‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات أمير سعيد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات أمير سعيد. إظهار كافة الرسائل

السبت، 12 أبريل 2025

ازدواجية ليبرالية: فضائح ملا وقس وحاخام.. وزلة شيخ

 ازدواجية ليبرالية: 

فضائح ملا وقس وحاخام.. وزلة شيخ

أمير سعيد


لقد ضرب لنا الليبراليون العرب أوضح الأمثلة في الستر على فضائح الآخرين، ودللوا بجلاء عن إيمانهم بوجوب هذه الفضيلة العظيمة فيما يتعلق بالطوائف وأصحاب الديانات الأخرى، إلى حد لم يعد يوجد في أمتنا من يباريهم في ذلك؛ فقصب السبق لهم وهم أصحاب المثال العصري الرائد في ذلك، وإذا كان المخطئ من غير سوادنا الأعظم، أو كان على ملة تخالفنا فله الأعذار مجتمعة، ولا بأس من صرف الشواهد على الظنيات ووهب الأخطاء لفيض الإحسان!

لك (الستر) إن لم تكن سنياً؛ فإن كنتَ فسنجهل فوق جهل الجاهلينا، ولو كان خطؤك زلة فتوى أو خطأ تعبير أو عبارة محتملة أو هفوة أو ذنب عابر.. هذا ما يبرهن عليه تعاطي صحافتنا العربية ومواقعنا الإلكترونية وإعلامنا المرئي مع كل صغيرة تصدر من عالم مسلم وأخرى كبيرة تصدر من حاخام أو قس أو حتى (آية) من آيات الفرس التي كان لنا فيها عبرة.

الداعية الشيعي الفار إلى حضن بريطانيا الدافئ لم يتناوله الإعلام الخائن عندنا على أنه مهرطق مسيء للدين الإسلامي ومقدساته إلا لماماً، ولم تلاحقه صحافتنا العربية كما لاحقت صاحب الرسوم المسيئة، مع تشابههما في الجرم والخطيئة إلا قليلاً، وتجاهلت معظم القنوات المتلفزة تتبع أسباب هذه الإساءة وجذورها، والمعلن منها والمستور، والليبراليون الذين يهرعون إلى أبواقهم عندما يزل عالم أو شيخ في فتوى، أو في غالب الأحيان عندما يقلبون كلامه فيفهمون منه ما تريد قلوبهم المريضة، ويتلاطمون على رفض حكم الدين وتسلط رجال الدين، عميت أعينهم عن قراءة فتوى أصدرها (خامنئي) في يونيو، ربط فيها منصب ولاية الفقيه في إيران بحكم الرسول وبصلاحيات أئمة الشيعة، وضرورة التسليم لأوامره ونواهيه، وتأكيدات (أحمد جنتي) سكرتير مجلس صيانة الدستور الإيراني أن: "الله حول إليه مهمة الحفاظ على الثورة الإيرانية وديمومتها"! والذي ادعى في الشهر ذاته أنه يقابل (الإمام الغائب) في خلوة! لكنهم اليوم يطبلون له بسبب فتوى (زوجة النبي صلى الله عليه وسلم) -على حد وصفه- ويزمرون بلا فهم أو تفكير أو مسحة عقل،

والذين صدعوا رؤوسنا بمحاربة ما يشتم منه على بعد آلاف الكيلومترات رائحة التكفير من علمائنا السنة، زكمت أنوفهم فلم تشم رائحة ما قاله (محمد تقي مصباح يزدي) -الأب الروحي للرئيس الإيراني نجاد، وهو بدرجة (آية الله) الحوزوية- صراحة في يونيو الماضي عن أن: "من ينكر ولاية الفقيه متعمدا فهو مرتد"، بعد أن ارتمى مقبلاً حذاء مرشد الثورة علي خامنئي ـ بحسب مواقع إيرانية ـ ولم ينبسوا ببنت شفة عن هذا المعتقد الإقصائي التكفيري وأتباعه في عالمنا العربي والإسلامي، وهو لم يتورط في تكفير آحاد من ملاك فضائيات إباحية، بل شطب بممحاته التكفيرية أكثر من مليار ونصف المليار مسلم من ديانة الإسلام لا يؤمنون بخرافة (ولاية الفقيه) بل كل المسلمين على مر العصور، لا بل حتى السواد الأعظم من الشيعة قبل قرون ثلاثة لم يكن فيها الشيعة يعرفون إلا ولاية الإمام وليس ولاية الفقيه..

وعلى ذكر الإباحية وفضائياتها، هل حفلت وسائل إعلامنا التي أقامت مناحة على روح ميكي ماوس، وفاضت بكل قبيح على علماء السنة بأي حديث أو مقال أو تلميح أو تصريح عن فضيحة أكبر وكلاء السيستاني والمعتمد الرئيسي للمرجعية، ومسؤول هيئة الحج والعمرة في محافظة ميسان العراقية (مناف الناجي) الذي تحول من ممثل المرجعية إلى ممثل إباحي، وأثارت مقاطعه المرئية موجات عنيفة بين الشيعة أنفسهم في محافظته -لم تغطها تلك الوسائل وإنما اكتفت بتغطية الوكيل نفسه- تسبب بعضها في مقتل نساء كن ضحاياه وهدفاً لانتقام أهلهن بعد ذلك، قتلاً دفاعاً عن الشرف.

وهؤلاء الذين طاروا بمعلومات غير دقيقة عن أجور الدعاة التي نشرتها فوربس العربية المشبوهة، والتي أغلقت مجلتها فيما بعد، وأظهر ليبراليونا لوعتهم على أموال المسلمين الضائعة الذاهبة إلى جيوب الدعاة -وهي أجور في أبسط الأحوال وليست اختلاسات أو سرقات- مروا على خبر اتهام إمام المركز الإسلامي في مدينة ديربورن بولاية ميتشيغان (حسن القزويني) في يوليو الماضي بالاستيلاء على مبلغ من المال يقدر بـ(350 ألف دولار) جُمع عن طريق تبرعات أبناء الجالية العربية وتم تحويلها إلى مؤسسة والد القزويني في ولاية كاليفورنيا، وتجاهلوا عن عمد أخبار التدفقات المالية الذاهبة إلى بريطانيا لشراء قصور وفلل ومساكن فخمة لـ(آيات) وزوجاتهم وأبناء، لا سيما أولئك الذي يخادعون بسطاء طائفتهم بزهدهم المصطنع في العراق وإيران.

والذين قعدوا بكل صراط يوعدون ويصدون عن سبل الخير، يجهدون لتصيد أي هفوة أو ذنب عابر لشيخ سني أو عالم أو داعية، ولا يجدون غالباً فيعمدون إلى التأليف والاختلاق، أخطأت قعداتهم رؤية بابا الفاتيكان محاصرًا في لندن خلال زيارته لها بفضائح القساوسة الجنسية التي أضحت تلاحقه أينما ذهب كقرين لا يفارقه في كل مكان، كونها باتت ملفاً زاخراً لا تنقضي مفاجآته وأحداثه في بلدان أوروبا والأمريكتين، وسلوك لصيق بقطاع عريض من الكهنة لا مجرد حادثة ولا حتى ظاهرة هنا أو هناك.

وهم مرت عليهم منذ عام كامل أنباء أكبر فضيحة فساد وغسيل أموال قذرة في الولايات المتحدة، أبطالها خمسة حاخامات يهود من إسرائيل، وسوريا، إضافة إلى عشرات المعاونين في نيويورك ونيوجيرسي، لتبييض أموال تجارة أعضاء بشرية، واختلاسات وسرقات بعشرات الملايين من الدولارات، ولم نسمع لهم ركزًا طوال تلك الفترة كلها، كما لم نسمع لهم في الشهر نفسه عن ابتزاز الحاخام (يسرائيل رند) الذي أرسل إحدى الداعرات لأمين الكنيس الكبير بالقدس الحاخام (نفتالي هيرشطيك) من أجل تسجيل موقف عليه في مسعى للإطاحة به من موقعه بالكنيس والحلول محله، وأرسل من ثم صوره المشينة للكنيس الذي اضطر إلى عزله..

وإذا كانت تلك الفضائح سقطت في صحافتنا وإعلامنا بالتقادم؛ فكيف فاتهم أيضاً فضيحة الداعية اليهودي الذي ذكرت معاريف قصته هذا الأسبوع واصفة إياه بـ: "الأبشع في تاريخ جرائم الاغتصاب"، وأوضحت أن التحقيق يجري معه بعد أن اغتصب جميع أولاده (بنين وبنات) الأربعة العشر على مدى عدة سنوات، ومزق جلد أحد أولاده ومنع أطفاله من الأكل وكسر أسنان بعضهم!

والأحدث هو ما نقلته يديعوت أحرونوت أوائل أكتوبر عن مقال أكاديمي كتبه الحاخام (آري شفات) الخبير فيما يقال إنه: "الشريعة اليهودية" ينص فيه على: "أن الشريعة اليهودية تسمح للنساء اليهوديات بممارسة الجنس مع العدو من أجل الحصول على معلومات استخباراتية مهمة لأمن إسرائيل"، ويقدم نصائحه لأتباعه بالقول: "من الأفضل إعطاء هذه المهمات لنساء فاسقات"، وكلها معطيات يمررها القوم عندنا دون ضجيج انتظارًا لسمعة شيخ ضعيف ينهشونها، وموقف يتخذه يسلقونه عليه بألسنة حداد.

هذا.. فإن صدرت فتوى شاذة هنا أو لم ترُق لبعضهم، أو اتخذ شيخ أو عالم سنة موقف لا يرضيهم، أقاموا اللطميات وعقدوا المؤتمرات وحذروا وأهابوا وطالبوا.. ثم حرضوا على تكميم الأفواه الصادقة إلا أفواههم، وأبدوا -في لوعة مصطنعة بغيضة- حدبهم على الدين وشكله وسماحته، فسحقاً لناصية ليبرالية كاذبة خاطئة، لا ترى عيناها إلا القذة في عيون خصومها، وتتعامى عن الخشبة في عيون الحلفاء!

السبت، 24 فبراير 2024

الشخصية اليهـودية في مرآة التاريخ والحاضر

 الشخصية اليهـودية في مرآة التاريخ والحاضر

 . أمير سعيد

 

إن أولئك الذين تعاملوا هكذا مع الأنبياء، ما بين قتل وتعذيب وعناد واستكبار وجدل وخبث وتآمر وتحريف وتزوير والتفاف، هم هم الذين رفضوا الإذعان لأيّ قرار دولي، أو أيّ اتفاق مكتوب، أو أيّ عهد أقسموا على تنفيذه جهد أيمانهم في احتفالات «السلام» السرابية


كتاب الله -عز وجل- زاخر بقصص الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-، وتجاربهم مع أقوامهم؛ تثبيتًا لأفئدة المؤمنين، وتربيةً، وتذكيرًا، وتعليمًا عبر نماذج متكررة عبر القرون، واجهها الأنبياء -عليهم السلام-، وسيواجهها المسلمون بأقوالها وأفعالها ومؤامراتها التي تُشبه إلى حد بعيد مشاهدها السابقة.

بيد أن مَن يقرأ آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن اليهود، يلحظ ملمحًا عجيبًا، عن تواصل واضح بين الماضي والحاضر عند بني إسرائيل في زمن موسى -عليه السلام-، ثم اليهود في زمن النبي #؛ فمن يتدبر القرآن لا يكاد يفلت هذا الاتصال الزمني، والانتقال السلس بين ماضي موسى، وحاضر النبي محمد -عليهما الصلاة والسلام-، بل قد يفاجئه حديث القرآن عن يهود المدينة، وقوم موسى، كحالة واحدة!

وأنتم تنظرون!

فتقرأ: {وَإذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ} [البقرة: 63]، وتقرأ: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُم} [البقرة: 64]، وتقرأ: {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ} [البقرة: 91]، وتقرأ {وَإذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} [البقرة: 50]، فكأن الخطاب واحد للأسلاف والأخلاف، وكأن السلوك سيكون واحدًا من التنكر والتمرد واللجاج والعناد والاستعلاء، وكأنهم سيظلون من بعد النبي # على هذا المنوال.. وقد كانوا! بينما يتحدث القرآن عن قرى ظَلمت وأُهلكت، تشابهت أحيانًا لكنّها لم تكد تُخاطب كقوم واحد على هذا النحو السائد عن اليهود ككتلة متسلسلة في طبائعها ومسالكها!

إنه السلوك النَّكِد منذ أن أرهقوا نبي الله موسى -عليه السلام-، إلى أن تنخرط بقيتهم في زمرة أتباع الدجال في آخر الزمان {يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُّبِينًا} [النساء: 153] .

إنها عقيدة مستقرة، وسلوك مستمر، وفطرة منتكسة، وجِبلّة قديمة، غارقون أبدًا في المادة والمحسوسات، لا تلين قلوبهم التي قُدَّت من حجارة، ولا تخشع لآيات الله، ولو التمستها لطلبتها كتابًا منزلًا مرئيًّا محسوسًا، تمامًا مثلما لا يعبدون غير المال في معاملاتهم ودنياهم! 

يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله- في تفسير تلك الآية: «لما ذكر اعتراضهم الفاسد أخبر أنه ليس بغريب من أمرهم، بل سبق لهم من المقدمات القبيحة ما هو أعظم مما سلكوه مع الرسول الذي يزعمون أنهم آمنوا به؛ من سؤالهم له رؤية الله عيانًا، واتخاذهم العجل إلهًا يعبدونه، من بعد ما رأوا من الآيات بأبصارهم ما لم يره غيرهم.

ومن امتناعهم عن قبول أحكام كتابهم وهو التوراة، حتى رُفِعَ جبل الطور من فوق رءوسهم، وهُدِّدوا أنهم إن لم يؤمنوا أُسْقِطَ عليهم، فقبلوا ذلك على وجه الإغماض والإيمان الشبيه بالإيمان الضروري.

ومن امتناعهم عن دخول أبواب القرية التي أُمروا بدخولها سُجَّدًا مستغفرين، فخالفوا القول والفعل.

ومن اعتداء من اعتدى منهم في السبت فعَاقبهم الله تلك العقوبة الشنيعة.

وبأخذ الميثاق الغليظ عليهم فنبذوه وراء ظهورهم، وكفروا بآيات الله وقتلوا رسله بغير حق.

ومن قولهم: إنهم قتلوا المسيح عيسى ابن مريم وصلبوه، والحال أنهم ما قتلوه وما صلبوه، بل شُبِّه لهم غيره، فقتلوا غيره وصلبوه. وادعائهم أن قلوبهم غُلف لا تفقه ما تقول لهم ولا تفهمه، وبصدّهم الناس عن سبيل الله، فصدّوهم عن الحق، ودَعَوهم إلى ما هم عليه من الضلال والغي.

وبأخذهم السحت والربا مع نهي الله لهم عنه والتشديد فيه. فالذين فعلوا هذه الأفاعيل لا يُستنكر عليهم أن يسألوا الرسول محمدًا أن يُنزِّل عليهم كتابًا من السماء»[1].

إنه عناد حتى اللحظة الأخيرة، وعند انهيار قوتهم على مناهضة الحق، تمامًا مثلما يفعلون اليوم في عالم السياسة!

إن أولئك الذين تعاملوا هكذا مع الأنبياء، ما بين قتل وتعذيب وعناد واستكبار وجدل وخبث وتآمر وتحريف وتزوير والتفاف، هم هم الذين رفضوا الإذعان لأيّ قرار دولي، أو أيّ اتفاق مكتوب، أو أيّ عهد أقسموا على تنفيذه جهد أيمانهم في احتفالات «السلام» السرابية، {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ} [المائدة: 13]، وهم الذين جعلوا حدود دولتهم مائعة كميوعة عهودهم ومواثيقهم الغادرة! وهم من أنكروا كل شِرْعة، حتى تلك التي قفزت بهم إلى قلب العالم الإسلامي؛ فطالت اغتيالاتهم أول مَن طالت، البريطانيين أنفسهم في فندق الملك داود في فلسطين، وهم الحبل البشري الذي تعلّقوا به لإنشاء كيانهم الغاصب! تفضحهم الآيات؛ فإذا هم قوم بُهْت وأهل غدر وكفر وافتراء.. وهم أولئك المتشبثون بالحياة، أيّ حياة ولو كانت ذليلة، وهم المفتخرون دومًا بأنهم «شعب الله المختار»! {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} [البقرة: 96].

صفات «أصيلة»:

لا جرم أن ما نشهده الآن، مما قد يصعب علينا تفسيره في سلوك اليهود، نجده بيِّنًا جليًّا لا تخطئه التفاسير، ولا تعوزه الشروح، في كتاب الله -عز وجل-، ثم في شدة ما لاقاه النبي # من عَنَت اليهود في المدينة ومؤامراتهم ودسائسهم، بل ومحاولتهم اغتياله في أكثر الأوقات سِلْمًا معهم؛ حين جاءهم يستعينهم في دية قتيلين من بني عامر؛ وفقًا للاتفاق بين المسلمين واليهود في المدينة، فقالت اليهود: «نعم يا أبا القاسم! نُعينك على ما أحببتَ»، ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: «إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه -ورسول الله # إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد-، فَمَنْ رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه؟»؛ فأخبره الوحي بخبرهم، فقفل راجعًا، وعاد إليهم بجيش أجلاهم[2].

إن مَن يتأمل مثل هذا المشهد الذي يضم خير البشر #، بكل ما تحمله شخصيته من وفاء بعهود، ودماثة خُلق، وقوة حضور، وتمثُّل لقرآن كريم، واتصال بوحي السماء، وطرف آخر في المدينة يحمل كل الصفات الخبيثة، التي تجرّده من وفاء بعهد، أو وفاء لمعروف، أو التزام بجِيرَة داخل مجتمع المدينة، بما يفرضه ذلك من أدبيات الوطن الواحد، لا يفاجئه سلوك يهود اليوم، من انفلات من كل قانون دولي، أو اتفاق مكتوب، أو ضمانات وسطاء، أو التزامات سياسية، إلى غير ذلك.

ومن يتأمل مشهد نبي الله موسى -عليه السلام-، وهو ينقذ بني إسرائيل من بطش فرعون، ويفرق لهم -بأمر الله- البحر، فيستحيل جبلين من ماء أمامهم، ثم هم يمرون بوثنيِّين، فيطالبونه بتعبيدهم لوَثَن يرونه محسوسًا أمامهم، أو ينبهرون بعِجْل السامري الذهبي؛ لا يتعجّب من وَلعهم بالماديات المحسوسة، وعبادتهم للذهب أكانت في شكل عِجْل أم تجسَّدت في شكل بنوك وشركات عملاقة.

ومن يتأمل نفرتهم من النبي #، وصحبه الكرام -رضوان الله تعالى عليهم-، كحَمَلة دين تقوده إليه توراتهم، وحسدهم أن يُؤتَى العرب من قريش وغيرهم هذا الكتاب من دونهم، وإخفاقهم في تحقيق أي صيغة «تعايش» داخل المدينة المنورة، أو في ضواحيها، أو حتى على بُعْد مائتي كيلو متر منها، كيهود بني قينقاع، أو بني النضير وبني قريظة، أو خيبر، وتأليبهم كل عدو، ودسّ كل دسيسة، وتنفيذ كل مؤامرة، لا يعجب من سلوكهم اليوم، وإخفاقهم في صيغ «التعايش» هذه مع جيران فلسطين المحتلة؛ فتارةً يدمّرون لمن سالموهم جهرًا، زراعةً، وتارة يجلبون لهم المخدرات، وتارة يُضعفون قدراتهم... إلى غير ذلك.

إنها صفات أصيلة، لم تتبدل، ولم تتغير، لآلاف السنين، متصلة من لدن موسى -عليه السلام-، وحتى قيام الساعة، مرورًا بحياة النبي #؛ حيث أبرز القرآن والسنة، هذه الجِبِلّة التي التصقت بهم على مر السنين، كحالة متصلة على نحو ظاهر بجلاء في كتاب الله، وسُنّة النبي #، ما يشي بأن هذه الجِبِلّة لا تتغير أبدًا مهما تغير المناخ حولها؛ فيهود التيه والشتات، هم هم يهود السلطة العالمية بعنفوانها الظاهر، سياسة واقتصادًا وإعلامًا...

سمات الشخصية اليهودية

إن كثيرًا من المسلمين، بل مِن الناس جميعًا، قد يظنون أن التطورات الهائلة في شكل العالم اليوم، وتداخلاته الاقتصادية، وذوبان اليهود في العالم في عالم الاقتصاد والمال والشهرة، قد حَدَت بهم بعيدًا عن سلوكيات الماضي وأخلاقه؛ فظنوا أن يهود الجيتوهات الأوروبية والعربية، والحياة المذلة في ظل الإمبراطوريات الأوروبية، قد فرضت أنماط حياة مختلفة عما يعايشه اليهود اليوم في حالة «العلو الكبير» التي يقودون فيها اقتصادات وسياسات، وينتقلون فيها من حالة سادت أوروبا على مدى القرنين قبل الماضيين من ذيوع حالة ما يُسمى بـ«معاداة السامية»، ووجود تيارات «مسيحية» أوروبية تنادي بفرض مزيد من الإذلال على اليهود، إلى الحالة التي يعاني منها العالم اليوم من تسليط سوط «معاداة السامية»، كجريمة كبرى ينأى عنها كل حكم في العالم، بل ويزيد الطين بلة، بمساواة بعض الدول الأوروبية، والولايات المتحدة كذلك، بين «معاداة السامية»، و«معاداة الصهيونية»[3]، ويتوقعون من اليهود سلوكًا غير الذي يجدونه -إن قرأوه- في كتاب الله!

هؤلاء في الحقيقة، لم يفهموا أن جمود هذه الصفات، وتناقض أحوالها كلها، إنما هو نابع من الأصل، من التوراة المحرَّفة ذاتها، ومن التلمود أيضًا، وهو كذلك عقاب من المولى -عز وجل- لهم أن مسخهم على تلك الجِبِلَّة البغيضة. ومن يقرأ يجد تناقضًا هائلًا في الشخصية اليهودية تجمع بين صفات ونقيضها.

ودعونا نضرب مثالًا في عدوان «إسرائيل» على غزة..

لقد حار البعض، حين انتظر من اليهود أن ينسحبوا سريعًا في معركتهم الأخيرة، من دون أن يضطروا إلى دفع هذا الثمن الباهظ من القتلى والجرحى اليهود، استنادًا إلى تأويل استباقي يصم اليهود بالجبن الدائم والفرار السريع.

وحاروا حين لاحظوا تشنجًا شديدًا، حادَ بساستهم عن جادة الدبلوماسية والرصانة السياسة؛ فغاصوا كثيرًا في أوحال التعصب والتورط القانوني؛ إذ وُضعوا في خانة المتهمين في محاكم دولية لم تكن لتُسمن أو تغني من جوع المحاصرين، واتخذوا لغة عقدية متعالية، ومنفلتة، ومضطربة.

وحاروا حيث لاحظوا الاستعلاء بكل صلف على العالم كله، وفي ذات الوقت، استجداءه للنظر إليهم بشفقة، وبعين الرحمة، كضحايا، وهم يدمرون 85% من مباني قطاع كامل يضم مليوني ونصف المليون إنسان، يمكن أن يمثل دولة كاملة في عرف «المجتمع الدولي» لو أراد. وهم يقتلون الأطفال بكل بشاعة وخسَّة، ويستهدفون المدنيين الأبرياء، والنازحين رافعي الرايات البيضاء!

إن هؤلاء يحملون إرثًا يجمع ما بين الخيرية السابقة، الذي جعلهم يَفترضون أنهم «شعب الله المختار»، ويفترضون أيضًا أنهم خاضعون لعقاب إلهي فرض عليهم التيه والشتات في الأرض، فتتحقّق فيهم صفات الكِبْر والاستعلاء، مع المذلة والمسكنة!، يقول مالك بن نبي: «نفسية اليهود المعقدة تفاجئ التحليل السطحي الذي يقف عاجزًا عن التوفيق بين معطيين متعارضين في نفسيته؛ تكبُّر بغير حدود، وقدرة لا تحتمل على ابتلاع الإهانة والإذلال».[4]

تحمل الشخصية اليهودية تناقضات عدة، أفرزتها عقيدتهم المتناقضة، الجامعة ما بين الكِبْر والمذلة، الخيرية المظنونة ورثًا، والاستمساك بحبل من الناس تزلفًا وتوسلًا وتسللًا للوصول إلى القمة عبر حبال الناس لا من ذاتية نُبْل الدم الأصيل! هي تلك التي تقدس مقام النبوة ثم تهاجمه، وتحاول قتل الأنبياء؛ لأن طريقهم لم يمر عبر اليهودية، أو لم يذعن لدسائسها!  يستفتحون على الذين كفروا، فإذا جاء النبي وسط البيئة العربية حاربوه مثلما حاربوا المسيح -عليه السلام-، وحرَّضوا على قتله؛ لأنه أيضًا جاء من طريق لا يرغبون به.

ثم هي الشخصية التي انحازت في الشرق في «جيتوهات» منغلقة، لم تكد تنظر للعالم من خلالها إلا من ثقب الاستنزاف لمصلحة هذا الجيتو الذي ما تلبث أن تخرج منه إلا لتعود إليه.. وهي في الغرب منفتحة كثيرًا، بل قائدة، لكن من وراء حجاب! قادت الحركة المالية العالمية من وراء حجاب، وفجَّرت حروبًا عبر وزرائها البريطانيين والأمريكيين والفرنسيين وغيرهم، من دون أن تُدْمَغ بخاتمها أو تُمْهَر باسمها!

حسدها المتأصل في كينونتها الداخلية حدا بها قبل 3000 آلاف سنة إلى أن تحرّض روما على تدمير مملكة قرطاجة، وليس هزيمتها فقط على النحو الذي فعلته روما مع أثينا؛ لأنها وضعت يهود روما في مقابل تجار قرطاجة، «وتكررت هذه الظاهرة مرة أخرى في التاريخ الحديث ما بين أعوام الحرب العالمية الثانية 39-44، حينما هبَّت سائر جموع أوروبا صارخة «اهدموا ألمانيا»، وهم يظنون أنهم يعبّرون عن المشاعر الوطنية وحتى الأوامر الدينية، وقد اندفعوا بإيحاء من اليهود ضد الهتلرية التي هي في الحقيقة أضحت خطرًا على نفوذهم في العالم»[5]، وهي ذاتها التي دفعتهم لتحريض روما على محاولة قتل المسيح -عليه السلام-[6]، وهي التي دفعتهم إلى محاولة قتل النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، الذي بدا لهم أنه مُؤسِّس سوق المدينة المُنافِس الأبرز لسوق بني قينقاع، علاوةً على أسباب يدركونها جيدًا ستحول لاحقًا بينهم والتفرد بـ«الخيرية المطلقة» والنفوذ الاقتصادي الهائل. ومِن ثَم، سيعملون على تدمير مفاصل حَمَلة هذا الدين «المنافس»، وليس المُتمِّم لما جاء به موسى -عليه السلام-، بزعمهم! وستدفعهم لاحقًا لتدمير كل مَن يقف في طريقهم، وغزة شاهد مرئي على ذلك.

إن الشخصية اليهودية مبدعة في مجال الأفكار التي قادت العالم كله عبر نظريات جديدة في الاقتصاد والسياسة، لكنها لم تُبدع لتبني، بل لتهدم نُظمًا لتؤسِّس مملكتها الخاصة، وتهيمن اقتصاديًّا لا للنفع، وإنما للامتصاص والاستنزاف، والإمساك بلجام الشعوب ودولها، وهي في هذا تمضى منفلتة من كل عقال.. حتى دينها ذاته، ابتدعت فيه عقيدة مشينة جدًّا، اسمها «تصحيح أخطاء الرب»، تعالى الله عما يقول اليهود علوًّا كبيرًا.

وهي مبدعة في عالم المال، لكنَّه إبداع الاستعباد؛ فقد عادت يهود لتنتقم من العالم كله على سنوات الاستعباد والإذلال، فاستمسكت بحبل من الناس لِلَفِّه حول أعناقهم! إن نظرة اليهود كانت على الدوام للعالم كله، نظرة عداء وكراهية؛ فهي لم تخرج من الجيتوهات لتندمج أو لتحقّق «المواطنة» في دول العالم، بل لتستنزفها وتنتقم منها، حتى صار العالم، بقيادة اليهود الحقيقية له، بائسًا محطمًا، فعلوّ اليهود الاقتصادي العالمي هذا اقترن بواحدة من أكثر معادلات الاقتصاد العالمي غرابة.. لقد صيَّرته اليهود كله مدينًا بتريليونات الدولارات، لمن؟ لا أحد يجيب!

ونحن نستطيع أن نرى الشخصية اليهودية، كشخصية مغلولة في كل شيء، فهي تعبد المال، وتلوي عنق التوراة لتفتح للعالم «المسيحي» ثغرة للتعامل بالربا المحرم، فتركّز المال بيدها المغلولة، وهي شحيحة عن أيّ خير يتعلق بالبشرية، فتحيك المؤامرات، وتهدم دولًا، وتبني أخرى، وتطلق نظريات لتحقيق تفوقها، والإمساك بلجام الدول والشعوب، (باطنية، شيوعية، رأسمالية، أصولية لوثرية.. إلخ)، وهي مغلولة عن بسط الخير في العالم، ميَّالة لنشر العنف والفوضى والقتل والدمار؛ {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْـحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} [المائدة: 64]. 

ويشير مالك بن نبي إلى «يهودي وُلِدَ في جيتو مغربي، وأصبح عبر تغيير مزدوج للاسم والجنسية يدعى فدوف كوبر الشهير، وزير الحرب في الحكومة البريطانية، هو الذي أعلن الحرب على ألمانية الهتلرية عام 1939م»[7]!

الشخصية اليهودية ميّالة للإفساد، لا سيما بين الشعوب الأخرى، قصد إخضاعها والتحكم بها، يقول ابن كثير في تفسير تلك الآية: «من سجيتهم أنهم دائمًا يسعون إلى الإفساد في الأرض»[8]. وهذا الميل إلى التحريض على الأمم الأخرى، لا سيما تلك التي يَعتبرها اليهود عائقًا كبيرًا في سبيل هيمنتهم على العالم، ولا أهم من أمة الإسلام لتنصبّ عليها مكائد اليهود، فنجد كلّ مصيبة تحلّ بالمسلمين تقريبًا خلفها تحريض يهودي، ونحن نجد ذلك في سلوك بنيامين دزرائيلي رئيس وزراء بريطانيا اليهودي الأصل الذي مهَّد لقيام «إسرائيل»، وصاحب رواية «الصليبية الجديدة»، والذي أسَّس من خلالها للحلف بين اليهود الراغبين في العودة إلى فلسطين وبين بريطانيا «الاستعمارية» الراغبة في بسط سيطرتها على تلك المنطقة المهمة من العالم، ونجدها الآن في الحلف الجديد الذي نسجته اليهود مع حزب بهاراتيا جاناتا الهندي الحاكم، الأشد تطرفًا وإرهابًا وتنكيلًا بالمسلمين، وكذا في علاقة النظام الحاكم في ميانمار بـ«إسرائيل» المُحرِّضة له دومًا على تهجير الروهينجيا المسلمين، المزوِّدة له بأحدث أسلحة القمع الشرطية، نجدها في التحريض ووضع البرامج للتنكيل بالدعاة المسلمين في كثير من بلدان العالم الإسلامي؛ بغية كبح جماح الصعود الإسلامي، الذي يمثل خطرًا وجوديًّا على «إسرائيل» من جهة، وأذرع اليهود الاقتصادية والسياسية في العالم؛ وذلك لأن الإسلام بنظرته الرحبة للناس وسعيه لنشر العدالة يتصادم كليًّا مع الرغبة اليهودية في استنزاف الشعوب والسيطرة عليها وسَوْقها كالأنعام خلف شهواتها وأنماطها الاستهلاكية، واستدراجها نحو النظام الربوي العالمي.

*    *    *

في كلمة مختصرة، ربما كانت الشخصية اليهودية -على تناقضها- ناجحة جدًّا في مسعاها للهيمنة على العالم، بشتى الطرق الإبداعية، وربما لا يمكننا نكران ذلك «التفوق» في الإفساد والسيطرة. لكن هذه السيطرة وذاك «التفوق» كان دومًا رهينَ تراجُع المسلمين عن مكانتهم العظمى التي تُلجئ المفسدين دومًا إلى الجحور.

لقد تلقى اليهود في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- ضربات موجعة جدًّا، يستحقونها بلا ريب، استهدفت حصونهم العسكرية، وقلاعهم الحربية، تمامًا مثلما استهدفت منظومتهم الربوية والاقتصادية المتينة، ثم بنى النبي -صلى الله عليه وسلم، بوحي من السماء، لم يزل هاديًا إلى قيام الساعة-، نظامه العالمي الخاص به، فكان اليهود في أطرافه، بل لم يفلحوا إلا حينما استقوا بعض الوسائل من المسلمين أنفسهم، مثلما فعل ابن ميمون في الأندلس ثم مصر بعد ذلك، وأسَّس لاحقًا لكثير من أسباب التفوق عبر سرقة أفكار إسلامية محضة، تخلَّف المسلمون عن تنسم هداها.

لقد أزاحت حضارة المسلمين العادلة شُذّاذ الآفاق، وعلقات الدم المستنزفة لثروات الشعوب، وحين تراجعت، تجاسرت شراذمهم من جديد؛ فنسجت لنفسها أسباب الهيمنة والاستنزاف بحبل من الناس. ونحن نؤمن بسُنّة التدافع التي ستُعيد العدالة يومًا إلى العالم، مثلما ملأه اليهود ظُلمًا وجَورًا.
 


[1] عبد الرحمن السعدي، تيسير الكريم الرحمن، ص 192.

[2] ذاك المشهور في كتب المغازي، لا سيما ابن إسحاق، عن سبب إجلاء يهود بني النضير، لكن بعض أهل الحديث قد ضعَّفه. والمعنى نفسه ثابت في قصة أخرى قوية السند.

[3] مع أن قرار الأمم المتحدة بإدانة الصهيونية لم يزل قائمًا!

[4] مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي – الجزء الثاني (المسألة اليهودية)، ص61.

[5] مالك بن نبي، ص53.

[6] ثم عمدوا إلى التبرؤ منها عبر قساوسة دانوا لليهود في الكنائس البروتستانتية والكاثوليكية، فجعلوها جريمة رومانية فحسب!

[7] مالك بن نبي، ص56.

[8] تفسير ابن كثير، ص118.

الأحد، 31 ديسمبر 2023

الدور الوظيفي لـ”إسرائيل” هل يجرفه “الطوفان”؟

الدور الوظيفي لـ"إسرائيل" هل يجرفه "الطوفان"؟

 أمير سعيد.



 

ظل الدور الوظيفي لـ«إسرائيل» هو الفاصل المانع للوحدة الإسلامية والعربية لعقود تلت الإعلان عن الدولة اليهودية، ثم تطوَّر إلى إقامة علاقات متكافئة مع بعض الدول العربية، اقتصادية وعسكرية وأمنية


ما تزال مقاطعة ساكسونيا الألمانية تُتحفنا بقوانينها على مر العصور؛ ففي العصور الوسطى الأوروبية، ابتدعت المقاطعة قانونًا يميز بين المحكومين من الفقراء و«النبلاء»؛ فيقطعون رأس الفقير، فيما يكتفون بقطع ظِلّ رأس «النبيل»، ويجلدون الفقير، وظِلّ «النبيل»، ويُحْكِمُون سجونهم على الفقير، فيما يُدْخِلُون «النبيل» السجن من باب ويخرجونه من آخر!

عُدَّ قانون ساكسونيا قبل قرون تعبيرًا عن التمييز الطبقي الذي كان سائدًا بشكل فاقع حينها، وسيُعد قانون ساكسونيا الجديد (أو بالأحرى مرسومها) الذي أقر مؤخرًا في المقاطعة الألمانية، ويشترط الاعتراف بـ«إسرائيل» لمنح الجنسية الألمانية لطالبها، تعبيرًا آخر عن هزلية الغرب وجنونه الذي انتابه مؤخرًا لإبداء المساندة القوية للكيان الصهيوني في محنته الفريدة. يفيد المرسوم بأنه يتعين على المتقدمين للحصول على الجنسية أن يؤكدوا كتابةً قبل التجنيس «أنهم يعترفون بحق إسرائيل في الوجود، ويُدينون أيّ مساعٍ مُوجَّهة ضد وجود دولة إسرائيل».

والمفارقة أن ساكسونيا ليست بدعًا من الغرب، أقاليمه ودوله؛ ففي 5 ديسمبر كان مجلس النواب الأمريكي يجتمع للتصديق على قانون ينص على أن «معاداة الصهيونية هي معاداة السامية»، وقبلهما هرعت ألمانيا وفرنسا إلى إصدار تعليمات بحظر مظاهرات التضامن مع غزة، قبل أن تتراجع تحت وطأة الغضب الجماهيري لا سيما من الأقليات: المسلمة، واليسارية.

عشرات بل مئات الشواهد تدلّ على تنادي الغرب وهَلعه لدعم ومساندة «إسرائيل»، وربما إنقاذها، إذا لزم الأمر؛ في أعقاب هجوم 7 أكتوبر الذي شنَّته فصائل مقاومة فلسطينية على ثكنات ومقارّ عسكرية ومغتصبات سكانية في «غلاف غزة»، كان أبرزها إرسال الولايات المتحدة الأمريكية حاملة الطائرات «جيرالد فورد» الأقوى والأحدث بعد الهجوم بيومين إلى منطقة قريبة جدًّا من سواحل فلسطين، ثم انضمام حاملة الطائرات «يو إس إس أيزنهاور» ومجموعة السفن الحربية التابعة لها إلى الحاملة الأولى بعد عدة أيام أخرى؛ تحسُّبًا لأي طارئ قد يجعل «إسرائيل» في وضع أكثر صعوبة.

ربما يُرى في ذلك تجسيد تقليدي لعلاقة وثيقة جدًّا تربط «إسرائيل»، زادت مظاهرها بشكل طردي وطبيعي مع هذا الهجوم غير المتوقع، لكنَّ الواقع أن تلك النماذج ونظائرها تعكس أمورًا أعمق من ذلك بكثير؛ حيث إن مئات من الفدائيين الفلسطينيين قد توغلوا داخل (فلسطين 48) بعمق أكبر مما جازته القوات العربية في حرب 73 في سيناء (خارج فلسطين) بأكثر من عشرة كيلو مترات، قتلوا وأسروا، وعادوا سالمين! ثم حُوصرت غزة ودُمِّرت، لكن بعد شهرين من الهجوم لم تتمكن «إسرائيل» من تحقيق أيٍّ من أهداف عدوانها الدموي الهائل.

عسكريًّا، لم ينقطع الدعم الأمريكي عن خزائن أسلحة «إسرائيل» وذخائرها، الطائرات الاستطلاعية الأمريكية، ثم البريطانية تجوب سماء غزة، تُنفِّذ حرفيًّا ما تُمليه غرفة العمليات في تل أبيب، التي تضم قادة عسكريين واستخباراتيين من كلٍّ من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، بالإضافة لـ«الإسرائيليين».

لُبّ القضية ليس هنا، إن الاستنتاج الأبرز من هذا، أن الدور الوظيفي لـ«إسرائيل» قد تعرَّض لنكسة كبرى، لا يمكن أن يمحوها إلا تدمير حركة حماس تمامًا، وإزالة أيّ تهديد يُواجه «إسرائيل» مستقبلًا من قطاع غزة.

الدور الوظيفي القديم لـ«إسرائيل»:

منذ قرنين ونيّف، كانت فكرة وجود عازل يهودي بين المسلمين (العرب خصوصًا) تجول بعقل الفرنسيين، يقول الكاتب محمد حسنين هيكل: «لكي يضمن نابليون عدم التقاء الضلعين عربيًّا وإسلاميًّا (المصري والسوري)؛ فإنه يزرع عند مركز الزاوية هذه شيئًا آخر لا هو عربي ولا هو إسلامي (...)، وهكذا تجيء «ورقة نابليون اليهودية» (التي أظهرها أمام أسوار القدس ووُزِّعت على كل يهود العالم) تصوُّرًا للمستقبل ورؤية -ربما لا تتحقق بسرعة- لكنها قابلة للتحقيق في مستقبل الأيام»[1].

والأمر عينه، ينسحب على البريطانيين؛ ففي الوثائق البريطانية، يُستخلص أن «حصر محمد عليّ داخل الحدود المصرية وراء صحراء سيناء، وتحويل هذه الصحراء إلى نوع من «سدادة الفلين» تقفل عنق الزجاجة المصرية التي يمثلها وادي النيل (والتشبيه من خطاب لروتشيلد[2] موجَّه إلى بالمرستون[3] بتاريخ 21 مايو 1839م)[4].

الدور الوظيفي الحديث لـ«إسرائيل»

ظل الدور الوظيفي لـ«إسرائيل» هو الفاصل المانع للوحدة الإسلامية والعربية لعقود تلت الإعلان عن الدولة اليهودية، ثم تطوَّر إلى إقامة علاقات متكافئة مع بعض الدول العربية، اقتصادية وعسكرية وأمنية، ثم طوّره مفكرون صهاينة فيما بعد إلى «التبشير» بقيادة «إسرائيل» للمنطقة العربية برُمّتها وفقًا لمشروع «الشرق الأوسط الجديد»[5]؛ الذي وضعه رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق شمعون بيريز، والذي لخَّص فيه قيادة «إسرائيل» للمنطقة عبر استحواذها على الصناعات المتطورة، وقيادتها للمنظومة الأمنية الاستخباراتية في المنطقة، وتوظيفها الدول العربية كلها لتُنَفِّذ مشروعًا اقتصاديًّا تتكامل فيه اقتصادات الدول العربية، لكن تحت زعامة «إسرائيلية».

نجحت «إسرائيل»، وأخفقت في تنفيذ مشروع بيريز، إلى أن قادت مجموعة من الظروف الدولية والإقليمية إلى وضع إطار أمني جديد في المنطقة يَقْضِي بأن تُشكِّل «إسرائيل» مع دول عربية حلفًا عسكريًّا يضمن ترتيب الأوضاع الأمنية لحماية تلك الدول من مخاطر التهديد الإيراني الذي تعاظم منذ احتلال العراق في العام 2003م، والذي سيطرت عليه طهران عبر أحزابها وميليشياتها التابعة لها، ثم بسطها هيمنتها على دول عربية أخرى، هي سوريا ولبنان واليمن، وممارستها نفوذًا أكبر على دول أخرى في المحيط العربي كله.

قبل 7 أكتوبر، كانت «إسرائيل» تُحرز تقدمًا غير مسبوق في تحقيق شراكات كبيرة مع دول عربية مؤثرة، وسعت لتسويق نفسها كحامية محتملة للمنطقة العربية أمام الخطر الإيراني المتصاعد؛ وإذ أوشكت طهران على حيازة قنبلة نووية بعد تقدُّمها الواضح في برنامجها النووي؛ فإن «إسرائيل» هي المرشَّحة لتحقيق معادلة الردع في المنطقة، وفقًا للتقديرين الأمريكي و«الإسرائيلي». هذا إلى جانب مشروعات ضخمة للطاقة والسياحة والنقل والطرق، تقاطعت فيها المصالح الظرفية لدى بعض الدول العربية مع المشروعات «الإسرائيلية».

كان تصور التعاون الإقليمي يمتد إلى عدة نواحٍ:

1- البناء على الجهود التي أسفرت عن إقامة «إسرائيل» علاقات دبلوماسية مع الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، في ضمّ المزيد من الدول إلى تحالف «إسرائيلي»/عربي أوسع.

2- إقامة مشروعات مشتركة نفطية، وطرق سريعة دولية، وسكك حديدية تربط الدول العربية بـ«إسرائيل» عبر مشروع كبير يمتدّ من الهند حتى أوروبا، وتقع «إسرائيل» في مركزه الحيوي.

3- توقيع اتفاقات متقدمة في التعاون التقني والتبادل التجاري وإقامة مناطق تجارة حرة.

4- اشتراك «إسرائيل» بمشاركة 60 دولة في أول تدريب بحري تقوده الولايات المتحدة، ويضم دولًا عربية لا تقيم علاقات دبلوماسية مع «إسرائيل»، إلى جانب دول أخرى أقامت علاقات دبلوماسية معها للتوّ، وذلك في فبراير 2022م، ثم في أول مناورة بحرية في البحر الأحمر في الشهر التالي مباشرة.

5- إقامة العديد من الفعاليات المُرسّخة لفكرة نمو العلاقات بين دول عربية و«إسرائيل»، منها فعاليات رياضية وثقافية، وغيرها.

تغيُّر دراماتيكي للدور الحديث

والحق أن كل ما تقدم، وغيره لم يكن فحسب مجرد تثبيت لاتفاق «إبراهام»، الذي رعته الولايات المتحدة الأمريكية بين «إسرائيل» وعدد من الدول العربية، التي تحمَّست لإقامة علاقة أكثر دفئًا من علاقات أخرى أقامتها «إسرائيل» مع دول عربية أخرى منذ عقود، وهي مصر والأردن، التي لم تشهد مثل هذه القفزات في العلاقات في السنوات الأخيرة، وفي ظل حكومة معلوم داخل وخارج السياج السياسي «الإسرائيلي» وفي العالم كله أنها الأكثر تطرفًا في تاريخ حكومات «إسرائيل»، إنما كان تجسيدًا لاستراتيجية أمريكية جديدة بدأت في عهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وسار عليها كلّ من ترامب وبايدن، تقضي بأن تتفرغ الولايات المتحدة الأمريكية للتحدي الأكبر لها الآن، وهو الصعود الصيني الهائل، اقتصاديًّا وتقنيًّا وعسكريًّا، والذي تبيّن لواشنطن أن تورطها في الصراعات، كأفغانستان، والعراق، وكذلك في صراعها مع روسيا في أوكرانيا (بالوكالة)، قد أضرَّ كثيرًا بتفوقها على الصين، وجعل من الأخيرة عصية على الاحتواء، وأنذر بعواقب وخيمة على السياسة الأمريكية الخارجية التي سعت لإحلال «إسرائيل» كوكيلة موثوقة عنها في الإقليم، بعد أن أدرجت واشنطن، «إسرائيل» ضمن قيادة منطقة القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، بدلًا من التبعية للقيادة الأوروبية، وذلك في يناير 2021م.

الولايات المتحدة بعد أن اطمأنت إلى استقرار «إسرائيل» أكثر من أيّ وقتٍ مضى، وبعد أن طُمرت القضية الفلسطينية تمامًا تحت رمال المصالح الإقليمية المشتركة، وبعد سلسلة من الترتيبات الإقليمية اللافتة والمتسارعة، والتي أفضت إلى تحسين العلاقات بين إيران والدول الخليجية، وتجسير الهوة بين اليمن وجيرانها، وحل المشكلة القطرية، وتحسين العلاقات التركية/الخليجية، والتركية/المصرية، وإعادة العلاقات والتعاون بشكل واضح بين أنقرة وتل أبيب، وبعد أن قامت واشنطن بتبريد كل الملفات الشائكة في الإقليم تقريبًا؛ جاءت زلزلة 7 أكتوبر، التي وضعت القضية الفلسطينية في صدر الأولويات مجددًا، واستدعت البحث عن الحلول جنبًا إلى جنب مع جلب الأساطيل؛ تحسُّبًا لتصاعد الأمور!

*     *     *

لم تضع الحرب أوزارها (على الأقل حتى كتابة تلك السطور)، وسيناريوهاتها التي وُضعت لها في تقدير الخبراء، واردة، إما اجتياحًا كاملًا للقطاع وإعادة ترتيب حُكمه من جديد، ضمن معادلة لا تبقى فيها حماس حاضرة، وإما صمودًا وفرضًا للإرادة الحمساوية، وإما خليطًا من الحل يجمع بين هذا وذاك.. لا يمكن الجزم حقيقة، لكن ما يمكن استشرافه فيما يخص دور «إسرائيل» الوظيفي في المنطقة، وفي ضوء ما حصل في 7 أكتوبر، ثم ما تلاه من تعثر العسكرية والاستخبارات «الإسرائيلية»، وغرقها في بحر رمال غزة المائع، أن «إسرائيل» قد تلقَّت صفعة هائلة، تطيح بها عن مركز قيادة المنطقة إن خالجتها الأوهام بتسَنُّمه؛ فحاصل ما يقرأه «الجيران» أن سمعة العسكرية والاستخبارات، بل والتقنية السيبرانية العالية، قد تلطخت بالأوحال، ولم يعد من المقبول أن يقال: إن تلك «الدولة» (مجازًا)، التي صمدت أمامها، بل نالت منها كثيرًا جدًّا، منظمة تعمل تحت الأرض، وأهانت عسكريتها وأسلحتها الأمريكية المتقدمة؛ تظل قادرة على حماية غيرها من البلدان؛ فلا راداراتها رصدت، ولا قنابلها فجَّرت أنفاقًا، ولا دبابتها صمدت، ولا جنودها ثبتوا، ولم يَعْدُ جيشها أن يكون «قاتلًا» لا «مقاتلًا». وعليه؛ فقد هرعت الدول التي أوكلت لها مهمة الإقليم لإنقاذها، وشكَّلت غرفة عملياتها في قلب «عاصمتها»، وأرغت وأزبدت، بل وتشنَّجت أمام كل مَن يحاول نقد هذه «الدولة»؛ خشيةً من أن تعلو موجة الرفض والاستنكار العالمية؛ فترغم الحليفة على الإذعان..

لقد أُريد لـ«إسرائيل» أن تشبّ عن الطوق، وأن تنفطم عن الحماية الأمريكية؛ فأرغمها شباب لا يرتدون حتى ملابس العسكرية، وبعضهم قاتل حافيًا عاري الصدر، بدائي التسليح، على الاحتماء بالدولة الحامية الراعية (الولايات المتحدة الأمريكية)، والدولة المُؤسِّسة (بريطانيا)، فحضرا.. وغابت.

إن حقيقة ستظل ثابتة، وإن تغيرت بالمنطقة الأحوال والأهوال: إنَّ ما جرى لم تشهده «إسرائيل» على مر «تاريخها» (إن كان لها تاريخ)؛ فحتى الأرقام تشهد بالوجع: لقد قُتل من «الإسرائيليين» في حرب 1967م، (803 جنود)، وفي حرب الاستنزاف 1967-1970م، (3239 جنديًّا)، وحرب أكتوبر 1973م، (2812 جنديًّا)، وحرب 2006م، (184 جنديًّا)، أما في «طوفان الأقصى» فستبقى خسائر «إسرائيل» في قلب حدودها المزعومة، ثلمة لن يمحوها التاريخ أبدًا، ومهما كان من ناتج لحرب ضروس، وعدوان دموي غاشم غشيم؛ فإن دور «إسرائيل» بدأ بالأفول، وتقدُّمها إلى تراجُع، وعَملها إلى حبوط -بإذن الله-.


 


[1] هيكل، «المفاوضات السرّية بين العرب وإسرائيل»، ص 37.

[2] أحد أكبر أغنياء يهود الغرب.

[3] رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الوقت.

[4] هيكل، المصدر السابق، ص40.

[5] أوضحه في كتاب يحمل هذا الاسم.