الاثنين، 30 ديسمبر 2019

ناقصات عقل.. وإن كن بسايم!

ناقصات عقل.. وإن كن بسايم!
محمد جلال القصاص
باحث دكتوراة علوم سياسية
23/12/2019
لنا عمَّة تسمى "بسيمة"، شديدة الطبع، كانت تضربنا ونحن صغار وكنا نخاف منها ونحذرها. وفي العائلة نسمي كل امرأة حازمة شديدة "بسيمة". وكثرت البسايم في العائلة. وتعلمن. وبعضهن أساتذة يدرسون في الجامعات، ولم يتغير طبعهن: نقد الخطاب والرد على الخفيف من الكلام، والقدرة على المبادرة وأخذ قرار وتنفيذه إن رأت تهاونًا من الرجال. هذا النوع مغري لأكثر الرجال، ولكنهم يحبونه نظريًا ويكرهونه عمليًا! يريدون عاقلة حازمة تخلفه في أهله وماله بخير ثم تتخلى عن حزمها وعقلها حال التعامل معه. ولا يكون. فالطبع واحد، وهذا النوع من النساء لا يستكين-حقيفة وليس ادعاءً- إلا تحت نوعية خاصة جدًا من الرجال.. وحتى مع هذه النوعية يأتيها طبعها من وقت لآخر فتتقلب. وتحتاج لنوعٍ عالٍ من السياسة: عقل وحزم.. رقة وصلابة.. ومنطق عذب.. وأحيانًا "شخط" وسب!!

حضور الكريمات الفضليات (البسايم) بشكل مستمر أمام ناظري جعل سؤالًا عن معنى ناقصات عقل ودين، الذي ورد في الحديث الشريف الصحيح، يقيم ولا يرحل، وكلما تحدث أحد بالحديث أو عنه سارعت أنصتُ وأتأمل في القول والقائل والسياق،: كيف تكون هذه العاقلة الحازمة التي تتفوق على كثيرٍ من الرجال ناقصة عقل؟!

ذكر بعض المنتسبين للعلم والدعوة الحديث ثم قال كان "بيهزر مع الستات". ولم يكن الهزار مع النساء من خله -صلى الله عليه وسلم-، ولم يكن المقام مقام هزار. بل كان مقام موعظة. يرغبهن في الجنة ويخوفهن النار. وعظ الرجال ثم وقف على النساء يعظهن رفقة خاصته من الرجال، وهذا نص كلامه، صلى الله عليه وسلم،: (يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّى أراَكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ. فَقُلْنَ: وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب للب الرجل الحازم من إحداكن فقيل: يا رسول الله، ما نقصان عقلها؟ قال: أليست شهادة المرأتين بشهادة رجل؟)، ليس فيه شيء من هزار كما يدعي هؤلاء. وقول الرسول، ولازم قوله، حق كله. فإن صح نِسبة القول إليه فعلينا أن نحاول فهمه بشكل صحيح، لا أن نبادر برد النص أو ترحيله بالتأويل.
ما نقصان عقلها؟!، كيف تكون المرأة ناقصة عقل؟، وخاصة البسايم؟
ظهر التنافس الذكوري الأنثوي مع العلمانية، فالعلمانيون لهم زاوية رؤية مختلفة عن المسلمين، ينظرون للفرد وليس للأسرة، ويدعون المساواة بين الجميع، مع أن المساواة ظلم إن اختلفت الإمكانات
أوضح إجابة في ذات الحديث. حيث استخدم المثل في البيان (وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا يَعۡقِلُهَآ إِلَّا ٱلۡعَٰلِمُون)، واستخدم الأستفهام التقريري، ما يعني أن المثل حق مستقر في حس من يسمع، (أليست شهادة المرأتين بشهادة رجل؟). نعم لابد من إمرأتين حال الشهادة، والسبب مذكور في كتاب الله (أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰ)، والضلال اختلاط الأمور حتى لا يصعب التمييز بينهما وهو غير النسيان الذي يعني غياب الأمر كلية، (لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى)، يذهب عقلها حال الحدث الجلل وتختلط عليها الأمور فتحتاج من يتحدث معها حتى تُنقي هذا من هذا، وإن كانت بجوارك إحدى "البسايم" فانظر إليها مع من تحب -أو تكره- تجدها مائلة إلى من تحب.. مائلة عن من تكره. أو انظر إليها حين يتملكها الغضب. كالفيل الهائج بين أواني الزجاج، ثم تفيق وتعتذر!

وقد ربط الحبيب، صلى الله عليه وسلم، بين نقصان الدين بما يدور عليها كل شهر ونقصان العقل، وهذا ربط بديع. والمعنى فكما أنه يعترضها عارض ينقص دينها يعترضها عارض ينقص عقلها. ويكمل المتأملون في سلوك الإنسان (علماء الاجتماع) بأن أسباب النقصان هذه (اجتياح العاطفة) ضرورة للقيام بمهامها تجاه الأبناء والزوج. وأكملُ أنا بأن جل الخلل سببه زاوية الرؤيا، بمعنى أن من ينظر في الغالب ينظر من زاوية محددة، بمعنى يرى شيئًا ويغيب عنه أشياء، ثم يحاول تعميم نظرته الجزئية، وهذا بعينه ما يحدث في تناول موضوع "ناقصات عقل ودين".

وحدة البناء عندنا هي الأسرة، والتي تتكون من أربعة عناصر: أولهما: رجل شاب فتي شغله جلب الرزق. وثانيهما: زوجة تقوم على حاجة زوجها وأبناءها. وثالثهما: أبناء يلعبون ويمرحون ثم يتخصصون فيما يناسب قدراتهم. ورابعهما: أجداد نمت عقولهم وتراكمت خبراتهم وضعفت أبدانهم ولهم في حق الشباب جميل سبق، فاستراحت أبدانهم، وعُنوا بدورٍ يناسب إمكاناتهم وهو تثقيف الصغار وإرشاد الشباب. كأن الأسرة مؤسسة ذات تخصصات متعددة.. كل حيث يحسن. وكل فرد في الإسلام في أسرة، ولحظة انفكاكه عن أسرة هي لحظة التحامه في أسرة جديدة. فوحدة التحليل الاجتماعي عندنا هي الأسرة لا الفرد ولا الفعل (واحد الأفعال/ السلوك).. هذا هو مستوى النظر والتحليل عندنا (الأسرة)، فلا الرجل خير من المرأة كونه رجلًا، ولا المرأة خير من الرجل كونها أنثى، التفاضل في منظومتنا بالتقوى (إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ). وصنف الرجال من حيث العموم رفعه الله على صنف الرجال في بعض الأمور التي تتعلق بالقوامة وإدارة شئون الأسرة وليس في كل شيء، وقد جاء في ذكر الطلاق والخلافات الأسرية (وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَة). ومن أراد أن يقارن فلا يقارن بين رديء وسيدة، وإنما بين سيد وسيدة، ورديء ورديئة.

ولم يحدث أن أثير خلاف ذكوري أنثوي في نموذجنا المثالي الذي نقيس عليه، أعني الصحابة والتابعين (فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ)، كان الكل راضيًا، وكل منصرف لأداء ما يحسن أو ما يحب، لم تكن القضية أبدًا ذكرًا وأنثى، فكل ذكر معظم لأنثى (أمه، وابنته، وأخريات) وكل أنثى تعظم ذكرًا وترجوه (ابنها، وأبيها، وآخرين). ظهر التنافس الذكوري الأنثوي مع العلمانية، فالعلمانيون لهم زاوية رؤية مختلفة عن المسلمين، ينظرون للفرد وليس للأسرة، ويدعون المساواة بين الجميع، مع أن المساواة ظلم إن اختلفت الإمكانات. تجاهلوا التمايز العضوي والنفسي، وبالتالي تجاهلوا التخصصية، والتكامل بناءً على الإمكانات الذاتية. ولم ينهض هؤلاء بالمرأة.. لم تحدث مساواة بين الذكر والأنثى، فجل النساء في العلمانية عملن في مجالات تناسب صفاتهن الأنثوية، واستخدمن من قبل المنظومة فيما يناسب صفاتهن الجسدية (نشر الشهوات/ توطين عبادة الأنثى وهو دين العلمانية أو أحد أشهر أديانها).

النظر للمجتمع من مستوى "أسرة" متعددة التخصصات، يعطي لكل حقه، ولا يدفع به إلى حيث لا يحسن. والله يقول: (وَلَا تَتَمَنَّوۡاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡض لِّلرِّجَالِ نَصِيب مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيب مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ وَسۡ‍َٔلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمًا). وبداخل الأسرة تجد "البسائم" مساحة واسعة وخاصة في التأثير على أبنائها، فكما قيل وراء كل عظيم إمرأة (أمه)، وفي العمل داخل البيت الخير والبركة. والمنْتَج بحال من يُنْتِج، فمن تربيه "بسيمةٌ" معلمةٌ مدربةٌ ليس كمن تربيه تافهة خفيفة لا حظ لها في علم ولا فهم. ونردد حديثًا عطرًا بهيًا عن أم مالك (الإمام)، وأم الشافعي، وأم أحمد بن حنبل، وأهملنا حديثًا شديد الوضاءة ملأ الدنيا بشذاه قرونًا عن دور النساء في تعليم أبنائهم وتعليم الرجال في المراحل الأولى من العمر، وخاصة تعليم القرآن والسيرة والحديث، فمن ينشط لأخذ المرأة من أتون الشارع ومكاتب البيروقراطية وجعلها معلمة ومربية لأبنائها.. من ينشط لجعل البيت مؤسسة تربوية وتعليمية..

نعم ناقصات عقل وإن كن "بسايم". يفقدن السيطرة على مقود القيادة حال الجد فتنحرف وقد يهلك الجميع. ولذا: (لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً) (رواه البخاري) ولفظة "قوم"و "إمرأة" نكره في سياق النفي تفيد العموم. تكون معك على أحسن حال ثم تثور زعابيب الخيال برأسها فتستخفها وتحملها على الحماقة، ثم تفيق بعد أن قطعت ما بينك وبينها، إلا أن تكون أنت حليمًا عاقلًا فتصبر وتتصبر وتستحضر خيرها لتمرر ما اعترض عقلها فانقصه. وفرِّق بين المنصب ومن يتولى المنصب، فكل منصب له شخصيتان: شخصية المنصب نفسه، وشخصية من فيه. فمثلًا: المشرف على الرسالة الجامعية، لا تستطيع أن تشاكسه أو ترد عليه أيًا كان شخصه، فإن صادف وكانت إحدى البسائم مشرفة فإنها تزداد قوة. ويختلط الأمر عل بعضهم فيظن أن هذه "إمرأة حديدية" والقوة أساسًا قوة منصب. فضلًا عن أنها نماذج محدودة جدًا لم ترق لمستوى الظاهرة دوليًا أو محليًا. إذ كم عدد النساء اللواتي في المجال العام؟

غاية ما يقال: استحضار نموذج أو نموذجين الأصل فيهما قوة المنصب. العلمانية هي التي أثارت الخلاف بين الذكر والأنثى، وقد عملت بكلتا يديها كي تسوي بين الذكر والأنثى.. كي تمكن المرأة لتكون كالرجال ولم تستطع. وقف في طريقها طبائع الأشياء، فليس الذكر كالأنثى، كل أنثى تبحث عن ذكر، وكل ذكر يبحث عن أنثى حتى يجتمعا ويؤسسا وحدة البناء للحياة الطبيعية/ الفطرية.. الأسرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق