سؤال في الصميم، من أجل فهم أعمق وأوسع
مضر أبو الهيجاء نجحت الإدارات الأمريكية في تجسيد رؤية وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس، وترجمة مشروع «الفوضى الخلّاقة» إلى واقع سياسي في المنطقة.
ولعل ما شهدته ثورات الربيع العربي من تدخلات أمريكية وعبث بمساراتها ونتائجها يمثل دليلًا بارزًا على ذلك؛
فعلى الرغم من عظمة هذه الثورات وعدالة مطالب الشعوب التي خرجت فيها، فإن النتائج لم تحقق ما أرادته الشعوب، ولم تصب في مصلحة الأمة.
فحال مصر اليوم أسوأ مما كان عليه، وكذلك ليبيا والسودان وتونس وغيرها من بلدان الربيع العربي. وحتى في سورية، فرغم أهمية تفكيك الأجهزة الأمنية الأسدية -حامية إسرائيل- وفتح أرض الشام أمام الدعوة والعمل الإسلامي،
فإن الضعف الكبير في المنظومة السياسية والعسكرية السورية يمثل أحد المظاهر التي تكشف حجم التعقيدات والتدخلات التي أحاطت بالمسار السوري، وفي مقدمتها العبث الأمريكي بالساحة السورية.
ومن هنا، فإن من يتوهم أن فلسطين ستتحرر، وأن الأقصى سيعود إلى حضن المسلمين، قبل أن تتعافى عموم الديار الشامية وخصوص السورية والمصرية، يغفل عن الترابط العميق بين ساحات الصراع في المنطقة ويعمى عن حقيقة الأمة.
ولذلك، فإن من البديهي أن تظل السياسة الأمريكية حاضرة في تفاصيل المشهد السوري والمصري والعراقي، وأن تعمل على منع تعافي هذه الدول واستعادة قدرتها على النهوض والاستقلال بقرارها.
وإذا كان تعافي سورية شرطًا أساسيًا لاستعادة إقليم الشام عافيته، فإن الخليج بدوره لا يمكن أن ينعم بالاستقرار إذا تعرضت المملكة العربية السعودية للتفكيك والانهيار. فكما تمثل سورية مركز إقليم الشام، تمثل المملكة العربية السعودية اليوم مركز الثقل في إقليم الخليج. ومن هذا المنطلق، فإن استهداف الخليج وبعثرته وتمزيقه يرتبط باستهداف المملكة نفسها، باعتبارها الركيزة المركزية في تماسك الإقليم واستقراره سياسيا واجتماعيا وثقافيا وعسكريا.
تخادم خبيث بين الإدارة الأمريكية والمشروع الإيراني
وهذا ما يفسر طبيعة الاستخدام والتخادم العميق والخبيث بين الإدارة الأمريكية والمشروع الإيراني الذي يقوده الملالي؛ إذ يوظف هذا المشروع أدواته الإقليمية القاتلة، وفي مقدمتها المكوّن الحوثي، الذي يعتبر امتدادًا للمشروع التخريبي الطائفي الإيراني، وهو الصورة والدور المعاصر لعبد الله بن سبأ المفسد واللعين.
لقد استطاع الغرب إخراج مصر، بما تمثله من ثقل وتأثير، من معادلة الصراع، وإضعاف المنطقة العربية عمومًا، وانتقل بعدها إلى تفكيك العراق المجيد، ثم توالت حلقات التفكك، وكأنها حبات مسبحة انفلت خيطها. وبعد العراق، جاء الدور على سورية التي احترقت بنيران المشروع الأسدي الطائفي المتخادم مع أمريكا وحامي كيان إسرائيل، ثم اليمن الذي دخل بدوره في دوامة الصراع. وفي هذه الساحات جميعها، وظّف الغرب قوى المنظومة الإيرانية الملالية، واستفاد من تحركاتها وتداخل معها مدا وجزرا في حالتي السلم والحرب، بما أدى إلى تعميق الانقسامات وإضعاف الدول والمجتمعات.
ومع ذلك، لا تزال في الخليج العربي قوة كامنة وصامتة، تتمثل في تماسك المجتمعات والروابط الإقليمية، وهو ما يجعل المنطقة ساحة مهمة في حسابات المشاريع المعادية لعموم الأمة.
ومن هنا فأن أمريكا المتصهينة تسعى إلى العبث بموازين الخليج، بدءًا بالمملكة العربية السعودية، لما تمثله من ثقل مركزي، مستخدمةً في ذلك الخنجر الإيراني الحوثي اللئيم.
معادلة مهترئة
إن المعادلة القائمة في ساحة الاحتراب المصطنع في اليمن والجزيرة العربية لا يمكن فهمها من خلال العقل القُطري القميء الذي استوطن بعض عقول النخب العربية، وخصوصًا النخب الفلسطينية، التي حصرت قضيتها المركزية في أرض فلسطين، بدلًا من أن تنظر إلى الأمة والدين باعتبارهما الإطار الأشمل للقضايا، وإلى التوحيد باعتباره جوهر هذا الانتماء ومرتكزه الأساسي.
فأي نقاش في قضايا الأمة، العامة منها والجزئية، لا ينطلق من مفهوم الأمة ومصالحها الكلية، لن يصل إلى تفسير صحيح للأحداث، ولن يفضي إلى تقدير سليم للمواقف، ولن يقود إلى اتخاذ الموقف الصحيح.
وقد رأينا نموذجًا واضحًا لهذا الخلل حين تنكّر بعض أبناء الأمة لفلسطين، متأثرين بمواقفهم من حكامها أو من قياداتها السياسية، في ظل العلاقة والتحالف الآثم بين قيادات المقاومة السياسية وملالي إيران المعتدين.
وها نحن نرى اليوم بعض الأطراف يتنكرون للاعتداء على بلاد الحرمين، انطلاقًا من مواقفهم السياسية تجاه حكام المملكة.
وفي كلتا الحالتين، يتكرر موطن الضعف ذاته: تضخيم القضايا الفرعية والقطرية حتى تطغى على قضية الأمة الجامعة، وتقديم الخصومات السياسية والحسابات الضيقة على مصلحة الأمة والدين، بما يؤدي إلى تغييب مفهوم الأمة وإضعاف القدرة على إدراك الترابط بين ساحات الصراع ومخاطر تفكيك المنطقة.
مضر أبو الهيجاء، بلاد الحرمين 11/10/2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق