‏إظهار الرسائل ذات التسميات الحروب الصليبية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الحروب الصليبية. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 22 يوليو 2025

سنة الاستبدال في بلاد الشام في عصر الحروب الصليبية

 سنة الاستبدال في بلاد الشام في عصر الحروب الصليبية

د. علي محمد عودة

أستاذ متخصص في تاريخ الحروب الصليبية، وتاريخ العدوان الفكري الغربي على الإسلام

(وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا امثالكم) 

وقعت هذه السنة الإلهية في تأريخ هذه الأمة مرات كثيرة على المستوى العام وعلى المستوى الاقليمي.

ومن الامثلة على المستوى الاقليمي، في بلاد الشام:

كان في حلب أسرة رضوان السلجوقية الذي لم يشارك في جهاد الصليبيين وتخاذل ظانا ان بقاءه في تقاعسه عن الجهاد وطمع الصليبيون في حلب وانتزعوا منها كل البلاد التابعة لها في غربها وجنوبها مثل المعرة وحارم وكفر طاب وبزاعا وتل أغدي ومعرة مصرين وغيرها كثير ورابط الصليبيون غربي اسوار حلب واهانوا المسلمين فيها اهانات بالغة وقاسموهم دخل طاحونة تقع بجوار اسوار حلب كما تهكموا عليهم وعلى دينهم ونبش الصليبيون قبور المسلمين عند حلب وأخرجوا جثمان ميت وربطوه بحبل وسحبوه وهم يصرخون في اهل حلب هذا نبيكم يامسلمين ويكررون تلك العبارة واخذ احد فرسان الصليبيين مصحفا من احد الاضرحة في غربي حلب وربطه في ذيل حصانه والحصان يتغوط عليه والصليبيون يصرخون هذا كتابكم المقدس يا مسلمين وإزاء هذه الإهانات الصليبية للمسلمين في حلب تشاور المخلصون من اهل حلب وراسلوا عماد الدين زنكي وطلبوا منه ان يأتي ليسلموه حلب سنة 522 هجرية وتسلم زنكي حلب وضمها الى إمارته في الموصل وانقض على الصليبيين المرابطين عند حلب ومزقهم واسترد المعرة وكفر طاب وتل اغدي وغيرها من بلاد حلب.

وجرت سنة الاستبدال واصبحت حلب مركز المقاومة الرئيس زمن عماد الدين وابنه نور الدين وكان ضم حلب هو الاساس لقيام الجبهة الاسلامية المتحدة وبدأ المجاهد العظيم عماد الدين زنكي يعمل على مستويين في وقت واحد مستوى توسيع الجبهة الإسلامية المتحدة ومستوى مجاهدة الصليبيين المعتدين وواجه عماد الدين خطرا لم يتوقعه من جانب ملك الروم يوحنا كومنين الذي جاء على رأس 40 ألف جندي بهدف انتزاع انطاكية من الصليبيين وقيليقية من الارمن وهرع الامراء الصليبيون لمقابلة يوحنا واتفقوا معه على القيام بحملة مشتركة لاحتلال حلب وحمص ودمشق وتسلم للصليبيين ويسلمون له انطاكية.

وتقدمت الحملة الصليبية الرومية المشتركة وحاصرت حلب سنة 532 هجرية وكان عدد جنود تلك الحملة يتفوق على جيش عماد الدين بأكثر من عشرة اضعاف عدده ولذلك لم يغامر عماد الدين في الدخول مع ذلك الجيش في مواجهة حاسمة وعمد الى أسلوب الكر والفر وشن هجمات خاطفة على اطرافه ثم الانسحاب السريع وتمكن عماد الدين بتلك الخطة من انزال خسائر كبيرة بالروم والصليبيين الامر الذي اجبر ملك الروم على فك حصار حلب والاتجاه الى حصار شيزر.

وتقع شيزر على مرتفعات تشرف على نهر العاصي ورابط عماد الدين بقواته في السهل الشرقي بعيدا عن شيزر وكان في شيزر امارة عربية لبني منقذ وكان عماد الدين قد انشأ جهاز استخبارات بديعة واستطاع ان يزرع جواسيسه داخل المعسكر النصراني فأوقعوا الشك والريبة بين ملك الروم والصليبيين واشاع جواسيس عماد الدين بين الصليبيين ان ملك الروم لو امتلك بلدا في الشام لطمع في اماراتهم وطردهم منها ولما بقي لهم فيها مقام او وجود وأشاع الجواسيس في معسكر الروم ان الصليبيين يتصفون بالغدر بدليل أنهم اقسموا لوالد الامبراطور من قبل برد انطاكية اليه ولم يوفوا بقسمهم وزرع جواسيس زنكي بين عسكر الروم قناعة بانه لو حدثت لهم هزيمة فسيكون الصليبيون أول من ينهبهم ويستولي على اسلحتهم وتجهيزاتهم ومؤنهم.

وبعد ان أكمل الجواسيس مهمتهم أرسل زنكي الى ملك الروم يقول لقد تحصنتم بهذه الجبال فتعالوا الى السهل اما ان تهزموني او اهزمكم ويستريح المنتصر وطالب الصليبيون من ملك الروم قتال زنكي لانهم يدركون قلة جيشه فرفض طلبهم واكتفي بقبول العرض الذي قدمه أمير شيزر برفع اعلامه على اسوار شيزر وانسحب ملك الروم الى بلاده فواصل زنكي خططه بتوسيع الجبهة الإسلامية المتحدة وجهاد الصليبيين فاستولى على حمص وحماه واخذ يتطلع الى ضم دمشق وكانت دمشق تخضع للأسرة البورية التي لم تسهم بجهد يذكر في جهاد الصليبيين ويسيطر عليها حينذاك أنر الذي لم يجد غضاضة في التحالف مع الصليبيين.

وفي سنة 539 هجرية أسقط زنكي الرها وهي أول دولة اقامها الصليبيون في اقليم الجزيرة الفراتية وكسب عماد الدين بذلك الفتح مجدا لا يمحى ابد الدهر.

واستشهد زنكي سنة 541 هجرية وخلفه في جهاد الصليبيين ابنه نور الدين محمود الذي اقام الجبهة الاسلامية المتحدة وعلى يديه تم الاستبدال الالهي وتولى الملك في دمشق اخر ملوك الأسرة البورية وهو مجير الدين آبق الذي دفع الجزية للصليبيين واصبحت دمشق في عهده تحت الحماية الصليبية.

وهنا تحل سنة الاستبدال الإلهية للأسرة البورية، فدبّر نور الدين محمد أمر الاستيلاء على دمشق، ووقعت في قبضته سنة 549 هجرية، وكان ضم دمشق هو الخطوة ما قبل الأخيرة لتطويق الصليبيين، ووضعهم بين شقي الرحى بضم مصر وإزالة الدولة العبيدية، وعودة الوحدة الدينية لقلب الأمة المسلمة.

وكانت الدولة العبيدية في مصر قد دخلت في طور الضعف والاضمحلال منذ زمن بعيد، وطمع الصليبي ونفي الاستيلاء على مصر وضمها لمملكة بيت المقدس الصليبية.

وتنازع اثنان من رجال الدولة العبيدية على منصب الوزارة وهرب أحدهما الى الشام واستنجد بنور الدين ليساعده في نيل الوزارة مقابل ان يصبح تابعا له.

وظل نور الدين يستخير الله شهرا كاملا خشية ان تقع مصر بيد الصليبيين فأرسل جيشا الى مصر بقيادة اسد الدين شيركوه سنة 559 هجرية ودارت حروب دموية بين نور الدين والصليبيين استمرت ست سنوات تمكن نور الدين في نهايتها من الفوز بمصر بعد ان وقعت تحت الحماية الصليبية الفعلية.

ويعلق ابن الاثير على فشل الصليبين في الاستيلاء على مصر رغم انهم الاقرب جغرافيا منها فيشبههم بالنعامة التي خرجت تبحث عن قرنين فعادت بلا أذنين.

وتولى الوزارة في مصر اسد الدين شيركوه ولكنه مات بعد شهرين فتولاها ابن أخيه صلاح الدين وبدأ في القضاء على العقيدة الباطنية التي كانت سائدة هناك.

كما ضم صلاح الدين النوبة وليبيا والحجاز واليمن الى الجبهة الاسلامية المتحدة. فكان ذلك المقتل الحقيقي للدول الصليبية في بلاد الشام.

وفي أول جمعة من محرم 567 هجرية أسقط صلاح الدين (تنفيذا لأوامر نور الدين) اسم الخليفة العبيدي العاضد من خطبة الجمعة ودعي للخليفة العباسي بمصر.

وتوفي نور الدين فجأة بالذبحة الصدرية في شوال سنة 569 ومع ذلك أجمعت كل المصادر الإسلامية على تسميته ب نور الدين الشهيد لصدق جهاده وعدله وتقواه.

ولم يخلف نور الدين الا طفلا صغيرا هو الصالح اسماعيل فتسلط عليه كمشتكين الخادم ونقله الى قلعة حلب واراد ان يسيطر على الدولة باسمه ونافسه اخرون واستقل أولئك الاخرون بدمشق وأوشكت الجبهة الاسلامية ان تتصدع لكن صلاح الدين لم يرض بذلك بعد ان ساهم في بنائها مع عمه شيركوه ووالده أيوب.

وذهب صلاح الدين الى الشام وضمها الى مصر وحل محل سيده نور الدين وازال أولئك المتسلطين (سنة الاستبدال الالهية) وجاهد في سبيل الله حق جهاده.

ومرض صلاح الدين وتوفي وهو في 56 من عمره وكانت نفسه لاتزال تجيش بالامال والطموحات لنصرة دين الاسلام وحدث النزاع بين ابنائه نحو 8 سنوات متتالية وتجري سنة الاستبدال على ابناء صلاح الدين المتناحرين ويسيطر عمهم ابوبكر العادل شقيق صلاح الدين على الدولة ويعيد الوحدة للجبهة الاسلامية.

وتوفي العادل سنة 615 هجرية وتعاون ابناؤه من بعده حينا من الدهر واستطاعوا هزيمة الحملة الصليبية الخامسة رغم ان عددها زاد على 150 ألف مقاتل.

وبعد بضع سنين اختلف ابناء العادل وتنازعوا وفشلت ريحهم وتحالف بعضهم ضد بعض مع قوى اسلامية وغير اسلامية حتى ان الكامل محمد استدعى ملك المانيا، وجاء ملك المانيا فردريك الثاني لعون الكامل وكان اخوه عيسى قد مات ولم يعد في حاجة ملك الالمان وسلمه القدس صفوا عفوا بدون قتال (إنه التفريط).

وزاد الخلافات والمنازعات بين بني ايوب حتى تحولت الى حروب اهلية استمرت زهاء عشر سنوات وخلال تلك الحروب اشترى الصالح ايوب الاف الاطفال الترك وكان اولئك الاطفال من الذين قتل المغول قبائلهم واهلهم وباعهم تجار الرقيق فاشتراهم الصالح أيوب ورباهم تربية اسلامية ودربهم وأصبحوا عماد جيشه.

وهم المماليك الذين استبدل الله الدولة الايوبية بهم بعد ان فقدت مبرر وجودها وشرعيته فقاموا بواجب الجهاد وهزموا المغول وأزالوا الصليبيين.

وظلت دولة المماليك قائمة أكثر من قرنين ونصف من الزمان بفضل قيامها بهزيمة المغول في عدة معارك كبرى وسحق الصليبيين وبث الفزع في قلوب الغرب.

وكان أخر اعمال دولة المماليك الجليلة فتح المملكة الصليبية في قبرص سنة 828 هجرية ولما عجزت في اخر عهدها عن جهاد الغرب حلت محلها الدولة العثمانية.


 

الثلاثاء، 8 يوليو 2025

معركة كوسوفا الثانية


معركة كوسوفا الثانية

قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً أمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس

 هي معركة برية وقعت في سهل كوسوفا ضمن أراضي إمارة الصرب التابعة للدولة العثمانية، ودارت رحاها بين ائتلافٍ صليبيٍّ تزعَّمته مملكة المجر بقيادة يوحنا هونياد الوصي على عرشها ومن ورائه جيش قوامه أكثر من ثلاثين ألف جندي، في مواجهة العثمانيين بقيادة السلطان مراد الثاني رحمه الله ومعه جيش قوامه أكثر من ستين ألف مجاهد، واستمرت المعركة لثلاثة أيام منذ الخميس 17 حتى السبت 19 أكتوبر 1448م ولم يتوقف القتال حتى في الليل في معركة هي من أطول المعارك العثمانية وأشدها عنفاً.

 أما قصتها فقد أراد حاكم المجر هونياد الانتقام للهزيمة المدوية التي تلقاها الصليبيون بقيادته في معركة ڤارنا سنة 1444م والتي نجا فيها القائد الحاقد يوحنا هونياد بأعجوبة، إلا أنه لم يتوقف عن تآمره ضد السلطان مراد الثاني، فبدأ من فوره بالتخطيط لتنظيم حملة صليبية جديدة ضد العثمانيين. 

وبالفعل بدأ الاستعداد لحملة جديدة منذ عام 1446 فطلب المساعدة من جميع الجهات الصليبية، لكن أحداً لم يستجب له حتى البابا. 

وسَعَى إلى ضم القوات الألبانية الثائرة المتمردة على العثمانيين بقيادة إسكندر بك لكنها لم تتمكن من الوصول للمشاركة في هذه المعركة،

 وحاول هونياد إجبار ملك الصرب للمشاركة في الحملة الصليبية: فتعمد أن يعيث فساداً في جميع أنحاء بلاده، وأغراه بأنه الوحيد الذي سيسهم بسلاح فرسانه في تحقيق النصر المطلق على العثمانيين، إلا أنه رفض فعاقبه هونياد بقطع العلاقات معه، ولما سار بجيشه عبر صربيا نهب ريفها ودمره مما دفع الملك الصربي لإبلاغ السلطان مراد بالحملة، ولمنع الجيوش الأخرى الانضمام لهونياد بالسيطرة على الممرات الجبلية بين صربيا وألبانيا واحتجاز جيش إسكندر بك ومنع مروره عبر الأراضي الصربية.

 بحلول عام 1448م كان هونياد قد حشد جيشاً ضخماً في حملة عسكرية ضد العثمانيين، فعبر نهر الدانوب في شهر أكتوبر من ذات العام لينضم إلى إسكندر بك القائد المتمرد على الدولة العثمانية بدعم مشترك من البابا نيقولا الخامس ومن الحاكم هونياد الموصوف بكونه في قمة الاندفاع، فقد استند في استراتيجيته على التمرد المتوقع من ثورة شعوب البلقان وإمكانية تنفيذ هجوم مفاجئ وتدمير القوة الرئيسية للعثمانيين في معركة واحدة. لكنه لم يحفظ لنفسه خط الرجعة.

 كان هونياد يعتقد أن الجيش العثماني ما زال بالعاصمة أدرنة، فأقام معسكره قرب العاصمة الصربية وانتظر شهراً لوصول حلفائه: الألمان وحاكم الأفلاق والجيوش البوهيمية والجيوش الأرناؤوطية بقيادة إسكندر بك، كان هونياد ينتظر مستعداً بجيشه في سهل كوسوڤو الذي وقعت فيه قبل ستين عاماً معركة كوسوفو الأولى بين الصرب والعثمانيين بقيادة السلطان مراد الأول رحمه الله وانتهت بانتصار العثمانيين، اعتبر هونياد أن هذا أفضل موضع عسكري لجيشه وأسوأ موضع للعثمانيين، غير أن العثمانيين بادروه على حين غِرَّةٍ منه في 17/10/1448م فظهروا فجأةً أمامه، فسارع ببناء متاريس العربات الحربية المتحركة الدفاعية.

 قاد السلطان مراد بنفسه المدفعية وجنود الإنكشارية فقد كان الجيش العثماني مسلحاً بالبنادق والمدافع، وأسندت قيادة الميمنة للأمير محمد الثاني (السلطان محمد الفاتح). 

وقاد هونياد قلبَ جيشه بينما كانت ميمنته تحت قيادة الأفلاق، تصافَّ الجيشان المتحاربان في مواجهة بعضهما، بدأت المعركة باشتباكات ومناوشات بين الفرسان على طرفي استحكامات الجيشين، واستمرت المعركة لثلاثة أيام قاتل الجيشان فيها بضراوة:

في اليوم الأول لم يأتِ أحد من الطرفين بأية حركةٍ حتى الظهر، ثم اُفتُتحت المعركة بمصادماتٍ خفيفة. ثم في فترة ما بعد الظهر هاجم هونياد أجنحة الجيش العثماني بسلاح الفرسان مما تسبب في خسائر كبيرة من الجانبين، لكن هذا الهجوم لم يُجد جيشَ العدو نفعاً ولم يؤثر في نتيجة المعركة، فقد أوقعت الخيالة العثمانية بفرسانه هزيمةً مدمرةً، ظلَّ جناحا الجيش العثماني يتلقيان الضربات ويتراجعان عن مواقعهما دون أن ينكسروا حتى وصلتهم الخيالة الخفيفة العثمانية لتعزيزهم، فاندحرت الأجنحة الصليبية وانكسرت وتراجع الناجون منهم إلى القوة الرئيسية في قلب جيشهم. أعاد المشاة العثمانيون تجميع صفوفهم فدفعوا فرسان العدو للتراجع للخلف، وبذلك تغلّب العثمانيون على خيالة العدو الخفيفة فأضحت بلا دعم وحماية من الخيالة المُدرعة، وخلال هذا التراجع قَتَلَ القنَّاصةُ الإنكشاريةُ مُعظم النبلاء المجريين.

 ونظراً لهذا الموقف السيء اجتمع هونياد بمجلس الحرب بعد انتهاء القتال لمناقشة كيفية التقدم، فقرر الهجوم على العثمانيين في منتصف الليل بالعربات الحربية وبالمدافع ضد الموقع المركزي للسلطان، ولكنهم لم يحققوا نتائجَ عسكرية حاسمة، صحيح أن الإنكشارية فوجئوا بهذا الهجوم ولكنهم استطاعوا الصمود، وتبادل الطرفان القصف المدفعي،

في اليوم الثاني بدأ الصليبيون الهجوم الرئيسي على جناحَيْ الجيش العثماني صباحاً حتى المساء في ذات الوقت، فأمر السلطان قوات القلب بالثبات في مواقعها وقام بسحب قوات الميمنة والميسرة للخلف، فلما رأى هونياد انسحاب الجناحين هاجم القلب بكل قواته لاستغلال هذه الفرصة التي ظنها سانحة. وهنا أمر السلطان قوات القلب بالتراجع أيضاً، وبذا سمح للصليبيين بالدخول وسط فكي الكماشة في تخطيط تكتيكي مُكرراً خطته في معركة فارنا 1444م. فهاجمهم على طول خط التَّماس، وانطلقت الفرسان العثمانية من الجناحين سريعاً في حركة الْتفافيَّة وحاصرت الصليبيين وأطبقت الخِناق عليهم. توقف الخيالة الصليبيون أمام المعسكر العثماني ولم يستطيعوا التقدم فانسحبوا إلى معسكرهم للاحتماء بخطهم الدفاعي المتمثل في العربات المتحركة، وتركوا المشاة لمصيرهم، فأعمل العثمانيون القتل فيهم وسحقوا ميمنتهم.

 وهنا وقع لجيش العدو ما لم يكن بحسبان هونياد: 

فعندما شاهد حاكم الأفلاق الصليبي بسالة العثمانيين وشدتهم في القتال وبأسهم أيقن بانتصارهم، فأرسل مبعوثه إلى السلطان مراد للتفاوض على أن ينحاز جيش الأفلاق إلى صفوف العثمانيين مقابل عفو السلطان عنهم. 

قال رسولهم للسلطان مراد عن جنوده 

[… وهم يتوسلون أن تصفح عن جميع المخالفات التي ارتكبوها في حق مملكتك وإنهم يُقسمون على أنهم لم يكونوا ليبدأوا تمردًا جديدًا من تلقاء أنفسهم ضد مصالحكم لولا أن المجريين ضغطوا عليهم للانضمام إليهم واستخدموا القوة ضدهم. والآن هم يلتمسون منكم أن توافقوا على ذلك وتعقدوا معهم معاهدة، وهم سيقفون إلى جانبكم في بقية هذه المعركة حتى تكون في صالحكم]

 كلف السلطان الصدر الأعظم خليل باشا الجندرلي بالتفاوض، فكان مما قال لمبعوث حاكم الأفلاق

[ولكنكم أيها الأفلاقيون تعلمون جيداً مدى صداقة السلطان لكم، وأنه كان دائماً راعيكم منذ البداية، والآن بما أنكم جئتم في الوقت المناسب فمن الضروري أن تعقدوا معاهدة بصدق وبدون مكر أو احتيال لتكونوا أصدقاءنا من الآن فصاعداً. وإذا كسبتم الحَظْوَةَ لدى السلطان من أجل عمل من الأعمال التي ذكرتموها فاعلموا أنكم لستم بحاجة إلى أن تبذلوا فوق طاقتكم لكي تنفعوه. فقط تعالوا هنا لتسلموا أسلحتكم بأسرع ما يمكن]
ثم صرفهم، ومعنى الحظوة أي المنزلة الرفيعة.

 انفصل الأفلاقيون فوراً عن الجيش المجري وبلغ عددهم 8,000 جندي وانضموا إلى الجيش العثماني وسلموا أسلحتهم، واقتربوا من بوابة السلطان ظانّين أنهم سينالون عفوه وسيتلقون منه الهدايا والعطايا. لكن السلطان لم يستبعد احتمال الخديعة منهم وبالأخص بعد خيانتهم له ونكث عهدهم معه، فأراد معاقبتهم بأن أرجع إليهم أسلحتهم واستدعى قائده بكلربك ومعه عشرون ألف جندي عثمانيّ لقتالهم، وهذا من أخلاقيات الحرب لدى المسلمين بألاَّ يقاتلوا العُزَّلَ من السلاح، قاوم الأفلاقيون وحاولوا الدفاع عن أعمارهم لكنهم هلكوا جميعاً؛ إذ لا خيرَ يُرْجَى ممن خان قومه وبدَّل ولاءه للأقوى في سبيل مصالحه الخاصة على حساب مصالح وطنه وأمته.

 عندما رأى المجريون انفصال الأفلاقيين غضبوا منهم لخيانتهم. فلما علموا بقتلهم ذُهِلُوا وأدركوا أن السلطان لم يكن أصلاً بحاجة إليهم، كان لهذا التطور أثره في مجريات المعركة ونتيجتها النهائية، فأصيب هونياد بالهزيمة النفسية في داخله قبل الهزيمة في ميدان القتال، فأيقن أن جيشه سيُهزم لا محالة، فانحصر اهتمامه في كيفية الهروب وأضمر نية النجاة بنفسه، وبحلول المساء جاء من المعركة إلى حيث حَلَقَة متاريس العربات وأوهم قادتها بوضع خطة تقتضي بأن يقوم هو ورجاله بنصب كمين (وَهْمِيّ) في المكان الذي يتمركز فيه السلطان ؛ وعندما يرسل هونياد إشارته لهم بجاهزية الكمين حينها يتقدم باقي جنود الجيش المجري جميعاً ويهجمون معاً على بوابة السلطان، ولإيهامهم بجدِّيَّة خطته أمر الجنود الذين بجانب العربات بالانضمام إلى المهاجمين لبوابة السلطان وأن يكونوا على أهبة الاستعداد عندما يتلقون إشارته، وأمر الألمان والمدفعية بالتمركز في مواجهة المواقع التي احتلها العثمانيون أثناء المعركة.

 وفي خطة غادرة بجيشه اختار هونياد الرجال الذين كانوا الأقوى والأفضل استعداداً للحرب والأكثر إخلاصاً له فكانوا مائتيْ فارس، فتقدم بمجموعته هذه من النخبة ليلاً قبل الفجر وعَكَسَ مَساره نحو نهر الدانوب هارباً، تاركا جيشه لمصيره المحتوم على أيدي الإنكشارية يقتلون كل من بقي منهم في أرض المعركة بلا قيادة أو خطة انسحاب أو قيادة، وهذا تماماً ما كان قد فعله سابقاً في معركة ڤارنا سنة 1444م.

في اليوم الثالث أصبح النهار وتبين للعثمانيين هروب هونياد، ولما تأكد رجال السلطان أن عدداً قليلاً من جنود العدو في معسكر المجريين بين العربات الحربية حمل الإنكشارية أسلحتهم واندفعوا بأقصى سرعة عليهم، وهنا أدرك المجريون خيانة قائدهم وقواته الخاصة، فقاتلوا الإنكشاريين قتال اليائس من النجاة، واشتد القتال فاستشهد كثير من العثمانيين بسبب المدافع والبنادق والأسلحة النارية التي كانت تُطلق من داخل تلك العربات. لكن في النهاية استولى العثمانيون عليها وقضوا على كل من بقي في استحكامات الخط الدفاعي الصليبي فقتلوا جميع الجنود المُختبئين خلف العربات.

 وهكذا انتهت معركة كوسوفو الثانية بهزيمة كارثية للصليبيين وبانتصارٍ حاسمٍ للدولة العثمانية، فتكبد هونياد إحدى أعظم إخفاقاته في حروبه ضد الدولة العثمانية، وتمكن من الهروب ليلاً تاركاً جنود جيشه من التشيك والألمان يقاتلون وحدهم، وفي طريق عودته وقع في أسر قيصر الصرب برانكوڤيتش الذي أبقاه سجيناً في حصن العاصمة الصربية.

 أحبطت هذه المعركة آخر محاولة للصليبيين لتحرير البلقان من الحُكم العثماني، ولم تعد للمجر الموارد العسكرية أو المالية الكافية لشن حربٍ أخرى في المستقبل ضد الدولة العثمانية. فانتهى التهديد الصليبي على الحدود العثمانية الغربية.

 نجح هونياد بالفرار من المعركة والنجاة بنفسه من القتل أو الأسر لدى العثمانيين، إلا أنه قُبِضَ عليه أثناء مروره بقرية في الأراضي الصربية محاولاً العودة إلى وطنه المجر، فوقع في أسر الصرب بُعيد فراره من المعركة على الرغم من تخليه عن فرسه وتنكّره في زيّ جندي بسيط أثناء مُحاولته الُعبور، لكن أحدهم وشى به وتم نقله إلى سمندرية عاصمة الصرب فألقاه الملك برانكوفيتش انتقاماً من عدوانه على بلاده قبيل هذه المعركة.

 تدخلت كثير من الشخصيات المجرية لإطلاق سراح هونياد، وجرت مفاوضات مطوّلة في سبيل ذلك انتهت بالموافقة على إطلاق سراحه مقابل شروط عديدة صعبة، فتمت الموافقة عليها جميعاً، فلما أفرج عنه الصرب لم يتم تنفيذ أي من تلك الشروط، وهذا خطأ كبير، فكان ينبغي عدم الوثوق به وبقومه والإبقاء عليه حتى الوفاء بتلك الشرط، وهذا يذكِّرنا بشروط إطلاق السلطان صلاح الدين الأيوبي لسراح الملك الأسير غاي لوزنيان الصليبي بعد انتصاره في معركة حطين، إذ إن هذا الملك لم ينفذ معظم الشروط المتفق عليها، فهؤلاء لا عهد لهم ولا ميثاق فلا ينبغي الركون إليهم أو الوثوق بعهودهم مصداق قوله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم

{إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا}

 النساء 105-108،

ومعنى لا تكن للخائنين خصيماً أي لا تكن مدافعاً عنهم.

معركة فارنا.. انتصار عثمانيّ خالد على جيوش التحالف الأوربي




السبت، 28 يونيو 2025

معركة فارنا.. انتصار عثمانيّ خالد على جيوش التحالف الأوربي

 معركة فارنا.. انتصار عثمانيّ خالد على جيوش التحالف الأوربي

د. تيسير التميمي
قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً أمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس

 إحدى معارك الإسلام الفاصلة، وقعت أحداثها في يوم الخميس 10_11_1444م قرب مدينة فارنا البلغارية الواقعة غرب البحر الأسود، ودارت رحاها بين جيوش الدولة العثمانية بقيادة السلطان مراد الثاني رحمه الله وقوات الحملة الصليبية الأوربية المشتركة بقيادة ملك بولونيا والمجر ڤلاديسلاڤ الثالث، وبمشاركة المندوب البابوي الكاردينال يوليان سيزاريني وعدد من الأساقفة، أسفرت المعركة عن انتصار ساحق للعثمانيين أضعف خصومهم الأوروبيين بضربة واحدة، ومهَّد لفتح القسطنطينية على يد السلطان محمد الفاتح رحمه الله ابن السلطان مراد الثاني بعد تسع سنوات.


 وأما قصتها فقد تعرَّضت الجيوش العثمانية لهزيمتيْن متتاليتيْن في عامَيْ 1441 و1442م على يد جيش المجر بقيادة يوحنا هونياد، وارتقى فيهما آلاف من خيرة المقاتلين العثمانيين، فالسلطان مراد كان قد أرسل جيوشه لمحاصرة إحدى المدن المجرية، لكن هونياد استطاع هزيمتها، وعندما علم السلطان مراد بذلك أرسل لهم مدداً بقيادة شهاب الدين باشا، لكنّ هونياد هزمه أيضاً وأسره، وتحت زهوة انتصاراته سار هونياد إلى الصرب حيث يعسكر السلطان مراد واستطاع هزيمته في عام 1443 وإجباره على الانسحاب، وأثناء الانسحاب استطاع الانتصار عليه في عدّة اشتباكات.

 وفي تلك الفترة كان ابراهيم بك الثاني حاكم إمارة قرمان في الأناضول يتمرد على السلطان وينهب المدن العثمانية، فأفتى الفقيه ابن حجر العسقلاني رحمه الله بوجوب قتله إن لم يَتُب ويستغفر بسبب طعنه المسلمين في الظهر أثناء جهادهم الكفار، وتحت وطأة تلك الهزائم والانتكاسات المتلاحقة اضطر السلطان في عام 1444 للتفاوض مع المجر على هدنة، وكانت النتيجة الفورية إطلاق سراح القائد العثماني الأسير محمود بك جلبي الجندرلي زوج أخت السلطان مراد الثاني وشقيق الصدر الأعظم خليل الجندرلي في شهر حزيران، وقَّع السلطان معاهدة السلام لعشر سنوات مقابل تخلّيه عن بعض الأراضي في رومانيا وصربيا، وفي 15/8/1444م تمت مصادقة الزعيميْن عليها فدخلت حيز التنفيذ.


 كانت تلك المعاهدة دليلاً على تضاؤل قوّة العثمانيين في أوروبا، بل لقد تأمل بعض قادتها القضاء على النفوذ العثماني فيها نهائياً، كان هدف السلطان من الهدنة التفرغ لتاديب إبراهيم بك لكنه تصالح معه فيما بعد، وعقب إبرام تلك المعاهدة بقليل وقع حدث مؤلم، فقد توفي الابن الأكبر للسلطان مراد وولي عهده علاء الدين بعمر 18 عاماً، فحزن عليه والده أشد الحزن وقرر اعتزال العرش وتركه لابنه الثاني محمد الذي كان صبياً بعمر 12 عاماً.


 نظرت أوروبا إلى تلك التطورات المفاجئة على أنها فرصة استثنائية سانحة لسحق الدولة العثمانية؛ وبالأخص أن حكمها قد انتقل إلى سلطانِ طفلٍ هو في نظرها عديم الخبرة بالسياسة وأمور الحكم ولا علم لديه بالقتال وأمور الحرب، فسارع البابا يوجين الرابع لحشد القوى المسيحية الكاثوليكية في حملة صليبية تزعّم الدعوة لها بنفسه بهدف القضاء على نفوذ العثمانيين وطردهم خارج أوربا، ولاستعادة ما انتزعته فتوحاتُهم من مناطق بلغاريا واليونان وشبه جزيرة البلقان.


 كان الملك فلاديسلاف متحرّجاً من خرق الهدنة ونكث اليمين؛ فأقنعه الكاردينال يوليان سيزاريني مبعوث البابا بأن نقض العهد مع المسلمين لا يُعدّ حنثاً بالعهد أمام الله، وأحلّه البابا من القَسَم وأفتاه بأنه يجوز مع الكفار الإخلال بالاتفاق حتى ولو مع القسم على الإنجيل باعتبار المسلمين كفاراً من وجهة نظره، فاستجاب الملك وعقد المجلس التشريعي في بودابست وأقسم أمامه بقيادة الحملة الصليبية ضد العثمانيين، وأعطى قيادة القوات المشتركة ليوحنا هونياد بناء على توصية الكاردينال البابوي، خرق الصليبيون العهد الذي عقدوه بعد أن نفّذ العثمانيون شروطه وسلَّموهم البلاد والمدن المتفق عليها، وحنث الملك الصليبي باليمين الذي أقسمه، فالخيانة ديدن أهل الكفر الذين لا يقيمون وزناً لعهد أو لميثاق قال تعالى {… وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ… } المائدة 13.


 حشد الصليبيون جيوشهم غدراً من غير إعلان الحرب على العثمانيين أو إلغاء المعاهدة معهم، وأُسندت قيادة الحملة الصليبية شرفياً للملك الشاب فلاديسلاف الثالث ملك بولندا والمجر، أما القيادة الفعلية فكانت ليوحنا هونياد أكبر الولاة والنبلاء السياسيين بالمجر، والمنتصر لتوِّه على العثمانيين في ثلاثة حروب منذ فترة قصيرة، وهو كاثوليكي متعصب هدفه الأوحد إخراج العثمانيين من البلقان وأوروبا، وكان تحت إمرتهما عشرات الآلاف من المقاتليين، وتعهدت جمهورية البندقية الإيطالية باحتلال مضيق الدردنيل بأسطولها لتأمين عبور الجيوش الصليبية لأوروبا العثمانية.


 سارت القوات الصليبية في 18/9/1444م عبر نهر الدانوب قاصدين مدينة فارنا الواقعة على ساحل البحر الأسود في بلغاريا، وكان من المخطط أن تكون السفن الصليبية بانتظارهم هناك حيث سينطلقون على متنها لمباغتة أدرنة عاصمة الدولة العثمانية، وفي طول طريقهم لفارنا غدروا بالمسلمين الآمنين بموجب المعاهدة في كل المدن والقرى التي مروا بها فذبحوهم ظلماً وعدواناً بغير ذنب، قال تعالى { وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ} البروج 8.


 توغَّل الجيش الصليبي في الأراضي العثمانية الأوربية في شهرَيْ أكتوبر ونوفمبر 1444م، فلما وصل الخبر إلى العاصمة العثمانية استنجد السلطان محمد الثاني بأبيه، فاستجاب السلطان مراد من فوره ولبى نداء الدين والدولة وعاد إلى سلطنته وقيادة جيوشه، وحشد معه عشرات الألوف من قوات الأناضول، وأرسل قوة صغيرة إلى مضيق الدردنيل لخداع الصليبيين وإيهامهم باستعداد الجيش العثماني للعبور من هذا المضيق، لكنه عبر بقواته من مضيق البوسفور، وانضم إليه الجنود العثمانيون بقيادة الصدر الأعظم خليل باشا الجندرلي حيث كان ينتظره قرب القسطنطينية، فلما علم بقدومه اتجه إليه وقام بنصب المدافع على التلال لحماية عبور القوات العثمانية، وهكذا تمت السيطرة على البوسفور.


 في 9/11/1444م وصل الجيش الصليبي إلى فارنا واستولى على عدة قرى في جنوب المدينة وأنشأ معسكره في الجزء الشمالي منها، وفي اليوم ذاته اقترب الجيش العثماني مئات الخطوات منهم وخيَّم في الجزء الغربي منها، فوجئ الصليبيون بعودة السلطان مراد فهم لم يحسبوا لذلك حساباً وكل ظنهم أنهم سيلاقون سلطاناً طفلاً لا يمكنه محاربتهم، فانحصر الصليبيون بين البحر الأسود وبحيرة فارنا وفقدوا طريق الانسحاب شمالاً عبر البرّ، وأصبح البحر هو المهرب الوحيد لهم والأمل في وصول الأسطول الصليبي الذي لم يصل أبداً كما كان مخططاً، ففقدوا طريق الانسحاب عبر البحر


 تعتبر معركة فارنا حرباً صليبية لأنّ البابا هو الذي دعا لها بنفسه وأطلق الحملة الخاصة بها لينضم إليها المسيحيون وبالأخص الكاثوليك. 

وضمت قوات التحالف فيها جيوش كل من رومانيا والدولة البابوية والمجر وبولونيا وكرواتيا وليتوانيا وغيرها، وشاركت فرنسا وبلجيكا بالحملة مشاركة وجدانيةً فقط، ولم تشارك الدولة البيزنطية خوفاً من هزيمتها ومقتل جنودها الذين تدَّخرهم للدفاع عن القسطنطينية لأنها آخر ما تبقّى لهم من أملاك.

 تأزم موقف الصليبيين لما وجدوا أنفسهم أمام جيش عثماني كبير يفوقهم عدداً، وللخروج من هذا المأزق عقد هونياد المجلس العسكري الأعلى في فجر يوم 10/11/1444م للتشاور، تعددت الآراء : فكان رأي الكاردينال سيزاريني الانسحاب السريع واتخاذ وضعية الدفاع بواسطة اختباء الجيش في حصن العربات المتحركة ريثما تصل سفن الأسطول المسيحي التي كان من المقرر أن تنتظرهم في فارنا. أيَّد معظم الحضور هذا الرأي لكن القائد هونياد قال 

[ الهروب أمر مستحيل والاستسلام أمر لا يمكن تصوره. دعونا نقاتل بشجاعة… ] 

فتبنّى الملك رأيه وقال 

[ إن الاختباء الدفاعي وراء العربات لم يكن ليستحق عناء تجميع وتسيير هذا الجيش الذي يسعى لتحقيق النصر، وتلك العربات الدفاعية تصلح فقط كملاذٍ أخيرٍ لجيشٍ قُد هُزم بالفعل… ] 

فقرر المجلس بالإجماع دخول المعركة وقتال العثمانيين،

 في الصباح نشر هونياد قواته البالغ عددها حوالي 30000 جندي بكامل عتادها وعرباتها العسكرية المجهزة بِقاذفات القنابل والتي ستستخدم كحصن متحرك، ونشر السلطان مراد قواته البالغ عددها 60000 مجاهد، واعتمد السلطان للقتال ثلاثة استراتيجيات : مداهمة العدو والانقضاض عليه مستثمراً تضاريس الموقع، والدمار اشامل والكامل وذلك بتطويق الصليبيين والإحاطة بهم من غير إعطائهم منفذاً للخروج، ومرونة حركة الجيش بتغيير مهام ووظائف قواته حسب مواقعها. واتخذ السلطان موقعه فوق أحد التلال ليدير المعركة ويراقب سيرها، وقام بنشر وثيقة المعاهدة ليشاهد الجنود خيانة الصليبيين مما يعزز معنوياتهم ويقوِّي دافعهم المشروع للقتال.

 قبل المواجهة صلى السلطان مراد الثاني ركعتين في ميدان المعركة، ودعا ربه 

[ إلهي : لا تجعل عبادك المؤمنين في يد الكفار بسبب كثرة خطاياي. إلهي : احفظ أُمَّتك من أجل حُرمة حبيبك… ] ويقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم


 الْتحم الجيشان وبدأ العثمانيون بمهاجمة الصليبيين، فردّوا على الهجوم فرمَوْهم بالسهام وبقَاذفات القنابل والأسلحة النارية فأوقف العثمانيون هجومهم وتراجعوا، وهنا وقع الصليبيون في خطأ استراتيجي خطير بملاحقتهم العثمانيين ومطاردتهم بصورة غير منظمة حيث وقعوا في كمين كان قد نصبه العثمانيون لهم، فاضطروا للفرار هاربين واستطاع قليل منهم الإختباء خلف حصن العربات المتحرك لفترة، إلا أن القائد العثماني داود بك رحمه الله تمكن من اختراقه لاحقاً

 حمي القتال بين الطرفين في كر وفرّ منهما، وعلى مدى الثلاث الساعات الأولى لم تظهر سيطرة أيٍّ منهما على الميدان وأحداث المعركة، وشاء الله سبحانه وتعالى أن تهبَّ في وجه الصليبيين عاصفة عنيفة ورياح قوية قادمة من جهة العثمانيين، فشتَّتت انتباههم وشغلتهم بها مما سمح للعثمانيين بنقل جزء من جناح جيشهم الأيسر ليرتقي الهضبة الشمالية من غير أن يلاحظ الصليبيون تحركهم، وخلال هذا التراجع الفوضوي للجيش الصليبي لقي الكاردينال يوليان سيزاريني ممثل البابا مصرعه غرقاً في المستنقعات أثناء هروبه، ولقي المصير ذاته بعض الأساقفة مع قواتهم أثناء الفرار


 قرَّرَ القائد هونياد التحرك مع مجموعتين من الفرسان لمساعدة أحد ألوية جيشه، وقبل ذهابه أوعز للملك بالتريّث في مكانه وانتظار عودته حتى يقوما معاً بمهاجمة قلب الجيش العثماني واغتيال السلطان مراد، وحتى هذا الوقت من المعركة لم تكن القوات الإنكشارية ووحدات القصر الخاصة بالسلطان قد دخلت الميدان، قاتل الجنود الصليبيون طوال اليوم حتى استُنفدت قواهم وأصيبوا في المعارك، فلما نزلت القوات الخاصة بالسلطان لقتالهم ازداد موقف العدو صعوبة

 وحتى القوات العثمانية مرت بوضع خطير وصعب، وفي مواجهة هذا الوضع ثبت السلطان وسط قواته الخاصة والإنكشارية، فظن الملك الشاب المندفع ڤلاديسلاڤ أن اللحظة الحاسمة قد حانت، فتجاهل نصيحة القائد هونياد واستجاب لنصيحة النبلاء، فهرع في 500 من فرسان حرسه الشخصي بهجومٍ متهوّرٍ لاقتحام قلب الجيش العثماني يريد الوصول للسلطان وقتله، حاول ڤلاديسلاڤ اجتياح مشاة الإنكشارية فلما اقترب منهم أفسحوا له كي يدخل في وسطهم، وهكذا أحاطوا به فسقط جواده مقتولاً وأسقطه أرضاً، فسارع أحد الجنود العثمانيين الأبطال فقتله بضربة خاطفة من سيفه

 بعد قتل الملك أُصيب الصليبيون بِالهلع والفزع وانهارت معنويات الفرسان المتبقين في الائتلاف الصليبي، فبدأوا بالهرب ولجأ بعضهم إلى حصن العربات الحربية المتحركة ليحتموا وراءه لكنه لم يُغْنِ عنهم شيئاً حيث هاجمهم العثمانيون بالمدافع وطلقات البنادق التي استخدمت لأول مرة في هذه المعركة، ثم هاجموا عربات الكفار الحربية وغنموا مدافعهم وذخائرهم وأموالهم، وغنموا أيضاً 250 عربة أخرى مملوءة بالنفائس الخاصة بالملك القتيل.

 عندما أدرك القائد يوحنا هونياد أنه خسر المعركة انسحب مع قواته هارباً عبر الجزء الشمالي عند البحر الأسود تاركاً خلفه من تبقى من جيوش التحالف غير آبهٍ بمصيرهم. 

تعقبته القوات العثمانية لمدة يومين ولكنهم لم يستطيعوا اعتقاله. 

وانتهت المعركة نهاية كارثية على الجيوش الصليبية الأوربية وتشتت جمعهم بين قتيل وأسير وناج بنفسه، وتقدر بعض المصادر الأوربية بأن خسائر الجيوش الصليبية بلغ 15000 قتيل.

 في صباح اليوم التَّالي هاجم العثمانيون معسكر الصليبيين واستولوا عليه، وذهب السلطان مراد بعد أداء الصلاة (على الأغلب كانت صلاة الجمعة) إلى ساحة المعركة ليتفقدها، ودخل خيمة الملك وغرز سيفه في عرشه ثم جلس ولسانه يلهج بالثناء على الله عز وجل بما هو أهله وبحمده وشكره سبحانه على ما أنعم من نصر عظيم.

الجمعة، 27 يونيو 2025

ترامب الرجيم منحة في سياق فتنة للمؤمنين!

 ترامب الرجيم منحة في سياق فتنة للمؤمنين!

إضاءات شرعية عقائدية سننية

مضر أبو الهيجاء



لا شك بأن ترامب اللعين يدعي الألوهية في واقع الحال، وهو يقترب من التصريح بهذا في المقال، وهي درجة متقدمة من الكبر والعمى الذي يسبق انتقام الرب الجبار، لاسيما وأن الطاغوت بات يصرح بالقول والفعل ويقول ما أريكم إلا ما أرى، وليس لديكم أمام أحكامي ورغباتي أي حق في الاختيار!


إن ما ينتظر حكام أمريكا وإسرائيل والغرب المجرم أصنافا من عذاب وانتقام الرب الله المنتقم الجبار، وهي أضعاف مهولة عن انتقام الله الذي رأيناه بأم أعيننا، ونزل على رأس حزب الشيطان في لبنان وحل على هرمه الذي بات يتهاوى اليوم كالذباب في طهران.

لن يحدث شيء كهذا في أمريكا وذراعها التنفيذي الحقير إسرائيل، بل إن ما سيحيق بهما رعب وانتقام تشيب له الولدان، يوازي حجم جرمهم الذي لم يجرؤ عليه ويقترفه إلا فرعون الزمان.

خاب وخسر من ظن أن مدبر الكون العظيم لن ينتقم بعدله من المجرمين – ترامب الرجيم وإسرائيل وملالي إيران وحكام العرب الأنجاس- وهو الذي وعد خلقه سبحانه وقال: إنا من المجرمين منتقمون.


والسؤال المطروح علينا اليوم كمسلمين هو:

ما هو موقف المسلم أمام البطش والاستكبار العالمي الذي تربعت على عرشه الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وتوجته بكبرها وعجرفتها وحماقتها الحشرة البرتقالية ترامب؟


الجواب يكمن في الاتباع لهدي القرآن وسيرة النبي المصطفي صلى الله عليه وسلم، والاعتبار بسير الأنبياء والرسل والمصلحين التي وردت سيرهم في القرآن ونزل بها جبريل الأمين عليه السلام للاهتداء والاقتداء وليست للتسلية والاطلاع.


ترامب الإنس الرجيم فتنة للمؤمنين!

إن ترامب الرجيم اختبار رباني عظيم وفتنة للمسلمين سيميز الله به الخبيث من الطيب، ويفرز الثابتين على الصراط المستقيم عن الذين يعبدون الله على حرف، ويفضح المنافقين ويعري شركاء الشياطين، حتى تنقشع الدنيا -بعد فتن كقطع الليل المظلم- وتظهر الطائفة المنصورة التي لا تحيد عن الحق ولا تخضع للظالمين، ولا تصطلح مع الطواغيت وشياطين الإنس الرجيم، حتى لو كان اسمها أمير المؤمنين، ورسمها رعاة القدس أو خدم المسجد الحرام.

إن الثبات والاستقامة هو خيار الأنبياء والمصلحين ومن سار في دربهم على صراط واع عاقل مستوعب وحكيم، وهو ما يجب علينا كموقف وسلوك في حقبة علو اليهود والصليبيين المتصهينين، واستعلاء منظومات الكفر والظلم التي تحارب الله ودينه وعباده، وبنفس الوقت تسبب المشقة للعالمين.


من المستهدف في مشروع الاجتثاث الطاغوتي في القرن 21؟

لا شك بأن الأجيال الحالية ستعيش واقعا موجعا ينتقل من بلد إلى آخر مستهدفا الجغرافيا الثقافية الإسلامية والرصيد الاسلامي القائم في الشعوب، وما تبقى منه في الاقتصاد والسياسة والعسكر.


وقد أشرت قبل عامين أن أمريكا قادمة ليحل الأصيل في مكان الوكيل -بعد العبث الأمريكي الإيراني في ثورات الربيع العربي وادارتها بشكل كاهن ورجيم-، ويعيد ترتيب أوضاع المنطقة وفق تصور فرعون العصر الحالي، كما أكدت مع اطلاق محارق الطوفان الأمريكي بعد عملية 7 أكتوبر، أن غزة وفلسطين ستكون النافذة الأمريكية لدول المنطقة بهدف تغيير أوضاعها، وهو ما دعاني في الأسبوع الأول لاقتراح حلول عديدة -بعضها قاس- لتقطع الطريق أمام البلدوزر الأمريكي، فما كان من بعض اخواني -اخوانا وسلفيين- إلا أن قاموا وشهر بعضهم بي قائلين: لا تسمعوا لمن قال لكم أن أمريكا ستنفذ من غزة لترتيب أوضاع المنطقة وفق تصور يتجاوز ارث سايكس وبيكو!

أعود وأقول من جديد إن أمريكا قد كشفت بشكل جلي عن مشروعها في جز عشب المنطقة العربية والاسلامية لصالح هيمنه المشروع الصليبي المتصهين، والذي يستخدم إسرائيل كذراع متوحش ومتقدم واليهود كحطب رخيص، يرسم قدر أجياله وهلاكهم بفعله!

والسؤال يقول أمام هذا الواقع الصعب كيف يكون السبيل؟

وجاء دور العلماء ورثة الأنبياء.

إن الحقبة الحالية التي يعيشها المسلمون بكل ما فيها من مخاطر وتحديات ولوثات توسعت في عقول ومناهج البشر، تستحق بعث ونبوة غير أن الله ختمها وجعل بعدله ورثة الأنبياء الذين يقومون بدور الرسل في بيان الحق ولا يرثون مكانتهم أو يتصفون بالعصمة الربانية.


لقد جاء دور العلماء اليوم ليحفظ الأمة على الصراط ويمنع تحريف الدين وتبديل فهم نصوص القرآن وتمييع وجوب اتباع السنة، لاسيما وأن الخوف من بطش المشروع الصهيوصليبي اليوم قد تسبب في بروز أفهام جديدة، حيث بات من يفسر القرآن في بعض الأحيان هو سايكس ومن يحدد أشكال الأخذ بالسنة هو بيكو، وذلك على أرضية تعامي بعض الدعاة عن حقيقة الأمة الحاضرة والواعدة، لما في ذلك التناول من تحد حقيقي لمشاريع الطاغوت الإنس الرجيم.

تحرير العلماء واجب الوقت!

إن تحرير العلماء أمر لازم لتحقيق الدور المنوط بهم وإذا كانت السعودية هي مقصلة العلماء المصلحين فإن قطر هي أكبر ماكينة أمريكية لتمييع الحركات والمشاريع الإسلامية، فكيف ننقذ العلماء؟


مضر أبو الهيجاء جنين-فلسطين 18_6_2025


الأحد، 1 ديسمبر 2024

معركة حارم

 معركة حارم



قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً أمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس

 معركة حارم من ضمن الحروب الصليبية في بلاد الشام، وقعت في 22 رمضان 559 هـ الموافق 12/8/ 1164 في قرية حارم بسوريا بين جيش السلطان نور الدين محمود زنكي الشهيد رحمه الله وبين تحالف من الفرنجة ضم كلاً من كُونْتِيَّةِ طرابلس وإمارة أنطاكية والإمبراطورية البيزنطية والأرمن، وحقق المسلمون في هذه المعركة نصراً عظيماً، وفي المقابل حلّت الهزيمة الساحقة بتحالف الشر ووقع معظم ملوكه وقادته في الأسر.

 وكان السبب المباشر لمعركة حارم هو الأحداث الخطيرة التي وقعت بعد هزيمة نور الدين الصعبة في معركة البقيعة التي وقعت في عام 1163 قرب حمص، وقصة تلك المعركة أن نور الدين جمع جيشه ونزل في سهل البقيعة تحت حصن الأكراد وعزم على التوجه إلى طرابلس لتحريرها من أيدي الصليبيين، لكن الصليبيين باغتوا جنوده نهاراً وبأعداد ضخمة، فبينما هم في خيامهم لم يرُعْهم إلا ظهور الصليبيين من وراء الجبل الذي عليه حصن الأكراد، فأراد المسلمون منعهم فلم يستطيعوا، بل لم يتمكنوا من ركوب الخيل أو أخذ السلاح، ووقعت فيهم يومها مقتلة عظيمة واستشهد عدد كبير منهم، وكاد نور الدين نفسه أن يقتل فيها إلا أنه استطاع النجاة على فرسه بفضل أحد جنوده القلائل، فقد تمكن ذلك الجندي من قتل الصليبي الذي هاجم لنور الدين،

 نزل نور الدين بالقرب من حمص على بعد أربعة فراسخ عن مكان معركة البقيعة، ولحق به جنوده الناجون، لم يعبأ نور الدين بهزيمته؛ بل بدأ بتوزيع الأموال والسلاح والآلات العسكرية على جنوده فصاروا كأنهم لم يُصابوا ولم يُهْزموا، فتحَمَّسُوا بالإعداد والاستعداد للجهاد في سبيل الله من جديد، قال له بعض المثبّطين من حوله كعادة المثبّطين في كل زمان ومكان [ليس من الرأي أن تقيم هاهنا، فإن الفرنج ربما حملهم الطمع على المجيء إلينا فنؤخذ ونحن على هذه الحال] فقال لهم نور الدين [إذا كان معي ألف فارس لقيتُهم ولا أبالي بهم، ووالله لا أستظل بسقف حتى آخذ بثأري وثأر الإسلام]، وبالفعل كان في خطة الصليبيين بعد انتصارهم التوجه إلى حمص، فلما بلغهم نزول نور الدين قربها قالوا فيما بينهم [لم يفعل هذا إلاَّ وعنده قوة يمنعنا بها] فبعثوا إليه يطلبون الصلح معه فلم يجبهم، فتفرقوا وعادوا إلى بلادهم وتركوا عند حصن الأكراد من يحميه .

 وفي تلك الأثناء كان في مصر صراع محتدم بين الوزيرين الفاطميين شاور وضرغام، استغاث شاور بنور الدين واستعان ضرغام بالصليبيين، فأرسل نور الدين أبرز وأقوى قادته أسد الدين شيركوه وصلاح الدين الأيوبي على رأس جيش لدعم الوزير شاور، فاستطاع القائدان ومن معهما من القادة والجنود الأشداء إعادة شاور للحكم وقتل ضرغام،

 لكن شاور ما إن تمكن من الوزارة حتى غدر بشيركوه ومن معه وطلب منهم الرحيل عن مصر واستعان عليهم بالصليبيين، وتلبية لهذا النداء خرج الملك عموري الأول ملك القدس المحتلة صليبياً بجيشه في عام 1164 لقتال أسد الدين شيركوه ولاحتلال مصر في ذات الوقت، فطلب شيركوه نجدة نور الدين زنكي، فكَّر نور الدين بفتح جبهة حرب جديدة شمال بلاد الشام لتخفيف الضغط عن شيركوه وليُرغِم الصليبيين ويثنيهم عن غزو مصر واحتلالها مما سيجعلهم ينسحبون منها، فكر نور الدين بهذه الخطوة لأن هزيمة شيركوه ستكون أشد وقعاً على الأمة المسلمة كلها، فوقوع مصر تحت السيطرة الصليبية معناه طول مدة الاحتلال الصليبى فى المشرق الإسلامى .

 ولتنفيذ قراره هذا أقبل نور الدين على الجد والاجتهاد والاستعداد للجهاد والأخذ بثأره بِرّاً بيمينه، فراسل أخاه قطب الدين مودود بالموصل وفخر الدين قَرَّا أرسلان بالحصن ونجم الدين ألب بماردين (تقع اليوم في تركيا على الحدود بينها وبين بلاد الرافديْن) وغيرهم من الأمراء، فلبَّوْا نداءه وجاء المجاهدون والمتطوعون من كل حَدَبٍ وصوب.

 أما الأمير مودود أخو السلطان فقد جمع عساكره وسار بهم مُجِدَّاً وفي مقدمتهم نائبه زين الدين، وأما نجم الدين صاحب ماردين فقد جمع عساكره وسار بهم إلى نور الدين وجيشه،

 وأما فخر الدين أمير الحصن فقد قال له خواصُّه والملأ من حوله [على أيّ شيء عزمتَ؟]
 فقال لهم [ على القعود، فإن نور الدين قد تحشَّف من كثرة الصوم والصلاة فهو يلقي نفسه والناس معه في المهالك ] 
وكلهم وافقوه على ذلك، ومعنى تحشف أي لبس الثياب البالية كناية عن تركه زينة الدنيا والالتفات للعبادة والجهاد، وهذا من أسوأ المواقف: أن يوصَفَ المجاهدون في سبيل الله بأنهم يلقون الناس في المهالك، في اليوم التالي أمر فخر الدين المذكور بالنداء في جنوده بالتجهز للقتال، فقال له أولئك المثبّطون من بطانته والمحيطين به [… فارقناك بالأمس على حال ونرى الآن ضدها] 
فقال لهم [إن نور الدين قد سلك معي طريقاً إن لم أنجده خرج أهل بلادي عن طاعتي وأخرجوا البلاد عن يدي، فإنه كاتب زُهَّادها وعُبَّادَها والمنقطعين عن الدنيا يذكر لهم ما لقي المسلمون من الفرنج وما نالهم من القتل والأسر والنهب، ويستَمِدُّ منهم الدعاء ويطلب منهم أن يحُثُّوا المسلمين على الغزاة، فقد قعد كل واحد من أولئك ومعه أتباعه وأصحابه وهم يقرؤون كتب نور الدين ويبكون ويلعنونني ويدعون علي، فلا بد من إجابة دعوته] 
ثم تجهز فخر الدين وسار إلى نور الدين بنفسه، وهذا دليل أكيد على قوة تأثير العلماء العالِمين العاملين على الحكام والمواطنين يذكّرنا بمواقف سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه الله ودوره في حث الناس على الجهاد لتحرير أرض الإسلام من الغزاة

 وكان نور الدين قد خصص أموالاً من بيت المال لينفقها على العلماء والعُبَّاد والفقراء، فقال له بعض أصحابه لما رأوْا كثرة إنفاقه [لو استعنتَ بهذه الأموال في هذا الوقت لكان أصلح] فغضب منهم ورد عليهم بقوله [والله إني لا أرجو النصر إلا بأولئك، فإنّما تُرْزَقون وتُنْصَرون بضعفائكم.] 
مستنداً في قوله هذا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه أحمد في مسنده بالنصّ ذاته، فالضعفاء هم من أشد الناس إخلاصاً في الدعاء ومن أكثرهم خشوعاً في العبادة لأن قلوبهم غالباً ليست متعلقة بالدنيا وزخرفها وحطامها الزائل .

 ولما اجتمعت هذه الجيوش كلها سار نور الدين بها وبالمتطوعين القادمين من الإمارات الأخرى نحو حصن حارم (وهو حصن في بلاد الشام ناحية حلب) فحاصرها، وبدأ هجومه عليها بموجات متتالية ‏ونصب المجانيق عليها، فطلب حاكم قلعة حارم مساعدة الصليبيين لمواجهة جيش نور الدين زنكي القادم إليه، فأجابه الذين لم يسيروا إلى مصر وحشدوا من المشاة ما لا يحيط به الإحصاء فملؤوا الأرض، وجمعوا جيوشهم وكل إمكانياتهم في أعداد ضخمة وزجّوا بها في المعركة، أربعة جيوش عظمى ومن ورائها كل أوربا هرعت للقضاء على جيش نور الدين ولفك الحصار عن حارم، وكان على رأس تلك الجيوش الجرّارة كلٌّ من ريموند الثالث وبوهيموند الثالث وجوسيلين الثالث وغيرهم من الأمراء الصليبيين . وقد انضموا إلى قسطنطين كالامانوس حاكم قلقيلية البيزنطي.

 وقبل المعركة انفرد نور الدين بنفسه تحت تلّ حارم وسجد لله ومرَّغ وجهه بالتراب خاضعاً لربه وداعياً يرجوه النصر والتأييد فناجاه بقوله [يا رب: هؤلاء عبيدك وهم أولياؤك، وهؤلاء عبيدك وهم أعداؤك، فانصر أولياءك على أعدائك، فإن نصرتَ المسلمين فدِينَك نصرتَ.]

 أما من حيث خطة القتال فقد تقدم الصليبيون بجيوشهم مغترين بنصرهم في معركة البقيعة ولكن من غير اهتمام بقواعد الانضباط العسكري فتوزعوا بشكل متهور غير منظّم، فانسحب المسلمون من مدينة حارم واشتبكوا معهم قرب أرتاح. ووقع بين الطرفين صدام مروّع حيث نفَّذ المسلمون تكتيك الكماشة، وتقوم هذه الخطة العسكرية على التظاهر بالانسحاب لاستدراج جنود العدو وإغرائه بملاحقتهم وهنا تتم الإحاطة بهم من بقية فرق جيش المسلمين، وهذا ما حصل بالفعل بوقوع الصليبيين في هذا الكمين، فقد هجم الصليبيون في بداية القتال على ميمنة الجيش الإسلامي فتراجعت الميمنة سريعاً وتقهقرت إلى الخلف، فظن الصليبيون بأنها انهزمت وبدأت بالفرار من الميدان فلحق بها فرسان الصليبيين، وبهذه الخطوة انقطعت الصلة بينهم وبين المشاة من قواتهم، فتفرغ المسلمون للمشاة فانقضوا عليهم انقضاض الصقور على ضِعاف الطيور، فلما رجع الفرسان لم يجدوا أحداً من المشاة الذين كانوا يحمون ظهورهم، فأطبق المسلمون على فلول المشاة وعلى الفرسان ولم ينجُ من القتل إلا من وقع في الأسر .

 والوحيد الذي لم ينجرّ وراء هذا الكمين هو توروس الأرمني الذي فضَّل الهروب من الكارثة والسلامة بنفسه. 
كثر القتل في جيش الصليبيين حتّى توقّف المسلمون عن القتل وبدأوا بالأسر، وكان عدد قتلى الصليبيين حوالي عشرة آلاف شخص، وأسر المسلمون أعداداً كبيرة منهم وفى جملتهم بوهمند صاحب أنطاكية والقُمُّص صاحب طرابلس وكان شيطان الفرنج وأشدهم شكيمةً على المسلمين، ومعنى الشكيمة الأنَفَة والحزم والإباء وعدم الانقياد، ومنهم الدوق مقدِّم الروم وابن جوسلين وقسطنطين البيزنطي صاحب قلقيلية وغيرهم كثيرون،

 تيقَّن الصليبيون الآن أنهم لا طاقة لهم بقتال نور الدين وأبطال جيشه وأنهم لا قدرة لهم على نزاله فحاول من بقي منهم العودة إلى حارم فتبعهم نور الدين، فاستولى عليها وعلى ما حولها من قلاع وحصون بعد أن أجلى الصليبيين عنها إلى الأبد، وكان ذلك فتحاً كبيراً ونصراً مبيناً أعاد للمسلمين الهيبة في قلوب أعدائهم، وأعز الله جنده وأولياءه في شهر رمضان المبارك شهر الانتصارات، هذا بعد الأخذ بالأسباب المعنوية والمادية وإعداد ما استطاعوا من قوة .

 كانت هزيمة نور الدين في البقيعة مؤلمة جداً له وللمسلمين، ولكن هذا الملك العادل نور الدين محمود زنكي الشهيد، والذي عرف بعدله وتقواه وورعه وعبادته وحبه للجهاد، والذي كان يحب العلماء ويقربهم إليه، فاكتسب منهم التقوى والزهد، هذا السلطان الذي تفرغ للجهاد في سبيل الله لم يلبث أن كسر الصليبيين في حارم بعد عدة أشهر من هزيمة البقيعة فأبدل الله هزيمته نصراً وفتحاً وتحريراً لأرض الإسلام من أيدي الغزاة. ‏

 صحيح أن معركة حارم لم تأخذ حظها من الشُّهْرة في التاريخ الإسلامي إلا أن أحداثها ونتائجها كانت شديدة الأهمية وبعيدة الأثر، فهزيمة الصليبيين وأسر ملوكهم وقادتهم لم يكن بالأمر الهيّن، حيث مكث هؤلاء الزعماء سنوات في الأسر، ومنهم من افتدى نفسه بدفع مبالغ طائلة لنور الدين وظّفها في الإنفاق على الجهاد في سبيل الله.