‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات ياسر عبد العزيز. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات ياسر عبد العزيز. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 3 أغسطس 2020

بعد مذبحة المماليك جاء دور الأزهر

بعد مذبحة المماليك جاء دور الأزهر
ياسر عبد العزيز
طالما شبه السيسي بمحمد على، لا لأنه باني نهضة مصر الحديثة، فلم نر من السيسي لا قناطر ولا ترع ولا إدخال محاصيل جديدة لمصر ولا جيشا قويا تهابه الدول وتحسب له ألف حساب، ولا فتوحات يوسع بها حدود الدولة المصرية، ولكن التشبيه جاء في مقام مذبحة القلعة التي قام بها محمد على ضد خصومه المماليك، بمهادنتهم وخداعهم واستدراجهم إلى مصارعهم في ما سمي بالعشاء الأخير أو مذبحة القلعة، فلم يفتأ السيسي أن استتب له الأمر جزئيا بعد مذابح رابعة ورمسيس والقائد إبراهيم والمنصورة والعريش وغيرها، حتى انقلب على "المماليك" الأحزاب السياسية التي هيأت له مناخ الانقلاب ليسيطر على حكم مصر، لينقلب بعدها على المجلس العسكري الذي شاركه الدم، حتى رفيق دربه ووزير دفاعه المحصن بالدستور، والذي سلمه وزارة الدفاع ليكون هو رئيسا، صدقي صبحي، انقلب عليه ضاربا بالدستور عرض الحائط، ولم يبق محمد علي القرن الواحد والعشرين أحدا إلا وأطاح به، ما يعني أن عباس كامل كاتم أسراره وذراعه اليمين ينتظر دوره، وأظنه لو اشتد عود محمود السيسي ستكون نهاية كامل.

ويروي التاريخ أن محمد علي الأول بعدما أطاح بالمماليك ووسع له المقام ولم تعد القوى العسكرية تزاحمه أو تقلقه، استدار نحو القوى المدنية الدينية، فكان الصراع مع الأزهر الشريف الذي أوصله للحكم. 

وما أشبه اليوم بالبارحة، فمشهد بيان الانقلاب الذي حضره شيخ الأزهر ودعمه للانقلاب في مشهد ينصب رئيس المحكمة الدستورية في صورة دستورية، خلفيتها كانت أظهر من مقدماتها، وهي تنصيب ملقي البيان ووزير الدفاع رئيسا بعد أن يتزوجها المحلل، وشهد على الإفك شيخ الأزهر ذو الرمزية العلمية في قلوب العرب والمسلمين ومن ثم المصريين، فوجود شيخ الأزهر يعطي "المصداقية" و"الشرعية الدينية" لأكبر سرقة في القرن الواحد والعشرين ولقد شبهتها في حينها بشركات توظيف الأموال التي يملكها أصحاب اللحى ـ مع كل الاحترام لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ـ وتباركها الدولة، الشريكة في سرقة المصريين، بحضور رئيس الوزراء افتتاح مشاريع تلك الشركات.
قانون تنظيم دار الإفتاء هو حلقة في سلسلة الدولة البوليسية وإحكام قبضة الدكتاتور على مؤسسات الدولة، إفقاد الثقة في مؤسسة عريقة تحمل الأمة كلها لها التوقير والإجلال، لكنها حرب العسكر ضد أي قيادة،

لست في مقام الدفاع عن شيخ الأزهر الحالي، لأني كنت ممن عارضوا الإبقاء عليه في عهد الرئيس الشهيد محمد مرسي، ولكني كنت من المدافعين عن تحصين منصب شيخ الأزهر في دستور الثورة، والذي أبقي على فحواه في دستور الانقلاب، ذلك لأني عملت مع بعض الثوار في تعديل قانون الأزهر وتطويره وتعظيم دوره، ليكون مرجعا للأمة ولمصر حال الخلاف، ذلك لأننا كنا نستشرف المستقبل ونرى التجاذبات، وكنا نود أن يكون الأزهر المرجع والملجأ والبيت الذي يحل فيه الخلافات، ولكي يقوم الأزهر بهذا الدور كان لزاما أن يعود قويا كما كان وقائدا ومبادرا وجامعا للشعب في الملمات قبل الأفراح، فتاريخه المعروف ورجالاته الذين سطروا مجد هذه الأمة يجب أن  يعودوا، ولن يعودوا إلا بعتقهم من عبودية الدولة التي صكها عبد الناصر.

لم يكن شيح الأزهر الحالي في نظري إلا انقلابيا منفلتا جار على حق الجماعة الشعبية في اختيار طريقة الحكم ومن ينفذها، بمباركته الانقلاب على الدستور والرئيس، ولم أر يوما في مناكفاته مع السيسي، إلا محاولة لإثبات الوجود أو حماية منصب أو حظ نفس، أو عنترية أراد أن يتلبسها مستحضرا سير عظماء الأزهر ليسطر اسمه بينهم، وهو ما لن يكون، لأن المبادئ لا تتجزأ، فمن رضي بالظلم أولا، ثم القتل ثانيا، لن يحشر، في عرف البشر، مع عمر مكرم والمراغي وشلتوت وجاد الحق وغيرهم من عظماء الأزهر، أما السيسي فلا أظنه يرى في الطيب واحدا من هؤلاء، لكنه رضي بنموذج شوقي علام أو علي جمعة لتمرير ما يريد، ويخشى أن يخرج من بين ظهراني الأزهر بطلا يعيد للأزهر مكانته ويحيي الروح في الأمة فتكون نهاية الطغاة.

قانون تنظيم دار الإفتاء هو حلقة في سلسلة الدولة البوليسية وإحكام قبضة الدكتاتور على مؤسسات الدولة، إفقاد الثقة في مؤسسة عريقة تحمل الأمة كلها لها التوقير والإجلال، لكنها حرب العسكر ضد أي قيادة، فالعسكري لا يحتمل أن توزع المسؤولية، ولا يكون زعيما إلا الزعيم، لكن زعيمهم لا يجيد الاسترشاد بآيات القرآن ولا توظيفها إلا كما قرأ من قرأ "لا تقربوا الصلاة" فهذا القائد الذي أنطقه الله: (أي حاجة ما ترضيش ربنا أحنا معاها وبندعمها) لن يترك للزعامة الدينية أن تكون، لكنه وللأسف لا يعلم أن التاريخ خير معلم، وأن المياه تشق لها طريقا إذا حالت الظروف دون جريانها، فانقلاب محمد علي على عمر مكرم، وانقلاب مبارك على جاد الحق، شق للزعامة الدينية طريقا بعد أن حال هؤلاء بين جريان الزعامة الدينية في مجرى الأزهر، فأصبحت الزعامة الدينية طريقا شعبيا يحفر في الصخر ليمكن دين الله، والله متم نوره بالأزهر أو بغيره لو كانوا يعلمون. 

الأربعاء، 18 ديسمبر 2019

هل سيحضر الأستاذ القمة الإسلامية المصغرة بكوالالمبور؟

هل سيحضر الأستاذ القمة الإسلامية المصغرة بكوالالمبور؟

ياسر عبدالعزيز

أيام تفصلنا عن انطلاق أعمال القمة الإسلامية المصغرة في كوالالمبور والتي دعا إليها رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد تضم كلا من وتركيا وقطر وإندونيسيا وباكستان، ،بالإضافة إلى الدولة المضيفة ماليزيا، وذلك بهدف صناعة حالة إسلامية جديدة فاعلة في ظل حالة الانسحاب التي يشهدها العالم الإنساني وتضخم أزماته في وقت نشهد فراغا حقيقيا للقيادة الإسلامية باستثناء تركيا التي تلعب دورا إنسانيا ناعما بالأساس، وأخيرا بدأ ذلك الدور يأخذ منحى الخشونة، إلا أن هذا التحول تضبطه ضغوط ومعايير وتوازنات دولية، بمعنى آخر تلعب في إطار المسموح بعد أن تحول الحلفاء المفترضون إلى المعسكر الآخر، والذي تراه الشعوب الإسلامية تتقاطع مع مصالحها، إن صح التصنيف.

وتهدف القمة إلى تأطير العمل على التنمية بين الدول المشاركة من خلال التجارة والاستثمار البيني من خلال العدالة والحرية والنزاهة، وكذا رفع الكفاءةالتكنولوجية وإدارة الإنترنت بينهم، والتأكيد على الثقافة والهوية الإسلامية لتلك الدول، كم ستعمل القمة على احترام سيادة الدول المشاركة، من خلال الدفع باتجاه السلام في المنطقة والعالم مع الحفاظ على منظومة دفاعية مشتركة تحمي هذا السلام وتؤمن سيادة الدول التي يؤكد المؤتمر على وجوب العمل فيها من خلال الحكم الرشيد.
في السابع والعشرين من فبراير عام 2011 أسلم المهندس، الملقب بين أتباعه بالأستاذ، نجم الدين أربكان الروح بعد نضال طويل في الحياة السياسية التركية المدفوعة برغبة لعودة بلاده إلى أمتها الإسلامية كفاعل حقيقي، هذا الهم الذي دفع ثمنه من حريته سنوات من السجن، الأستاذ أربكان والملقب أيضا بــ (أبو الإسلام السياسي في تركيا) عمل على مشروع يماثل ذلك الذي تقدم به مهاتير محمد قبل أشهر، وجمع عليه “الأستاذ” كل من ماليزيا وباكستان وإندونيسيا وإيران وبنجلاديش ومصر ونيجيريا بالإضافة إلى تركيا الداعية لفكرة الاتحاد الإسلامي، وذلك على الرغم من وجود منظمة التعاون الإسلامي وقتها، إلا أن الرجل رأى أن البدايات الصغيرة أفضل بكثير من كيان كبير حركته بطيئة.
وضع أربكان أهدافا للاتحاد الوليد في حينها تمثلت في دعم السلام في المنطقة والعالم من خلال الحوار البناء، مع التأكيد على العدالة في شتى القضايا المطروحة والوقوف أمام ما أسماه طغيان الدول الكبرى وسعيها الدؤوب على الاستعمار، مع تغيير أشكاله وتطويرها وبقاء الهدف، وطرح في المقابل التعاون البيني دون استغلال أحد الأطراف للآخر مع الحفاظ على حقوق الإنسان وكرامته، ومع أن الدول التي دعاها أربكان أغلبها حاضرة في كوالالمبور (تركيا، اندونيسيا، إيران، قطر، ماليزيا) رغم غياب بنجلاديش ونيجيريا ومصر لظروف تراها الدولة المضيفة، و كذا غابت ظروف كثيرة أثرت على نجاح فكرة اتحاد أربكان الإسلامي، إلا أن أهداف الاتحاد الإسلامي الذي غيبها عسكر تركيا في تسعينات القرن الماضي لم تغب، بل تمحورت وأعيد صياغتها بحسب الحاجة والظرف والتحديات.
وعلى الرغم من محاولات البعض التهوين مما يمكن أن تخرج به القمة من نتائج، حتى وصفها بعض الإعلاميين المحسوبين على دول لم تدع بالأساس إلى هذه القمة بــ (قمة مهاترات) تندرا من مهاتير محمد رئيس الوزراء الماليزي، فإن القمة تحمل الكثيرمن عوامل القوة التي تكفل لها النجاح، ومنها إمكانات الدول المشاركة فيها، فتركيا وماليزيا واندونيسيا دول ذات قوة اقتصادية كبيرة وباكستان واندونيسيا دول ذات قوة سكانية وسوق كبير يمكن الاستفادة منه، وقطر وإيران دول لا يستهان بها في مجال الطاقة لاسيما الغاز، أما الجانب التقني الذي قطعت فيه ماليزيا شوطا كبيرا، سيكون رافعة للمشروع التكاملي المأمول، ويحمل كل هذا، قوة عسكرية نووية في جانب منها، متمثلا في تركيا وباكستان.
وهو ما يعني أن الدول المشاركة في القمة، والطامحة إلى شراكات واعدة تأسس لتكامل في المجالات التي ستناقش خلال اجتماع قادتها، تمتلك رصيدا كبيرا من الإمكانات التي تؤهلها لتغيير الواقع الاقتصادي والسياسي وحتى الاستراتيجي في دولها وحتى على مستوى العالم الإسلامي، فيما لم تجد مناكفات من دول العالم الإسلامي الأخرى والتي بدأت توجيه منصاتها الإعلامية تجاه القمة قبل أن تبدأ.
فإن غاب الأستاذ نجم الدين أربكان بجسده، فإن روحه حاضرة في هذه القمة، لذا أدعو الأمانة العامة للقمة أن تذكره وتذكر مشروعه الأول والذي كان بمثابة شرارة البدء لعمل إسلامي ناضج يسعى الآن الداعين له لإنجاحه، في ظروف أفضل مما عاشها الأستاذ أربكان.

 

المصدر: ترك بوست

الأربعاء، 18 سبتمبر 2019

عميان محمد علي!

عميان محمد علي!

ياسر عبد العزيز



في قصته التي أوصلته إلى منصة جائزة نوبل في الآداب، وكأن البرتغالي جوزيه دي سوزا ساراماجو أسقط بقصته العمى على الحالة التي يعيشها الشعب المصري الآن، والتي عاشتها قبله شعوب المحيط العربي، يصاب بطل قصة ساراماجو بالعمى المفاجئ، عمى ليس كالعمى المعروف في كتب الطب، عمى يحتار فيه الأطباء ليس فقط لأن المريض يرى الأشياء بيضاء على خلاف العمى المرضي، ولكن لأنه أيضا معدٍ، فيعدي البطل الطبيب وبعض المرضى والمحيطين والشرطي الذي تخلى عن أمانته وسرقه، وتتعامل الحكومة مع الظاهرة التي تتزايد، كعادة حكومات منطقتنا، بعزل المرضى ومعاملتهم أسوأ معاملة، وتساومهم على طعامهم ثم على شرفهم، لكن الشاهد من القصة التي تنتهي بانتصار العميان على حراسهم وعلى النظام الذي قتلهم معنويا قبل قتلهم ماديا وسرق منهم حريتهم بإيداعهم حجرا صحيا، حتى يتخلص من عدواهم، والتي انتقلت إلى العامة ليحقق العمى غير التقليدي الذي اختاره ساراماجو ليكون رمزية للثورة التي تنتقل بالعدوى، كما انطلقت من تونس لتصيب مصر وليبيا وسوريا واليمن والسودان والجزائر الآن، والآن يطلق أحدهم الفيروس من جديد فيصيب به مليونا ومئتي ألف شخص تفاعلوا مع دعوته عبر منصة تويتر قبل أن يحذف.
ظاهرة
المقاول والممثل محمد علي ظاهرة بكل تأكيد، استطاع ببضعة مقاطع مصورة أن يهز أركان نظام الانقلاب، وجعل رأس النظام يخرج ليرد بنفسه بعد أن فشلت أذرعه الإعلامية والمخابراتية أن تحجم الظاهرة التي سرت كالنار في الهشيم، لا لشيء إلا لأن الشعب بالفعل طفح به الكيل وصار لا يتحمل الضغط أكثر، فعمال الإسماعيلية الذين خرجوا وهم يعرفون أنهم في مرمى نيران النظام، وسكان حي عين الصيرة الذين لن يقبلوا بمصير سكان حي الوراق انتفضوا رافضين تهجيرهم قسرا، من أجل أن يستفيد بأرض مساكنهم أحد الضباط الكبار، ضجوا وقرروا عدم السكوت ولو كلفهم ذلك حريتهم أو حتى أعمارهم.
إن دعوة المقاول والممثل محمد علي الشعب للخروج يوم الجمعة القادم ولو لمدة ساعة دعوة جيدة لو أعد لها العدة وتم الترتيب لها على النحو الذي يوصل الرسالة بأقل الخسائر الممكنة، فالشارع لم يشهد حراكا قويا منذ فترة ويحتاج الثوار لأن يستعيدوا لياقتهم وروحهم الثورية، لذا فأرى أن نزول يوم الجمعة لن يسقط النظام ولكن سيسقط جدار الخوف الذي استطاعت القبضة الأمنية أن تبنيه في قلوب المصريين بعد شلال الدم  الذي أريق في السنوات الماضية والتي كانت - وأشياء أخرى - كفيلة بإسكات الثوار.
حالة استنفار
المعلومات تقول إن حالة استنفار قصوى في صفوف قوات الأمن والمخابرات بعد الدعوة التي وجهها الممثل محمد علي والتي وجدت صدى وتفاعلا واسعين لدى المصريين، وهو إن دل على شيء فإنما يدل على ضعف النظام وهوانه، فالنظام يعرف جيدا أنه إن سقط فلن يسامحه الشعب على جرائم القتل والتعذيب والإخفاء والإفقار والتجويع الذي يعيشه  منذ أن أطل النظام برأسه على هذا البلد الطيب، فكثيرة هي الثأرات وكثيرون هم أصحاب الحقوق وأولياء الدم، لذا فإن المعركة ستكون حامية، لكن كثيرين أيضا من الضباط بدأوا يعرفون أنهم وقود هذه المعركة التي ليس لهم فيها ناقة ولا جمل، لكن آخرين ربطوا مصيرهم بمصير القاتل فسيكون دفاعهم عن النظام مستميتا، لذا أرى أن التجمعات في الشوارع الكبيرة فخ كبير، والبديل هو تجمعات صغيرة في شوارع جانبية لإيصال الرسالة للنظام والعالم من خلفه، فتظاهرات الفراشة والكتابة على الجدران والعودة بدون خسائر هي مكاسب كبيرة أهمها كسر حاجز الخوف والتدريب على الموقعة الحاسمة وإنهاك القوات الأمنية لحين المعركة الفاصلة.
كما أن الثورة هى تضحية بالأساس لكن التضحية تستوجب مقابلا مجزيا فالحرية والروح أغلى ما يمتلكه  الإنسان فلا أقل من أن نسترد بلادنا ثمنا لهما حتى نضحي، لقد سقطت أنظمة أقوى من النظام المصري بمراحل بقوة الشعب وإرادته والحاضنة الشعبية التي ستحتوي على شريحة البدء أو عميان محمد علي، كما عميان ساراماجو الذين أصابوا الشعب بعدوى الثورة فانتصروا، تلك الشريحة التي ستقود الجماهير للخلاص من الظلم والقهر والفقر وتستعيد للبلاد حريتها ومكانتها وكرامتها التي أهدرتها عصابة اللصوص.         

الثلاثاء، 17 سبتمبر 2019

لماذا فشل المشروع السعودي؟


لماذا فشل المشروع السعودي؟
ياسر عبد العزيز

الضربة التي وجهت لمعملي تكرير النفط التابعين لشركة أرامكو السعودية بمنطقة بقيق وتسببت بتوقف ضخ كمية من إمدادات الخام تقدر بنحو 5 ملايين و700 ألف برميل يوميا، أي ما يعادل قرابة 6 بالمائة من إمدادات الخام العالمية، وهو ما دفع أسعار النفط إلى القفز بشكل غير مسبوق خلال السنوات الماضية، والتي حرصت الولايات المتحدة الأمريكية على الإبقاء عليه خلال تلك السنوات عند متوسطات مقبولة لديها، للاستفادة من تلك الأسعار لصالح وارداتها، إذ تستورد الولايات المتحدة من السعودية ما يقارب الــ 600  ألف برميل يوميا، وكانت السعودية قد تعهدت للولايات المتحدة الأمريكية بتغطية إنتاج إيران من النفط بعد فرض أمريكا عقوبات اقتصادية عليها تحرمها من تصدير إنتاجها البالغ على اقل تقدير 2.7 مليون برميل يوميا.
   
الضربة التي وجهت إلى البنية التحتية لصناعة النفط في السعودية ضربت كل مخططات السعودية وأمريكا، وعلى الرغم من أن المقال ليس اقتصاديا ولن يتطرق بالمزيد من التحليل في أثر الضربة على سوق النفط ومن تضرر ومن ربح منها إلا أن الخلاصة في هذا الشأن أن السعودية خسرت بشكل كبير والخسارة هنا ليست على المستوى الاقتصادي كما ذكرنا وإنما على المستوى السياسي والعسكري بعدم قدرتها على الدفاع عن منشأتها النفطية، عصب اقتصادها الريعي، وعلى المستوى السياسي بعدم وجود رؤية للقيادة لوقف هذه الضربات، كما انه عكس حقيقة عدم وجود حليف حقيقي يحميها بعد تكرر هذه الضربات خلال الأسابيع القليلة الماضية على مستويات متفاوتة وكأنها رسائل لما هو أكبر، وقد كان.
   
المشروع السعودي عمل لمصلحة الغير، المستفيدين من طمع الأفراد القابعين على كرسي العرش في تلك البلاد الغنية، فقدموا خيرات بلادهم ودماء بني جلدتهم قربانا لتلك القوى
ولن نقف كثيرا عند حادثة بقيق، فما هي إلا واحدة من نتائج فشل الإدارة السعودية، إلا أنها ليست أول النتائج ولن تكون آخرها، طالما بقيت الإدارة السعودية على نفس السياسة التي انتهجتها منذ نشأة الدولة السعودية الثالثة على يد المؤسس الملك عبد العزيز آل سعود، الذي فضل الانفصال عن الخلافة العثمانية بعلاقات ربطته بالإنجليز في حينها ثم الأمريكيين في مرحلة لاحقة، وكان اللقاء بين الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت والملك عبد العزيز بن سعود بداية إرساء قواعد الدور الذي ستلعبه السعودية والتي ارتضاها الأمريكيون وحرصوا على متابعة تنفيذها، فكانت سنة لقاء الرؤساء الأمريكيين للسعودية أو استدعاء ملكهم للبيت الأبيض أحد مهام الرئيس الأمريكي لمتابعة أداء المهام من قبل الملك.
  
لقد لعبت المملكة السعودية دورا مهما في إطفاء الحرائق الشعبية تجاه الاحتلال العسكري والفكري والاقتصادي الغربي بشكل عام والأمريكي بشكل خاص والأمثلة في ذلك تكثر، وقد اتخذت من مكانتها الدينية كراعية لمقدسات المسلمين ستارا للعب هذا الدور بجدارة على المستوى الشعبي من خلال دعاتها أو بشراء منابر الدعاة في الدول المؤثرة كمصر، وعلى المستوى العسكري بإخماد أي حراك سني أو قومي كقوات فجر في لبنان، والنضال العسكري في عراق ما بعد الاحتلال، كما كان المال السياسي حاضرا في الكثير من الحوادث الكبيرة في الوطن العربي بشراء السياسيين، حتى وصل الأمر لشراء رؤساء الدول كما اعترف عمر البشير في السودان وما اتهم به مبارك في مصر، وضيعت الأدلة، ومخابراتيا في الجزائر إبان العشرية السوداء، وحديثا وبعد ثورات الربيع العربي في كل بلد شهد ثورة شهد يدا سعودية تعبث من أجل إخمادها بالمال والمكائد والدعاة الموالين لقمع الشعوب وإفشال سعيهم من أجل الحرية.
   
لقد استطاعت إيران خلال السنوات العشرين الأخيرة إنضاج مشروعها بصناعة أذرعها وتدريبهم وتسليحهم وركزت في ذلك على النقاط الاستراتيجية الخادمة للمشروع والمؤثرة في قرار مواجهتها وقت تحين المواجهة، عرفت إيران ماذا تريد وكيف تصل إليه وعرفت كذلك أدوات الوصول إليه، وكانت سفاراتها وقنصلياتها خلايا نحل لا تهدأ ليل نهار لإنجاز المشروع، واستفادت من مشروعها شعبيا من خلال دعاة المذهب واستطاعت أن تجني ثمار جهدها رجالا وأموالا، حتى أصبحت تجمع بدلا من ان تنفق، ففتحت خزائن العراق واليمن وسيطرت بشكل أو بأخر على اقتصاد لبنان، لتؤكد في السنوات الخمس الأخيرة أن مشروعها حقق نجاحات تغري بالسعي لتحقيق المزيد، فلقد عملت إيران لنفسها مستفيدة من طمع الغير وأخطاء الآخرين.
  
المشروع السعودي عمل لمصلحة الغير، المستفيدين من طمع الأفراد القابعين على كرسي العرش في تلك البلاد الغنية، فقدموا خيرات بلادهم ودماء بني جلدتهم قربانا لتلك القوى، من أجل متاع فان ومصلحة آنية تزول بزوال الشخص، وتكرر الأمر من وارثي العرش واحدا تلو الآخر، فلم يسع أحدهم لمشروع سني جامع يحمي عرشهم ويقف أمام عدوهم، بل على العكس حاربوا الشعوب ووقفوا أمام إرادتهم ورغباتهم في التحرر والانعتاق واعتاقهم من نير الإمبريالية الغربية، وهو ما يفسر فشل المشروع السعودي أينما حل، وانفضاض الشركاء عند أول منعطف ليترك منفذي المشروع وحيدين تحت ضربات الأعداء والحلفاء المفترضين.