلى تراجع هائل في دعمها.

تعاطف الناخبون الأمريكيون على نطاق واسع مع إسرائيل في أعقاب الهجوم الذي قادته حماس على إسرائيل قبل عامين. في ذلك الوقت، أيد 47% إسرائيل و20% الفلسطينيين. لكن في الشهر الماضي، كشف استطلاع جديد أجرته صحيفة نيويورك تايمز وجامعة سيينا أنه لأول مرة في هذا الصراع، أيد عدد أكبر من الأمريكيين الفلسطينيين مقارنةً بإسرائيل: 35% و34% على التوالي.

أظهر الاستطلاع أيضًا معارضة أغلبية لتقديم مساعدات عسكرية واقتصادية أمريكية إضافية لإسرائيل. وقال ستة من كل عشرة مشاركين إن على إسرائيل إنهاء الحرب، حتى لو لم يُفرج عن جميع الرهائن، وأعرب 40% عن اعتقادهم بأن إسرائيل تتعمد قتل المدنيين.

يتعزز الشعور المعادي لإسرائيل بالانقسام السياسي والجيلي. عارض حوالي سبعة من كل عشرة ناخبين دون سن الثلاثين تقديم المزيد من المساعدات لإسرائيل. ومن بين الديمقراطيين، أعرب 54% عن تعاطف أكبر مع الفلسطينيين، مقارنةً بـ 13% مع إسرائيل.

وتنعكس هذه الاتجاهات في نتائج غالوب ، حيث تشير إلى أن 60% من الأميركيين لا يوافقون على الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة، في حين أن نحو 30% يوافقون عليها.

وقد تفاقم هذا الانهيار في الدعم وتسارع بسبب وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتفوق وسائل الإعلام الاجتماعية على وسائل الإعلام الأخرى في التعاطف مع الفلسطينيين.

قبل عامين، اتهم الجمهوريون شركة بايت دانس، المالكة الصينية لتطبيق تيك توك، بهندسة خوارزميتها للتلاعب بالرأي العام الأمريكي بشأن الحرب. اليوم، لا تصمد هذه التهمة؛ فبينما يكاد يكون المحتوى المؤيد للفلسطينيين والمؤيد لإسرائيل متساويًا من حيث عدد المشاهدات، فإن مقاطع الفيديو المؤيدة للفلسطينيين تميل للانتشار بشكل أكبر.

وفي سبتمبر/أيلول، وجد مركز أبحاث الأمن السيبراني من أجل الديمقراطية أنه مقابل كل منشور مؤيد لإسرائيل، كان هناك 17 منشورا يدعم الموقف الفلسطيني.

إن فقدان وسائل التواصل الاجتماعي كساحة لإسرائيل، على الرغم من محاولاتها العديدة لامتلاك أجزاء من هذه العقارات أو شراء المؤثرين، له عواقب مباشرة.

العدالة الدولية

ولم تتضرر سمعة إسرائيل بشكل أقل في المحاكم الدولية، على الرغم من الجهود الحثيثة التي كان موقع ميدل إيست آي أول من رسم خطوطها العريضة ــ على الرغم من أن آخرين يحذون حذوه ــ لتشويه سمعة كريم خان ، المدعي العام البريطاني في المحكمة الجنائية الدولية، وقضاة محكمة العدل الدولية ، التي لا تزال تنظر في قضية إبادة جماعية ضد إسرائيل.

إن هذه الحملة العلنية الرامية إلى إفساد مسار العدالة الدولية تقوض بشكل كامل ادعاء الغرب بدعم سيادة القانون الدولي.

لقد أُدين نتنياهو بارتكاب جرائم حرب في غزة بقدر ما أُدين به الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا، إن لم يكن أكثر. وقد أصبح من المستحيل تبرير محاولة حماية أحدهما من العدالة الدولية، بينما يُطلق العنان لمطاردة الآخر، على أي مسرح عالمي.

كل هذا يؤدي إلى مظاهرات قياسية في مختلف أنحاء أوروبا، وفي كل البلدان التي كانت إسرائيل تعتمد على حكوماتها في السابق: ألمانيا ، وإيطاليا، وإسبانيا، وفرنسا ، وبريطانيا.
هذا ينطبق على جميع المستوطنين الاستعماريين عبر التاريخ. لم يتنبأ أيٌّ منهم بنهايته.
على سبيل المثال، كتب المحلل معين رباني على موقع X (الذي كان يُعرف سابقًا باسم تويتر): "نشأتُ في هولندا. في شبابي، كانت بلا شك الدولة الأكثر تأييدًا لإسرائيل في أوروبا. كانت مؤيدة لإسرائيل لدرجة أن الزائرين الفلسطينيين كانوا يقولون إن التفاهم مع الإسرائيليين أسهل من الهولنديين بشأن الشرق الأوسط".

لكن خلال احتجاجٍ نُظِّمَ نهاية الأسبوع، أضاف رباني: "خرج ربع مليون مواطن هولندي، من جميع الخلفيات والأطياف والألوان، ليرسموا "خطًا أحمر" ضد الإبادة الجماعية في غزة. لم أتوقع قط أن أشهد مثل هذه المشاهد في حياتي، وأشعر بتواضعٍ كبير".

وتابع قائلاً: "لقد خسرت إسرائيل الشعب الهولندي بشكل لا رجعة فيه، وستجد الحكومات الهولندية المستقبلية صعوبة متزايدة في التمسك بالموقف نيابة عن نظام الفصل العنصري الإبادي".

يُشهد نفس الغضب في جميع أنحاء إسبانيا، حيث تظاهر مئات الآلاف في برشلونة ومدريد، وتعرض فريق الدراجات الإسرائيلي للتشويش مرارًا وتكرارًا خلال سباق طواف إسبانيا الأخير. أُبعد أكثر من 40 إسبانيًا ، بمن فيهم عمدة برشلونة السابق، من قوارب أسطول الصمود العالمي الـ 42 التي اعترضتها إسرائيل في وقت سابق من هذا الشهر.

ويحدث الأمر نفسه في إيطاليا، حيث نظمت النقابات إضرابًا لمدة 24 ساعة. ووفقًا لوزارة الداخلية الإيطالية، خرج ما يصل إلى 400 ألف متظاهر في 29 موقعًا، مع أن العدد الحقيقي قد يكون أعلى بكثير.

تم تجاوز العتبة

هل سيتلاشى هذا الدعم غير المسبوق للشعب الفلسطيني مع انتهاء حملة غزة؟ 

إجابتي على هذا السؤال هي لا قطعًا.

أولاً، بإطلاق سراح جميع الرهائن، أحياءً وأمواتاً، تكون حماس والفصائل المسلحة الأخرى في غزة قد تخلصت من عبء كبير. هذا العبء أثار جدلاً بين مؤيدي إسرائيل الليبراليين بأن حماس لا تقل سوءاً وذنباً عن نتنياهو في إدامة هذه الحرب.

لقد ساعد الاحتجاز المستمر للرهائن إسرائيل على إخفاء الحقيقة المتمثلة في أن نتنياهو عمل مرارا وتكرارا على تخريب المحاولات السابقة لتأمين إطلاق سراحهم من خلال المفاوضات، وأن العديد من الرهائن قُتلوا نتيجة للعمليات العسكرية الإسرائيلية.



إذا لم يمتد اتفاق وقف إطلاق النار إلى مرحلة ثانية أو ثالثة، وهو ما أعتقد أنه سيحدث، فسوف يختار نتنياهو طوعا نفس نوع الوضع في غزة الذي حصل عليه في جنوب لبنان وسوريا وإيران : الهدوء، مع انقطاع الغارات الجوية المتقطعة على أهداف مختارة.

لكن الهدوء في غزة لن يعني الهدوء في المسجد الأقصى ، حيث ادعى المتعصب إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي الإسرائيلي، النصر هذا الأسبوع بعد اقتحامين متتاليين للمستوطنين الإسرائيليين. ولن يبقى الهدوء في الضفة الغربية المحتلة، حيث سيستمر الضم الفعلي على شكل شرائح سلامي.

وفي ظل هذه الظروف، لن تستمر الاحتجاجات في أوروبا فحسب، بل ستكتسب قوة أكبر.

وليس من قبيل الخيال أن نحكم الآن بأن عتبة دعم الحقوق الفلسطينية في مختلف أنحاء العالم، وخاصة في العالم الغربي، قد تم تجاوزها ــ وأن هذه العملية لا رجعة فيها.

ترجيح الميزان


وهذا يقودنا إلى الفئة الأخيرة من التغيير، ولكنها أيضا الفئة الأكثر عناداً.

وكما كشف البحث الذي أجراه أندرو فينشتاين وجاك سينامون عن صندوق الثروة السيادية النرويجي ، فقد سحبت أوسلو استثماراتها من بعض الشركات الإسرائيلية، لكن صندوقها الذي تبلغ قيمته 2 تريليون دولار لا يزال مستثمرا بكثافة في شركات الأسلحة التي تزود الجيش الإسرائيلي.

إسرائيل جزءٌ لا يتجزأ من الصناعات السياسية والمالية وصناعات الأسلحة الغربية. وسيتطلب فكّ هذه الصلة، وعزل إسرائيل عزلةً حقيقية، عقودًا لا سنوات.

مع ذلك، يتزايد عدد الدول التي تدعم الدولة الفلسطينية أكثر من أي وقت مضى - ورغم أن هذا يُمثل استرضاءً ساخرًا للرأي العام، إلا أنه لا يزال يُمثل حركةً. 
على أقل تقدير، سيُتيح ذلك لحكوماتٍ مثل المملكة المتحدة فرصةً للتحدي. 
كيف يُمهد هذا الطريقَ نحو دولة فلسطينيةٍ في ظل غيابها؟
ولكن حتى على المستوى الأكثر تفصيلا في السياسة، فإن دعم إسرائيل ربما لم يعد يمثل الخطوة المهنية التي يتخذها السياسيون الشباب كما كان في السابق.

كما أشارت صحيفة نيويورك تايمز، حضر غالبية أعضاء مجلس النواب الديمقراطيين في ولايتهم الأولى زيارة أيباك السنوية إلى إسرائيل. قبل عامين، سافر 24 عضوًا ديمقراطيًا من مجلس النواب مع أيباك إلى إسرائيل. هذا العام، حضر 11 عضوًا فقط من أصل 33 عضوًا ديمقراطيًا في ولايتهم الأولى.

قبل عامين، كانت القضية الفلسطينية في حالة ركود. واليوم، بلغت ذروتها، لا سيما في أوساط الشتات الفلسطيني.

إن الثروة النسبية والمستويات العالية من التحصيل التعليمي والمهني للشتات الفلسطيني لا تُثير اللامبالاة. بل إن معاناة غزة الفادحة لم تُولّد سوى الشعور بالذنب، وتساؤلاً عن سبب تقصير الشتات في بذل المزيد من الجهد. لقد حفّز النضال الفلسطيني جيلاً بأكمله على النضال من أجل استكماله.

إذا كان ترامب يعتقد أن "عملية السلام" مثل تلك التي أعلن عنها في خطته لغزة سوف توقف هذه الموجة من الطاقة من أجل التحرير الفلسطيني، كما أوقفت اتفاقيات أوسلو التعاطف الناتج عن قمع إسرائيل للانتفاضة الأولى، فإنه ينتظره شيء آخر.

لقد أدت الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل في غزة إلى ترجيح كفة الرأي العام الغربي، ولم يعد بإمكان أي كمية من شاحنات الأغذية أو إعادة بناء غزة أن تعكس هذا الاتجاه الآن.

ستترتب على هذا عواقب كثيرة في السنوات القادمة. ولا يزال الإسرائيليون بعيدين كل البعد عن إدراك أهمية هذا التغيير في الرأي بالنسبة لهم.

لكن هذا ينطبق على جميع المستوطنين الاستعماريين عبر التاريخ. لم يتوقع أيٌّ منهم نهايته.

الخميس، 9 أكتوبر 2025

إن الغرب، وليس غزة، هو الذي يحتاج إلى إزالة التطرف.

إن الغرب، وليس غزة، هو الذي يحتاج إلى إزالة التطرف.
هذه الحرب الوحشية على الفلسطينيين لم تُطلق العنان
 لشياطين إسرائيل فحسب، بل كشفت أنظمتنا أيضًا، وهي
 تقمع النشاط الإنساني.

غالبًا ما تكون الذكرى السنوية سببًا للاحتفال. ولكن من كان ليتخيل في أكتوبر/تشرين الأول 2023 أننا سنحيي الآن الذكرى السنوية الثانية لإبادة جماعية ، موثقة بأدق التفاصيل على هواتفنا يوميًا لمدة 24 شهرًا؟ إبادة جماعية كان من الممكن إيقافها في أي لحظة، لو أن الولايات المتحدة وحلفائها اتخذوا القرار.

هذه ذكرى مُخزية لدرجة أن أحدًا في السلطة لا يريد تذكرها. بل إنهم يُشجعوننا بنشاط على نسيان الإبادة الجماعية التي تحدث، حتى في ذروتها. جرائم إسرائيل المُستمرة ضد شعب غزة لم تعد تُذكر في أخبارنا.

هناك درسٌ مُريعٌ هنا، ينطبقُ على إسرائيل ورعاتها الغربيين على حدٍّ سواء. لا تحدثُ الإبادةُ الجماعية - ويُسمَح بها - إلا عندما يُصيبُ مرضٌ عميقٌ النفوسَ الجماعيةَ للجناة.

على مدى السنوات الثمانين الماضية، كانت المجتمعات الغربية تسعى جاهدة إلى فهم جذور هذا المرض ــ أو على الأقل ظنت أنها فعلت ذلك ــ.

لقد تساءلوا كيف يمكن أن تحدث محرقة هولوكوست في وسطهم، في ألمانيا التي كانت تشكل مركز العالم الغربي الحديث "المتحضر" على ما يبدو.



لقد تخيّلوا - أو تظاهروا - أن شرورهم قد استُأصلت، وطُهّرت ذنوبهم، برعاية "دولة يهودية". تلك الدولة، التي أُقيمت بعنف عام ١٩٤٨ في أعقاب الحرب العالمية الثانية مباشرةً، كانت بمثابة محمية أوروبية على أنقاض وطن الشعب الفلسطيني .

تجدر الإشارة إلى أن الشرق الأوسط كان منطقةً يسعى الغرب جاهدًا للحفاظ على سيطرته عليها، رغم تزايد المطالب العربية بإنهاء أكثر من قرن من الاستعمار الغربي الوحشي. لماذا؟ لأن المنطقة برزت مؤخرًا كمصدرٍ للنفط في العالم.

مأساة ثم مهزلة

كان هدف إسرائيل الحقيقي - المُتجذّر في أيديولوجية الصهيونية، أو التفوق اليهودي في الشرق الأوسط - هو العمل كوكيل للاستعمار الغربي. كانت دولة تابعة مُقامة هناك لحفظ النظام نيابةً عن الغرب، بينما كان الغرب يتظاهر بالانسحاب من المنطقة.

لقد كانت هذه الصورة الكبيرة - التي يرفض الساسة ووسائل الإعلام الغربية الاعتراف بها - هي السياق للأحداث هناك منذ ذلك الحين، بما في ذلك نهاية الإبادة الجماعية التي تنفذها إسرائيل حالياً في غزة.


بعد مرور عامين، ما كان ينبغي أن يكون واضحًا منذ البداية أصبح من الصعب تجاهله: لا علاقة للإبادة الجماعية بهجوم حماس الذي لم يمضِ عليه سوى يوم واحد على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. لم تكن الإبادة الجماعية يومًا "دفاعًا عن النفس"، بل كانت مُقدّرة مسبقًا بدافع الضرورات الأيديولوجية للصهيونية.

كان هروب حماس من غزة - معسكر الاعتقال الذي سُحب إليه الفلسطينيون قبل عقود، بعد طردهم من وطنهم - بمثابة الذريعة. وقد أطلق بسهولة العنان لشياطين كامنة منذ زمن طويل في كيان إسرائيل السياسي.

والأمر الأكثر أهمية هو أنها أطلقت العنان لشياطين مماثلة ــ وإن كانت أكثر إخفاؤا ــ داخل الطبقة الحاكمة الغربية، فضلا عن أجزاء من مجتمعاتها التي أصبحت معتادة على الاعتقاد بأن مصالح الطبقة الحاكمة تتوافق مع مصالحها.

غزة، وليس حماس فقط، تواجه إنذارًا نهائيًا: "اقبلوا الصفقة وإلا سنضعكم في أحذية خرسانية ونغرقكم في البحر الأبيض المتوسط"
بعد مرور عامين على الإبادة الجماعية، لا يزال الغرب غارقاً في فقاعته التي خلقها لنفسه من الإنكار بشأن ما يحدث في غزة ودوره فيه.

"التاريخ يعيد نفسه"، كما يقول المثل، "أولاً على شكل مأساة، ثم على شكل مهزلة".

وينطبق الأمر نفسه على "عمليات السلام". فقبل ثلاثين عامًا، فرض الغرب على الفلسطينيين اتفاقيات أوسلو بوعد إقامة دولة في نهاية المطاف.

كانت أوسلو بمثابة المأساة. فقد أدت إلى شرخ أيديولوجي في الحركة الوطنية الفلسطينية؛ وإلى انقسام جغرافي متفاقم بين شعب مسجون في الضفة الغربية المحتلة وشعب مسجون بقسوة أكبر في غزة؛ وإلى استخدام إسرائيل المتزايد للتقنيات الحديثة لتقييد كلا المجموعتين من الفلسطينيين ومراقبتهم وقمعهم؛ وأخيرًا، إلى هروب حماس القصير من معسكر الاعتقال في غزة، و"رد" إسرائيل الإبادي.

الآن، تُقدّم "خطة السلام" التي وضعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والمكونة من عشرين نقطة، مهزلة: عصابات إجرامية متخفية تحت ستار "حل" للإبادة الجماعية في غزة. رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير - مجرم حرب دمّر العراق

، إلى جانب نظيره الأمريكي جورج دبليو بوش، قبل أكثر من عقدين - سيُصدر أوامره لشعب غزة نيابةً عن إسرائيل.

وثيقة الاستسلام

غزة، وليس حماس فقط، تواجه إنذاراً نهائياً: "اقبلوا الصفقة، وإلا سنضعكم في أحذية خرسانية ونغرقكم في البحر الأبيض المتوسط".

إن التهديد الذي يشكله هذا القرار يكاد يكون محجوباً عن احتمال أن ينتهي الأمر بسكان غزة إلى ارتداء أحذية خرسانية رغم شعور حماس بأنها مضطرة إلى التوقيع على وثيقة الاستسلام هذه.

سكان غزة في أمسّ الحاجة إلى استراحة من المذبحة لدرجة أنهم يقبلون بأي شيء تقريبًا. لكن من الوهم المحض أن نعتقد أن دولةً أمضت عامين في ارتكاب إبادة جماعية يمكن الوثوق بها إما لاحترام وقف إطلاق النار أو الوفاء بشروط خطة سلام، حتى لو كانت منحازة بشدة لصالحها.

إن مهزلة خطة ترامب للسلام - "صفقة الألفية" - واضحة من النقطة الأولى من نقاطها العشرين: "ستكون غزة منطقة خالية من التطرف والإرهاب ولا تشكل تهديدًا لجيرانها".

ولم يتساءل مؤلفو الوثيقة عما قد يكون "متطرفاً" في غزة أكثر من عواصم الغرب عندما خرجت حماس، التي صنفت كجماعة إرهابية في المملكة المتحدة ودول أخرى، من جيب السجن بعنف شديد في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

هل وُلِد أهل غزة متطرفين ببساطة، أم أن  الأحداث جعلتهم متطرفين؟ هل أصبحوا "متطرفين" عندما طهرتهم إسرائيل عرقيًا من أراضيهم الأصلية، فيما يُعرف الآن بـ "دولة إسرائيل اليهودية"، وألقتهم في زنزانة غزة الصغيرة؟

هل "تحوّلوا إلى متطرفين" نتيجة مراقبتهم وقمعهم في سجنٍ مفتوحٍ بائس، عقدًا تلو الآخر؟ أم كانت تجربة العيش لمدة 17 عامًا تحت حصارٍ بريٍّ وبحريّ وجويٍّ إسرائيليّ، حرمهم من حقّ السفر أو التجارة، وأجبر أطفالهم على نظامٍ غذائيٍّ تركهم يعانون من سوء التغذية ؟

ولكن ربما أصبحوا أكثر تطرفاً بسبب صمت رعاة إسرائيل الغربيين، الذين زودوا إسرائيل بالأسلحة واستغلوا المكافآت: أحدث تكنولوجيات الاحتجاز، التي اختبرتها إسرائيل ميدانياً على شعب غزة.

الحقيقة التي تجاهلتها افتتاحية "خطة ترامب للسلام" هي أنه من الطبيعي تمامًا أن يصبح المرء "متطرفًا" عندما يعيش في ظروف قاسية. وليس هناك مكان على وجه الأرض أكثر تطرفًا من غزة.

'الصراصير' و 'الثعابين'

ليست غزة هي التي تحتاج إلى "نزع التطرف"، بل الغرب ودولته التابعة إسرائيل.

لا حاجة لشرح قضية نزع التطرف عن إسرائيل. فقد أظهرت استطلاعات الرأي المتتالية أن الإسرائيليين لا يؤيدون فقط الإبادة التي تمارسها دولتهم في غزة؛ بل يعتقدون أن حكومتهم بحاجة إلى أن تكون أكثر عدوانية، بل وأكثر إبادة جماعية.

في شهر مايو/أيار الماضي، وبينما كان الأطفال الرضع الفلسطينيون يتحولون إلى قشور جافة بسبب الحصار الإسرائيلي على الغذاء والمساعدات، قال 64% من الإسرائيليين إنهم يعتقدون "أنه لا يوجد أبرياء" في غزة، المكان الذي يشكل الأطفال حوالي نصف سكانه البالغ عددهم مليوني نسمة.

كان الرقم ليكون أعلى لو اقتصر على آراء اليهود الإسرائيليين فقط. شمل الاستطلاع خُمس سكان إسرائيل من الفلسطينيين - الناجين من التهجير الجماعي عام ١٩٤٨ خلال تأسيس إسرائيل برعاية غربية. وقد تم تجاهل هذه الأقلية المضطهدة تمامًا طوال العامين الماضيين.

أظهر استطلاع رأي آخر أُجري في وقت سابق من هذا العام أن 82% من اليهود الإسرائيليين يؤيدون طرد الفلسطينيين من غزة. كما أيد أكثر من النصف، 56%، الطرد القسري للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل - مع أن هذه الأقلية ظلت مطأطأة الرأس طوال فترة الإبادة الجماعية، خوفًا من عواقب وخيمة إذا تكلمت.

وبالإضافة إلى ذلك، وافق 47% من اليهود الإسرائيليين على قتل جميع سكان غزة، حتى أطفالها.

إن الجرائم التي يشرف عليها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والذي يعتبره الغرباء في كثير من الأحيان نوعاً من الشذوذ، تمثل بالكامل المشاعر العامة الأوسع في إسرائيل.

إن حماسة الإبادة الجماعية في المجتمع الإسرائيلي سرٌّ مكشوف. يُغرق الجنود منصات التواصل الاجتماعي بفيديوهات تُشيد بجرائم حربهم. ويُصوّر مراهقون إسرائيليون فيديوهات مضحكة على تيك توك يُؤيدون فيها تجويع الأطفال في غزة. ويبثّ التلفزيون الرسمي الإسرائيلي جوقة أطفال تُنادي بإبادة غزة.
الأمر لا يتعلق فقط بشيطان مُطلق العنان بين الإسرائيليين، بل يتعلق بشيطان في روح الغرب.


إن مثل هذه الآراء ليست مجرد رد فعل على الأهوال التي وقعت داخل إسرائيل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. فكما أظهرت استطلاعات الرأي باستمرار، فإن العنصرية المتجذرة تجاه الفلسطينيين تعود إلى عقود من الزمن.


لم يكن وزير الدفاع السابق يوآف غالانت هو من بدأ موجة وصف فلسطينيي غزة بـ"الحيوانات البشرية". فقد دأب السياسيون والزعماء الدينيون على وصفهم بـ"الصراصير" و"الكلاب" و"الثعابين" و"الحمير" منذ قيام إسرائيل. إن هذه العملية الطويلة من نزع الصفة الإنسانية هي التي جعلت الإبادة الجماعية ممكنة.

رداً على الدعم الهائل في إسرائيل للإبادة في غزة، توصلت أورلي نوي، وهي صحفية وناشطة إسرائيلية مخضرمة، إلى استنتاج مؤلم الشهر الماضي على موقع +972 الإلكتروني: "إن ما نشهده هو المرحلة النهائية في تحول المجتمع الإسرائيلي إلى النازية".

وأشارت إلى أن هذه المشكلة نابعة من أيديولوجية تتجاوز حدود إسرائيل نفسها: "لقد أصبحت محرقة غزة ممكنة بفضل تبني منطق التفوق العرقي المتأصل في الصهيونية. لذلك، يجب القول بوضوح: لا يمكن تطهير الصهيونية، بجميع أشكالها، من وصمة هذه الجريمة. يجب وضع حد لها".

من يحتاج إلى إزالة التطرف؟

ومع استمرار تفاقم الإبادة الجماعية أسبوعا بعد أسبوع، وشهرا بعد شهر ــ مع انفصالها بشكل متزايد عن أي صلة بما حدث في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 ــ ومع استمرار الزعماء الغربيين في تبرير تقاعسهم، بدأ إدراك أعمق كثيرا يتجلى.

الأمر لا يتعلق فقط بشيطان مُطلق العنان بين الإسرائيليين، بل بشيطانٍ في روح الغرب. نحن - الكتلة القوية التي أسست إسرائيل، وسلحتها، وموّلتها، وتسامحت معها، وأعفتها - من يحتاج حقًا إلى استئصال جذور التطرف.

لقد خضعت ألمانيا لعملية "نزع النازية" بعد نهاية الحرب العالمية الثانية - وهي العملية التي بات واضحا الآن من خلال القمع المحموم الذي مارسته الدولة الألمانية ضد أي معارضة عامة للإبادة الجماعية في غزة، أنها لم تكتمل أبدا.

إن حملة نزع التطرف أعمق بكثير من تلك التي تعرضت لها ألمانيا النازية، مطلوبة الآن في الغرب ــ حملة لا يمكن أن نسمح فيها أبدا بتطبيع قتل عشرات الآلاف من الأطفال، الذين تم بثهم مباشرة على هواتفنا، مرة أخرى.

ان إزالة التطرف من شأنها أن تجعل من المستحيل تصور سفر مواطنينا إلى إسرائيل للمشاركة في الإبادة الجماعية في غزة، ثم الترحيب بهم مرة أخرى في بلدانهم الأصلية بأذرع مفتوحة.

إن إزالة التطرف تعني أن حكوماتنا لا تستطيع أن تفكر في التخلي بصمت عن مواطنيها - المواطنين الذين انضموا إلى أسطول المساعدات في محاولة لكسر الحصار التجويعي غير القانوني الذي تفرضه إسرائيل على غزة - لصالح بلطجية وزير الشرطة الفاشي الإسرائيلي.

إن إزالة التطرف من شأنها أن تجعل من غير المعقول أن يستضيف رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، أو غيره من الزعماء الغربيين، الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، الذي قدم في بداية المذبحة في غزة المبرر المركزي للإبادة الجماعية، بحجة أن لا أحد هناك - ولا حتى مليون طفل - كانوا أبرياء.

إن إزالة التطرف من شأنها أن تجعل من الواضح للحكومات الغربية أنها يجب أن تؤيد حكم المحكمة الدولية في العام الماضي ، وليس تجاهله: وهو أن إسرائيل يجب أن تجبر على إنهاء احتلالها غير الشرعي المستمر منذ عقود للأراضي الفلسطينية على الفور، وأنها يجب أن تنفذ اعتقال نتنياهو للاشتباه في ارتكابه جرائم ضد الإنسانية، كما حددتها المحكمة الجنائية الدولية .

إن إزالة التطرف من شأنها أن تجعل من السخيف أن تصف شبانة محمود، وزيرة الداخلية البريطانية، المظاهرات ضد الإبادة الجماعية المستمرة منذ عامين بأنها "غير بريطانية على الإطلاق" - أو أن تقترح إنهاء الحق الذي طال أمده في الاحتجاج ، ولكن فقط عندما يكون الظلم صارخا للغاية، والجريمة غير مقبولة إلى الحد الذي يدفع الناس إلى الاحتجاج مرارا وتكرارا.

الوقوف معًا

تُبرر محمود هذا التآكل المُدمر لحق الاحتجاج بحجة أن الاحتجاجات المنتظمة لها "أثر تراكمي". 
وهي مُحقة. فهي تُحدث ذلك بالفعل: إذ تكشف زيف ادعاء حكومتنا بالدفاع عن حقوق الإنسان، وأنها تُمثل أي شيء يتجاوز مجرد سياسات القوة العارية.

إن إزالة التطرف أمر طال انتظاره - وليس فقط لوقف جرائم الغرب ضد شعب غزة ومنطقة الشرق الأوسط على نطاق أوسع.

بينما يُطبّق قادتنا جرائمهم في الخارج، يُطبّقون الجرائم ذات الصلة في الداخل. أولى علامات ذلك هي وصف معارضة الإبادة الجماعية بـ"الكراهية"، والجهود العملية لوقفها بـ"الإرهاب".

وسوف تتزايد الحملة المكثفة لتشويه صورة الآخرين، كما ستزداد حملة القمع ضد الحقوق الأساسية التي طال انتظارها.

أعلنت إسرائيل الحرب على الشعب الفلسطيني. وقادتنا يعلنون الحرب علينا تدريجيًا، سواءً كانوا متظاهرين ضد إبادة غزة، أو معارضين لإبادة العالم التي يرتكبها الغرب الاستهلاكي.

نحن نتعرض للعزل والتشهير والتهديد. الآن هو الوقت المناسب للوقوف معًا قبل فوات الأوان. الآن هو الوقت