الأحد، 29 ديسمبر 2019

حلقة جديدة من فيلم التغريبة الفلسطينية لكن في معرة النعمان


حلقة جديدة من فيلم التغريبة الفلسطينية لكن في معرة النعمان

د.أحمد موفق زيدان
في غضون أسبوعين فقط تفوقت محافظة إدلب على ما جرى للموريسكيين في الأندلس، وللفلسطينيين في فلسطين الحبيبة لتسجل نزوح ربع مليون نسمة بفترة زمنية قصيرة كهذه، فمن فاته تلك المشاهد فما عليه إلاّ متابعة مشاهد النزوح السوري التي لا تختلف كثيراً عما حدث من قبل في الاندلس وفلسطين، كهل يحمل حفيده، وأم تحتضن رضيعها تسعى إلى تدفئته بحنانها وما تبقى على جسدها من ثياب حملتها على عجل، ذاك الجسد المنهك والمضنى بسنوات القهر والعذاب والخذلان، بعد أن عجزت عن حمل ما تستطيع حمله من دارها، وذاك عجوز انشغل بتوديع داره وشقى عمره كما وصفها، بينما كان أولاده وزوجته قد سبقوه إلى عربته التي يسعى من خلالها بدء رحلة المجهول .

لقطات طوابير النزوح على طريق دمشق - حلب التي التقطتها كاميرا المصور من خلال تصوير الدرون كشفت طول طريق النزوح، وكشفت معه أسوأ ما في العالم من خذلان وتواطئ تجاه مئات وربما آلاف السيارات التي تسارع هدير طائرات الاحتلال الروسي والمليشيات الطائفية الإيرانية لاغتصاب أرض كانت يوماً منارة لخلافة أموية عريقة، فمعرة النعمان التي كانت يوماً ممراً للخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وهو الذي يرقد في قبره على بعد أميال منها، لم تعد معرة النعمان حاضرة للإشعاع الحضاري، بعد أن قرر مغول العصر وكل عصر حرقها وإبادتها أسوة بما فعله الصليبيون والفرس من قبل، ولكن خرجت بعد كل تلك المحن  كطائر الفينيق الذي يقهر أعداءه وخصومه.

على الجانب الآخر من المناطق التي لجأ إليها ربع مليون نسمة استقبلت تلك المناطق المحررة الأهالي بما تستطيعه وتملكه من كرم وهي التي تعاني شظف العيش وصعوبته
يعود الصحافي فقط إلى معرة النعمان فلا يجد أحداً في داخلها، بعد أن  تحولت إلى مدينة أشباح، أو كمدينة تم اكتشافها حديثاً تحت الأرض، بعد أن عاث فيها  المغول والتتار والبرابرة فساداً وقهراً وظلماً، وعذراً لكل هؤلاء فما فعله أحفادهم و ورثتهم فاق كل ما فعله من قبلهم، يرصد الصحافي مسلم سيد عيسى بكاميراته الدار والمسجد والمتحف والسوق، فلا يجد أحداً فتلك دار أبو عبدو تبكي نازحيها، وذاك دكان أبو أحمد يدعو على من هجر زبائنه، والمسجد الأموي يجأر إلى الله بالدعاء على من قصفه وقصف معه مرتاديه، فمهمة الدعاء غدت للأحجار والبناء بعد أن رحل أهل الدعاء والصلاة.

قرأنا و شاهدنا صور التغريبة الأندلسية من قبل، وقرأنا معه صمود حي البيازين في غرناطة بالأندلس، صمد حي البيازين لسنوات بوجه الحملة الصليبية يومها، ولكن خذلان المسلمين له كان أوقع من فتك الصليبيين به، أما اليوم فعزاء المعرة وإدلب بأن مئات من أحياء البيازين لا تزال تقاوم وتصر على الثورة في الشمال المحرر، ولا أدل على ذلك من  عجز المحتلين ومعهم كل المتواطئين والصامتين والمتشفين طوال تسع سنوات من القمع عن نيل ما أرادوه، فقد صمد ثوار الشام ومقاتلوه، بعد أن أجبروا الاحتلال ومليشياته الطائفية على التوقف على أسوار معرة النعمان، فلم يدخلوها ولا مناطقها  المجاورة.

على الجانب الآخر من المناطق التي لجأ إليها ربع مليون نسمة استقبلت تلك المناطق المحررة الأهالي بما تستطيعه وتملكه من كرم وهي التي تعاني شظف العيش وصعوبته، فظهرت أسمى آيات الكرم والإيثار والتكافل الاجتماعي إن كان على مستوى تقاسم البيوت أو لقمة العيش أو تقديم خدمة شبكات التواصل المجانية،  وكذلك السيارات التي كانت تساعد في نقل المهاجرين والنازحين، وسيظل صوت الثورة أقوى من صوت النزوح والتشرد، وسيظل صوت المقاوم الثائر الذي صدح صوته من أول يوم مالنا غيرك يا ألله أقوى من كل صوت يحدوه أملٌ وحيد وهو قول رسوله عليه السلام: "إن الله قد تكفل لي بالشام وأهله".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق