‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات جمال نصار. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات جمال نصار. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 12 ديسمبر 2023

خلّصونا من حماس!


خلّصونا من حماس!

 

د. جمال نصار

أستاذ الفلسفة والأخلاق – تركيا

عبارة “خلّصونا من حماس!”، أصبحت متداولة لدى العديد من الأنظمة العربية، حتى السلطة الفلسطينية نفسها تدعم هذا العمل، في الخفاء والعلن، طبقًا لبعض التقارير التي نُشرت في العديد من الصحف الغربية، والصحف العبرية.

وللأسف يدّعون أن هذا التوجه يصُب في مصلحة الأمن القومي الخاص ببلدانهم، وهم يعلمون يقينًا أن المسالة غير ذلك، وأن حماس هي قيمة وقامة، ولها أهمية كُبرى في صد الهجوم الإسرائيلي الشرس على تلك الدول، لأن السياسة التي بُنيت عليها العقيدة الصهيونية، هي الهيمنة على المنطقة العربية (من النيل إلى الفرات)، ولعل هذا يظهر جليًا في تصريحات بعض قادتهم، للسيطرة والهيمنة على مقدرات الأمة العربية.

إذن لا بد أن نعي جيدًا أن حماس تقوم بما يجب أن تقوم به الجيوش العربية، ومِنْ ثمّ على الجميع أن يدعموا حماس وفصائل المقاومة كلها، لأنها تمثل سدًّا منيعًا في مواجهه العدوان الإسرائيلي على فلسطين بشكل عام، وعلى غزة بشكل خاص، وأول من يجب أن يساهم ويساعد ويدعم حماس وقوى المقاومة هي بلدان الطوق التي تحيط بفلسطين، لأنها أول من سيكون ضحية لهذه المؤامرة التي تحاك للمنطقة برمتها.

فالشعب الفلسطيني في مجمله، وقِواه المقاوِمة يقومون بما يجب أن تقوم به هذه الدول ويُضحّون بالنفس، وكل ما يملكون، هذه التضحيات الهائلة تطول الرجال والنساء، حتى الأطفال يُقدمون أرواحهم لنصرة قضيتهم، كل ذلك من أجل حماية المقدسات الإسلامية، ومن أجل تحرير الأرض من العدو المغتصب بدون وجه حق.


يا من ترون في حماس العدو اللّدود، الذي يهدد عروشكم، استيقظوا قبل فوات الأوان، فحماس حركة تحرر وطني لإنقاذ شعبها من براثن الاحتلال، الذي أثبت للعالم كله مدى جبروته وإجرامه، وعدم احترامه للأعراف والقوانين الدولية، بل يتعمّد بكل صلافة ووحشية الضرب بعُرض الحائط كل المواثيق الدولية.


 وللأسف الولايات المتحدة الأميركية تدعم هذا العدو سياسيًا في كل خطواته، وتمده بالسلاح المتطور والمال، وكان آخرها استخدام حق الفيتو في مجلس الأمن ضد وقف النزيف الدائم في غزة!

والأدهى من كل ذلك أننا نجد بعض الدول العربية تُسخِّر كل ما تملك للانصياع للعدو الصهيوني، وتلبية رغباته، وتحقيق آماله، ولعل عجلة التطبيع قبل طوفان الأقصى كانت تسير بالشكل الذي يريدون، ولكنّ الله خذلهم، وكشفهم أمام العالم، وأمام شعوبهم.

تخيلوا معي لو تمّ التخلص من حماس، وكل قوى المقاومة، لا قدّر الله، ماذا سيكون وضع فلسطين، والمنطقة العربية، ومن يحمي المقدسات الإسلامية في القدس وغيرها؟! مع العلم أن هذا هو دور الجيوش العربية في الأساس، بنص الدساتير التي كُتبت، وقوانين الجامعة العربية التي لا يظهر لها أي أثر إلا الشجب والاستنكار فقط!


إن سعي أميركا والكيان الصهيوني للقضاء على حماس كما يدّعون من خلال حربهم على قطاع غزة، وباقي الأراضي الفلسطينية لا يُجدي، ولن يُكتب له النجاح، لأن حماس أولًا فكرة قبل أن تكون مقاومة عسكرية، فالفكرة الأصيلة التي تقوم عليها هي تحرير الأرض من المغتصب بكل الوسائل السياسية والعسكرية، ولها أنصار ينتشرون في كل أنحاء العالم، ومن ثمّ لا يمكن القضاء عليها كما يزعم هؤلاء!

ووفق صحيفة “نيويورك تايمز”، “لا يمكن تفكيك حماس كما تدّعي الاستراتيجية الإسرائيلية لأن “حماس” تُمثل فكرة سياسية ودينية لا يمكن تفكيكها، وهي منظمة ازدهرت بفضل سمعتها بين الفلسطينيين باعتبارها تتبنى الكفاح المسلح ضد إسرائيل”.

وفي تصريح منسوب إلى “لينا الخطيب”، مديرة معهد الشرق الأوسط في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، 

“حتى لو هُزمت “حماس” عسكريًا، فلا يمكن القضاء عليها، لأن القول إن وجود “حماس”، أو شرعيتها مرتبط بنجاحها العسكري هو أمر زائف، لهذا يمكن هزيمتها عسكريًا لكنها تبقى ذات أهمية سياسية حيث يمكنها تقديم أي دفاع على أنه استشهاد بطولي من أجل تحرير الشعب الفلسطيني”.


أعلم أن انتصار المقاومة بأي شكل من الأشكال سيُحرج الأنظمة المستبدة التي تستمد شرعيتها من الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، ومن ثمّ يسيرون في فلكها، وينساقون لطلباتها في التطبيع مع هذا الكيان المغتصب، كما أن هذا الانتصار سيقلب الشعوب على تلك الأنظمة التي صرفت المليارات تلو الأخرى على التسليح العسكري دون جدوى، مع العلم أن المقاومة في طوفان الأقصى حققت ما لم تحققه جيوش نظامية لديها إمكانيات كبيرة.

الاثنين، 28 أغسطس 2023

الممارسات الاستبدادية في حياتنا ودورها في إعاقة الأمة

 الممارسات الاستبدادية في حياتنا ودورها في إعاقة الأمة

د. جمال نصار

أستاذ الفلسفة والأخلاق – تركيا

إذا تأملنا الواقع الذي نعيش فيه، سنجد العديد من الممارسات الاستبدادية في حياتنا، تنضاف إلى الاستبداد السياسي الذي جثم على صدورنا لعقود طويلة، ولا يزال، وله تأثير كبير في تخلفنا وتراجعنا لسنوات طويلة، ناهيكم أنه يستنفذ طاقات الأمة وخيراتها في غير فائدة، أو بمعنى آخر فيما يضرها، ويؤخرها لعقود طويلة!

وقد تحدث ابن خلدون والكواكبي في أثار الاستبداد السياسي على الأمة بشكل واضح وجلي، وما يعنيني هنا هو الحديث عن الاستبداد الذي يمارسه كل فرد في معاملاته، ولا أستثني نفسي من ذلك، وما تمارسه كذلك المؤسسات بكل أنواعها، والتجمّعات البشرية داخلها، وفيما بينها.

فالحياة الأسرية، على سبيل المثال، يغلب عليها حال الاستبداد الذي يمارسه الكثير من الآباء على الأبناء، فتقمع فيهم ملكات المبادرة، ويُحملون على ما لا يريدون، ويُوجّهون في أحيان كثيرة إلى غير ما يُسرّوا له، فتجد مثلًا الابن بعد انتهائه من المرحلة الثانوية، يوجه إلى ما لا يرغبه أحيانًا، ولا يهتم الأهل في كثير من الأحيان بمسألة القدرات الخاصة للأبناء، فالجميع مشغولون بما يسمى كليات القمة (الطب والهندسة)، ومن ثمّ يتم توجيه الأبناء إلى ما يرغبه الآباء، لا إلى ما يريده الأبناء.  


كما يمارس، أيضًا، الاستبداد بصورة أو بأخرى من الأزواج على الزوجات، فتهدر حقوقهن ويعاملن معاملة المتاع أو العبيد، ويعيش الأطفال ذلك الوضع ويتشرّبون منه، فيبقى في نفوسهم، ويؤثر على سلوكهم فيما بعد، وتنتقل إليهم العدوى بشكل طبيعي وتلقائي. إن هذا الوضع الاستبدادي في الأسرة لئن لم يكن الوضع الشامل في الأمة إلا أنه وضع يكاد يكون غالبًا فيها، ومنشؤه الجهل الموروث عن الانحطاط، فأكثر هذه الأمة من الأميين الجهلة الى يوم الناس هذا، فكيف يمكن أن تساس الأسرة فيها بميزان العدل الذي وضعته الشريعة الإسلامية في هذا الوضع من الأمية والجهل.

وإذا نظرنا إلى الممارسات التي تتم في مجال التعليم على جميع المستويات المختلفة نجد أن أسلوب التلقين هو السائد، والمتعلم ليس له دور إلا الصمت دون أن تكون له فرصة تُذكر في الحوار والمناقشة وإبداء الرأي، ودون أن تكون له فرصة تذكر، أيضًا، في أن يوجه إلى التعلم الذاتي الذي يقوم على شيء من الحرية في الاختيار والتمييز. وبهذا الأسلوب التلقيني الضارب تُقمع في المتعلمين ملكات النقد والتمييز والمقارنة التي يكون بها الاختيار الحر، إذ يساقون بالتلقين إلى الرأي الواحد والموقف الواحد، ويُحملون عليه حملاً على وجه الاستبداد، وهذا يكون له الأثر السلبي على تربية النشء، وبالتالي على سلوكهم في الحياة.

وإذا نظرنا إلى المنظمات، والهيئات، والحركات ذات الصلة بالتربية في مفهومها العام نجد أنها تسير على نفس الطريقة الاستبدادية؛ إذ هي غالبًا ما يكون فيها صوت القائد أو الزعيم أو الرائد هو الصوت المسيطر إن لم يكن الصوت الأوحد دون أن يكون للأتباع شأن يذكر في تدبير شؤونها، وتوجيه سياستها، ودون أن يكون في برامجها الثقافية التربوية فسحة تذكر للتنوع والمقارنة والنقد، وإنما هو في الغالب توجيه خطي مذهبي ضيق، يُحمل فيه الأتباع على الرأي الواحد كما يحملون على النمط الواحد في التدبير والتسيير.

وهذا الطابع الاستبدادي نجده أيضًا في واقع الأحزاب السياسية، والطرق الصوفية، والهيئات والحركات المختلفة المنازع، بما فيها الحركات الإسلامية نفسها، فإنها في أكثرها تقوم على طابع استبدادي قد يشتد ويخف بين تنظيم وآخر، ولكنه يكاد لا يخلو منه تنظيم إلا في الأقل.


ونجد الكثير من المثقفين بمختلف أصنافهم ومشاربهم، يمارسون الاستبداد والطغيان، ويحاولون فرض هيمنتهم على الآخرين، بحجة أنهم فوق الجميع، ويبررون استبدادهم بأنهم صفوة المجتمع، وهم من يمتلكون زمام الثقافة والمعرفة، ولهذا يجوز لهم التسلط على عموم الجمهور، الذي ينظرون على أنه أقل ثقافة منهم.

وأحيانًا يمارس بعض رجال الدين طغيانهم واستبدادهم على قطاعات واسعة من البشر، بحجة أن الله هو من كلفهم بالنيابة عنه في استعباد الآخرين وسلب عقولهم، وتوجيههم بالطريقة التي يريدونها، وربما يكون ذلك خدمة لمستبد سياسي، أو لشهوة الشهرة، والظهور بين الناس.

وفي نفس السياق قد يمارس القاضي طغيانه على بني البشر، بحجة أنه يمتلك سلطة القانون، وبه يحكم، فلا بد أن يفرض هيمنته على الجميع، فلا مجال لاستماع أراء الآخرين أو الإنصات لهم.

وقد تمارس وسائل الإعلام الاستبداد بشكل فج، وتدّعي أنها تمتلك الحقيقة، ولا أحد سواها يصل إليها، ومن ثمَّ يتم فرض الرأي الواحد على المشاهد أو المستمع، وتوجيهه حسب ما يريد المذيع، أو حسب ما تراه سياسة القناة، وبالتالي يساهم الإعلام بشكل أو بآخر في تعميق حالة الاستبداد في الأمة.

وعلى حد تعبير الدكتور عبد المجيد النجار، في كتابه الشهود الحضاري للأمة الإسلامية “فإذا كان المسلم لا يعيش حرًا مختارًا في تفكيره، فإنه لا تكون له مبادرة يمكن أن يطوّر بها الواقع المتردي من حيث الأفكار والنظريات، وإذا كان لا يشارك مشاركة فعلية في تدبير الشؤون العامة واتخاذ القرارات فيها، فإنه لا يكون له عزم على الإنجاز العملي، وينتهي به الأمر في ذلك إلى شخصية مسحوقة انطفأت فيها إرادة النظر كما انطفأت إرادة الإنجاز والعمل، وتلك هي حال الشق الكبير من المسلمين اليوم”.
​
وعليه يجب أن نراجع ممارساتنا على مستوى الأسرة والمؤسسات التعليمية، وغيرها من الهيئات والتجمعات، وفي الحياة العامة بشكل عام، ونتخلى بشكل أو بآخر عن الممارسات الاستبدادية، وبروز الأنا في حياتنا، قبل أن نطالب الساسة بالتخلي عن تلك الآفة الخطيرة التي أدت، لا محالة، إلى تأخر الأمة على جميع المستويات.

الاثنين، 31 يوليو 2023

اختلال الإرادة طريق إلى العجز الحضاري للأمة

 اختلال الإرادة طريق إلى العجز الحضاري للأمة

د. جمال نصار

أستاذ الفلسفة والأخلاق – تركيا

لا يزال الحديث متواصلًا عن أسباب الانكسار الحضاري الذي تعاني منه الأمة الإسلامية، ويظهر ذلك جليًا فيما نراه ونشاهده في واقعنا المعاصر، فلو توفّرت أمة من الأمم على فكرة صحيحة عن الكون والحياة، وتوفّرت أيضًا على منهج صحيح في صياغة تلك الفكرة وتطبيقها، ولكنها لم تتوفر على إرادة ذاتية قوية لتنفيذ الفكرة وفق ذلك المنهج، فإنها لا يتيسر لها أن تنهض بحضارة، ولا أن تأخذ طريقها إليها؛ ذلك لأن الإنجاز الحضاري يتوقف من بين ما يتوقف على إرادة قوية تدفع الأمة إلى تحويل الأفكار، والخطط، والبرامج إلى واقع عيني ماديًا ومعنويًا، فإذا تراخت الإرادة، أو انهزمت لسبب أو لآخر ظلت تلك الأفكار والخطط حبيسة الأذهان، أو ظهرت إلى الواقع ظهورًا فاترًا ضعيفًا، وهذا ما أشار إليه الدكتور عبد المجيد النجار في الشهود الحضاري للأمة الإسلامية.

ويتمثل ضعف الإرادة والخلل الذي أصاب الأمة الإسلامية في عدة عوامل تتكاتف فيما بينما للوصول للعجز الذي وصلت إليه في واقعنا الحاضر، منها: وهن وفتور الإرادة، والاتكال على الآخرين وعدم الاعتماد على النفس، وتفكك الإرادة الجماعية.

أولاً: وهن وفتور الإرادة: ويتمثل ذلك في التدنّي الكبير للإنتاج في كل المجالات، سواء كان إنتاج فكر، أو خدمات، أو مادة زراعية وصناعية، وهو تدنّ يتجاوز بكثير ما قد يكون من أسباب تعود إلى ضعف الأفكار والأساليب أو خطئها؛ ذلك أنه يظل متحققًا أيضًا حتى في الحالات التي تتوفّر فيها الأفكار والأساليب الصائبة في أي مجال من المجالات، وهو ما لا يدع مجالاً للشك في أن الإرادة الدافعة للإنتاج والإنجاز مصابة في الفرد المسلم وفي الهيئة الاجتماعية للمسلمين بفتور يقعد بها عن أداء ما تسعه الطاقة من الفعل الإنجازي بفارق كبير. 

فحينما تفتر الإرادة الدافعة إلى البحث العميق المتقصي عن الحقيقة، فإن الجهود تتجه إلى الحلول السهلة التي يمكن أن تطالها الإرادة الواهنة، وهي المتمثلة في التقليد للآخرين والاتكال عليهم فيما أنتجوا وينتجون من الفكر، وهذه حالة بينة في الواقع الإسلامي الراهن فإن شطرًا كبيرًا من الفكر المنشور فيه إنما هو تقليد لما أنتجه السلف، أو هو بتعبير آخر إعادة إنتاج له بطرق تخلو في كثير من الأحيان حتى من جهود الترتيب والتوظيف، وقد يبلغ الأمر مدى بعيدًا، فيصبح ذلك المسلك تأصيلاً نظريًا مبدئيًا يصاغ في مقولات من مثل: ليس في الإمكان أبدع مما كان، وليس للأواخر أن يأتوا بأحسن مما أتى به الأوائل. إنه هروب إلى ما عند الآخرين، وإيهام بأنه من الإنتاج الذاتي. 

ويبقى الإنتاج الفكري الحقيقي ضعيفًا عند المسلمين في الكم والكيف معًا. ويصدق نفس هذا الأمر أيضًا على حال قطاع الخدمات في العالم الإسلامي، ففي هذا القطاع ترى جيشًا من الناس يؤم الإدارات والمرافق المختلفة، ولكن المردود من خدمته ضعيف جدًا، بحيث تكون المماطلة في إنجاز المعاملات، والتقصير في أدائها هي الخصائص العامة في هذه الإدارات والمرافق.

ثانيًا: الاتكال على الآخرين وعدم الاعتماد على النفس: فحينما نتأمل واقع المسلمين اليوم نقف على مظاهر متعدّدة من الاتكالية تتخذ أحيانًا أشكالاً، فردية وأخرى جماعية. وربما تكون التربية الأسرية في العديد من الأوساط الإسلامية أقرب مظهر من تلك المظاهر، حيث يُربّى الأولاد في نطاق الأسر الموسعة على أن تقوم الأسرة بشؤونهم إلى مرحلة متأخرة من أعمارهم قد تتجاوز أحيانًا سن الزواج، فإذا هم يتشربون الاتكالية فتصبح لهم خلقًا في مستقبل حياتهم، ينسحبون بها من تحمّل المسؤولية في المجتمع كما سُحبوا في تربيتهم من تحمّل المسؤولية في أسرهم. 

ولا يبعد المنهاج التربوي السائد في البلاد الإسلامية عن أن يكون مساهمًا بقسط وافر في هذه التربية الاتكالية التي يتلقاها النشء الإسلامي؛ ذلك أن هذا المنهج يغلب عليه التلقين الذي يقوم فيه المتعلمون بدور المتلقي من المعلمين، دون أن يُدفع بهم إلى التعلم الذاتي الذي يربي فيهم القوة على اتخاذ المواقف والجرأة على تحمّل المسؤولية وإثبات الذات في ميادين الفعل.

وفي الحياة السياسية في العالم الإسلامي تبدو ظاهرة الاتكالية خاصية من خصائصها، حيث تنسحب الجموع العريضة من الناس من ساحة المشاركة في هذه الحياة لتلقي بزمام نفسها إلى زعماء الأحزاب فيها، أو إلى القيّمين على شؤون الحكم ليدبّر هؤلاء كل شيء في الشؤون العامة للأمة دون أن يكون لهذه الجموع رأي يذكر في تلك الشؤون، لا من حيث التشريع، ولا من حيث التنفيذ، ولا من حيث المراجعة والتعديل، بل تراها في كثير من الأحوال تُستخف فتطيع فيما يشبه أن تكون مسلوبة الإرادة مستقيلة من المشاركة السياسية الحقيقية التي يكون لها فيها رأي تتحمّل مسؤوليته وموقف تغیّر به مجرى السياسة العامة نحو ما فيه المصلحة. وهكذا تترك الشعوب أمر نفسها إلى زعامات، أو حكّام يفكرون بالنيابة عنها، ويوجهونها الوجهة التي يريدونها لا التي تريدها هي.

ثالثًا: تفكك الإرادة الجماعية: فالواقع الإسلامي الراهن تبدو فيه جليّة ظاهرة التفكك في الإرادة الجماعية، حيث تتفشى المنازع الفردية في تدبير الشؤون، ولا تظفر المشاركة الجماعية في ذلك التدبير بأهمية تذكر، فإذا بالحس الجماعي الذي يدفع بإرادة الفرد كي تتجه نحو إرادة الآخرين للفعل المشترك يضعف في النفوس إلى حد كبير، ويؤول الأمر إلى أن تأخذ إرادة الفرد بالاتجاه في خط منفرد لتحقق منافع ذاتية في غير اعتبار للمنافع الجماعية.

وربما يبدو هذا الأمر بوضوح في بروز النزعة الفردية للتدين التي كرّستها العلمانية المسيطرة على العالم الإسلامي منذ قرن من الزمن، فقد وقع في نفوس كثيرة على مستوى النظر، وعلى مستوى العمل معًا أن التدين هو شأن شخصي، وليس له بُعد جماعي، ولذلك فإن الإرادة التي تكوّنها وتقويها النزعة الدينية هي إرادة تتخذ لها منحى شخصيًا خاصًا تبحث به عن الخلاص الفردي دون أن يكون لها علاقة بالشأن الجماعي لأنه ليس من مشمولات الدين. 

وهكذا غاب تحت هذا التوجه المعنى الجماعي للتدين، فلم يعد للتكافل الاجتماعي، ولا للتشاور والتداول في الأمور العامة، ولا للتشارك في إنجاز المرافق العامة، لم يعد لذلك كله في نفوس الكثير من المسلمين بُعد ديني ففقد إذن قدرًا كبيرًا من القوة الإرادية المتأتية من الأفراد والملتقية عنده، وحصل فيه تبعًا لذلك قدر كبير من التفكك في الإرادة الجماعية، نظرًا لكون العنصر الديني هو أقوى العناصر في تقوية الإرادة وحشدها في خط جماعي منجز، وهل تمّت الإنجازات الحضارية الإسلامية على عهد الشهود إلا بحشد المنزع الديني لإرادة الأفراد حشدًا جماعيًا أصبحت به الحياة الاجتماعية العامة تنجز بالإرادة الدينية المشتركة؟!

والخلاصة: أن الإرادة في الأمة الإسلامية، وهي قوة الدفع للفعل هي إرادة مصابة بأخلال متنوعة، من فتور ووهن في إرادة الفعل عند الفرد المسلم، واتكالية تلقى بها الأعباء والمسؤوليات على الآخرين تثاقلاً عن القيام بالواجب وتنصُلاً منه، ومن في الإرادة الجماعية باتجاه الإرادة الفردية في غير وجهة مشتركة، مما أضعف مردودها ضعفًا شديدًا. وهذا يمثل العوائق المهمة التي تعيق نهضة الأمة؛ لأن الإرادة هي الوقود الذي يحرّك الأمم، ويخرجها من كبوتها.

twitter.com/drgamalnassar

الثلاثاء، 30 يونيو 2020

سبع سنوات عجاف على انقلاب السيسي (1-2)

سبع سنوات عجاف على انقلاب السيسي (1-2)
جمال نصار
مرت سبع سنوات على الانقلاب العسكري الذي قاده عبد الفتاح السيسي، وأطاح بآمال وطموحات الشعب المصري، بعد ثورة كانون الثاني/ يناير 2011، التي شهد العالم كله بسلميتها وحضارتها وعظمتها. 

مرت سبع سنوات على قتل الحلم الذي سعى إليه المصريون، بانتخاب أول رئيس مدني بإرادة شعبية خالصة، بسبب تواطؤ العسكر مع بعض القوى المدنية، ما أدى إلى إجهاض الحلم قبل اكتماله.
  
انقضت هذه الأعوام وهي حبلى، ولا تزال، بالعديد من المؤامرات على الشعب المصري الذي صبر كثيرًا، وأراد أن يخرج من عنق الزجاجة، ولكن جبروت وتآمر العسكر أرجعه للقاع مرة أخرى. 

لقد مرت على السيسي ست سنوات في حكم مصر، منذ أن تسلم مقاليد الرئاسة في مصر رسميًا في 3 حزيران/ يونيو 2014، شهدت جميعها تكرار الوعود منه ومن إعلامه، بتغيير يجعل مصر "أدّ الدنيا"، ويجعل شعبها في أحسن حال، فبعد أن كان عام 2015 هو عام الرخاء الموعود، تأخر الوعد إلى 2016 مع مطالبات بالصبر، ثم تأجّل إلى 2017، وبعده إلى 2018 ثمّ 2019، حتى جاء الوعد الأخير قبل شهور بأن تصبح مصر بنهاية حزيران/ يونيو 2020 "حاجة تانية خالص"!

كشف حساب السيسي
بدأت سلسلة الوعود التي أطلقها السيسي منذ ترشحه للرئاسة للمرة الأولى، فلم يقدم خطة انتخابية، لكنه ظهر في لقاء تلفزيوني مع الإعلاميين إبراهيم عيسى ولميس الحديدي على قناة (CBC) المصرية، في 6 أيار/ مايو 2014، ليقول إن "المواطن سوف يشعر بتحسن خلال عامين، تحسن في الاقتصاد والتعليم والصحة في حياته عامة".

و في 23 أيار/ مايو 2015 أطلق السيسي وعدًا آخر قال فيه، إنه سيطلق شبكة طرق خلال عام تربط أنحاء البلاد، إلا أن هذه المشروعات ورغم تأخر تدشينها عن المدة التي أعلنها السيسي، انهار بعضها بعد عام واحد من افتتاحها، مثل مشروع الطريق الدائري الإقليمي الذي افتتح في 9 أيلول/ سبتمبر 2018، وبعد عام واحد في 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، حدث هبوط أرضي كبير فيه، وتوقف العمل به بسبب أمطار دامت لمدة ساعة واحدة.

وجدد السيسي وعد العامين، في 19 أيلول/ سبتمبر 2014، وأكد عليه مرة أخرى، بعد توليه منصب الرئاسة بشهرين، في كلمته بمناسبة عيد الفلاح، لكن يبدو أن مهلة العامين لم تبدأ مثلما توقع الجميع مع توليه مهام الرئاسة في شهر تموز/ يوليو 2014، إذ استمر يجدد وعد العامين حتى بعد مرور قرابة الستة أشهر على توليه المنصب، ففي افتتاح مشروعي مطار الغردقة الدولي والميناء البحري ردد مرة أخرى وعد العامين، دون حساب المدة المقتطعة قائلاً: "أيها المصريون البسطاء! اطمئنوا يا مصريين؛ خلال عامين سترون النتائج".

وعود متوالية ولا أمل في التغيير
وفي 13 نيسان/ أبريل 2016 وعد السيسي بأن أسعار السلع لن ترتفع، حتى ولو ارتفع سعر الدولار، ولم يكن هذا هو الوعد الأول الذي يخص الأسعار، فمنذ تولي السيسي الرئاسة يؤكد ويكرر ويعد أن السلع الأساسية لن تمس، رغم أن أسعارها ازدادت بنسب وصلت إلى 140% لبعض السلع.

وبعد عامين من وعده الأول إبان فترة ترشحه، وفي 28 كانون الأول/ ديسمبر 2016، لم يحن موعد الوفاء بالوعد مثلما توقع مؤيدوه، إنما حان موعد وعد جديد بخطة زمنية جديدة. جاء الوعد الثاني خلال كلمة ألقاها السيسي في مؤتمر في مدينة الإسماعيلية، وكانت تلك المرة المهلة المحددة ستة أشهر، أي في منتصف شهر كانون الثاني/ يناير من 2017 كان موعدنا مع "الأمور الأفضل كثيرًا" على حد قوله في تلك المرة.

وبعد انقضاء الستة أشهر، جدد السيسي في 24 تموز/ يوليو 2018، الطلب للمصريين بالصبر، قائلاً: "اصبروا وسترون العجب العجاب في مصر"، لكنه هذه المرة لم يحدد نوع العجب ولا مدة تحقيقه. 

وفي 1 كانون الثاني/ يناير 2019، بدأ السيسي العام الجديد بالدعوة لمبادرة "حياة كريمة"، التي تنضم لقطار الوعود بتوفير حياة كريمة للمواطن، وبرغم مرور أكثر من نصف عام إلا أنه ـ كالعادة ـ لم تتحقق بعد أية نتائج ظاهرة لتلك المبادرة في توفير حياة كريمة.

إهدار حقوق مصر المائية في نهر النيل
لم تجن مصر خلال السنوات السبع العجاف سوى الاستمرار في مفاوضات عبثية، حيث أضاع السيسي حقوق مصر في مياه النيل بالتوقيع على اتفاق الخرطوم ـ في استئناف المفاوضات حول سد النهضة الإثيوبي في 2015، رغم تأكيد المتحدث أن الدعوة تأتي في ذات اليوم الذي أعادت فيه السلطات الإثيوبية تأكيد اعتزامها السير قدمًا في ملء خزان سد النهضة دون التوصل إلى اتفاق، وهو الأمر الذي يتنافى مع التزامات إثيوبيا القانونية الواردة بإعلان المبادئ، ويلقي بالضرورة بظلاله على المسار التفاوضي.

إذا كانت مصر، على حد تعبير الدكتور عبد الله الأشعل، أفرطت في حسن الظن بأثيوبيا، وتجاهلت النذر وظلت حتى الآن تتصور أن المجاهرة بحسن النية يحرج إثيوبيا دوليًا، فهي سذاجة سياسية.

ومن أعظم المشاهد العبثية الكوميدية في هذا السياق، كان مشهد السيسي الهُمام وهو يُملي القسَم على آبي أحمد رئيس وزراء أثيوبيا بألّا يضر مصر، ويقسم على ذلك ثلاث مرات!

وإذا كانت مصر، على حد تعبير الدكتور عبد الله الأشعل، أفرطت في حسن الظن بأثيوبيا، وتجاهلت النذر وظلت حتى الآن تتصور أن المجاهرة بحسن النية يحرج إثيوبيا دوليًا، فهي سذاجة سياسية.

ومع فشل جميع جولات التفاوض خلال السنوات الماضية، تقول إثيوبيا إنها ماضية بخطتها لملء سد النهضة بحلول تموز/ يوليو المقبل، معتبرة أنه "لا حاجة لإخطار السودان ومصر بذلك"، وفي المقابل نجد فشلًا ذريعًا من الدبلوماسية المصرية في التعامل مع الملف، والوصول إلى طريق مسدود، ما يؤدي لا محالة لتعطيش المصريين، وتبوير الأراضي الزراعية.

مصير الفشل في ملف سد النهضة
تشير كل التقارير أن النتيجة ستكون وخيمة على مصر، من ذلك بوار وتصحّر قرابة مليوني فدان، أي نحو 18% من مساحة مصر الزراعية وهو ما يعني فقدان 6%، من إجمالي القوى العاملة وارتفاع معدلات البطالة بنسبة 17% إضافية من 11% حاليًا.

أما إذا انخفضت المدة إلى سبع سنوات فسيزيد العجز المائي في مصر بمعدل 12 مليار متر مكعب سنويًا، أي نحو 22% من إجمالي موازنة مصر الإجمالية السنوية من المياه، وبالتالي فقدان نحو 3 ملايين فدان، أي نحو 30% من المساحة الزراعية لمصر.

وسيؤدي ذلك إلى فقدان 9% من إجمالي القوى العاملة كحد أدنى، وارتفاع معدلات البطالة بنسبة 20% إضافية، وسيتسبب ذلك في مضاعفات اقتصادية واجتماعية خطيرة.

لكن السيناريو الأخطر بالنسبة لمصر هو ملء السد خلال ثلاث سنوات، إذ ستكون هناك عواقب وخيمة لملء السد خلال هذه المدة القصيرة، إذ ستفقد مصر نحو 27 مليار متر مكعب من المياه، أي نحو 50% من إجمالي موازنتها المائية السنوية، وستفقد تبعًا لذلك نحو 6.75 ملايين فدان، أي 67% من مساحتها الزراعية تقريبًا.

وسيتسبب ذلك في فقدان 21% من إجمالي القوى العاملة على أقل تقدير، وارتفاع معدلات البطالة في البلاد بنسبة 34% كحد أدنى، وستكون من تبعات ذلك مخاطر اجتماعية واقتصادية خطيرة مثل ارتفاع معدلات الجريمة، وزيادة احتمالات النزوح والهجرة غير النظامية.

وللحديث بقية إن كنا من أهل البرية..

https://twitter.com/drgamalnassar

الجمعة، 2 أغسطس 2019

مالك بن نبي وعودة الروح لأمتنا

مالك بن نبي وعودة الروح لأمتنا

جمال نصار
إن الله قد جعل لكل شيء سببا، وأمر العباد بتلمس تلك الأسباب حتى يطرقوا سنن الله في ملكوته فتحقق لهم النصرة والغلبة، فأيما أمة قرعت الأسباب من بابها، وتلمّست ما كتب الله على الكون من سنن كُتبت لها السيادة الحضارية، وأيما أمة باتت كسلانة عن البحث في هذه الأسباب أضحت وهي لا تملك من أمر العالم شيئا، بل لا تملك من أمر نفسها شيئا، وهذا هو حال الوطن العربي اليوم، فما هي أسباب هذا التعثر الحضاري؟

أسباب تعثر العالم الإسلامي حضاريا

على الرغم من أن الفكر الإسلامي يمتلك طاقات كبرى لحماية الشخصية المسلمة من الذوبان، إلا أن قضية الاقتباس من الآخر من أخطر المسائل التي اعترضت، وما زالت تعترض الفكر الإسلامي المعاصر، وهي نبض التأخر الحضاري للمسلمين اليوم، فإن هي توقفت أو رُشِّدَت فسوف نرى نور الحضارة في سماء بلادنا الإسلامية؛ لأن الحضارة لا تصنع بمنتوجات حضارية مستوردة، بل هي التي تصنع المنتوجات الحضارية، وهذا هو السبب الأول من أسباب التقهقر الحضاري الذي نحياه الآن.

ومن حاول أن يصنع منتوجات حضارته بيده سوف يجد نفسه مفتقدا لمقومات الحضارة، ومقومات كل حضارة (كما يرى مالك بن نبي) ثلاثة؛ الإنسان، والتراب، والوقت. ومن العجيب أن هذه المقومات الثلاثة تتوفر لكل دول العالم الثالث، وخصوصا العالم العربي. فمن حيث الإنسانُ، فالإنسان العربي من أفضل العناصر البشرية، ومن حيث الترابُ، فإننا نمتلك أخصب المساحات الترابية على المعمورة، ومن حيث الوقتُ فما أكثره عندنا! إلا أنه في الواقع لا حضارة لنا اليوم!! فما هو السبب؟

يُرجع الأستاذ مالك بن نبي السبب إلى غياب المركب الحضاري لهذه العناصر الثلاثة، أو قل إن شئت: 
غياب الرسالة من ذهن المواطن العربي، وهذه الرسالة هي العقيدة الدينية؛ التي تؤثر على مزج المقومات الحضارية الثلاثة بعضها ببعض. فكل محاولة من الأمة الإسلامية في طريق الحضارة بعيدة عن النظرة العقدية ستبوء بالفشل؛ لأن حقيقة الفكرة الإسلامية أو العقيدة الإسلامية واقع صامد، وكائن موجود في عمق الشخصية والمحيط الاجتماعي للإنسان المسلم، وهي تستجيب دائما لطموحات الإنسان المتجددة، بشرط التفاعل مع هذه الفكرة عقيدة وأخلاقا وحضارة.

لكن الذي حدث في القرن العشرين وما بعده، أن نُسِيَت القيم الدينية الروحية والمبادئ الخلقية السليمة من وفاء ومروءة وأمانة ورحمة. نُسِيَت حياة الفضيلة، واتجه بفعله وعمله فقط إلى الحياة المادية، حياة الغدر والخيانة والقتل والقسوة، غير معترف بغيب، ولا بإله لهذا العالم؛ فعاش في حروب ونزاع وقتال، وشاهد آثار الحرب العالمية الأولى (1914م-1918م) والثانية [1939م-1945م) في النصف الأول من القرن العشرين. وهذا هو السبب الثاني من أسباب الغياب الحضاري للأمة الإسلامية اليوم.

الذين اتجهوا إلى بناء العقيدة أساؤوا توظيفها، وذلك بتركيزهم على ممارسة العقيدة ممارسة تفضي إلى الآخرة فحسب، تاركين عمارة الكون والأرض؛ ظنا منهم أن ذلك يعرقل فوزهم بالدار الآخرة. فغياب التوظيف الحضاري للعقيدة الإسلامية عند الشخصية الإسلامية المعاصرة أفسح المجالات الدنيوية (إن جاز لنا هذا التعبير) لغير المسلمين فظهر وانتفش، ومن ثم ليست المشكلة في قوة القوي، وإنما المشكلة في ضعف الضعيف، وهذا هو السبب الثالث من أسباب النكسة الحضارية في العالم العربي المعاصر.

والمرض الذي أصاب الأمة الإسلامية اليوم أن أفرادها يفكرون فيما لهم من حقوق ولا يسعون لأخذ هذه الحقوق.. يفكرون في ما لهم من مطالب، ولا يؤدون ما عليهم من واجبات، وهذا الذي نشاهده من حال الأمة اليوم تجاه القضايا العامة والخاصة.

إن المجتمع العاجز عن الثورة عاجز (أيضا) عن التدين، والبلاد التي تمارس الحماس الثوري تمارس نوعا من المشاعر الدينية الحية، وتلك المشاعر الدينية توجه غالبا في صورة ثورات لتحقق العدالة والجنة على الأرض، والدين والثورة يولدان في مخاض الآلام والمعاناة.

لكل شيء إذا ما تم نقصان      فلا يُغَرّّ بطيب العيش إنسان

والمجتمع الإسلامي اليوم غير مستعد لتقديم هذه الصور الحماسية؛ لأنه غير مستعد للتضحية. وهذا هو السبب الرابع من أسباب الانكسار الحضاري الذي نال الأمة الإسلامية في الآونة الأخيرة.

عودة الكيان الحضاري الإسلامي وقهر عوامل السقوط

إن العواصف الجوية والأعاصير تجر وراءها سيولا هائلة من الماء تأتي على الأخضر واليابس بالخراب والدمار، ولكن تلك السيول تترك طميا يجدد للحياة دورتها، فتنشط الطبيعة وينبعث تيار الحياة من جديد، كذلك الأعاصير الحضارية، أو بتعبير أدق: الأحداث التاريخية الكبرى، تكتب الدمار على حضارة معينة، أو تحدث الخراب والبوار في أمة بعينها، إلا أن تلك الأعاصير وهذه الأحداث الكبرى تترك وراءها طميا حضاريا من دماء الشهداء، يكون باعثا لنفوس تلك الأمة من بعد هذا الدمار وهذا الخراب، كذلك تترك طميا من نوع آخر، ألا وهو ما تخلفه في العقول، حيث تترك بذورا تنبت منها الأفكار التي تغير مجرى التاريخ ووجه العالم.

فعلى المسلم أن يطرح بعث الحضارة بمنطق البقاء حتى يستطيع أن يتقدم؛ واضعا أمامه القانون الإنساني العام الذي وضعه الله عزوجل للناس جميعا: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" (الرعد: 11). 
والناظر في الآية الكريمة يجد أن كلمة "قوم" نكرة لإفادة العموم والشمول، فهي تشمل كل قوم سواء في ذلك القانون المؤمن والكافر، طالما أخذ بأسباب الشهود الحضاري.

نحن المسلمين إذا أردنا أن نأخذ مكاننا في هذا الشهود الحضاري، فعلينا أن نؤدي دورنا كما رسمه لنا الله عز وجل: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ" (آل عمران: 110). 
والمتأمل في الآية يجد أن أول صفة من صفات الأمة الموصوفة بالخيرية هي: "تأمرون بالمعروف" والصفة الثانية "وتنهون عن المنكر"، فهاتان الصفتان جاءتا على صورة الجملة الفعلية التي تفيد التجدد والاستمرار.

ثم إن الجمل من ناحية أخرى دائما نكرات، والنكرات تفيد العموم، وهذا العموم واقع على نوع المأمور به والمنهي عنه، ومن ثم دلت جملة "تأمرون بالمعروف" على كل معروف سواء أكان في شأن الدنيا أم الآخرة. وعلى هذا، فإقامة المصانع والورش، وإصلاح الطرقات والمصارف، وتشييد المدارس ومدائن العلم، وارتياد الفضاء واكتشاف كنهه، وإقامة المنظومات الاقتصادية والسياسية والعلمية والإدارية، وغيرها مما يعود بالنفع على الناس، كل ذلك يدخل في قوله تعالى: "تأمرون بالمعروف". 
وصدق ابن تيمية حين قال: العبادة هي: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة".

وعلى العكس من ذلك، فإن كل إفساد وفساد في الأرض، وكل شيء يعود بالضرر على الناس، سواء في أمور العبادة والنسك أو في أمور الدنيا، يدخل في إطار المنكر الذي أمرنا الله بإزالته في قوله تعالى: "وينهون عن المنكر"؛ ذلك أن الحضارة ذات الجانبين المادي والروحاني في المفهوم الإسلامي لا تنقسم، وإنما تتكامل.

وكما يقول مالك بن نبي: "لا يوجد في طبيعة المفهوم الإسلامي للحضارة إيمان عبارة عن مشاعر في الوجدان، وتصورات في الذهن لا ترجمة لها في واقع الحياة. 
إن الإيمان الحق هو الذي يحيا، وليس هناك إيمان هو مجرد شعائر تعبدية ليس معها عمل يكيف منهج الحياة كله ويخضعه لشريعة الله؛ لأن المسلم مطالب بأداء شهادة لهذا الدين، وبكل تكاليفها في النفس والجهد والمال".