الثلاثاء، 17 ديسمبر 2019

الأردوغانية.. التدمير الهادئ لمنجزات الهوية الأتاتوركية

الأردوغانية.. التدمير الهادئ لمنجزات الهوية الأتاتوركية

مولاي علي الأمغاري
أستاذ وكاتب وباحث
من استراتيجية أردوغان وحزبه في التصالح مع الهوية الإسلامية تجنب رفع عنوان الهوية في بداية حكمه لتركيا، لأن القوى المتعاطفة معها ضعيفة أو شبه منعدمة، فكل العناوين الخلافية والتي ليس عليها الإجماع والتي يسهل استغلالها في إضعاف الحزب والحكومة ترك أردوغان وحزبه رفعها، وعملوا على العناوين والمشاريع المتفق عليها بين غالبية الشعب التركي، بداية من تنشيط الاقتصاد وحل مشاكله وتقوية الجبهة الداخلية، ومحاربة المنظمات الإرهابية وجذورها الداخلية والخارجية، والسعي للتخلص من الوصاية الغربية، والرقي بالتعليم والصحة، وبناء بنية تحيتة واسعة ومتنوعة، وتحقيق استقرار سياسي واجتماعي لم تعرفه تركيا منذ إعدام عدنان مندريس بدايات الستينيات من القرن الماضي.


ولم يرفع أردوغان عنوان الهوية والدين والحضارة وإرث الأجداد وتاريخهم، إلا بعد تحقيق وعوده الانتخابية التي وعدها بها الشعب التركي منذ أول انتخابات برلمانية عام 2002. وبعد انتخابات تشرين الثاني 2015 بدأت تكتيك أدوغان يتغير وجرأة قادة حزب العدالة والتنمية تزداد في رفع شعار الهوية الإسلامية في كل مناسبة عامة أو تجمع جماهيري، ثم تضاعفت هذه الجرأة بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في 15 تموز2016، فغالب خطابات أردوغان بعدها كانت تتضمن إشارات قوية وعبارات واضحة إلى تمسك تركيا الجديدة بهويتها الإسلامية وحضارتها وثقافتها العثمانية. قال أردوغان في مارس 2017 "إنَّ غضب الأوروبيين   ليس لأننا انحرفنا عن الطريق الصحيح، وإنما لأننا لم نعد  نأتمر بأمرهم ولم نعد ننصاع لمطالبهم"               
 كما كانت الزيارات التاريخية التي قام أردوغان صبيحة الانتصار في الاستفتاء على التحول للنظام الرئاسي 16 نسيان 2017 لقبور الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري وفاتح القسطنطينية السلطان محمد الفاتح والسلطان ياوز سليم الأول وشهيد الأذان عدنان مندريس، والأب الروحي للحركة الإسلامية التركية نجم الدين أربكان، والرئيس السابق تورجوت أوزال، واستثناء ضريح مصطفى كمال أتاتورك، إشارة قوية إلى تمسك القادة الأتراك زعماء العهد الجديد برموزهم الإسلامية، والاعتزاز بإنجازاتهم وتاريخهم المجيد.

وهذا ما فهمه الكماليون بتركيا وعلمانيو العالم والإعلام الغربي والمحللون السياسيون وأصحاب مراكز البحث والخبرة من تلك الزيارات التاريخية، حيث اعتبروها مؤشرا قويا على عودة تركيا لجذورها الإسلامية والعثمانية، وانتهاء حقبة أتاتورك تماما. ثم جاءت مرحلة التصريحات المباشرة والواضحة من أردوغان وباقي قادة العدالة والتنمية حول موضوع الهوية بعد الأزمة مع الاتحاد الأوروبي وخاصة ألمانيا وهولندا، وانتقاد الرئيس التركي للاتحاد ودوله في موضوع محاربة الإسلام وسعيهم لنشر الإسلاموفوبيا بطرق مختلفة، ووقوفهم مع قوى الإرهاب بتركيا وباقي دول العالم الإسلامي، خلافا لما تروجه دول الاتحاد عبر إعلامها وسياستها الخارجية.

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 26 مارس/آذار 2017، إنَّ "اجتماع قادة دول الاتحاد الأوروبي في الفاتيكان بمناسبة الذكرى السنوية الستين لتأسيس الاتحاد أظهر تحالفهم الصليبي.. لماذا اجتمعتم في الفاتيكان؟! ومنذ متى كان البابا عضواً في الاتحاد الأوروبي؟! الاتحاد الأوروبي يرفض عضوية تركيا لكونها دولة مسلمة، عليهم ألّا ينسوا أنّ من يدخل الجحر مع الأفعى لن يسلم من لدغها، فالأسلحة التي يعطونها للإرهابيين سيأتي يوم وتُشهر في وجههم.. إنَّ غضب الأوروبيين ليس لأننا انحرفنا عن الطريق الصحيح، وإنما لأننا لم نعد نأتمر بأمرهم ولم نعد ننصاع لمطالبهم". وكالة الأناضول.
الناظر في مسيرة قادة العدالة والتنمية يظهر له بوضوح أن مشروع الهوية الإسلامية كان دائما حاضرا في فكر        وتصورات ورؤى قادة العدالة والتنمية منذ بدايتهم         السياسية الأولى                                        
ومنها قال الرئيس التركي في إحدى خطبه: "سنعيد فتح مدارس الأئمة والخطباء التي أغلقوها، حتى يعود الناس ليتعلموا القرآن والسيرة النبوية.. لقد تمت محاربة قيم هذا الشعب ومقدساته في الأربعينيات من القرن الماضى، حيث أغلقت أبواب المساجد وحولت إلى متاحف وحظائر للحيوانات، ومنع تعليم القرآن من قبل حزب الشعب الجمهوري الحالي، وقسموا المواطنين إلى قسمين، مقبولين ومرفوضين". وكالة الأناضول. وقال أيضا: "أثق في الجيل الجديد في تركيا، سيتيعلم تاريخه وثقافته وحضارته، وهو قادر على تنشئة نفسه جيدًا بجميع المجالات، على خلاف ما تدعيه بعض الأطراف".

هذه التصريحات التي تدعم التصالح مع الهوية الإسلامية والافتخار بالانتماء إليها، كانت معها قرارات قوية تخدم تصالح الأتراك مع هويتهم الإسلامية منها:
- تفعيل دور المساجد عبر أنشطة الدينية والثقافية متنوعة تغطي أيام السنة.
- الزيادة من مساحة المواد الدينية بالمدارس التركية والإقصاء التدريجي لكل ما يخاف الهوية الإسلامية وحضارتها ثقافة وتاريخا وفكرا.
- إقامة مصليات لتلاميذ والطلاب داخل الجامعات والمدراس بمختلف مسالكها.
- إضافة مواد الإسلامية (القرآن الكريم والسيرة النبوية الشريفة) ضمن المناهج والدروس المقررة كدروس اختيارية في السلك التعليمي المتوسط، وحذف نظرية التطور لداروين من منهاج علم الإحياء، وتقليص دارسة سيرة مؤسس الجمهورية التركية "مصطفى أتاتورك"، ونزع ملامح القدسية عن شخصيته ووضعها في إطار الشخيصيات الوطنية العادية.

- التخلص من المواضيع التي تمجد الغرب وتتحدث عن التاريخ من وجهة نظر أوروبية، والعناية بإسهامات العلماء المسلمين والأتراك في جميع ميادين الحضارة، وترسيخ قيم المواطنة والوطنية.
- العناية الكبيرة بمدارس الأئمة والخطباء والمرشدين، وتشجيع الطلاب على الإقبال عليها وعلى التعلم فيها.
- رفع الحظر على الحجاب وظهوره بالبرلمان والحكومة وشاشات الإعلام والجامعات والمحاكم ثم مؤسسة الشرطة والجيش وباقي مؤسسات الحكومية.
- إقامة المصليات وقاعة الصلاة بثكنات العسكرية ومراكز الشرطة وتدريب رجال الأمن.
- إلغاء دروس الأمن القومي في المرحلة الثانوية. 
 الجمهورية التركية الحديثة؛ جمهورية بدأت علمانية متطرفة  وأراد أردوغان وحزبه أن تكون جمهورية ديمقراطية        متصالحة مع هويتها الإسلامية وتاريخها                    
 - محاصرة بيع الخمور عبر قانون 6487، الذي يحظر بيع الكحول بين الساعة العاشرة ليلا، ويجبر شركات الكحول بتركيا على وضع تحذيرات صحية على قنينات الخمور، كما يمنع هذا القانون رعاية هذه الشركات للأحداث رياضية، وغيرها من التفاصيل التي أدت إلى محاصرة بيع الخمور وانتشار استهلاكه بتركيا.
- إنشاء أكثر من سبعين فرعا من مدرسة إمام خطيب الإسلامية المشهورة.
- تحويل إجبارية التربية الدينية من سن التاسعة إلى سن السادسة.

وغيرها من الإجراءات والتدابير التي اتخذتها حكومة العدالة والتنمية والتي تمنكت بها من تغيير النخب الفاعلة في المجتمع التركي، كما يقال "الدولة تتغير مع تغير نخبتها"، حيث تكمن أردوغان من التمكين لنخبة جديدة قوية مثقفة منفتحة لكنها متصالحة مع هويتها الإسلامية.

والناظر في مسيرة قادة العدالة والتنمية يظهر له بوضوح أن مشروع الهوية الإسلامية كان دائما حاضرا في فكر وتصورات ورؤى قادة العدالة والتنمية منذ بدايتهم السياسية الأولى عبر مختلف الأحزاب الإسلامية التركية التي عملوا بها، والتأمل في الرؤية الاستراتجية للحزب العدالة والتنمية منذ تأسييه، يجدها الهوية الإسلامية حاضرة بقوة.

فرمزية التواريخ التي أطرت الاستراتجية الكبرى لتركيا ومستوياتها الثلاث 2023-2053-2071 ما هي إلا دليل قاطع على استحضار الهوية والتاريخ والحضارة العثمانية الإسلامية في الفكر السياسي لحزب العدالة والتنمية، فـ 2053 ذكرى إتمام 600 عام على فتح القسطنطينية "إسطنبول"، و 2071 الذكرى الألف لفتح الأتراك للأناضول بعد معركة "ملاذكرد".

و2023 إتمام مائة عام على تأسيس الجمهورية التركية الحديثة جمهورية بدأت علمانية متطرفة وأراد أردوغان وحزبه أن تكون جمهورية ديمقراطية متصالحة مع هويتها الإسلامية وتاريخها وثقافتها العثمانية في ذكرى المئوية للجمهورية.
فهل تصالح الأتراك مع هويتهم الإسلامية هو ما جعلهم هدف كل عدو حاسد، وتخطيط ومكر كل طامع يخشى رجوع تركيا إلى عهد "الدولة الفاعلة والمؤثر إقليما ودوليا"؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق