التطبيع السياسي أو الدبلوماسي لن تكون له قيمة كبرى، ولن يكون له اعتبار، دون تطبيع إعلامي وثقافي؛ فالإعلام كما الثقافة، هما من آخر القلاع في معادلة الصراع مع الكيان والصهيونية.
والسر في ذلك لا يكمن فقط في كون التطبيع استلابًا (وهو كذلك دونما أدنى شك)، ولكن أيضًا لأنه -أي الإعلام- تعبير بالكلمة والصورة عن حرب سيميائية، سيكون للكيان الصهيوني بموجبها -إذا لم ننتبه وندقق في خلفيات اللغة – القدرة على استدراج منظومتنا الثقافية والإعلامية إلى القاع العميق في التحلل من الانتماء لثقافتنا وحضارتنا، لتصبح الأضعف والأقل قابلية للمقاومة.
في الوقت الذي تكاثرت وتعددت فيه ردود الفعل المرحبة بقرار الجنائية الدولية المشار إليه، ينبري "الشرعي" مدافعًا باستماتة عن عتاة مجرمي الحرب في الكيان الصهيوني
فحينما يتحدث "إعلاميو إسرائيل" (كما سياسيوها ومثقفوها سواء بسواء)، فهم يتحدثون بلسان إسرائيل وبلسان الصهيونية، كائنة ما كانت توجهاتهم و"تحفظاتهم" على طبيعة الدولة القائمة أو سلوكيات حاكميها.
ترحيب دولي بقرار الجنائية الدولية، ومعارضة من جماعة "كلنا إسرائيليون"
وهكذا، ففي الوقت الذي تكاثرت وتعددت فيه ردود الفعل المرحبة بقرار الجنائية الدولية المشار إليه، ينبري "الشرعي" مدافعًا باستماتة عن عتاة مجرمي الحرب في الكيان الصهيوني.
ودعونا أولًا نستعرض ردود الفعل التي صدرت على إثر صدور القرار المذكور، ليس لدى العرب والمسلمين، بل عند غيرنا من الدول والأمم، التي لا يمكن أن تصنف في خانة "الظلاميين" و"الرجعيين".
القرار قوبل بتأييد واسع في عدد من الأوساط الدولية الحداثية الديمقراطية حقًا وصدقًا، حيث إنه من بين أكثر من 120 دولة موقّعة ومصادقة على ميثاق روما بشأن المحكمة الجنائية الدولية، أعلنت أغلب دول العالم عن التزامها بالقانون الدولي.
وبرز عدد من المواقف الأوروبية، أبرزها موقف جوزيف بوريل، منسق الشؤون الخارجية في الاتحاد، وأيضًا أيرلندا التي صرح رئيس وزرائها "سايمون هاريس" بأن دبلن مستعدة لاعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، إذا حل في أراضيها لأي سبب من الأسباب.
كما أعلن روبرت غولوب، رئيس وزراء سلوفينيا، أن بلاده ستمتثل لمذكرات الاعتقال التي أصدرتها الجنائية الدولية "بشكل كامل"، وكذلك كان الأمر بالنسبة لإيطاليا، التي أعلن وزير دفاعها أنها ستضطر إلى "توقيف رئيس الوزراء الإسرائيلي إذا زارنا".
كما أن وزير خارجية هولندا، كاسبر فيلدكامب، ألغى زيارة له إلى الكيان الصهيوني بعد صدور قرار المحكمة الجنائية الدولية، وأعرب عن استعداد بلادة لتنفيذ قرار المحكمة، ونقلت وكالة "رويترز" عن فيلدكامب قوله إن بلاده مستعدة لتنفيذ قرار المحكمة.
قبل صدور قرار المحكمة الجنائية الدولية سعى الكيان الصهيوني لترهيب قضاة المحكمة، وابتزاز المدعي العام عبر اتهامه في "قضية جنسية"، ليصل إلى خلاصة مفادها أنها صادرة عن جهة "فاسدة".
كما أكدت سويسرا أن سلطاتها ملزمة باعتقال نتنياهو وغالانت حال حلولهما بأراضيها، وأكد المتحدث باسم الوزارة أن "سويسرا تحترم استقلال المحكمة الجنائية الدولية، ولا تعلق على هذه القرارات".
وصرحت قبرص كذلك أنها تعد مذكرات اعتقال لرئيس وزراء الكيان الصهيوني، وأنها ملزمة من حيث المبدأ بتنفيذ المذكرة. وأعرب سيناتور أميركي مستقل عن تأييده قرار الجنائية الدولية، وقال في منشور على موقع إكس "إن الاتهامات تستند إلى أسس متينة"، وأضاف "إذا لم يمتثل العالم للقانون الدولي، فسننحدر إلى مزيد من الهمجية".
رئيس الوزراء الصهيوني وصف القرار بأنه "محاكمة درايفوس"، في إشارة واضحة لاعتباره قرارًا "لا ساميًا" ومعاديًا لليهود وللحضارة الإنسانية، ويومًا أسود في تاريخ الشعوب المتحضرة، حسب زعمه.
ومعلوم أنه قبل صدور القرار سعى الكيان الصهيوني لترهيب قضاة المحكمة، وابتزاز المدعي العام عبر اتهامه في "قضية جنسية"، ليصل إلى خلاصة مفادها أنها صادرة عن جهة "فاسدة"
المراد بالتطبيع الإعلامي هنا، هو ذلك الخط الناظم لعمل بعض المنابر الإعلامية العربية، من صحافة مكتوبة أو سمعية أو مرئية أو إلكتروينة، والذي يقوم بالتسويق للتطبيع السياسي من خلال الترميز والتركيز على الداعين إليه، وإبرازهم.
ونظرًا لأهميته يولي الكيان الصهيوني أهمية كبرى للتطبيع الثقافي أو الاختراق التطبيعي على الواجهة الثقافية والإعلامية، وللدور الذي تضطلع به المؤسسات الثقافية والفنية والإعلامية والأكاديمية في الكيان الصهيوني في تسويق الأيديولوجيا الصهيونية، وتشويه الحقائق، وتلميع صورة إسرائيل الإجرامية والعنصرية، كما هو الشأن بالنسبة لبعض الأعمال الفنية الصهيونية التي أسهمت في نشرها بعض القنوات العربية.
مظاهر التطبيع الإعلامي على الساحة العربية
يتخذ التطبيع الإعلامي مظاهر متعددة يمكن حصر أهمها فيما يلي:
التطبيع على مستوى الممارسة: حيث لم يعد بعض الصحفيين المطبعين يخجلون من الذهاب إلى الكيان الصهيوني، أو الجلوس إلى صحفيين صهاينة في القنوات الغربية.
خط تحرير تطبيعي: إن بعض المنابر الصحفية والقنوات الفضائية التي اختارت لنفسها خطًا تحريريًا "مطبعًا" لم تختره طواعية؛ بل لأن الجهات السياسية التي تتكلم باسمها هي أصلًا جهات مطبعة، صراحة أو من وراء حجاب.
لقد بلغت الصفاقة ببعض النافذين في حقل الإعلام حدّ رفع شعار "كلنا إسرائيليون"، في اعتزاز بالانتماء لـ"إسرائيل" الصهيونية، وذلك في أوج العدوان الصهيوني على الشعبين الفلسطيني واللبناني، وخاصة بعد إصدار مذكرة اعتقال بحق رئيس وزراء الكيان، باعتباره مجرم حرب
زيارات تطبيعية لإعلاميين عرب ومسلمين للكيان الصهيوني: غير أن الأمر لا يقف عند الزيارة، بل إن حالات متطرفة منها تعلن اعتزازها بالانتماء للكيان الصهيوني، ومن أمثلة ذلك مذيعة من القناة الثانية تدعى "غزلان الطيبي"، كانت قبل سنوات سباقة إلى زيارة الكيان الصهيوني، وقامت بنشر صور لها في كل من القدس وتل أبيب.
وحسب ما نقلت تقارير صحفية، نشرت المذيعة شريط فيديو تظهر فيه وهي تعزف "النشيد الوطني الإسرائيلي" على آلة البيانو، وهو الفيديو الذي انتشر بشكل كبير على مواقع التواصل الاجتماعي، وقام الناطق الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي"، بإعادة نشره على صفحته الرسمية في الفيسبوك، وعلق عليه قائلًا: "لا يوجد شعور أروع وفخر أسمى من أن تسمع نشيد بلادك يعزف بأنامل شعب صديق! شكرًا غزلان الطيبي".
إعلاميون من "عرب إسرائيل" يعارضون قرار الجنائية الدولية: وقد بلغت الوقاحة ببعض النافذين في حقل الإعلام حدّ رفع شعار "كلنا إسرائيليون"، في اعتزاز بالانتماء لـ"إسرائيل" الصهيونية، وذلك في أوج العدوان الصهيوني على الشعبين الفلسطيني واللبناني، وخاصة بعد إصدار مذكرة اعتقال بحق رئيس وزراء الكيان، باعتباره مجرم حرب. وكذلك طعن هؤلاء في قرار الجنائية الدولية حين أصدرت مؤخرًا مذكرة اعتقال بحق مجرمي الحرب، رئيس وزراء الكيان ووزير دفاعه المقال.
ومن النماذج الصارخة في ذلك المسمى "أحمد الشرعي"، المالك للمجموعة الإعلامية "غلوبال ميديا هولدينغ"، الناشرة لجريدة "الأحداث المغربية". فقد نُشر له في صحيفة "تايم أوف إسرائيل"، بتاريخ 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، مقال يطعن من خلاله في قرار المحكمة الجنائية الدولية، التي أصدرت مذكرتَي الاعتقال في حق مجرمي الحرب، رئيس وزراء الكيان الصهيوني "نتنياهو" ووزير الدفاع الصهيوني السابق "غالانت".
والأكبر من ذلك أن فريقًا من "عرب إسرائيل" ذهب بعيدًا في التطرف في التأكيد على "إسرائيليته"؛ ففي سياق من ردود الفعل المرحبة بذلك القرار التاريخي الشجاع، أبى أصحاب شعار "كلنا إسرائيليون" إلا أن يكونوا نشازًا كما هي العادة، وأن يبقوا أوفياء لشعار "العار"، شعار الشماتة في عشرات الآلاف من الشهداء ضحايا العدوان وفي معاناتهم، في شذوذ بيِّن عن المواقف الإنسانية النبيلة التي عبرت عنها شعوب العالم، بل عن المواقف الرسمية التي عبرت عنها عدة دول، لا يمكن أن تحسب على التعاطف مع حركة حماس أو الجهاد الإسلامي أو حزب الله.
وهذا يعزز سقوط القناع عن الكيان الصهيوني، والقناع الذي تصنعه البروباغنذا الإعلامية المخترقة صهيونيًا في عدد من الدول والأوساط "الحداثية" المزعومة في بلادنا العربية.
هناك من بني جلدتنا من يتكلمون بألسنة حداد، أشحة بالكلمة الطيبة التي تعكس شعورًا بالألم لما يألم له أخ في الدين والعقيدة والتاريخ والحضارة، وقبل هذا وبعده أخ في الإنسانية، الألم الذي يحرك التظاهرات الحاشدة في شوارع لندن ونيويورك ومدريد وغيرها من عواصم العالم
وفي هذا الصدد نسجل أن "جماعة الشرعي" لم ترفع شعار "كلنا إسرائيليون" لمجرد المناكفة والتعبير عن الاختلاف، بل لتعبر عن أقصى درجات التحلل من الانتماء الثقافي والحضاري والإنساني، الذي يفرض نصرة شعب يباد في فلسطين، وبغية الشماتة بشعب يذبح، وبآلاف الأيامى واليتامى والمشردين، الذين يلاحقهم العدوان الصهيوني بهمجية قل نظيرها في تاريخ البشرية، لا لشيء إلا لأنهم شعب مقاوم يحتضن المقاومة التي يكرهها الكيان الصهيوني، ويكرهها كل من يتماهى مع الهوية الصهيونية برفع شعار "كلنا إسرائيليون".
وبذلك يعبر أولئك عن درجة متقدمة من الوقاحة، والشذوذ عن مواقف الأمة الإسلامية، وعن الضمير العالمي الحي الذي تخرج شعوب الأرض التي لديها رصيد حي منه للتظاهر، والتضامن مع الشعب الفلسطيني، واستنكار جرائم الحرب، والجرائم اليومية التي ترتكبها الصهيونية ضد الإنسانية في فلسطين .
المتطرفون التطبيعيون من بني جلدتنا
من المؤسف أن نقارن بين هؤلاء من أبناء بلدنا وأمتنا -وإن كان هذا هو الأصل، وما يقتضيه منا منطق حسن الظن- بشعوب ومفكرين ومثقفين وفنانين لا يشتركون معنا في المعتقد الديني، أو الموروث الثقافي والحضاري، ممن تحركت فيهم النخوة الإنسانية ووخز الضمير، والشعور بالمسؤولية والتقصير في مواجهة ما يحدث، ما يجعلهم يخرجون في مسيرات ومظاهرات حاشدة تضامنًا مع الشعب الفلسطيني، مساندة له في حرب الإبادة التي تشنها عليه آلة العدوان الصهيوني، ويتطوعون في فرق إغاثية وطبية لإسناد الشعب الفلسطيني ودعمه في محنته.
وفي مقابل ذلك، نجد أن قومًا من بني جلدتنا يتكلمون بألسنة حداد، أشحة بالكلمة الطيبة التي تعكس شعورًا بالألم لما يألم له أخ في الدين والعقيدة والتاريخ والحضارة، وقبل هذا وبعده أخ في الإنسانية، الألم الذي يحرك التظاهرات الحاشدة في شوارع لندن ونيويورك ومدريد وغيرها من عواصم العالم.
ليس ذلك فحسب، بل يصل الأمر أحيانًا ببعض بني جلدتنا إلى كيل كلمات المدح لوجه قبيح هو وجه الصهيونية، حيث تحول الكيان الصهيوني إلى أكبر نموذج عدواني عرفه التاريخ البشري، بالنظر إلى ما تُحدثه حربه على الشعب الفلسطيني من دمار في العمران، وإبادة في البشر الحجر والطبيعة.
لقد تجاوز المدعو "أحمد الشرعي" -على سبيل المثال- كل الخطوط الحمراء في تحدِّيه للشعور الوطني والإنساني، وفي السعي لتبييض الصفحة السوداء، صفحة الإجرام والعدوانية، وفي قلب الحقائق ووصف تلك الدولة القائمة على أساس القتل والتهجير والاحتلال بالدولة "الديمقراطية"، وفي الدفاع -تبعًا لذلك- عن جرائمها بدعوى "حقها في الدفاع عن النفس".
والواقع أن هذه المواقف الشاذة، والمواقف التي على شاكلتها، لا تمثل المغاربة، ولا تعبر عن حقيقتهم التي يؤكدها دورهم التاريخي في الدفاع عن القدس وإعمارها، وارتباطهم بها، حتى إن رحلة الحج لم تكن تكتمل في تقدير عدد كبير منهم دون زيارة القدس، خلال الذهاب أو الإياب من رحلة الحج.
هي مواقف شاذة أيضًا عن الموقف التلقائي الذي عبرت عنه شعوب عدة في العالم، من خلال مسيراتها وتظاهراتها، بما في ذلك في مراكز العواصم الأوروبية وفي كبرى المدن الأميركية.
وهذه – بصورة أخرى- مواقف تتضامن مع الإجرام، ومع أبشع وجه أفرزنه التجربة البشرية عبر التاريخ، وجه تتجسد فيه كل معاني العدوان والغدر والاعتداء، والحرب على الفطرة والبراءة، وكل معاني الإفساد في الأرض.
بالنظر إلى مخاطر تفشي ثقافة التطبيع، ودور الإعلام في التمكين لها وتمرير مغالطاتها، يتعين تعزيز ثقافة المقاومة، وجعلها أولوية في التدافع الثقافي والسياسي المناصر لقضية العرب والمسلمين وأحرار العالم.
انطلاقًا من ذلك يتعين التأكيد على ما يلي:
اعتبار المعركة الثقافية والإعلامية، وخاصة عبر الإعلام الجديد اليوم، أهمَّ الأولويات، وجزءًا لا يتجزأ من المقاومة.
أن تتوجه المعركة من خلال الإعلام بجميع أشكاله لخدمة ثقافة المقاومة، مع ما يعنيه ذلك من تصحيح المفاهيم والتصورات، والتصدي للمرجفين والمتخاذلين والمثبطين.
بناء وتعزيز الإيمان بعدالة قضية المقاومة، والصمود والصبر على تكاليفها وتبعاتها رغم حجم الابتلاء، مع الثقة في موعود الله.
الدعم غير المشروط للمقاومة، وهو الدور الذي كان يقوم به القرآن وآياته التي كانت تتنزل بالتوجيه للثبات والصبر، والتذكير بسنن التدافع، وفضح المنافقين ومخططات المرجفين، وذلك يقتضي جعل المقاومة الثقافية في مقدمة الأولويات، والإسهام في المعركة الثقافية والإعلامية خلال الانحياز الواضح لعدالة القضية الفلسطينية، وبذل الجهد على الواجهة الإعلامية المكتوبة والسمعية البصرية، والواجهة الرقمية والإعلام الجديد على الأخص.
التعريف والتصدي للتهديدات التي تواجه ثقافة المقاومة، أو التصدي لما يسميه مالك بن نبي "الأفكار القاتلة"، من قبيل:
التسويات على حساب المقدسات والحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.
التطبيع في مظاهره وتجلياته المختلفة (وأخطر من التطبيع تعزيز ثقافة التطبيع).
التهويل من الكيان الصهيوني وقدراته، ومن الجهات الدولية الداعمة له، فإن تداعي خصوم الأمة على الأمة وجب أن يكون حافزًا لاستعادة روح وفكرة وواقع المقاومة بجميع أشكالها ومجالاتها.
التصدي لروح الهزيمة والانكسار أمام حجم العدوان وحجم التواطؤ معه.. {الّذين قال لهم النّاس إنَّ النّاس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173].
التصدي للاختراق الصهيوني للعقل الغربي ولفئة واسعة من المثقفين والسياسيين العرب والمسلمين.
التبشير بالفرص الواعدة من أجل تعزيز ثقافة المقاومة من خلال الاستناد إلى ما يلي:
الدليل التاريخي والسنني المطرد، الذي يؤكد انتصار المقاومة على كل أشكال التطبيع مع المحتل، ويشهد له الاستقراء التاريخي في تجربة الأمة، وفي تجارب الأمم الأخرى.
وجود نموذج مقاوم صابر ومصابر، تعضده بيئة صابرة مصابرة، حاضنة لمقاومة صابرة ومبدعة، وتشهد له فاعلية حركات التحرر والمقاومة الوطنية ورموزها ورجالاتها على طول وعرض خريطة العالم الإسلامي وحركات المقاومة في العالم.
صياغة مفردات موجهة لعناصر الخطاب الإعلامي والتواصلي المقاوم، مع تكييفه مع المستهدفين؛ فالخطاب الذي يتعين توجيهه لأهل القضية المؤمنين بها ليس هو الخطاب الذي يتعين توجيهه لغيرهم، والخطاب الذي يصلح للرأي الإعلامي المسلم ليس هو الخطاب الذي يصلح للرأي العام الدولي والإنساني.
فدعوات الأنبياء راعت لسان القوم ولغتهم، وقد قال تعالى: {وما أرسلنا من رسولٍ إلّا بلسان قومه ليبيّن لهم}. وقال صلى الله عليه وسلم: "ما من الأنبياء نبيّ إلا أُعطِي ما مِثلُه آمنَ عليه البشرُ، وإنما كان الذي أُوتيتُ وحيًا أوحاه اللهُ إليَّ ، فأرجو أن أكون أكثرَهم تابعًا يومَ القيامةِ".
فالمطلوب مراعاة اللسان المعاصر، ومخاطبة مداخل الفهم بمفردات ذات محتوى سهل الاستيعاب في لغة المخاطبين المعاصرين، من قبيل: الهولوكوست، الإبادة الجماعية، الحق في الحياة، الحق في المقاومة وفي تقرير المصير.
التصدي للخطاب المعادي للمقاومة، وللتضليل الذي يسعى للخلط بين المقاومة والإرهاب، وللخطاب المشكك في جدوى المقاومة، ومواجهة عمليات التضليل والتدليس، سواء تعلق الأمر بتزوير الحقائق التاريخية أو المعطيات الواقعية، ومواجهة خطاب التشكيك في جدوى المقاومة من خلال التعريف بنماذج من حركات المقاومة، والتأكيد على رسوخ ثقافة المقاومة في الأمة عبر تاريخها، وأيضًا في حاضرها.
والواقع أن تاريخ الأمة يؤكد رسوخ ثقافة المقاومة؛ فلم تخلُ لحظة أو فترة من تاريخها من مقاومة، سواء في التاريخ القديم أو التاريخ الحديث. ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
الملك الناصر أبو المظفر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب الدويني التكريتي، المشهور بلقب صلاح الدين الأيوبي، القائد المسلم.
حركات المقاومة في العصر الحاضر للحملة الاستعمارية الأوروبية، بعد إسقاط دولة الخلافة في المشرق، وعلى إثر معركة إيسلي في المغرب، حيث برزت حركات وثورات تحرر مقاومة وتحرير وطني على يد علماء مسلمين مخلصين، لمواجهة الاستعمار، ومن ذلك مثلًا ثورة عزالدين القسام والعلماء في فلسطين.
ثورة عبدالكريم الخطابي وحركة المقاومة وجيش التحرير في المغرب.
ثورة الأمير عبد القادر الجزائري والإمام ابن باديس والشيخ الإبراهيمي في الجزائر، وفي تونس جهاد الخضر حسين والشيخ عبد العزيز الثعالبي، وفي السودان كفاح المهدي والثعالبي، وفي الصومال نضال الشيخ الملا، وفي ليبيا ثورة عمر المختار، وفي العراق ثورة رشيد عالي الكيلاني والشيخ محمود شكري الآلوسي، وفي اليمن حركة التحرر الوطني بزعامة الشيخ عبدالله الحكيمي.. والقائمة طويلة؛ وبها يتضح أن المقاومة والتصدي للاستعمار والتبعية خاصية ملازمة للأمة الإسلامية، بل هي واجب للدفاع عن حرية الاعتقاد، ومواجهة الظلم والاستبداد والاحتلال
إالتعريف بتجارب المقاومة لدى أمم أخرى
إذ تكشف عدة تجارب لأمم أخرى أن المقاومة وثقافتها رد فعل طبيعي لمواجهة الاستعمار والطغيان، رغم عدم التكافؤ في موازين القوى؛ إذ لم يكن التفوق العسكري الساحق لجيوش المستعمرين في يوم من الأيام مانعًا من مقاومة المحتل، ولا سببًا في أن تغلب قوته وقهره إرادة الشعوب التي تكافح من أجل التحرر، حتى لو اتُهمت بـ"الإرهاب". ومن الأمثلة على ذلك:
المقاومة الفرنسية ضد الغزو النازي (la résistance).
الحالة الفيتنامية، حيث لم يكن من الممكن تحرير فيتنام دون مقاومة، ودون ثقافة مقاومة.
حالة جنوب أفريقيا والنضال ضد التمييز العنصري.
ويتعين التأكيد أخيرًا على ما يلي:
العلاقة التي تربط بين مختلف أشكال التطبيع: (السياسي، الاقتصادي، العسكري، الثقافي)، والتي تجعل معركة مواجهته معركة واحدة تشمل كل أشكاله. كما تجدر الإشارة إلى أن كل أشكال التطبيع ومجالاته: (على سبيل المثال المشاركة في معرض تجاري، أو تسيير رحلة سياحية، أو إغراق محلات السوبرماركت بالبضائع الإسرائيلية) تصب في خدمة التطبيع الثقافي.
الحاجة لوضع إستراتيجية لمواجهة التطبيع الثقافي وثقافته، تستند إلى خطاب ثقافي يقوم على ما يلي:
استلهام قيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسان.
التأكيد على جوهر القضية الفلسطينية، وعمقها العربي والإسلامي، ومضمونها الكوني والإنساني.
دور المثقف العربي هو الانحياز لقضايا أمته، ما يقتضي من المثقفين العرب والمسلمين وأحرار العالم تشكيل جبهة عربية وإسلامية مفتوحة على أحرار العالم لمواجهة التطبيع.
إصدار ميثاق شرف من المثقفين العرب والمسلمين وأحرار العالم، يحرِّم أي شكل من أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني في هذا السياق، والاستفادة من نموذج تجربة "حركة مقاطعة إسرائيل BDS"، التي تم تأسيسها عام 2005، والتي حققت إنجازات مهمة على صعيد المقاطعة الأكاديمية والثقافية بفعل عدالة القضية التي تناضل من أجلها، وطبيعة خطابها وعمقه ولغته، وبفضل آليات عملها.
وقد اعتبر مؤتمر هرتسيليا الصهيوني (2015) أن حركة BDS تشكل خطرًا إستراتيجيًا، وربما وجوديًا على إسرائيل (هرتسيليا نسبة إلى مدينة تسمى بهذا الاسم توجد في الكيان الصهيوني. ينعقد المؤتمر بشكل دوري منذ عام 2000، وقد تأسس بمبادرة من عوزي آراد، وهو ضابط سابق في الموساد، شغل منصب المستشار السياسي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو).
إذا كان التطبيع السياسي مع خصوم الأمة، وخصوم عقيدتها وفكرها وتاريخها ووحدتها ووجودها السياسي والحضاري، أمرًا منكرًا ومرفوضًا، فإنّ ما هو أخطر منه هو "التطبيع الثقافي".
وقد ورد في كتابي: "في نظرية العمل الثقافي"، في فصل تحت عنوان: "في مقاومة ثقافة التطبيع"، بيان مخاطر التطبيع الثقافي وتحديدها، فيما يلي:
التطبيع الثقافي هو أخطر من التطبيع السياسي لأنه محاولة لقلب المفاهيم، وذلك يؤدي إلى التفريط في مبادئ العقيدة وحقائق التاريخ والحضارة، وما راكمه فكر الأمة وتجارب الأمم التي سعت للحفاظ على وجودها
هو أخطر أنواع التطبيع؛ لأنه محاولة لاختراق الإرادة ومسح الذاكرة، وقطع الصلة بين الأجيال، وضرب تضامنها التاريخي في تحمل أعباء الرسالة، وفي مواصلة الكفاح من أجل التحرر.
هو أخطر من التطبيع السياسي؛ لأن هذا الأخير قد يكون انكسارًا ظرفيًا من الحكام أمام خصوم الأمة، في حين أن التطبيع الثقافي هو تسلل إلى الفكر والوجدان، والسعي لصياغتهما صياغة تتنافى مع عقيدة الأمة وقيمها الجامعة.
هو أخطر من التطبيع السياسي لأنه محاولة لقلب المفاهيم، وذلك يؤدي إلى التفريط في مبادئ العقيدة وحقائق التاريخ والحضارة، وما راكمه فكر الأمة وتجارب الأمم التي سعت للحفاظ على وجودها.
هو تنكر للانتماء وانسلاخ عن الهوية، واستعداد للذوبان المطلق في هويات أخرى، والانخراط في مشاريع تستهدف الأمة وإنسانها وأرضها وكيانها.
هو تسويغ معرفي فكري لمصالحة خصومنا الملوثة أيديهم بدمائنا، وتبادل للمودة مع المسؤولين عن جراحنا ونزيفنا.
هو مسكن يخدر عقولنا وأحاسيسنا حتى نكف عن التألم، وحتى يتغير شعورنا تجاه جلادنا لنجعل منه منقذنا ومخلصنا .
هو تشويه للحقائق والتاريخ، لأن مقتضاه أن يصبح لعصابات السفاحين موطئ قدم في أراضينا، ونرضى أن نسكن في العراء من أجل أن يسكن سارقنا في حينا ويدفأ في بيتنا ودارنا.
هو تعبير عن قابلية واستعداد لنسيان تاريخ من الإجرام في حق أمتنا، لمد يد التعاون إلى أعداء ديننا وعقيدتنا، الذين أخرجونا من ديارنا وذبحوا شيوخنا ونساءنا في دير ياسين وغيرها من معاقلنا، وأحرقوا أقصانا وداسوا بيت مقدسنا.
هو تعبير عن استعداد لنسلم لمن ذبحونا وقتلونا، وبسطوا -ولا يزالون- أيديهم وألسنتهم بالسوء إلينا.
التطبيع عامة، والتطبيع الثقافي على الخصوص، يدل على أنه قد تغيرت فينا أشياء كثيرة، وأننا لم نعد نحن، وأننا قد تنكرنا لهويتنا، وأن قضية عشرات الأجيال من المسلمين لم تعد هي قضيتنا.
هو تنازل عن الحق في الوجود، ما قد ينتهي إلى انسلاخ عن معنى الانتماء للأمة، والقبول بالاعتراف بأحقية أعدى أعدائها في الوجود على حسابها.
هو تبنٍّ لرؤيتهم وروايتهم للتاريخ، علمًا أن لكل شعب ولكل أمة رؤيتها للكون ولتاريخها ولهويتها الثقافية، التي قد تتقاطع في كثير من الجوانب مع هويات أخرى، ولكن أيضًا هي ما يشكل خصوصيتها.
التطبيع الإعلامي العربي هو ذلك التطبيع الذي يتولى كبره لدى بعض المنابر الإعلامية العربية – صحافة كانت أم تلفزيونات أم غيرها-، وتعمل على استنباته أو التبرير له، أو التركيز على الداعين إليه
التطبيع الإعلامي أخطر مداخل التطبيع الثقافي
والتطبيع الإعلامي من أخطر مداخل التطبيع الثقافي، خاصة في عصر الثورة الإعلامية والمعلوماتية، وبالنظر لما أصبح يحتله الإعلام بأشكاله المختلفة في حياة الناس، وما يتمتع به من قدرة على التأثير الناعم في أفكارهم وتوجهاتهم وميولهم. فما المقصود بالتطبيع الإعلامي العربي؟
نقصد بالتطبيع الإعلامي العربي ذلك التطبيع الذي يتولى كبره لدى بعض المنابر الإعلامية العربية (صحافة كانت أم تلفزيونات أم غيرها)، وتعمل على استنباته أو التبرير له، أو التركيز على الداعين إليه. ويتخذ التطبيع الإعلامي مظاهر متعددة يمكن حصر أهمها فيما يلي:
التطبيع العملي من خلال زيارات للكيان الصهيوني، بحيث لم يعد بعض الإعلاميين المطبعين يخجلون من الذهاب إلى الكيان الصهيوني، أو الجلوس جنبًا إلى جنب مع صحفيين صهاينة في بعض القنوات، والأمر ليس كذلك فحسب، بل أصبح مصدر اعتزاز وتفاخر من قبل بعض المطبعين .
استقطاب أقلام متصهينة من لدن هذا المنبر أو ذاك بات أمرًا مستحبًا و"طبيعيًا"، مثله مثل استدعاء وجه عربي من هذا القُطر أو ذاك، بل إن بعض المؤسسات الإعلامية العربية لم تعد تتوانى في تأثيث أستوديوهاتها وترتيبها من خلال إجلاس إسرائيلي أو متصهين بين عربي وعربي، أو بين عربي ومسلم، أو إلى جانبهما.
وقد أصبحت هذه الظاهرة حقيقة جلية، لا تتخلف عنها إلا بعض "القلاع" التي لا تزال منظومتها السياسية والدبلوماسية غير خاضعة للتطويع أو للاستقطاب، فالقنوات الفضائية التي اختارت لنفسها خطًا تحريريًا "مطبِّعًا" لم تختره طواعية، بل لأن القائمين عليها، أو الجهات التي تمولها أو تنطق باسمها، هم أصلًا جهات مطبِّعة ولو لم تعلن ذلك جهرة، وتدفع ذات القنوات لجسّ النبض على خلفية من التطلع للتطبيع، أو هم "مشاريع مطبعين" لم تتوفر لديهم الفرصة أو الجرأة للإعلان عن ذلك.
كتبت إيفا كدوش معلقة: "غزة ستُمحى اليوم". كما نشرت عدة منشورات أخرى تدعم من خلالها جيش الاحتلال الإسرائيلي، وتدعو له بالنصر من تخوم لبنان إلى صحراء مصر
عدد من القنوات الفضائية لم تعد تعمد فقط إلى التمرير لما يمكن تسميته بـ"أيديولوجيا التطبيع"، بل تتبنى منظومة فكرية أضحى الكيان الصهيوني بمقتضاها جزءًا من المنطقة العربية والإسلامية، فتحوَّلت بذلك إلى أداة لشرعنته، باعتباره مقدمة للتسليم بذلك الأمر، والبناء على فرضيته أو حتميته.
عرض أعمال تلفزيونية يشارك فيها ممثلون صهاينة، حيث قامت بعض القنوات العربية بعرض مسلسلات تلفزيونية بمشاركة ممثلين صهاينة، كما هو الشأن مثلًا مع القناة الثانية في المغرب، التي بثت مسلسلًا تلفزيونيًا تحت عنوان "الناس لملاح"، تشارك فيه ممثلة صهيونية تدعى إيفا كدوش، وهي التي تتوعد بمحو قطاع غزة، وتدعم جيش الاحتلال الإسرائيلي في عدوانه على الشعب الفلسطيني منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وكانت السكرتارية الوطنية للجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع قد أكدت في بلاغ صادر عنها، بتاريخ 13 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، أن المغرب "ما زال مصرًا على مواصلة تطوير علاقاته بالكيان الصهيوني"، مشيرة إلى أن أهم العلامات الأخيرة الدالة على هذا التوجه هو المسلسل التلفزيوني "الناس لملاح"، الذي تبثه القناة الثانية، وشاركت فيه الممثلة المذكورة، والتي لم تتورع عن الدعاية لفائدة جيش الاحتلال ولحرب الإبادة على غزة.
وأعلنت حينها عزمها تنظيم مظاهرات احتجاجية أمام مقر القناة الثانية، إضافة إلى تقديم "ملتمس في مجال التشريع، يقضي بمنح الجنسية المغربية لجميع أبناء وأحفاد اليهود المغاربة".
ومشاركة الممثلة الإسرائيلية إيفا كدوش، التي نشرت صحيفة "صوت المغرب" تقريرًا بتاريخ 4 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، يتحرى من تكون، ويرصد تدويناتها المتطرفة بحق الشعب الفلسطيني، هذه المشاركة أثارت غضب طيف من المغاربة الذين عبروا عن استيائهم من هذه الخطوة التطبيعية، معتبرين إياها استفزازًا لمشاعرهم في ظل ما تعيشه المنطقة من عدوان صهيوني متصاعد بحق الشعبين الفلسطيني واللبناني.
المسلسل الذي بُثت أولى حلقاته الخميس 26 سبتمبر/ أيلول 2024، يسلط الضوء على عودة مغاربة يهود إلى أحياء "الملّاح"، التي تشتهر بها عدة مدن مغربية، بعد سنوات من الهجرة خارج الوطن.
وفي هذا السياق تنتظر مسعودة قدوم ابنتها "جِنين"، التي لا تنوي التفريط في منزل والدتها "الذي أثار أطماع أحد السماسرة، لتعمل جاهدة على إعادة ترميمه بعد العودة"، حسب الموقع الرسمي للقناة الثانية. و"مسعودة" إحدى شخصيات المسلسل "المغربي" المذكور، لمخرجته المغربية جميلة بنعيسى البرجي، والذي صُوّرت حلقاته بين مدينتي الصويرة والدار البيضاء، وبُثت أولاها على القناة الثانية المغربية.
"مسعودة"، الشخصية التي جسدتها إيفا كدوش (غير مشهورة بكونها ممثلة)، اسم لـ"مستوطنة" صهيونية تقيم في تل أبيب، ظهرت في جنيريك المسلسل، وسط عدد من الممثلين المغاربة، إذ تركز منشوراتها في وسائل التواصل الاجتماعي على الطبخ، والتعريف بمأكولات شعبية تنسبها إلى الكيان الصهيوني، إضافة إلى منشورات أخرى تتمنى من خلالها الموت والإبادة الجماعية للفلسطينيين، وتدعم جيش الاحتلال في عدوانه على قطاع غزة.
وحسب صحيفة "صوت المغرب"، فإنها قد حاولت التواصل مع مخرجة المسلسل "جميلة بنعيسى البرجي" والسيناريست "أحمد بوعروة" دون جدوى، وذلك بهدف الاستفسار عن الإضافة التي تقدمها ممثلة "إسرائيلية" بمواقف متطرفة لمسلسل مغربي، ولماذا لم يتم الاستعانة بممثلة مغربية لتجسيد دور مسعودة اليهودية، كما جسدت الفنانة سارة فارس دور "جِنين" ابنة مسعودة؟
ومن المنشورات المتطرفة التي نشرتها المعنية بالأمر في 23 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، صورة صاروخ إسرائيلي متوجه إلى قطاع غزة، كُتِب عليه بخط اليد "أتمنى أن تقصفكم هذه الصواريخ بشكل مباشر"، وتزامن توقيت نشر هذا المنشور مع إقدام عدد من المستوطنين على حجز مكان لرسائلهم المتطرفة على الصواريخ، التي يرسلها جيش الاحتلال لتدمر منازل المدنيين، وتقتل الأطفال والنساء في غزة. وكتبت "إيفا كدوش" مع الصورة ذاتها على حسابها الشخصي: "أرسل لهم: مرحبًا ولا إلى اللقاء".
كما سبق لها أن نشرت في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، عبارة تدعو من خلالها إلى إبادة أزيد من 2.124.000 إنسان في غزة، وكتبت معلقة: "غزة ستُمحى اليوم". كما نشرت عدة منشورات أخرى تدعم من خلالها جيش الاحتلال الإسرائيلي، وتدعو له بالنصر من تخوم لبنان إلى صحراء مصر.
يتعيّن من الناحيةِ المنطقية أن تكون الجبهةُ الثقافيةُ هي الأكثر متانةً في مواجهة الاختراق التطبيعيّ الصهيونيّ؛ فالتطبيع يبدأ بفكرة تشوش على فكرة المقاومة، وتزيّن التعايش مع الاحتلال وتسوّغه وتبرّره.
والاحتلال -قبل أن يكون حضورًا عسكريًّا وأمنيًّا، وقوة استعمارية على أرض بلد آخر- هو قبل كل شيء "فكرة"، تزين التنازل عن الحقوق والتفريط فيها، وتبرر القعود عن المقاومة.
بناءً على ذلك، يتعين أن يكون "المثقف" حارسًا للوعي، وفي مقدمة الجبهة التي تتصدى للتطبيع، وآخر من يترك المعركة؛ فهو حارس الرواية، وحامل مشعل الحقيقة، وإن انزلاق المثقّفين لخدمة التطبيع وتبريره هو خيبة لهم وعار، كما يقول أبو سيف، وزير الثقافة الفلسطيني.. إن دور المثقفين هو التمكين للخطاب الثقافي الرافض لكل أشكال التطبيع، والرافض للانزلاق في مساره، ناهيك عن تزيينه أو تبريره.
مفهوم التطبيع والتطبيع الثقافي ومخاطرهما
ماذا نقصد بالتطبيع؟ وماذا نقصد بالتطبيع الثقافي؟ وما هي مخاطره ومظاهره وتجلياته على الواجهة الإعلامية والثقافية العربية؟ وما موقع التطبيع في إستراتيجية الاختراق الثقافي الصهيوني؟ وما هي تجلياته في الساحة الثقافية الوطنية والعربية؟ وأي دور للمثقفين في التمكين للخطاب الثقافي الرافض للتطبيع عربيًّا وإسلاميًّا ودوليًّا؟ وأية مقاربة وأي مقترحات للتصدي للتطبيع على هذه الواجهة؟
في السياقات، الفلسطيني والعربي والإسلامي، وفي كل سياق مطبوع باحتلال أرض واغتصاب الحقوق التاريخية لهذا الشعب والاعتداء على حقوقه ومقدساته الدينية، فإن التطبيع يعني أن تقبل وتسلّم من الناحية الفكرية والنفسية والسلوكية بالمحتل الغاصب
مفهوم التطبيع
من الناحية اللغوية الصِّرف، "التطبيع" هو "استرجاع" لحالة كانت طبيعية، حالت ظروف ما (ذاتية أو موضوعية) دون استمرارها، فوجب بالتالي اعتمادها من جديد أو تبنيها. هو إضفاء لصفة "الطبيعية" على علاقة (أو علاقات) لم تكن كذلك من قبل، لكنها أضحت، أو أريد لها بحكم الأمر الواقع أن تُضحي طبيعية، أو مقحمة في السياق العام، حتى وإن تسنى للفرد والجماعة النفور منها، وتعذُّر القابلية لديهما على تمثلها والقبول بها.
أما في السياق العالمي الحالي، فالتطبيع هو الرجوع إلى قاعدة السلم والتعاون، والاعتراف المتبادل، وتبادل التعاون والمنافع بين الشعوب والأمم.
وفي السياقات، الفلسطيني والعربي والإسلامي، وفي كل سياق مطبوع باحتلال أرض واغتصاب الحقوق التاريخية لهذا الشعب والاعتداء على حقوقه ومقدساته الدينية، فإن التطبيع يعني أن تقبل وتسلّم من الناحية الفكرية والنفسية والسلوكية بالمحتل الغاصب، وأن تعترف به وتتعامل معه على أساس أنه أمر واقع وحالة طبيعية.
وفي السياق العربي الإسلامي، فإن المطالَب بالتطبيع مع المحتل هو الأمة العربية والإسلامية، مع ما يعنيه ذلك من تسليم في فكرها وسلوكها ومشاعر مسؤوليها ومواطنيها، بأن ينتقل الاعتراف بالمحتل من حالة مرفوضة إلى حالة مقبولة و"طبيعية"، مع ما يترتب على ذلك من تنازل عن الحقوق، وعلى رأسها حقوق أهلنا في فلسطين، وحقوق المسلمين في بيت المقدس باعتباره أولى القبلتين وثالث الحرمين، ومسرى رسول الله صلى الله وسلم، ومنطلق معراجه إلى السماء، وبما يعنيه ذلك من انقلاب على مقررات دينية في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى ثوابت في تاريخ وحضارة الأمة الإسلامية.
وهذا يعني أن التطبيع يتجاوز النطاق السياسي، ليشمل البعد العقدي والديني والحضاري للأمة العربية، سواء تعلق الأمر بالمسلمين أو المسيحيين، أو اليهود غير المتصهينين، أو اليهود غير المحاربين .
التطبيع في الاصطلاح السياسي
ومن ناحية السياق السياسي، الذي يستخدم فيه مصطلح التطبيع، أي سياق العدوان الصهيوني على فلسطين واحتلالها واحتلال القدس وبيت المقدس، والسعي لتهويده، ونزع الطابع العربي والإسلامي عنه، فإن "التطبيع" يعني القبول بالأمر الواقع، كما يستبطن "شرعنة" ضمنية للاحتلال الصهيوني لفلسطين، أي القبول بكيان عنصري إحلالي، تم زرعه في فلسطين بمساعدة القوى الكبرى، التي سعت إلى التكفير عن مظالمها التاريخية الواقعة أو المزعومة تجاه اليهود، والاضطهاد الذي طالهم في أوروبا عبر التاريخ، وخاصة في ألمانيا النازية.
وذلك هو الاحتلال الذي بدأ بوعد "بلفور"، الذي أخذ على عاتقه إحلال "شعب بدون أرض" في "أرض بدون شعب" حسب ما يزعمون، بناء على رؤية عنصرية، ومعتقد فاسد مفاده بأن أرض فلسطين هي الأرض الموعودة لشعب الله المختار، بكل ما يرتبط بذلك من تفاصيل في الرواية الصهيونية.
يتعين على كل عربي ومسلم ألا يطبّع مع دولة مرجعيتها عنصرية أو استبدادية كليانية، أو تعادي الأمة الإسلامية عداء وجوديًّا، وألا يطبّع مع نظام للحكم أو أي وضع سياسي هو كذلك
التطبيع العربي العربي -الإسلامي الإسلامي- ومع المحيط الإنساني
أما في السياق العربي الإسلامي، فيمكن أن نقرر أن القاعدة هي "التطبيع" مع الجهات والأطراف التالية:
أن يطبّع المرء (عربيًّا كان أم مسلمًا)، فردًا أو ضمن جماعة، مع المجموعات والكيانات والدول العربية والمسلمة.
أن "يطبع" المسلمون والعرب مع غيرهم من الأمم، بغض النظر عن أديانهم وعقائدهم وثقافاتهم، من منطلق أن الاختلاف بين الأمم والشعوب والقبائل هو معطى إنساني تاريخي، يتعين التعامل معه، وتحويله إلى وسيلة لتحفيز العمل من أجل التكامل والاغتناء المتبادل الذي يفيد البشرية ويطورها، كما وردت الإشارة في قوله تعالى: {يا أيّها النّاس إنّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمهم عند الله أتقاكم} [سورة الحجرات: 13].
فاختلاف الألسنة والألوان ليس مظنة للتناحر والخصام أو النزاع والشقاق، بل ينبغي أن يكون محفزًا على التعاون للنهوض بالتكاليف، والوفاء بالالتزامات، وجلب المنافع ودفع المفاسد. والميزان عند الله ليس اللون أو الجنس أو اللغة أو الوطن، وإنما هو التنافس في العمل الصالح.
أن يطبع العرب والمسلمون مع أمم أو أنظمة مناصرة للعدالة وللحريات، ورافضة لقمع واضطهاد الشعوب، ولو لم تكن تشترك معها في المعتقد الديني والانتماء العرفي والاجتماعي. وهو ما يمكن استنتاجه مثلًا من أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، للمسلمين حين اشتد قمعهم واضطهادهم من كبراء قريش بالهحرة إلى الحبشة بقوله: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد".
وفي المقابل، يتعين على كل عربي ومسلم ألا يطبّع مع دولة مرجعيتها عنصرية أو استبدادية كليانية، أو تعادي الأمة الإسلامية عداء وجوديًّا، وألا يطبّع مع نظام للحكم أو أي وضع سياسي هو كذلك، ناهيك عن التطبيع مع الكيان الصهيوني، كما ورد في قوله تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَن تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَٰدًا فِى سَبِيلِى وَابْتِغَآءَ مَرْضَاتِى ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ ۚ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ} [سورة الممتحنة: 1]، وألا "يطبّع" مع وضع اجتماعي أو ثقافي أو أخلاقي مبني في شكله وجوهره على القمع أو الإقصاء والفساد والإفساد، أو مع منظومة سياسية مرجعيتها عنصرية.
وهذا يعني أن للتطبيع تجليات ومظاهر متعددة، فهو يشمل التطبيع الأخلاقي مع الفساد، والتطبيع الفكري والمعرفي مع نظم فكرية مختلة الموازين من الناحية العلمية والفكرية، والتطبيع مع المحتل الغاصب، أو أي نظام سياسي ظالم ومتجبر مستبد وفاسد.
ويُبنى على ذلك أنه من غير المستساغ فرض التطبيع على الشعوب، أو العمل على تصريفه في تمثلها، وإقحامه في منظومة قيمها كي يُضحي أمرًا مسلمًا به لدرجة الذوبان في تلك المنظومة؛ فالتطبيع في هذه الحالة صورة من صور الاستبداد السياسي، ووجه من وجوهه، وتجلٍّ من تجلياته .
والأصل في المجتمعات الإسلامية أنها تنطلق من المرجعية الإسلامية، التي تعتبر منظومتها العقدية والتشريعية "متشوفة للحرية"، وفق تعبير الشيخ الطاهر بن عاشور، وكما قال عمر بن الخطاب: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟".