الخميس، 24 مايو 2018

قصة عماد الدين زنكي

 قصة عماد الدين زنكي 

 خدم الإسلام وقتلته الباطنية (استشهد: 6 ربيع الآخر 540هـ)

أدرك زنكي أن التوحد قرين التوحيد


عاشتِ الأمةُ الإسلامية قُبيل عماد الدين زنكي ظروفًا مشابهة لوقتنا الحاضر أو أشـدَّ، دويلاتٌ هزيلة تدّعي –زورًا– الاستقلال والسيادة، حكامٌ يربطون مصيرَهم بمصير المحتل الصليبي، أنظمةٌ اعترفت بالمحتل وأقامت معه العلاقات والصلات، تعاون فجّ وتواطؤ مقيت بين المحتل الصليبي وحكام المنطقة العربية لوأدِ بذور المقاومة والتحرير، وهذا مثالٌ بسيط على تردي الأوضاع، وسوء الأحوال، واختلال الموازين:

استطاع حاكمُ الموصل الأميرُ “مودُود بن التونتكين ” أن يكوِّن حلفًا إسلاميًا لجهاد الصليبيين، وأخذ الجيش يقترب من القدس؛ فخرج ملكُ القدس “بلدوين الأول” بسرعة في اتجاه “طبرية”، واختار “مودود” شبه الجزيرة المعروفة بالأقحوانة، بين نهري الأردن واليرموك، ونصب كمينًا لجيش “بلدوين”، وشاءَ اللهُ أن يدخلَ “بلدوين” في الكمين، وشاء اللهُ أيضاً أنه لم يتركْ حاميةً تحمي ظهرَه، ودارتِ الموقعةُ التي عُرفت في التاريخ بموقعة “الصنبرة” 13 محرم سنة 507 هــ ، وما هي إلا ساعات حتى سُحِق الجيش الصليبي، وقُتل ما يزيد على ألفي فارس، وغنم المسلمون غنائم هائلة.

بعد هذا الفوز العظيم والأول على الصليبيين دخل الأميرُ “مودود” دمشق مع أميرها “طُغتكين” ليؤدي صلاة الجمعة فدبّر “طُغتكينُ” مؤامرة لقتله، ولما فرغوا من الصلاة وخرجوا إلى صحن الجامع ويدُ “مودود” في يد “طُغتكين”، فجأة وثَبَ عليه باطنيٌّ (شخص يتبع المذهب الباطني) فطعنه بخنجرٍ أربعَ طعناتٍ، وحُمِل “مودودُ” إلى بيت “طغتكين” وكان صائمًا فاجتهدوا به ليُفطرَ فرفضَ وقال: لا لقِيتُ اللهَ إلا صائمًا. ثم مات رحمه الله، ومن المحزن أن ملكَ القدس “بلدوين الأول” أرسلَ إلى “طغتكين” برسالةٍ يقول فيها: إن أمةً قتلتْ عميدَها يوم عيدِها وفي بيتِ معبودِها لحقيقٌ على الله أنْ يُبيدَها!.

أرسلَ السلطانُ “محمد السلجوقي” حملةً جديدةً بقيادة “بُرسق بن برسق”، ولم تَكَدْ الحملةُ تعبرُ الفراتَ حتى أجْمعَ الأمراءُ من المسلمين أو الصليبيين على مقاومتها!، والكلّ خائفٌ على عَرْشِهِ ومُلكِه وتاجِه، فمن جانبِ المسلمين قاومْها أميرُ ماردين وأميرُ حلب وأتابك دمشق، ومن جانب الصليبيين قاومْها أميرُ أنطاكية وأميرُ طرابلس، وعند “أفامية” شمال “حماة” احتشدتْ قواتُ حلبَ ودمشقَ مع قوات بيت المقدس وأنطاكية لمواجهة “برسق” الذي أدركَ صعوبةَ الموقف فآثرَ الانسحابَ.

وفي هذا المستنقعِ الآسن، وفي تلك الظروف الوبيئة خرج عماد الدين زنكي، فرفعَ راية الجهاد،ووضعَ حجرَ الأساس، وغرسَ الفسيلة، ثم جاء بعدَه ولدُه الملك العادل نورُ الدين محمود فاستلم الراية وهي منشورة، ورفع القواعد من البيت، وسقى الفسيلةَ حتى صارت شَجَرَةً طَيِّبَةً أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا، فلمّا جاء صلاحُ الدين الأيوبي، وجدَ رايةً خفّاقَةً فرفعَها، وبيتًا شاهقًا فعلَّاه، وشجرةً زاهيةً فقطف ثمارَها، ليذهبَ عمادُ الدين زنكي – وحده – بصعوبةِ التأسيس، وتعبِ الغرس، ومشقة البدء والشروع.

استُشــهد زنكي سنة 541 هـ وتم تحرير المسجد الأقصى عام 583 هـ، وأقول بملءِ العين والفم: عماد الدين زنكي هو من حرَّر المسجد الأقصى وليس صلاح الدين، مع كامل الاحترام والتقدير لبطل الإسلام وسلطان الفتوحات وأسد الجهاد صلاح الدين الأيوبي تغمد اللهُ الجميعَ بالرحمات.
صلاح الدين الأيوبي
وهنا نتساءل: كيف ظهرَ عماد الدين؟ كيف كانت بداياتُه؟ كيف بدأ لحْلَحةَ المشهد وشرعَ في التأسيس والبناء؟. وباستقراء سيرة الرجل، ومطالعة تاريخه نقول:

أولًا: كان عماد الدين إصلاحًا للنظام ولم يكن انقلابًا عليه

لقد خرج زنكي من رحم النظام القائم، ونبتَ في أكنافه، وعلا في مناصبه، وترقّى في سلكِه الإداري حتى وصلَ إلى الإمارة، فلقد كانتِ الدولةُ السلجوقية دولةً مسلمةً، يحكمها حكامٌ مسلمون، وتسودُها شريعةُ الإسلام، فلا يحتاج زنكيُّ لتغيير نظام الحكم والانقلابِ عليه، وإنما إلى إصلاحه.

1 – والده أحد أقطاب الدولة

كان والدُه “قسيم الدولة آق سُنقر التركماني” من أصحاب السلطان “مَلِكْشاه” وأترابه ، فقد نشأ الرجلان وترعرعا معًا، فلما تسلّم “مَلِكْشاه” الحكمَ ولّاه حلبَ وأعمالها كاللاذقية وكفر طاب، ثم وسّع “قسيمُ الدولة” نطاقَ ولايتِه فاستولى على حمص 483 هـ، وحصن أفاميه 484 هـ، يقولُ ابنُ الأثير: ( وكان قسيمُ الدولة أحسنَ الأمراء سياسةً لرعيته، وحفظًا لهم، وكانت بلاده بين رُخصٍ عام، وعدلٍ شامل، وأمنٍ واسع ) ويقولُ ابنُ كثير: ( كان من أحسن الملوك سيرةً، وأجودِهم سريرة، وكانت الرعيةُ في أمنٍ وعدلٍ ورُخص )، دخل في صراعٍ مع حاكم دمشق “تُتُش بن ألب أرسلان” والتقى الجيشان عند تل السلطان قرب حلب سنة 487 هـ، وهُزم “قسيم الدولة” ووقع أسيرًا، فسأله “تُتُش”: لو ظفرتَ بي ما كنتَ صنعتَ بي؟ فأجابَه في شجاعةٍ: كنتُ أرى قتلك. قال: فأنا أحكمُ عليك بما كنتَ تحكمُ عليَّ، فقتلَه صبرًا.

2 – إمارة واسط والبصرة

عَيَّن السلطانُ محمود قائدَه “آق سُنقر البرسقي” شِحْنة بغداد (أي رئيس الشرطة) عام 516 هـ وأمره باصطحاب “عماد الدين زنكي” وحفظِه والإحسان إليه لمكانة والده في الدولة، واشترك زنكي مع البرسقي في المعركة التي دارت ضد الأمير “دُبيس بن صدقة” أمير الحلة، ورأى البرسقي أن يَزيدَ من اعتماده على “زنكي” فولاه “واسط” وكلّفه مهمة الدفاع عنها، فأظهر كفاءةً وحزمًا، فأضاف إليه البصرة كي يَصدَّ عنها هجماتِ الأعراب، فانتقل إليها “زنكي” ليحققَ فيها ما أنجزه في واسط.

3 – شِحْنة العراق

أراد الخليفةُ المسترشدُ بالله العباسي الاستقلالَ بالعراق عن سلطان السلاجقة، فسار السلطانُ محمود إلى بغداد وأرسلَ إلى زنكي أن يحضرَ بنفسه ومعه قواته في البر والماء، فجمعَ السفنَ من البصرة وواسطٍ ولم يترك سفينةً إلا أخذها، فلما قارَبَ بغدادَ نَشرَ الأَعلامَ وأظهرَ السلاحَ، وأخرج بعضَ ما في السفن إلى البر فامتلأتِ الأرضُ والماء رجالًا وسلاحًا، ورأى الناس منظرًا عجيبًا، وعظُم ذلك في أعينِهم. فلما تمَّ الصلحُ بين الخليفة والسلطان نظر الأخيرُ فيمن يَصلُح لشِحْنة بغداد فلم يجد أفضل من عماد الدين فولّاه شِحنة بغداد مضافًا إلى ما في يده من الأعمال والأقطاع. وهكذا نجدُ عماد الدين زنكي يترقى في مناصب الدولة، وسلكها الإداري حتى يصل إلى إمارة الموصل.

ثانيًا: جاء زنكي بناءً على رغبة الناس ومشورةِ أهل الحَل والعَقد

1 – ولاية الموصل

لما قُتل “آق سُنقرالبرسقي” على يد الباطنية 520 هـ، وكان قد رأى في منامه أن عِدةَ كلابٍ ثارتْ به فقَتلَ بعضَها ونال منه الباقي ما آذاه، وقصَّ رؤياه على أتباعِه، فأشاروا عليه بترك الخروج من داره عدة أيام، فقال: لا أترك الجُمع لشيء أبداً، فغلبوا على رأيه، ومنعوه من قصد الجمعة، فأخذ المصحف يقرأ فيه، فأول ما رأى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} فركب إلى الجامع على عادته، وكان يصلي في الصف الأول فوثب عليه بضعة عشر باطنيًا، عدة الكلاب التي رآها، فجرحوه بالسكاكين، وجرح هو بيده منهم ثلاثة، وقُتل رحمه الله ،فتولى بعده ولدُه الأمير “عزالدين مسعود” فلم تطُلْ أيامُه وتوفي سنة 521 هـ، فتولى أخٌ له صغير، وقام بتدبير الإمارة مملوكٌ لأبيه يُقال له “جاولي”.

وأرسل جاولي إلى السلطان محمود يطلب منه تقريرَ البلاد على الطفل الصغير، وكان رسولُ جاولي إلى السلطان هو القاضي بهاء الدين الشهرزوري وصلاح الدين محمد الياغيسياني، فحضرا إلى السلطان ولكنهما كانا لا يَرضَيان عن جاولي ولا يَريانه أهلًا للولاية ، فاجتمعا بوزير السلطان وقالا له: “قد علمتَ أنت والسلطانُ السلجوقي أن ديارَ الجزيرة والشام قد تمكّن الفرنجُ منها، وقويت شوكتُهم بها، واستولوا على أكثرها، وقد أصبحت ولايتُهم من حدود ماردين إلى عريش مصر ما عدا البلاد الباقية بيد المسلمين، ولابد للبلاد من رجلٍ شهْمٍ شجاع ذي رأي وتجربةٍ يَذُب عنها ويحمي حوزتَها، وقد أنهينا الحال إليك لئلا يجري خللٌ أو وَهَـنٌ على الإسلام والمسلمين، فنحصل نحن بالإثم من الله واللوم من السلطان”.

وقام الوزير “شرف الدين أنو شروان بن خالد” بتوصيل مطلبهما إلى السلطان محمود، فاقتنع السلطانُ برأيهما، وعندما استشارهما فيمن يفضلون لولاية الموصل؟، أشارا عليه بمجموعة من القادة المسلمين من بينهم عماد الدين زنكي حتى لا يشك في أمرهما، إلا أن السلطان أختار عماد الدين بإيعاز من وزيره أنو شروان وعينه والياً على الموصل، وهكذا وصل عمادُ الدين إلى منصب الإمارة.

2 – ولاية حلب


كانت حلب قد وقعت في حالة شديدة من الفوضى بعد وفاة “عز الدين مسعود البرسقي” وأصبحت ميدانًا للتنافس بين “سليمان بن عبد الجبار الأُرتُقي” و “إبراهيم بن رضوان السلجوقي” حتى طمع فيها الصليبيون “جوسلين الثاني” أمير الرها و”بوهيمند الثاني” أمير أنطاكيا، وحتى عُقدت هدنة بين “سليمان” و”جوسلين” تنازل الأول بموجبها عن بعض المناطق الزراعية المحيطة بالجهات الغربية لحلب، وهنا تدخل “زنكي” وفوَّت على الجميع الفرصة، فمكّن لنفسه مستغلًا تقليد السلطان له بحكم الموصل والجزيرة والشام، فسار نحو حلب، وخرج أهلُ حلبَ إليه، فالتقَوه واستبشروا بقدومه، وأظهروا من الفرح ما لا يعلمه إلا الله – كما يقول ابن الأثير– ودخل البلد واستولى عليه ورتّب أمورَه.

بل إنّ جماعةً من أهل دمشق كاتبوه أن يفتحوا له أبواب المدينة ويُسلموه إياها، فقال زنكي: لا أرى هذا رأيًا، فإن البلدَ ضيقةُ الطرق والشوارع، ومتى دخل العسكرُ لا يتمكنون من القتال فيه لضيقه، وربما كثر المقاتلون لنا، فنعجز عن مقاومتهم لأنهم يقاتلون على الأرض والسطوحات، وإذا دخلنا البلد اضُطررنا للتفرق لضيق المسالك فيطمع فينا أهله، كما يذكره أبو شامة في كتاب الروضتين.

ثالثًا: الحرص على الحكم والإمارة والسلطان

لم يكن عماد الدين زاهدًا في الإمارة، كارهًا لها، بل كان يسعى إليها، ويحرصُ عليها، ويحتال لها، لأنه يعلم أن مشاريعَه وأهدافَه لن تُنفذ ما لم يكن في سدة الحكم، وأن أحلامَه وغاياته لن تتحقق ما لم يكن على رأس الدولة، وأنك لا شيء ما لم يكن لك دولة.

1 – حين قلّده السلطانُ إمارةَ الموصل سار عمادُ الدين من بغداد إليها، ولأنه كان يعتقد أن حاكمَ الموصل السابق “جاولي” سيعارضُه، ويمتنع عنه، ويغلق البلدَ دونه، فقد استولى عمادُ الدين على قرية “البوازيج” قُرب تكريت، ليملكها ويتقوى بها، ويجعلَها ظهرَه إن منعه “جاولي” من الموصل.

2 – بعد شهور من تولي عماد الدين أمرَ الموصل حدثت محاولةٌ للإطاحة به وعزلِه، ففي سنة 523 هـ سار السلطانُ محمود ومعه الأمير “دُبيس بن صدقة” ليصلحَ بينه وبين الخليفة، وبلغَ عمادُ الدين أن السلطانَ قد عزم على عزله وتولية “دُبيس” مكانه في إمارة الموصل، فسافر في حينِه إلى السلطان، ولم يشعرِ السلطانُ إلا وزنكي عند بابه أمام الستر، وبذل الجملة العظيمة من الأموال، حدّدها ابنُ تغري بردي بمائة ألف دينار، فرضي السلطانُ وخلع عليه وأعادَه إلى ولايته.

3 – حاصر الخليفة “المسترشد بالله” العباسي الموصلَ سنة 527 هـ في ثلاثين ألف مقاتل، فلم ينزلْ له “عماد الدين” عنها، بل أوكلَ حفظَها لنائبه “نصير الدين جَقَر” وخرج هو إلى “سنجار” حتى لا يحاصره الخليفة، واستمر الحصار ثلاثة أشهر، حتى جَمع عماد الدين جندًا ليغزو بها بغدادَ نفسَها والخليفةُ غائبٌ عنها، وحينها خاف الخليفة على مدينته، فرفع الحصار عن الموصل وانصرف.

4 – في سنة 538 هـ رحل السلطان مسعود إلى بغداد، وجمع العساكر وتجهَّز لقصد عماد الدين زنكي فأرسلَ إليه عمادُ الدين يستعطفُه ويستميله، فأرسل إليه السلطانُ أبا عبد الله ابنَ الأنباري لتقرير قواعد الصلح، فصالحه على مائة ألف دينار يحملها عمادُ الدين إلى السلطان، فحمل إليه عشرين ألفًا أكثرُها عروض، ثم تنقّلت الأحوالُ بالسلطان فاحتاج إلى مدارة عماد الدين فأطلق له الباقي استمالةً لزنكي. أما كيف تنقّلت الأحوال بالسلطان واحتاج إلى مدارة عماد الدين فتوضحها النقطة التالية.

5 – تحريض الأمراء في أطراف الدولة على مخالفة السلطان مسعود، يروي ابن واصل في مفرج الكروب فيقول: (وكان السلطان مسعود قد حَقَد على عماد الدين حِقدًا شديدًا، وكان يَنسب خروجَ أصحاب الأطراف عليه إلى ذلك بمواطأةٍ من عماد الدين، وأنهم إنما يصدرون عن رأيه، وكان عماد الدين يفعلُ ذلك لئلا يخلو السلطان مسعود فيتفرغ لقصده) ويقول أبو شامة: (ويكفي في معرفة ذلك جملةً أن ولايته أحدق بها الأعداءُ والمنازعون من كل جانب: الخليفةُ المسترشد، والسلطانُ مسعود، وأصحابُ أرمينية وأعمالها، وبيتُسُكْمان، وركنُ الدولة داود صاحب حصن كيفا، وابنُ عمه صاحب ماردين، ثم الفرنج ثم صاحب دمشق.

وكان ينتصف منهم ويغزو كُلاً منهم في عُقر داره ويفتح بلادهم، ما عدا السلطان مسعود فإنه كان لا يُباشر قصدَه، بل كان يَحمل أصحابَ الأطراف على الخروج عليه، فإذا فعلوا عاد السلطانُ محتاجاً إليه وطلب منه أن يجمعَهم على طاعته، فيصيرُ كالحاكم على الجميع وكلٌ يداريه ويخضعُ له، ويطلب منه ما تستقر القواعد على يده) أهـ .

6 – تحريض ابنه على الهروب من السلطان ثم ردُّه ، حيث كان سيفُ الدين غازي بن عماد الدين زنكي مقيمًا مع السلطان مسعود في خدمته، فحرَّضه أبوه على الهروب من السلطان، وكتب زنكي في النفس الوقت إلى “نصير الدين جَقَر” عامله على الموصل يأمره بمنع سيف الدين غازي من دخول الموصل، فلما هرب سيفُ الدين غازي من خدمة السلطان ووصل الموصل مُنع من دخولها ، فبلغَ الخبرُ زنكي فأرسل إلى ولدِه يأمرُه بالعودةِ إلى خدمةِ السلطان ، وأرسل معه رسولا إلى السلطان يقول : ( إن ولدي قد هرب خوفًا لما رأى تغيُّر السلطان عليَّ، وقد أعدتُّه إلى الخدمةِ، ولم أجتمعْ به، فإنه مملوكُك ، والبلادُ لك ) فحلَّ ذلك عند السلطان محلّا عظيمًا وسكنَتْ خواطرُه.

ومع ذلك لما حاصر البيزنطيون والصليبيون قلعةَ “شــيزر” وحلب 532 هـ استغاث عمادُ الدين بالسلطان والخليفة، فقال القاضي كمالُ الدين الشهرزوري: أخاف أن تخرجَ البلادُ من يدنا، ويجعلَ السلطانُ هذه حُجة، ويُنفذ العساكر فإذا توسطوا البلاد مَلَكوها. فقال عمادُ الدين: إن هذا العدوَ قد طمِعَ في البلاد، وإن أَخذَ حلبَ لم يَبق بالشام إسلامٌ، وعلى كل حال فالمسلمون أولى بها من الكفّار”.

رابعًا: فهْمُ مشكلاتِ عصرِه ومعْرفةُ طريقةِ حلِّها

لقد فهِم عماد الدين زنكي مشكلاتِ عصره وحلَّها، وشخَّصَ أمراضَ أمتِه وعلاجَها، وكان الرجل يمتلك رؤية شاملة واستراتيجية متكاملة للخروج من الأزمة، لقد اكتشف العبقريُّ الداءَ والدواء، أما أمراضُ الأمة فهي:

1 – تشرذم المسلمين

2 – احتلال الصليبيين

انقسامٌ سياسي، ودويلاتٌ هشة، وحكامٌ ضعاف يعملون لصالح الصليبيين وينفذون مخططاتهم، ويربطون مصيرَهم بمصيرِهم

أما دواءُ الانقسام فبالوحدة ، وقد طلبها زنكي بكلِّ سبيل، بالمفاوضات أخذ حصونًا، وبالخديعةِ حاز بلادًا، وبالزواج السياسي ضمَّ مدنًا، وبالمنجنيق فتح قلاعًا، حارب حكامَ المسلمين الخونة المتعاونين مع المحتل قبل أن يحاربَ المحتل، حاصرَهم في قلاعهم، ونفاهم من بلادهم، ونصب عليهم المنجنيق، ورماهم بالأحجار، ووضع فيهم السيف، ولَمْتَأْخُذْه بِهِمَ رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ، “ما لا يتمّ الواجبُ إلا به فهو واجب” ووحدة المسلمين واجبة، فكل سبيلٍ إليها مباحٌ، بلمن أولى الفروض، وأوجبِ الواجبات، هكذا فهِمَ عمادُ الدين، وهكذا تحرك، وهكذا بدأ.

وأما دواءُ الاحتلال فبالجهاد المسلح، لا صلحَ ولا مفاوضات، ولكن طريق السيف الجهاد، طريق ذات الشوكة، طريق بدر وأحد والأحزاب، في حصار الرُّها، جمع أمراءه عنده، ومد السّماط، وقال: لا يأكلْ معي على مائدتي هذه إلا من يطعنُ معي غداً في باب الرها، فلم يتقدم إليه غيرُ أميرٍ واحدٍ وصبي واحد لا يعرفه، لِما يعرفون من إقدامه وشجاعته، وأن أحداً لا يقدر على مجاراته في الحرب، فقال الأميرُ لذلك الصبي: ما أنت وهذا المقام؟ فقال عماد الدين: دعه، فإني أرى – والله – وجهاً لا يتخلف عني، وبهذه الرؤية الشاملة تخطّت حركةُ الجهاد الإسلامي طورَ المراهقة السياسية ودخلت مرحلة النضج والرشد، ووضعت أقدامها في طريق التحرير والتمكين.

خامسًا: الاعداد المادي والتجهيز العسكري

كانت مؤسسة الجيش هي القوة الضاربة التي استخدمها زنكي للقضاء على الإمارات المحلية لكي يُوحدها في جبهة إسلامية متماسكة ليستطيع مجابهة الصليبيين، وقد اعتنى بجيشه بحيث أصبح قوياً متماسكاً. ومن الأمور المتعلقة بالجيش التي اهتم بها زنكي:

1 – ديوان الجيش

نظم زنكي ديوان الجيش، ليقوم بالإشراف على أمور الجند وتنظيمهم وتوزيع رواتبهم وأعطياتهم بانتظام، وجعل على رأس هذا الديوان موظفاً أعلى يطلق عليه “أمير حاجب”.

وكان عملُه أن ينصف بين الأمراء والجند، تارة بنفسه وتارة بمشاورة السلطان، وتارة بمراجعة النائب، يقول ابن الأثير: (ففي بعض السنين تأخرت رواتبهم – الجند – تأخرًا يسيرًا، فاجتمعوا ووقفوا بحيث يراهم زنكي مجتمعين، فعلِم أنهم يشكون شيئًا فأرسل إليهم فذكروا له. فقال: أشكوتم إلى الديوان؟ قالوا: لا. قال: فهل ذكرتم حالَكم للأمير الحاجب؟ قالوا: لا.

قال: فلأيّ شيءٍ أَعطي الديوان مائة ألف دينار وأعطي الأمير حاجب أكثر من ذلك إذا كنت أنا أتولى الأمورَ كبيرَها وصغيرها؟ … ثم أحضر موظفي الديوان وأمير حاجب وقال لهم: إذا كنتم تُهملون أمرَ جُندي الذين تحت ركابي، ومن هو ملازمي في سفري وإقامتي …. فكيف يكونُ حالُ من بَعُد عني؟) وأنكرَ عليهم ذلك، فخرجوا من عنده وفرّقوا في الأجناد من أموالهم، إلى حين وصول رواتبهم فأخذوا عوض ما أخرجوه.

اتصف عماد الدين زنكي بالغيرة الشديدة على نساء الأجناد، فإن التعرض إليهنَّ كان من الذنوب التي لا يغفرها، وكان يقول: إن جندي لا يفارقوني في أسفاري، وقلَّما يقيمون عند أهليهم، فإن نحن لم نمنعْ من التعُرض إلى حُرُمِهم هلَكْنَ وفَسَدْن، وكان قد أقام بقلعة الجزيرة دُزْداراً– محافظًا – اسمه نور الدين حسن البربطي، وكان غيرُ مرضي السيرة، فبلغَ زنكي عنه أنه يتعرض للحُرُم، فأمرَ صلاح الدين الياغيسياني أن يسير إلى الجزيرة، فإذا دخلها أخذَ البربطي وقطع ذَكَره، وقلعَ عينيه؛ عقوبةً لنظره بهما إلى النساء ثم يصلبه. يقول أبو شامة: (فلم يتجاسرْ بعده أحدٌ على سلوك شيء من أفعاله).

2 –التسليح والعتاد

وكأن زنكي يستحضرُمقولةَ الصِّديقَ لخالدٍ يوم اليمامة ( حاربْهم بمثل ما يحاربونك به: السيفُ بالسيف، والرمحُ بالرمح) فكان على يقين أن نجاحَ مشروعه مداره على “قطعة أرض يحميها ويوسعُها سلاحُ ردع” فاستخدم زنكي جميعَ أسلحةِ عصرِه،كالدبوس وهو آلة من حديد ذات أضلاع، والرماح، والسيوف، والقوس، والسهم، والنشاب، والمنجنيق والدبابة، والكبش، والقلعة المتحركة التي كانت تستخدم لنقل الجند والمعدات الحربية إلى الأسوار، لكي تحميهم من سهام الأعداء ونيرانهم.كما استعمل زنكيُّ النارَ العادية لحرق الأسوار بعد نقبها وملئها بالخشب، وبلغت أسلحت زنكي من الكثرة حتى وصف ابن الأثير جيشَه في خروجه لفتح الرها فقال:
بجيشٍ جاشَ بالفرسان حتى ظننتُ البرَّ بحراً من سـلاح
وألسنةٍ من العذبات حُمّـــرتخاطــبنا بأفـــــواه الرَّيــاح
صَـــفُوحٌ عند قدرتِه ولكن قليلُ الصَّفحِ ما بين الصِّفاح
فكـان ثباتُـــه للقلــبِ قلــباًوهيبتُــه جـَـناحاً للجـنـــــاح

3 – جهاز المخابرات العامة

وقد رأينا فعله حين بلغه أن السلطان قد عزم على عزله وتولية “دُبيس” مكانه في إمارة الموصل، فسافر في حينه إلى السلطان، ولم يشعر السلطان إلا وزنكي عند بابه أمام الستر، فإذا كان يبث العيون والجواسيس في بلاط السلطان السلجوقي فكيف بمعاقل الفرنجة وأوكار الحكام المنافقين؟.

يقول أبو شامة في الروضتين: (ومن حسن آرائه أنه كان شديد العناية بأخبار الأطراف، وما يجري لأصحابها حتى في خلواتهم، ولا سيما دَرْكاه السلطان – بلاطه – وكان يغرم على ذلك المال الجزيل، فكان يطالع ويُكتب إليه بكل ما يفعله السلطان في ليله ونهاره من حرب وسلم، وهَزْلٍ وجِد، وغير ذلك، فكان يصل إليه كل يوم من عيونه عدة قاصدين، وكان مع اشتغاله بالأمور الكبار من أمور الدولة لا يهمل الاطلاع على الصغير، وكان يقول: إذا لم يُعرف الصغيرُ ليُمنع صار كبيرًا). وهذا من حَذَره ويقظته وفطنته، وحين حاصر الخليفة المسترشد العباسي مدينة الموصل تواطأ جماعةٌ من الجصاصين على تسليم البلد. المدينةُ محاصَرة، وزنكي خارجها، وبلغَه الخبرُ فأُخِذوا وصُلبوا كما يذكر ابنُ واصل.

وفي المقابل كان يمنع أعداءه من اختراقِ صفوفه، يقول أبو شامة: (وكان لا يُمكِّن رسولَ ملكٍ أن يعبرَ في بلادِه بغير أمره، وإذا استأذنَه رسولٌ في العبور في بلاده أَذِنَ له، وأرسلَ إليه من يُسيِّره، ولا يتركُه يجتمع بأحدٍ من رعيته ولا غيرهم، فكان الرسولُ يدخل بلادَه ويخرج منها ولم يعلم من أحوالها شيئًا … وكان لا يُمكِّن أحدًا من خدَمِه من مفارقة بلاده، وكان يقول: إن البلادَ كبستانٍ عليه سياجٌ، فمن هو خارج السياج يَهاب الدخول، فإذا خرج منها من يدلُّ على عورتها ويُطْمع العدو فيها زالتِ الهيبةُ، وتطرَّق الخصومُ إليها).

سادسًا: الترفع عن الخلافات المذهبية


1 – كان زنكي – يرحمه الله – حنفيّ المذهب، فيقول ابنُ واصل: (ومن مذهب أبي حنيفة – رحمه الله – أن الكفار إذا استولوا على بلدٍ وفيه أملاكُ المسلمين خرجت تلك الأملاكُ عن مِلك أصحابها، لصيرورة البلد دارَ حربٍ، فإذا عاد البلدُ بعد ذلك إلى المسلمين كانت تلك الأموال لبيت المال، فلما فتح أتابك المعرة جاءه المعريون يطلبون تسليم أملاكهم إليهم، فاستفتى أتابكُ الفقهاءَ على ذلك، فأَفتَوهُ بما يقتضيه مذهبُهم وهو أنّ الأملاكَ لبيت المال، ولا حظَّ لأصحابها فيها.

فقال رحمه الله: إذا كان الفرنج يأخذون أملاكَهم ونحن نأخذُ أملاكَهم فأيُّ فرقٍ بيننا وبين الفرنج؟، كلُّ من أتى بكتابٍ يدلُ على أنه مالكٌ لأرضٍ فليأخذها، فرد إلى الناس جميع أملاكهم) أهـ.

2 – كان معظم أهل حلب من متعصبي الشيعة، حتى إن حاكم حلب سليمان بن عبد الجبار بن أُرتُق عندما عزم على بناء أول مدرسة سنية في عام 517 هــ لم يُمكنه الحلبيون إذ كان الغالب عليهم حينئذ التشيع، فكان كلما بني فيها شيء نهاراً أخربوه ليلاً، إلى أن أعياه ذلك فأحضر الشريف “زُهرة بن علي بن محمد الحسيني” ووكل إليه أمرَ بنائها ليكف العامة عن هدم ما يبني منها … ومعنى هذا أن سليمان بن أُرتُق لم يتمكن من بناء هذه المدرسة السنية إلا بعد أن أسند أمرَ بنائها إلى أحد العلويين من ذوي النفوذ في قومه والرأي والأصالة والوجاهة.

ومع ذلك حينما استولى عماد الدين زنكي على حلب سنة 522 هـ أظهر تسامحًا كبيرًا مع الشيعة، حتى أنه سمح لهم بالاستمرار في آذانهم “حي على خير العمل”، وظل أذان الشيعة مرفوعًا في حلب حتى وفاة عماد الدين الزنكي ومجيء ولده نور الدين محمود فأبطل أذانهم في رجب من عام 543 هـ أي بعد عامين تقريباً من استقراره في حلب حيث أمرالشيعة بترك ” حي على خير العمل ” في الآذان، وجهرهم بسب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحذرهم من مغبة العود إلى ما نهوا عنه، فعظُم هذا الأمر على أهل التشيع، وضاقت له صدورهم، وهاجوا له وماجوا، ثم سكتواوأحجموا بالخوف من السطوة النورية ” كما أبعد نور الدين ـ عن حلب ـ بعض رؤوس الشيعة فنفاهم منها، وكان على رأس المبعدين والد المؤرخ ابن أبي طي.

3 – توسع عماد الدين في بناء المدارس الدينية لكل المذاهب الإسلامية، حيث أسس الكثير من المدارس في الموصل وحلب وحمص وحماة وغيرهم، ورتب لها العلماء، وأجرى عليها الأرزاق، ورصد لها الأوقاف، ولم يتقيد في كل هذا بمذهب معين أو يتعصب له.

سابعًا: وحدة المسلمين ثم محاربة الصليبيين

من البديهيات الأساسية في قتال أيِّ عدوٍّ وطرد أيِّ محتلٍّ أن تكون جبهة المقاومة والدفاع واحدةً صُلبةً مجتمعةً؛ إذ كيف يُجاهد المسلمون بصفٍّ ضعيفٍ ممزَّقٍ؛ لذا كان أول ما سعى عماد الدين إلى تحقيقه هو تكوين وبناء القاعدة الصلبة للمسلمين؛ وذلك بتوحيد الجبهة الداخلية الاسلامية، وربما كانت هذه المهمَّة هي أصعب مرحلة في مراحل الانتصار.

بدأ عماد الدين زنكي بمدينة الموصل 521 هــ وفي نفس السنة ضمَّ حران وفي السنة التالية استولى على جزيرة ابن عمر ليؤَمِّنَ الحدودَ الشمالية لإمارته، ثم ضمَّ حلب المهمَّة في المنطقة الشمالية من بلاد الشام في غرَّة المحرم سنة 522هـ، أي بعد شهور قليلة من ولايته على الموصل وهذا يُوَضِّح أن هذا الرجل الفذَّ كان يملك خطَّة شاملة ورؤية واضحة مُعَدَّة سلفًا لحركته بأرض الشام، ثم أخذ نصيبين وسنجار 523 هـ، ثم قام بعدها بضمِّ مدينة حماة في السنة التالية 524هـ ثم ضمَّ مدينتي سرجي ودارا، ثم حصن الأثارب وكان بيد الصليبيين، ثم ضمَّ مدينة أربيل 526 هـ، ثم انشغل عماد الدين زنكي بالخلافات العنيفة بين الخليفة المسترشد والسلطان مسعود بل تورَّط فيها؛ وذلك لعدَّة سنوات، ثم عاد بعدها إلى هدفه الأسمى فاستولى على عدَّة قلاع للأكراد الحميدية والهكارية وقلعة الصور، وواصل سعيه حتى استقامت له ديار بكر وإقليم الجبال سنة 528هـ.

ثم ضمَّ الرقة 529 هـ،ثم أخذ حمص صلحا 532 هـ، وهكذا استقامت معظم بلاد الشام لعماد الدين زنكي؛ عدا ما كان بيد الصليبيين ودمشق، وقد حاول زنكي ضمَّ دمشق سنة 529 هـ ولكنه فشل، وبقيت خارج سلطته، وظلَّ بقية حياته يُخَطِّط ويُفَكِّر في كيفية الوصول إلى دمشق.

وهكذا كان زنكي يرحمه الله يرى وجوب وحدة الصف الإسلامي، وتكوين جبهة إسلامية متماسكة تحت قيادته في وقتٍ هادن الصليبيين فترة من الزمان، فحين فتح حران 521 هـ أرسل إلى “جوسلين”صاحب الرها وهادنه مدة يسيرة، وكان غرضُه أن يتفرغَ لإصلاح البلاد وتجنيد الأجناد، وعندما وجه السلطانُ مسعود اللومَ الشديد إلى عماد الدين على هذه المهادنة، كان يقول: إنما أفعل ذلك حتى أتمكن من فرض نفوذي على ما تبقى من الحصون والقلاع المجاورة لي.

ثامنًا: تفتيت الخصوم والتفريق بينهم


1 – إيقاع الخلاف بين البيزنطيين والفرنجة؛ فلقد كان عماد الدين زنكي من دواهي العصر ذكاءً وفطنةً وبصيرة، فلقد استغلَّ الخلاف المذهبي بين الأرثوذكس والكاثوليك للتفريق بينهما، فأرسل إلى إمبراطور بيزنطة يُخَوِّفُوه من نكصان الفرنجة للعهود وأنهم يتربَّصُون به، فإن فارق مكانه الذي فيه «قلعة شيزر» بالقرب من حماة سيتخلَّفُون عن نصرته، ثم أرسل إلى الصليبيين الفرنجة يُخَوِّفُهم من إمبراطور بيزنطة، ويقول لهم: “إنْ مَلَكَ بالشام حصنًا واحدًا ملكَ بلادَكم جميعًا”.

ونجحت خطَّةُ عماد الدين زنكي؛ ووقع الخلافُ بين الطرفين، وانسحب الإمبراطور من الشام، وترك المجانيق وأسلحة كثيرة بحالتها؛ حيث غنمَها جيشُ الشام، وحرَّرُوا أسرى المسلمين، وارتفعت مكانة عماد الدين بين المسلمين، وعظمت هيبته في صدور الصليبيين، وأثبت للجميع أنه رجلُ المرحلة.

2 – أجرى مفاوضات مع “أليس” أميرة أنطاكية ضمن لها حكم الولاية تحت حمايته وبهذا فرّق بينها وبين أبيها “بلدوين الثاني” ملك القدس، ويقول وليم الصوري: إنها أرسلت حصانًا أبيض مُحلَّى بالفضةِ والحرير الأبيض ولكن الرسالة لم تصل إلى زنكي لأن الرسولَ قد اعتُقل وقُدِّم إلى “بلدوين الثاني” فشنقه.

3 – حين تحالف الأراتقة أمراء “ديار بكر” ضد توسعات عماد الدين،أدرك زنكي مدى الخطر الذي يشكله هذا التحالف، فعمل على تفتيت هذا التحالف فاستمال إليه “حسام الدين تِمُرتاش بن إليغازي” صاحب “ماردين” ضد أبناء عمومته “داوود بن سقمان بن أرتق”صاحب حصن “كيفا” و”سعد الدولة إيكلدي” صاحب حصن “آمد” ، وتعاون زنكي وتِمُرتاش على حصار آمد سنة 528هـ ، كما استوليا معاً على قلعة الصور في السنة نفسها، وتخلى عنه زنكيُّ لحسام الدين تِمُرتاش ليزيدَ حدةَ الخلاف والشقاق بين الأراتقة، وأدى هذا التعاون إلى ازدياد حدة الصراع بين فرعي الأراتقة.

ولما أدرك الأُرْتُقيون أن الخلافَ الناشب بينهم لم يكن إِلا في مصلحة زنكي سعوا في بداية سنة 536هــ إِلى تبادل الرسل، ودارت مفاوضات آلت إِلى إِقرار الصلح بينهم. وبادر زنكي الذي أدرك ما يحاك من ورائه إِلى العمل السياسي مرة أخرى فتقرب من عدوه بالأمس “داوود بن سقمان بن أرتق” وصالحه، وأقر له الأُرْتُقي بالطاعة، وخطب له بعد أن كان من أشد أعدائه في المنطقة، ونُبذ صاحب حصن مارِدِين فانعزل عنهما. وقد أدت هذه الخطوات إِلى زيادة نفوذ عماد زنكي في ديار بكر، فاستولى على عدد من القلاع والحصون في أقصى شمالي ديار بكر، ورتب أوضاعها، وأقام حامية عسكرية في كل منها.

تاسعًا: حرص عماد الدين زنكي على تفادي الحصار والإفلات من التطويق


كان عماد الدين زنكي يعمل على تفادي الحصار والإفلات من التطويق ومن ذلك:

1 – حين حاصره الخليفة “المسترشد بالله” العباسي في مدينة الموصل سنة 527 هـ في ثلاثين ألف مقاتل، أوكلَ “عماد الدين” حفظَ الموصل لنائبه “نصير الدين جَقَر” وخرج هو إلى “سنجار” حتى لا يحاصره الخليفة، وحتى يقطع المدد والإمدادات عن جيش الخليفة، فأصبحَ كلاهما مُحَاصَر ومحَاصِر، واستمر الحصار ثلاثة أشهر، حتى جمع عماد الدين جندًا ليغزو بها بغداد والخليفة غائبٌ عنها، وحينها خاف الخليفة على مدينته، فرفع الحصار عن الموصل وانصرف.

2 – حين ضم عمادُ الدين مدينة حلب 523 هـــ وكانت تحته الموصل، عمل على اتصال أملاكه غربًا في حلب، بأملاكه شرقًا في الموصل، فاستولى على نصيبين وسنجار والرقة وديار بكر، والسببُ يذكره ابنُ الأثير فيقول:

(سببُ ذلك أنه كان لا يريد أن يكون في وسط بلاده ما هو مِلْكُ غيرِه حَزْما واحتياطا)

3 – عمل عمادُ الدين على تأمين مواصلات إمارته، ففتح جميعَ المدن التي يمكنها قطع اتصالاته بأجزاء الإمارة، سنجار وديار بكر الواقعة في وسط الطريق بين حلب والموصل، أربيل لتأمين الجسر الذي يصل الموصل ببلاد السلاجقة العظام فيُؤمّن مؤخرة جيشهوظهره إن احتاج الرجوع والتقهقر.

4 – حين رأى حصنَ “الأثارب” يشكل قاعدة متقدمة للصليبيين يمكنهم من مهاجمة حلب صمَّم على فتحه، فسار إلى الشام وقد جمع واستعدَّ وصمَّم على الجهاد، فجمعَ الفرنجةُ بالمقابل جميع ما يقدرون عليه، وأشار وزراء زنكي بالعودة إلى حلب ومطاولة الفرنج حتى يتفرقوا، فقال: هذه خطةُ ضَعفٍ تجرئهم علينا. واشتدت الحرب وصدق الفرنج القراع وصال ملوكُهم وقامصتُهم وداويتُهم، وقاتلوا قتالَ من أيس من النجاة بالانهزام، فطلبهم زنكي بصدق القتال والإقدام، وأمرَ الشهيدُ فيهم بالإثخان ومنع الأسر وإعطاءِ الأمان، فملأتْ جثثُهم أرضَ المعركة، ثم رجع إلى الحصن فمَلَكَه عنوةً وقهرًا.

وهكذا حَرَمَ زنكي أعداءه من تطويقِه والالتفافِ حوله وحصارِه، في حين أنه باستيلائه على حلب عزلَ إمارة الرها عن بقية الإمارات الصليبية في الغرب والجنوب، وحين فتح الرها جرى تطهيرُ الطرق الممتدة بين الموصل وحلب، وتمَّ انتزاعُ “الأسفين” الذي وضَعَه الصليبيون بين الأتراك في فارس والأتراك في الأناضول، فضمن المسلمون السيطرة على طرق المواصلات التي تربط بين الأناضول وشمال الشام وشمال العراق والجزيرة الفراتية.

عاشرًا: كان عماد الدين زنكي من رجال السياسة، يصيبُه ما يصيبُهم

1 – رأينا تحريضَه الأمراء في أطراف الدولة على مخالفة السلطان مسعود، ” بل كان يَحمل أصحابَ الأطراف على الخروج عليه، فإذا فعلوا عاد السلطانُ محتاجاً إليه وطلب منه أن يجمعهم على طاعته” “وكان عماد الدين يفعل ذلك لئلا يخلو السلطان مسعود فيتفرغ لقصده ”

2 – لم يمانع زنكي من استعمال الخدع والمناورات السياسية لضمِّ حماة وحمص وتجنب ما أمكن استعمال القوة ، فأرسل إلى “بوري بن طُغتكين” صاحب دمشق يخبره بنيته محاربة الصليبيين ويلتمس منه المساعدة ، وترددتِ الرسلُ بينهما ، واستحلفه “بوري” على المصافاة والوداد ، فكتب “بوري” إلى ابنه “سونج” في حماة يأمره بالخروج مع عسكره لنجدة عماد الدين زنكي.

كما أرسل من دمشق خمسمائة فارس لتنضمَ إلى القوات الإسلامية ، رحَّب عمادُ الدين بقدوم “سونج” لكنه لم يلبث أن قبض عليه وعلى عدد من أمرائه وقادته وأرسلهم إلى حلب، ثم تقدّم مسرعًا إلى حماة منتهزًا خلوَّهَا ممن يحميها، ودخلها في شوال 524 هــ ، وسلمها لحليفه وشريكه في هذه العملية “خير خان” صاحب حمص، يقول ابنُ واصل: ( وغدر بهم بعد أن أفتى له الفقهاء ممن لا دين لهم وجوَّزوا ما لا يَحْسُن شرعًا وعُرفًا) ولعلها مبالغةً من ابن واصل يرحمه الله، فما كان زنكي بالذي يستفتي من لا دين له، ولا كان فقهاؤه يجوزون له ما لا يَحْسُن شرعا، وإنما رأى زنكي أن الخديعةَ أهونُ من حربٍضروس بين المسلمين، تزهق فيها آلاف الأرواح التي يجب أن تُدَّخرَ لجهادِ الفرنجة.

3 – انقلب عمادُ الدين على شريكه في عملية حماة “خير خان” بعد ستة أيام فقط، فقبض عليه في حماة وأرسله إلى حلب، وأمره بمراسلة أهل حمص لتسليمه المدينة، وأسرع بمهاجمة حمص، لكنّ أهلَ حمص أغلقوا أبوابَ مدينتهم في وجهه، ودافعوا عنها ببسالةٍ، فاضطر إلى رفع الحصار عنها بعد أربعين يومًا وعاد إلى حلب.

4 –حين قُتل شهابُ الدين محمود بن بوري صاحب دمشق سنة 533 هــ طلبت والدتُه “صفوة الملك زمرد” – وكانت تحت عماد الدين – الأخذ بثأره ، فسار زنكي حتى نزل بعلبك ، ونصب عليها أربعة عشر منجنيقًا أخذت ترمي المدينةَ ليلَ نهار، فلما ضاق بالحامية الحالُ طلبوا الأمانَ من زنكي، وسلّموا له القلعة، لكنه غدَرَ بهم وصَلبَهم، وابنُ القلانسي في “ذيل تاريخ دمشق” يُرجع ذلك إلى الحنق القديم بين زنكي وحكام دمشق، ويَسكت ابنُ الأثير (وهو زنكي الهوى) عن أسباب صَلْبِه لبعض المدافعين عن بعلبك، ولكن “يحيي بن أبي طي” وهو مؤرخ شيعي من حلب، وقد عاصر أبوه الأحداث يقول: إن سببَ قتل المدافعين عن بعلبك هو أن الأمراءَ اتفقوا مع زنكي على تسليم القلعة لكنهم عندما نزلوا أفسدوا ذخائرَها ، فقبض عليهم زنكي وصلبهم.

قال ابنُ أبي شامة: (قال يحيى بن أبى طي الحلبي: واتفق أن الأمراء نزلوا من بعلبك أفسدوا ذخائرها فقبض عليهم أتابك زنكي وقتل بعضَهم وصلبَهم، وكان ولّى قتلهم صلاح الدين محمد بن أيوب الياغيسياني فحُكى أنه أُحضر إليه في جُملةٍ الأمراء شيخٌ مليح الشيبة، ومعه ولدٌ له أَمْرد كأنه فِلْقَةُ قَمر، فقال الشيخُ لصلاح الدين: سألتُك بحياة المولى أتابك إلا صلبتني قبل ولدي لئلا أراه يعالج سكرات الموت!! وبكى، وكان نجمُ الدين أيوب واقفا، فرِحم الشيخَ وبكى، وسأل صلاحَ الدين في إطلاقه فقال: ما أفعل. خوفا من المولى أتابك. فذهب نجمُ الدين إلى أتابك وسأله في الشيخ وولدِه ما قاله؛ فأذن بإطلاقه وإطلاق من بقي من الجماعة، ووَهَبَه نصفَ بعلبك) فابن أبي طي يثبتُ نقضَ الحامية لشروط الأمان بإفساد الذخائر، وأبو شامة يثبت عفو الأتابك عن بقية المحكوم عليهم بالإعدام.

هذه هي أهم الملامح العامة لقيام مشروع النهضة والجهاد في عصر الملك الشهيد عماد الدين زنكي يرحمه الله ، ونختم بما قاله ابن الأثير في وصفه: “كان شديد الهيبة في عسكره ورعيته عظيم السياسة، لا يقدر القوى على ظلم الضعيف، وكانت البلاد قبل أن يملكها خرابًا من الظلم وتَنَقُّل الولاة ومجاورة الفرنج، فعمرها وامتلأت أهلاً وسكَّانًا، وكان أشجع خلق الله”.

وقول ابن كثير عنه: “وقد كان زنكي من خيار الملوك، وأحسنهم سيرة وشكلاً، وكان شجاعًا مقدامًا حازمًا، خضعت له ملوك الأطراف، وكان من أشدِّ الناس غيرة على نساء الرعية، وأجود الملوك معاملة وأرفقهم بالعامة”.

المصادر

1 – الكامل في التاريخ ج9، عز الدين ابن الأثير.
2 – التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية، عز الدين ابن الأثير.
3 – البداية والنهاية ج 16، الحافظ ابن كثير.
4 – مفرج الكروب في أخبار بني أيوب ج1، جمال الدين بن واصل.
5 – الروضتين في أخبار الدولتين ج1، أبو شامة المقدسي.
6 – الحركة الصليبية ج 1، د.سعيد عاشور.
7 – تاريخ الحروب الصليبية، د.سهيل طقوش.
8 – الدولة الزنكية، د.علي محمد الصلابي.
9 – الحروب الصليبية والأسرة الزنكية، شاكر أبو بدر.









هناك تعليق واحد:

  1. كان فتح “الرها” هو أجلّ وأعظم أعمال “عماد الدين”، ولم يمض عامان على ذلك النصر العظيم، حتى تم اغتياله في [6 من ربيع الآخرة 541هـ = 15 من سبتمبر 1146م] خلال حصاره لقلعة “جعبر” على يد “يرنقش”- كبير حرسه- الذي تسلل إلى مخدعه فذبحه وهو نائم.

    ويرى عدد من المؤرخين أن اغتيال “عماد الدين” جاء لأسباب سياسية أكثر منها شخصية، فقد كان في أوج انتصاره على الصليبيين، كما حقق انتصارًا آخر على المستوى الإسلامي بعد أن نجح في توحيد الصفوف وتكوين جبهة إسلامية قوية، ومن ناحية أخرى فقد كانت قلعة “جعبر” على وشك السقوط بعد أن بلغ حصاره لها مداه، فضلاً عن أن قاتله “يرنقش” كان من الباطنية، وقد استطاع التستر والانتظار طويلاً- على عادة الباطنية- حتى حانت اللحظة المناسبة لتنفيذ جريمته، فاغتال “عماد الدين” وهو في قمة مجده وانتصاره.

    ردحذف