‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد خير موسى. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد خير موسى. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

معارك السلفيين والأشاعرة في سوريا.. ماذا يخسر الفريقان؟

معارك السلفيين والأشاعرة في سوريا.. ماذا يخسر الفريقان؟

محمد خير موسى 

"تظل المساجد قادرة على استقبال من يدخلها يبحث عن الله تعالى وعن معنى الإيمان في حياته"                                                                                  


إمامٌ في مسجد من مساجد دمشق كان يتحدث عن فتيةٍ أقبلوا إلى المسجد بعد سقوط النظام البائد تعلو وجوههم فرحة العائد بعد تيه طويل؛ شبانٌ حملوا معهم أعماراً مبعثرة وأسئلة عن الله تعالى وعن أنفسهم وعن بلدٍ خرج لتوّه من ليل ثقيل، وقد دفعتهم إسلاميّة المُحرّرين إلى أن يطرقوا الباب الذي طال ابتعادهم عنه؛ 
غير أنّ الوجوه أخذت تتناقص والمقاعد تفرغ، فسأل الإمام عن الغائبين فقال له أحدهم: 
دخلنا نبحث عن الإسلام فوجدنا أنفسنا في مباراة كرة قدم بين فريق سلفي وفريق أشعري ولكل فريق جمهوره، ولكل جمهور قائمته الطويلة بمن ينبغي أن يُحب وبمن ينبغي أن يُحذر منه، وعلى الداخل الجديد أن يختار مدرجه سريعاً قبل أن يعرف الملعب أصلاً!

لقد دخل هؤلاء وهم يريدون أن يصلحوا ما أفسدته السنوات في أرواحهم فاكتشفوا أن أول درس ينتظرهم هو مع من ينبغي أن يختلفوا، لتبدأ خسارة أعمق من أن يتخيلها الغارقون في معركتهم؛ لأنّ الشابّ الذي جاء إلى المسجد وفي قلبه سؤال عن الله تعالى قد يخرج منه وقد صار سؤاله عن أهل الله أنفسهم.

للقبيلة الفكرية راياتُها أيضاً

الدراسات العقدية من أجلِّ علوم الإسلام وفي تاريخها جهد هائل في تحرير مسائل الإيمان وحراسة التصور الإسلامي ورد الشبهات والتمييز بين المقالات، ولا يستقيم عقل طالب العلم بالاستخفاف بها أو وصفها بأنها فضول وقشور؛ فلها رجالها ومتونها ومجالسها ومناهجها في البحث والمناظرة ويحتاجها كل عصر بمقدار ما يجدّ فيه من أسئلة وانحرافات، إلّا أنّ منزلة هذا العلم تختلّ إذا نُقل من مجال التحقيق بين أهله إلى تعبئة عامة تُلقى على الناشئة والشباب، فيدخل الشابّ المسجد طالباً معرفة دينه فيجد نفسه مدفوعاً بالخطاب التحشيديّ إلى اصطفاف لا يملك أدواته، فيتعلم مبكراً أسماء من يوافق ومن يخالف ولمّا تتكون لديه أصلاً القدرة التي يعرف بها وجه الصواب في أصل المسألة


 كل سؤال كبير يطرحه الجيل ثم نؤجله لصالح معركة أقل اتصالاً بحياته، وكل منبر يستهلك طاقته في التحشيد بين المدارس الفكريّة وكل شاب يدخل باحثاً عن معنى ثم يخرج محمّلاً بقائمة من الخصوم والأعداء فإنّه يترك وراءه مساحةً يستطيع مشروع آخر أن يدخل منها



وقد وصف الإمام ابن تيمية هذا الداء وصفاً يكاد يصيب مشهدنا باسمه، فقال في "مجموع الفتاوى 20/164": 
"ولهذا تجدُ قوماً كثيرين يحبّون قوماً ويبغضون قوماً لأجل أهواء لا يعرفون معناها ولا دليلها، بل يوالون على إطلاقها أو يعادون من غير أن تكون منقولةً نقلاً صحيحاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة، ومن غير أن يكونوا هم يعقلون معناها ولا يعرفون لازمها ومقتضاها، وسببُ هذا إطلاق أقوال ليست منصوصة وجعلها مذاهب يدعى إليها ويوالي ويعادي عليها". 
ثم قال: "وليس لأحدٍ أن ينصب للأمّة شخصاً يدعو إلى طريقته ويوالي ويعادي عليها غير النّبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينصب لهم كلاماً يوالي عليه ويعادي غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصاً أو كلاماً يفرّقون به بين الأمة يوالون به على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون".

وهذه كلمة تصدر من عالم عاش في قلب المنازعات العقدية وكتب وردّ وناظر وخالف، فعرف أن تحرير القول بالدليل شيء وتحويله إلى رايةٍ للاجتماع والافتراق شيء آخر، وأن ترجيح المذهب ثمرةُ نظر وأما جعل أسماء الرجال والمدارس حدوداً للحب والبغض والولاء، ‏فذلك هو الموضع الذي ينتهي عنده العلم وتبدأ العصبية.‏

إنّ القبيلة الفكرية تتكوّن على مهل وتبلغ أخطر آثارها حين تدخل بين طالب الحق والحق نفسه؛ فيبدأ الشاب انتماءه باحثاً عن الدليل ثم يكتشف مع الأيام أنه صار يبحث عمّا يثبت سلامة الجماعة التي انتمى إليها، ويقرأ الكتب بعين تنتظر التأييد والتحشيد للجماعة والتيّار، فتراه يستثقل الحجة إذا جاءت من جهة يخالفها أو لا يحبها، ويفرح بالخطأ إذا وقع فيه مخالفوه، فيتحول السؤال الذي كان يجتهد لتحصيل المعرفة به وتمتين الانتماء إلى الحقّ إلى وسيلة لحراسة الهويّة الضيّقة للجماعة والتيّار الفكري، ويغدو الرجوع عن الرأي ثقيلاً لأنه لم يعد رجوعاً عن قول فحسب ولكنّه يغدو اقتراباً من خصمٍ وابتعاد عن أصحاب وإخوة تيار وجماعة؛ وعندئذ يضيق طريق الحقيقة أمامه، وذلك لأن القبيلة الفكريّة قد أعادت ترتيب وجدانه الصّانع لانتمائه وولائه أكثر من ترتيبها لأفكاره، فأصبح يحتاج إلى شجاعة أخلاقية نادرة كي يقول لأخيه في الجماعة: 
أخطأت، ولمخالفه في الجماعة الأخرى: أصبت، وكي يرضى أن يخسر شيئاً من دفء الجماعة مقابل يحفظ لنفسه أمانة البحث عن الحقّ والانتماء إليه مجرّداً من كلّ انتماء دونه.

وقد وضع الإمام أبو حامد الغزالي للمناظرة ميزاناً أشد قسوة على النفس من كل ما نحسن إلقاءه على مخالِفينا، فقال في "إحياء علوم الدين 1/74": 
"أن يكون في طلب الحقّ كناشد ضالّة لا يفرّق بين أن تظهر الضالّة على يده أو على يد من يعاونه، ويرى رفيقه معيناً لا خصماً ويشكره إذا عرّفه الخطأ وأظهر له الحقّ؛ كما لو أخذ طريقاً في طلب ضالّته فنبّهه صاحبه على ضالّته في طريق آخر فإنّه كان يشكره ولا يذمّه ويكرمه ويفرح به. فهكذا كانت مشاورات الصحابة رضي الله عنهم".

ثم نبّه في الصفحة نفسها إلى أن حضور المجامع قد يحرك الرياء والحرص على أن ينصر كل واحد نفسه "محقاً كان أو مبطلاً"، فالاختبار الحقيقي للمناظر يقع في اللحظة التي يظهر فيها الحق على لسان الرجل الذي قضى زمناً يرد عليه؛ أيفرح للحق أم يسود وجهه لأن الجمهور رأى صاحبه مصيباً؟ 
فيقول: "فانظر إلى مناظري زمانك اليوم كيف يسودّ وجه أحدهم إذا اتضح الحقّ على لسان خصمه، وكيف يخجل به وكيف يجهد في مجاحدته بأقصى قدرته، وكيف يذمّ من أفحمه طول عمره ثم لا يستحي من تشبيه نفسه بالصحابة رضي الله عنهم في تعاونهم على النظر في الحق".

ومأساة التعبئة العقدية والتحشيد بين الجماعات أنها تلقي إلى الشاب في أول الطريق أثقالاً لم تتكوّن لديه بعد أدوات حملها وربما لم تكن هذه القضايا داخلة أصلاً في دائرة أسئلته؛ فهو يأتي يريد أن يعرف الله تعالى وأن يؤمن به إيماناً يستقر في قلبه وأن يطمئن إلى أصول دينه ويجد ما يطفئ ذلك القلق الإيماني الذي يعصف بجيله، وأن يفتح كتاب الوحي على أسئلة عصره وآلامه وحيرته ومستقبله، فإذا هو يُستقبل بخريطة واسعة من الأسماء والمواقف والمدارس والرجال، ثم يُطلب إليه أن يحدد موضعه فيها سريعاً وأن يعرف ممن يأخذ وممن يحذر ومن يُقدّم ومن يُؤخر، قبل أن يعرف أصل المسائل التي اختلف القوم فيها وقبل أن تتكون لديه ملكة تمييز يستطيع بها أن يزن قولاً أو يفهم حجةً أو يقدّر موضع خلاف؛ وبعد زمن قد نكتشف أننا نجحنا في أن نصنع منه منتسباً شديد الحماسة يحسن تعداد مخالفي مدرسته ويحفظ مواطن الاعتراض عليهم، بينما بقي نصيبه ضعيفاً من معرفة الله تعالى التي جاء يطلبها ومن اليقين الذي دخل المسجد باحثاً عنه ومن القرآن الذي كان يرجو أن يجد فيه جواباً عن نفسه والعالم الذي يضطرب من حوله.

إن صيانة البحث العقدي من هذه السوق الجماهيرية حفظٌ لهيبته وصيانةٌ للشباب كذلك؛ فتبقى أصول الاعتقاد موضع تعليم جاد يرسّخ اليقين ويهدي العقل، وتبقى دقائق الخلاف في مجالها الذي يليق بها حيث تُحرَّر الأقوال وتُوزن الأدلة ويُرد الخطأ بقدره دون عصبيّة قبَليّة، وتظل المساجد قادرة على استقبال من يدخلها يبحث عن الله تعالى وعن معنى الإيمان في حياته، بدل أن يستوقفه عند الباب سؤال مستعجل يريد منه أن يحدد منذ اللحظة الأولى: في أي مدرج من مدرجات الجمهور ستجلس وأيّ فريقٍ ستشجّع؟

من يربح الفراغ؟

في آخر صفوف المسجد مقعدٌ خلا بعد أن كان يشغله شاب جاء وفي صدره من الأسئلة ما يفوق خرائط المدارس العقدية ومعاركها كلها؛ أسئلة عن الله تعالى والقدر والعدل وعن بلد خرج من محنة طويلة وقد أصاب الإنسان فيه من الهدم أكثر مما أصاب البنيان، فهو يحتاج إلى إعادة بناء وعيه وأفكاره واتجاهاته وإلى أن يفهم واقعه ومستقبله ومجتمعه وتحولاته وموقعه من كل ما يجري حوله؛ فإذا استهلكت معارك الأسماء والاصطفافات وقت هذا الجيل بقيت أسئلته عند الباب ثم خلا المقعد في المسجد ولم يخلُ عقل صاحبه ولا قلبه؛ فحمل أسئلته معه إلى الخارج ومن هناك يبدأ السؤال الذي ينبغي أن يقلق المتنازعين والمتعاركين حقاً: من سيجلس إلى هذا الشاب بعدنا ومن سيملأ الفراغ الذي تركناه؟

قال مالك بن نبي في "إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث" (ص45): 
"إنّ كل فراغ أيديولوجي لا تشغله أفكارنا ينتظر أفكاراً منافية معادية لنا؛ فهذه هي القاعدة العامة والمتخصصون في الصراع الفكري يعرفونها كما يعرفون أبناءهم". ثم يمضي في المعنى نفسه إلى أن أهل الصّراع الفكري قد يسهمون في صناعة هذا الفراغ، وقد يملؤونه زمناً بأفكار وسيطة تؤدي وظيفة الفصل بين الإنسان وأفكاره التي كانت تمنحه رؤيته ومرجعيته.

وهذا هو موضع الخسارة الفادحة في معاركنا الداخلية؛ فالشاب الذي يغادر المسجد بعد أن استنفد خطابُه طاقته في تعريفه بالسلفي والأشعري وأسماء الرجال ومواطن الرد عليهم؛ يخرج وفي عقله مساحة بقيت بلا جواب وفي قلبه أسئلة بقيت تلحّ عليه وهذه المساحة لا تبقى خالية طويلاً؛ فالأفكار تتنافس على الإنسان والمشروعات الفكرية تعرف قيمة العقل الذي فقد ثقته بمرجعيته، فتأتيه من الباب الذي تُرك مفتوحاً فتصغي إلى قلقه وتفسر له العالم وتعطيه لغة يفهم بها نفسه، ثم تمنحه جماعةً يشعر داخلها أنه مفهوم ومسموع، وقد نكون في تلك الساعة منشغلين بإحصاء النقاط في معركة داخل البيت بينما يعمل غيرنا بهدوء على كسب صاحبه كله.

وخطر الفراغ هنا أنه فراغٌ نصنع بعضه بأيدينا؛ فكل سؤال كبير يطرحه الجيل ثم نؤجله لصالح معركة أقل اتصالاً بحياته، وكل منبر يستهلك طاقته في التحشيد بين المدارس الفكريّة وكل شاب يدخل باحثاً عن معنى ثم يخرج محمّلاً بقائمة من الخصوم والأعداء فإنّه يترك وراءه مساحةً يستطيع مشروع آخر أن يدخل منها، وعندئذ يصبح السؤال عن الرابح شديد الوضوح، فالرابح هو من وجد الشاب بعد أن فقدناه وأحسن مخاطبة عقله بعد أن شغلناه نحن بأنفسنا عن أسئلته.

والرابح من هذا الفراغ معروف ولا يحتاج ذكره إلى كثير مواربة ولا إلى استحضار عقدة المؤامرة؛ فكل مشروع فكري ينازع المرجعية الإسلامية على عقل الشاب وقلبه سيجد في هذا الانشغال الداخلي فرصةً ثمينة؛ فالتيارات التي تريد للدين أن ينكمش إلى المجال الفردي ويغيب عن تشكيل المجال العام، وتلك التي تعيد تعريف الحرية والإنسان والأسرة والقيم من داخل مرجعيتها المصادمة للوحي، والخطابات التي ترى الوحي مادةً يعاد تأويلها لتخضع لتصورات العصر وسيولة المرحلة، والنزعات التي تختزل الإنسان في رغبته ومصلحته ونجاحه الشخصي؛ كل هؤلاء يملكون مشروعات لها منظّروها الذين لديهم لغةً جذابة وتصوراً للإنسان والحياة، ويعرفون كيف يصلون إلى الشاب الذي خرج من المسجد وفي صدره أسئلة كثيرة بقيت معلقة.

ولا يحتاج هؤلاء إلى أن يشعلوا معركتك حتى ينتفعوا بها؛ يكفي أن تديرها أنت طويلاً وأن تنفق فيها منبرك وطاقتك وعقول شبابك وثقتهم بعلمائك ثم تترك أمامهم ذلك الشاب الذي أنهكته الأسئلة؛ سيجلس إليه غيرك ليسمع قلقه ويحدثه عن الحرية والهوية والمعنى والعدالة والكرامة والدولة والمستقبل ثم يضع بين يديه تفسيراً كاملاً للعالم، بينما كان خطابه الديني مشغولاً بإثبات أن فلاناً أخطأ في صفة وأن مدرسةً انحرفت في مسألة وأن شيخاً ينبغي أن يحذر منه.


سوريا اليوم أحوج إلى علماء السلفية والأشعرية معاً في ميدان يمس أصل نهضتها ومستقبلها؛ إلى علم يثبّت الإيمان بالله تعالى في النفوس ويرسّخ الثقة بالدين في جيل خرج من سنوات الاضطراب والتشويه والدّمار الفكري والنفسي والقيمي


وهنا تقع الخسارة كاملة؛ لأن كل ساعة يستهلكها الخطاب الديني العام في تعبئة الشباب لمعارك المدارس العقدية -وهي مسائل لها أهلها ومجالسها العلمية- تُنتزع من أسئلة تضغط على هذا الجيل في إيمانه وأخلاقه ووطنه ومستقبله، وتُترك الساحة لمن يملك مشروعاً فكرياً آخر فيملؤها بمفرداته وتصوراته وقيمه، وحينئذ يكون السلفي مشغولاً بالأشعري والأشعري مشغولاً بالسلفي، بينما يقف أصحاب المشروعات الفكريّة المصادمة للوحي كلّه خارج الحلقة ينتظران الشاب الذي خرج منها متعباً ثم يقولان له ببساطة: تعال؛ سنريك العالم من زاوية أخرى.

وسوريا اليوم أحوج إلى علماء السلفية والأشعرية معاً في ميدان يمس أصل نهضتها ومستقبلها؛ إلى علم يثبّت الإيمان بالله تعالى في النفوس ويرسّخ الثقة بالدين في جيل خرج من سنوات الاضطراب والتشويه والدّمار الفكري والنفسي والقيمي، ويمنحه قدرةً على فهم الحرية والعدل والدولة والمسؤولية والعمران، ويشارك في ترميم مجتمع أثقلته الشكوك والانقسامات وفقدان الثقة بين أفراده ومكوناته. 

وأمّا دقائق الخلاف العقدي فتبقى في موضعها العلمي، يحررها أهلها وتوزن أدلتها ويجاب فيها عن الخطأ فيها بقدره من غير أن تتحول إلى رايات تعبئة قَبَليّة يحملها شباب ما زال كثير منهم في أول الطريق إلى المسجد وإلى معرفة دينه.

وحساب الربح والخسارة هنا أوضح من أن تحجبه ضوضاء المناظرات؛ فالمسألة لا تُقاس بعدد المقاطع التي انتشرت ولا بعدد من قيل إنهم أُفحموا ولا بارتفاع أصوات الأتباع بعد مجلس ناجح في نظرهم؛ فالحساب الحقيقي يبدأ من ذلك الشاب الذي كان يجلس في آخر الصف ثم غاب: من أخذه بعدنا؟ من أصغى إلى أسئلته؟ من منحه تفسيراً آخر للحياة والدين والوطن؟ وأي فكرة استقرت في عقله يوم عجزنا نحن عن أن نعطيه ما جاء يطلبه؟

هناك يظهر الطرف الثالث في هذه المعركة؛ لم يحتج إلى أن يرفع راية ولا أن يخوض مناظرة ومع ذلك قد يخرج منها بأثمن ما كان ينبغي للطرفين أن يحفظاه؛ لقد ظفر بالشباب أنفسهم.


x.com/muhammadkhm



الجمعة، 17 يوليو 2026

كيف صاغت الدولة القُطرية الحديثة عقلَ الحركات الإسلامية تجاه الموقف الشرعي من القرار السياسي؟

 كيف صاغت الدولة القُطرية الحديثة عقلَ الحركات الإسلامية تجاه الموقف الشرعي من القرار السياسي؟



محمد خير موسى

"من يصوغ عقل الشاب الإسلامي؛ الوحي بتصوره الكلي أم الدولة الحديثة بأجهزتها ومناهجها وإعلامها وحدودها؟"                            


نشأت جماعاتٌ إسلاميةٌ كثيرةٌ في لحظةٍ مكسورةٍ من تاريخ الأمة؛ لحظة سقوط الخلافة وتمزّق المجال الإسلامي ووقوف المسلمين أمام خرائط جديدة حملت أسماء الدول والحدود والأعلام والجوازات، بعدما كانوا يرون أنفسهم جزءاً من أمةٍ واحدةٍ تمتدّ في العقيدة والقِبلة والشريعة واللغة الكبرى والمصير، فجاءت تلك الجماعات في أصل نشأتها جواباً على جرحٍ حضاريٍّ عميق، وصرخةً في وجه عالمٍ يريد أن يحشر الإسلام في زاوية الشعائر الفردية، وأن يجعل الأمة شعوباً متجاورةً في المناهج الدراسيّة ومتباعدةً في القرار ومتنافسةً في المصالح، ومحكومةً بحدودٍ رسمتها يد المنتصر العسكريّ في غرف السياسة الباردة.

ولكن المفارقة المؤلمة أن كثيراً من هذه الحركات التي وُلدت من رحم الاعتراض على التجزئة وجدت نفسها مع الزمن تفكر بعقل الخريطة التي جاءت لتقاومها، وتتنفس من هواء الدولة القُطرية التي أرادت أن تتجاوزها، وتعيد صياغة أولوياتها ومفاهيمها وموازينها وفق قاموس الدولة الحديثة، حتى صار جزءٌ من خطابها أسيراً للحدود التي كان يفترض أن تكون عنده مجالَ ضرورةٍ تنظيميةٍ عابرة فتحولت شيئاً فشيئاً إلى أفقٍ نفسيٍّ وفكريٍّ وحركي، وصار سؤال الأمة في بعض العقول سؤالاً عاطفياً وسؤال القُطر سؤالاً مصيرياً، وأضحى الثغر الأقرب ذريعةً لضمور الأفق الأوسع بعدما كان الثغر الأقرب بوابةً إلى الأمة كلها.

المفارقة المؤلمة أن كثيراً من هذه الحركات التي وُلدت من رحم الاعتراض على التجزئة وجدت نفسها مع الزمن تفكر بعقل الخريطة التي جاءت لتقاومها، وتتنفس من هواء الدولة القُطرية التي أرادت أن تتجاوزها، وتعيد صياغة أولوياتها ومفاهيمها وموازينها وفق قاموس الدولة الحديثة، حتى صار جزءٌ من خطابها أسيراً للحدود


لقد جاءت الدولة القُطرية الحديثة ومعها فلسفتها الكامنة؛ سيادة محصورة داخل الحدود ومواطنة تعيد ترتيب الانتماءات، وقانون يملك الكلمة الأخيرة ومؤسسات تصوغ الفكر والوعي، وتعليم يربّي الإنسان على أن العالم يبدأ من النشيد الوطني وينتهي عند ختم الجواز، فدخلت هذه الفلسفة إلى عقول بعض الإسلاميين من أبوابٍ كثيرة، بعضها من باب المشاركة السياسية وبعضها من باب الواقعية وبعضها من باب الخوف من الاتهام، وبعضها من باب طول الممارسة داخل مؤسساتٍ قامت على تصوراتٍ مغايرةٍ للتصور الإسلامي.

ومن أخطر مظاهر هذا التسرب أن ينتقل الحديث عن الإسلام من كونه شريعةً ذات سلطانٍ على الحياة إلى كونه منظومةَ قيمٍ عامةٍ تضفي على السياسة أخلاقاً رقيقة وتمنح المسؤول السياسي نصائح جميلة، ثم يُسحب من الإسلام مقامه في بناء القرار السياسي والحكم والعدل والسيادة والتشريع. وقد تسلّل هذا المعنى إلى شريحةٍ من شباب الحركات الإسلامية عبر بوابات العلمنة واللّبرلة التي دخلت عقولهم من المناهج الغربية لا سيما في  كتب العلوم السياسية، ومن خطاب الدولة الحديثة مع ضعفٍ ظاهرٍ في التكوين الشرعي والأصولي والمقاصدي، حتى صار بعضهم يجمع بين حرارة التدين الفردي وبرودة التصور السياسي، فيصلّي في المسجد بخشوعٍ صادق ثم يقول في قاعة النقاش: إن الإسلام جاء بالقيم العامة وأنه لا يحمل نظاماً سياسياً ولا يقدّم تصوراً للحكم، ولا يملك قولاً حاكماً في مصادر القانون وموازين السلطة وتموضعات التحالفات، وكأن الوحي جاء ليزكّي الروح في خلواتها ثم ترك نظام القوة والمال والسلطان والقرار السياسي للغلبة والتجربة والمزاج الدولي والخبرة البشرية المستقلة عن المرجعية العليا.

ومن صور القولبة الأخطر أن يتسرّب إلى بعض العقول الحركية وهمٌ نشأ في ظلّ الدولة الحديثة، خلاصته أن السياسة ميدانٌ للمصالح والمفاسد المجرّدة، وأن لغة الحلال والحرام فيها لغةٌ وعظيّةٌ ضيقةٌ تعيق الحركة وتربك المناورة، فصرنا نسمع عباراتٍ مثل: هذه مسألة مصالح ومفاسد وليست مسألة حلال وحرام؛ مع أن المصالح والمفاسد في أصلها الشرعي واقعةٌ داخل ميزان الحلال والحرام وفرعٌ عن مقاصد الوحي وأحكامه وليست مملكةً مستقلةً فوق النصوص.

فالمصلحة الشرعية مصلحةٌ لأن الشرع شهد لها والمفسدة مفسدةٌ لأن الشرع دلّ على فسادها، والموازنة بينهما عملٌ فقهيٌّ دقيقٌ داخل سلطان الوحي؛ يقدّر مراتب الواجبات والمحرمات ويوازن بين خيرين أو شرّين بميزان الدليل والمقصد والمآل. وحتى المصلحة المرسلة -على سعة بابها في السياسة الشرعية- إنما تعمل داخل مقاصد الشريعة وكلياتها عندما يفتقر المجتهد إلى نصٍّ جزئيٍّ خاصٍّ، فينزل إلى روح الشرع العامة وحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال ومراعاة العدل ورفع الحرج ودفع الضرر، فهي داخلة في ميزان الحلال والحرام من جهة المقصد والضابط والمآل، وليست ممراً حرّاً يخرج به السياسي من سلطان الحكم الشرعي.

وهذا الفصل بين "المصلحة" و"الحكم الشرعي" ضربٌ من التدليس البلاغي حين يصدر عن عارفٍ بمواقع الكلام، أو جهلٌ بحقيقة الشريعة إذا صدر عن عقلٍ ظنّ أن الفقه يقف عند العبادات والمعاملات الصغيرة ثم يترك مصائر الأمة والدولة والدماء والولاءات والمقدسات لمجرد الحساب السياسي العاري.

هنا تتولد آفةٌ أشدّ خطراً، وذلك حين يظن بعض القادة السياسيين في الجماعات والحركات الإسلاميّة أن وظيفة الشريعة أن تأتي بعد الفعل لتمنحه الختم، وأن مهمة العلماء أن يضعوا الغلاف الشرعي على قرارٍ اتُّخذ في غرف السياسة فتتحول الفتوى من نورٍ سابقٍ يهدي الطريق إلى توقيعٍ لاحقٍ يجمّل المسار وزيّنه في أعين الجماهير، ويتحوّل الفقيه إلى موظفِ تزكيةٍ يُطلب منه أن يجد للقرار مخرجاً بعد إعلانه، وأن يحضر محافل المحاججة عنه باسم الشريعة في وجه كلّ منتقدٍ أو معترضٍ.

وهذه صورةٌ مصغرةٌ من فكرة "الدين تحت الدولة" التي تحكم المنظومة التكوينيّة للدولة الحديثة؛ فكما تريد الدولة الحديثة من المؤسسة الدينية أن تبارك خياراتها الكبرى بعد صدورها فإنّ بعض الجماعات والحركات والأحزاب الإسلاميّة تريد من الشريعة أن تسير خلف تقديرات القيادة، وأن تجعل المصلحة اسماً فخماً لما استقرّ عليه القرار، وأن تجعل فقه الموازنات باباً واسعاً لتأجيل الواجبات وتخفيف المحرمات وتسكين الضمير أمام التنازلات عن أحكام الشرع، مع أنّ السياسة التي تطلب أن يكون الفقه شاهدَ تبرئةٍ بعد الفعل تكشف أن مرجعيتها الحقيقية صار القرار البشريّ المنفصل عن مرجعيّته ونوره، وليس الوحي الذي يُتَغزَّلُ به في المحافل بوصفه المرجعيّة العليا للجماعة.

والإنصاف يقتضي هنا أن يُقال: إن الحالةَ المشيخية في عموم الأمة مثقلةٌ بأوجاعها وأمراضه، وفيها من ضعف أدوات النظر السياسي وقصور قراءة الدولة الحديثة واضطراب تقدير موازين القوة ما جعل الطبقة السياسية داخل بعض الجماعات الإسلامية تشعر أن الشيخ يصلح للتزكية العامة والدعاء والتحشيد الوجداني؛ أكثر مما يصلح للدخول في تقدير القرار ومآلاته، غير أن هذا التشخيص مهما بلغ من الصواب في بعض مشاهده يعجز عن أن يمنح السياسي حقَّ مصادرة المرجعية الشرعية أو عزل العلماء عن موقع الشهادة على الفعل العام؛ ففي الأمة شريحةٌ من العلماء الكرام -وإن كانت الاستثناء- تجمع بين الرسوخ في فهم الحكم الشرعي وفقه النصوص والمقاصد، وبين إدراكٍ معتبرٍ لطبيعة الدولة والسلطة والواقع السياسيّ والمصالح والمآلات. وهؤلاء يحتاجهم السياسي في أصل تقديره لأن القرار الذي يتصل بالدماء والحقوق والعهود والولاءات ومصير الدعوة والأمة والمقدسات يحتاج عقلاً شرعياً سابقاً للفعل وحاضراً في صناعة السؤال، ومشاركاً في تفكيك الحيثيات وكاشفاً لما يستتر خلف لغة الضرورة والواقعية والمصلحة.

غير أن كثيراً من سياسيي الجماعات الإسلامية يروق لهم أن يكون العالِم داخل جماعتهم في موقعه من الحاكم داخل الدولة الحديثة؛ داعماً للقرار بعد صدوره وشاهِدَ تزكيةٍ على حكمته وصاحبَ ختمٍ شرعيٍّ يوضع في آخر الورقة، وليس شريكاً في بناء التصور ولا مختبراً لمسالكه ولا رقيباً على انحرافاته. وللأسف أنّ شريحة من العلماء والدعاة قد قبلت على نفسها هذا الموضع تحت عنوان الثقة بالقيادة، فصاروا يبصمون على اختياراتها باسم وحدة الصف وحسن الظن وحفظ المشروع، حتى جعلوا الحكم الشرعي يدور مع ما قاله السياسي وجوداً وعدماً؛ فإن تقدّم السياسي تقدّمت معه الفتوى وإن تراجع تراجعت وإن صمت صمتت، وإن غيّر وجهته وجدت اللغةُ الشرعية طريقاً إلى اللحاق به.

الحركات الإسلامية تحتاج اليوم إلى مراجعةٍ شجاعةٍ لعقلها الذي يصوغ أفكارها وليس مراجعة لمجرد برامجها؛ تحتاج إلى سؤالٍ أعمق من سؤال المشاركة السياسيّة والانتخابات والتحالفات والبيانات، سؤالٍ يمسّ التصور المؤسس


وربما فعل كثيرٌ منهم ذلك بحسن نيةٍ وهم يتوّهمون أنهم يخدمون الشريعة بحماية الجماعة، فإذا هم يضعون أنفسهم في الموضع نفسه الذي طالما حذّروا النّاس منه عند ذمّهم علماء السلاطين؛ موضع العالم الذي يجعل الدين خادماً للقرار السياسي بدل أن يبقى الدين مرجعيةً حاكمةً عليه ونوراً يكشف له الطريق قبل أن تندفع العربة في العتمة.

فالحركات الإسلامية تحتاج اليوم إلى مراجعةٍ شجاعةٍ لعقلها الذي يصوغ أفكارها وليس مراجعة لمجرد برامجها؛ تحتاج إلى سؤالٍ أعمق من سؤال المشاركة السياسيّة والانتخابات والتحالفات والبيانات، سؤالٍ يمسّ التصور المؤسس: من يحدد معنى الممكن وإطاره وحدوده؟ ومن يرسم حدود القضية وتفاصيل مسائلها؟ ومن يملك تعريف المصلحة والمفسدة؟ ومن يجعل القُطر خادماً للأمة أو يجعل الأمة ملحقاً عاطفياً بالقُطر؟ من يصوغ عقل الشاب الإسلامي؛ الوحي بتصوره الكلي أم الدولة الحديثة بأجهزتها ومناهجها وإعلامها وحدودها؟ فهذا السؤال هو الفاصل بين جماعةٍ تستعمل أدوات الدولة وهي واعيةٌ بخطرها وجماعةٍ تستعملُها حتى تستعمِلَها الأدوات، وبين جماعةٍ تدخل السياسة لتشهد بالحق وجماعةٍ يدخل الحق عندها ليستأذن السياسة.

إن الخروج من هذه القولبة يبدأ باستعادة التصور الإسلامي الكامل؛ تصورٍ يرى الدين مرجعيةً للحياة كلها؛ فيرى السياسة مجالاً أخلاقياً وشرعياً محكوماً بالوحي، والمصلحة مصلحةً منضبطةً بالوحي، والقُطر ثغراً قريباً داخل أمةٍ واحدة، والمؤسسة الفقهيّة أداةَ بيانٍ وبناءٍ وتحرير، والجماعة الإسلامية خادمةً لمعنى الأمة وليست نسخةً متدينةً من الأحزاب الوطنيّة.

وتبقى الدولة الحديثة قادرةً على رسم الحدود في التراب وعاجزةً عن حبس الأفق الذي يفتحه الوحي في القلب؛ فالجغرافيا قد تُجزَّأ، والرايات قد تتكاثر، والجوازات قد تصير أختاماً على حركة الأجساد، غير أن العقيدة حين تستيقظ تردّ الإنسان إلى نسبه الأعلى، وتكشف له أن السياسة بلا شريعة قوةٌ عمياء، وأن المصلحة بلا وحي شهوةٌ مؤسسية، أما الإسلام فيعيد الإنسان عبداً لله تعالى وشاهداً بالقسط وحرّاً يحمل الدين من زاوية الشعائر إلى رحابة الحياة، حيث يظل سلطان الله تعالى فوق كل سلطان.

x.com/muhammadkhm

الخميس، 2 يوليو 2026

كيف تُعيد الدولة الحديثة صبَّ الدِّين ومؤسّساته في قوالبها؟

 كيف تُعيد الدولة الحديثة صبَّ الدِّين ومؤسّساته في قوالبها؟

محمد خير موسى

تدخل الدولة الحديثة إلى ساحة الدّين وهي تحمل أدواتٍ كثيرةً، في ظاهرها تنظيمٌ وإدارةٌ وترتيبٌ للشأن العام غير أنّ في باطنها قدرةٌ هائلةٌ على إعادة تشكيل المجال الديني من جذوره، فتأخذ المسجدَ والمدرسة الشّرعية والفتوى وكليّات الشّريعة والمعاهد الشرعيّة والمنبر والوعظ والهيئات الوقفية، ثم تضعها داخل نظامٍ إداريٍّ محكمٍ يحدّد اللّغة المسموح بها والموضوع الجدير بالظهور والشيخ المقبول في الشاشة والخطبة الآمِنة في الجمعة والمقرر الصالح للثّانويّة الشرعيّة والمناسبة الدينية التي تصلح للاحتفال؛ فيصير الدين حاضراً في المشهد العام حضوراً مضبوط الإيقاع وشديد التّهذيب السياسي ومصبوباً في قالب فلسفة الدولة الحديثة؛ من الفردانية التي تحصر الدين في الضمير والعقلانية التي تقيس المقدّس بمنفعته والبيروقراطية التي تُدخل المسجد والفتوى والتعليم والوقف في سلطة التصريح والرقابة.


وأول مظاهر هذه القولبة تحويل الدّين من مرجعيةٍ حاكمةٍ على الفعل إلى وظيفةٍ تابعةٍ للفعلِ داخل جهاز الدولة؛ فالقرآن يُتلى في الاحتفالات الرسميّة كأنّه مكياجٌ تجميليّ، والخطيب والمفتي يُستدعيان عند الحاجة إلى تهدئة الناس، ثم يُعاد كل ذلك إلى خزانة الرموز بعد انتهاء اللحظة. ويتمّ التعاملُ مع المقدس بوصفه زينةً معنويةً توضع فوق جسد الدولة لتمنحه طمأنينةً شعبيةً وهيبةً أخلاقية، بينما تبقى القرارات الكبرى في الاقتصاد والسياسة والعلاقات والحروب والتعليم خارج محكمة الوحي وموازينه، فيصبح الدّين محض شاهد حين يحتاج النّظام الحاكم إلى لغة السماء ليعزّز شرعيّته في نفوس الجماهير.

التدين المطلوب هو الذي يخرج من ماكينته إنسانٌ طيبٌ في البيت وهادئٌ في المسجد ومطيعٌ في الطابور ومطمئنٌّ وواثقٌ إلى كل ما يصدر من السّلطات، ويملك دمعةً سخيّةً عند التلاوة ولا يستطيع تفجير السّؤال من أعماقه عند رؤية الظلم

ومن مظاهرها كذلك صناعة ما يمكن أن نسميه "الدّين المأمون"، وهو دينٌ لطيفٌ ناعمٌ يصلح للصور الرسمية ويتحدث عن برّ الوالدين ونظافة الطريق وفضائل الابتسامة وسماحة الإسلام وخطر الشائعات، ثم يعبر سريعاً مشيحا بوجهه حين يمرّ قرب أسئلة الفساد واحتكار السّلطات والقهر والنّهب وتزوير الإرادة وتضييع حقوق الفقراء وانتهاك الحريّات وتبعيّة الأوطان لأعدائها، فيغدو الدّين خطاباً تربوياً منزوع الأسنان، يربّي المواطن على الطاعة الهادئة ويعلّمه الرضا الفردي، ويجعله صالحاً في محرابه الخاص متردداً أمام واجبه العام. فالتدين المطلوب هو الذي يخرج من ماكينته إنسانٌ طيبٌ في البيت وهادئٌ في المسجد ومطيعٌ في الطابور ومطمئنٌّ وواثقٌ إلى كل ما يصدر من السّلطات، ويملك دمعةً سخيّةً عند التلاوة ولا يستطيع تفجير السّؤال من أعماقه عند رؤية الظلم.

ومن أخطر صور القولبة أن تتحول المؤسسات الدينية إلى إداراتٍ تنتج "الموقف الشرعي" وفق إيقاع الدولة؛ فتخرج الفتوى أحياناً وقد لبست ثوب القانون الإداري، وتظهر خطبة الجمعة وقد صارت نشرةَ توجيه معنويّ بعباراتٍ دينية، وتُصاغ المناهج الشرعية بما يضمن إنتاج طالبٍ يعرف أحكام الطهارة والصلاة، ثم يعجز عن إدراك علاقة الشريعة بنظام الحكم وبالعدل الاجتماعي والسيادة والاستبداد والمال العام وحرمة الدم الجمعيّ وحقوق الأمة العامّة؛ فيتكون جيلٌ متدينٌ تديّناً جميلاً في الشعائر ولكنّه حائرٌ في المواقف الكبرى، ونراهُ شديد الحساسية تجاه أخطاء الأفراد غير أنّه ضعيف الحساسية تجاه انحراف البُنى والمؤسسات العامّة والرسميّة، ونجده حافظاً بإتقانٍ أبواب النجاسات في كتب الفقه ولكن يصعب عليه معرفة نجاسات الفساد المتراكمة في خزائن الدولة، ويكون متقناً الحديث عن آداب الطعام ثمّ يبهت لسانه أمام موائد الثّروات المنهوبة.

وتشتغل الدولة الحديثة على المنبر بوصفه أخطر مساحةٍ يتصل فيها الدين بالجمهور، فتختصر الخطبة في وعظٍ مراقَب وتحوّل الخطيب إلى موظفٍ يقدّم المعنى المراد من السياسات العامّة، وتريد من المسجد تهدئة النفوس بدل إيقاظ الضمير، كما تحضّ على مجالس الدعاء والضّراعة لتحقيق الطمأنينة وتكرّس استمرار الصمت الواسع عن أسباب الخوف؛ فيصير المنبر كمن يضع البلسم فوق الجرح ثم يحرص على بقاء السكين في مكانها، ويصير الخطيب مطالَباً بأن يشرح للموجوع فضيلة الاحتمال وأن يمرّ بعيداً عن اسم صانع الأوجاع وغارس السّكين كي تبقى الجملة آمنةً من المساءلة.

وتتجلى القولبة في الإعلام الديني حين يُنتقى للشّاشة الشيخ الذي يحسن طمأنة الجماهير، وتُستضاف الوجوه التي تُنتج إسلاماً خفيف الدّسم سريع الهضم، وتُحجب الأصوات التي تعيد الدين إلى موقعه الكامل في مساءلة الإنسان والدولة والسوق والقوة، فيصبح الدين عندها فقرةً بين إعلانين وموعظةً بين مسلسلين وكلمةً ناعمةً في برنامج صباحي، ويضيع من المشهد ذلك الدين الذي يبني أمةً ويحرّر إنساناً من عبودية الهوى والسلطان والمال، وتتحول الشاشة إلى منبرٍ جديدٍ أهم شروطه للوجه الدينيّ؛ وجهٌ مقبول ولغةٌ لطيفة وسقفٌ منخفض ومعنىً خفيف وابتسامةٌ واسعةٌ تصلح لمصالحة الجمهور مع واقعه أكثر مما تصلح لمصالحة الواقع مع الحق.

ومن وجوه القولبة كذلك تحويل التعليم الديني إلى مادةٍ مدرسيةٍ مهذّبةٍ تفصل الطالب عن سؤال الحضارة، فيقرأ الطّالب بتوسّع عن مكارم الأخلاق وفضل الصدق وآداب المسجد، ثم يخرج هذا الطالب إلى عالمٍ تحكمه المصارف الربوية والشركات العابرة وصناعة التفاهة وأسواق الجسد واستعباد الخوارزميات وقوانين التبعيّة للآخر، 
الدولة التي تصوغ الدين على مقاسها تصنع قشرةً دينيةً جميلةً فوق فراغٍ أخلاقيٍّ عميق، أما الأمة التي تعيد للوحي مقامه وللعلماء أمانتهم وللمؤسسات الدينية رسالتها، فإنها تفتح الطريق إلى تدينٍ يبدأ بعبادة الله تعالى في المحراب، مروراً بإقامة العدل في السوق ووصولاً إلى حراسة الكرامة في ميادين السياسة، ليكون الوحي نوراً يقود الحياة كلها حقيقةً لا شعاراً
فيعجز عن وصل ما تعلمه بنظام الحياة الذي يبتلعه، لأن الدين في المدرسة صيغ على هيئة درسٍ أخلاقيٍّ قصير، بينما تُركت الأسئلة الكبرى للفلسفات الوافدة والسوق والإعلام، فتتشكل داخل الطالب ازدواجيةٌ دقيقة، فهو بين دين للمشاعر والعبادات وعالمٍ للقرار والمعاش والمعايير، ثم يكبر هذا الطالب وهو يحمل الإسلام في قلبه ويستعير من غيره عيوناً يقرأ بها السياسة والاقتصاد والإنسان.

ومن أخطر ما تصنعه الدولة الحديثة في الدين أنها تنقل مركز الثقة من العالم إلى المؤسسة الرسميّة؛ فيصبح سؤال الناس: هل سُمح لهذا الكلام أن يقال؟ وليس: هل دل عليه الوحي؟ ومع الزمن تتربى النفوس على أن الحقيقةَ تحتاج إلى الحصول على رخصة وإذن كي تقال، وأن الفتوى إذا جاءت من الجهة المأذونة صارت أوقر في القلوب ولو ضعفت حجتها؛ فتقع خسارةٌ مزدوجة، إذ تضعف هيبة العلم حين يلبس ثوب الإدارة وتضعف هيبة الإدارة إذ تستعير ثوب العلم لتزيين اختياراتها.

والنتيجة العميقة لهذه القولبة أن يصبح التدين شأناً فردياً مهذباً، وتغدو الشريعة تراثاً محترماً، وتمسي المؤسسة الدينية جهازاً مساعداً، بينما تحتفظ الدولة الحديثة بحقّ تعريف الصالح العام وحقّ ترتيب القيم الجمعيّة وحقّ منح الدين صوته أو حجبه، فيعيش المجتمع بين مئذنةٍ عاليةٍ في السماء وكرامةٍ منخفضةٍ تحت الأرض، وبين خطبةٍ تتحدث عن الرحمة وسوقٍ يطحن الضعفاء، وبين دعاءٍ طويلٍ للفرج وسياساتٍ تزيد أبواب الضيق والشدّة.

والمخرج يبدأ من استعادة الوعي بأن الدين في الإسلام رسالةٌ حاكمةٌ ومحرّرةٌ وبانية، وأن مؤسساته تحمل أمانة البيان والهداية والعدل، وأن علاقة الدّين بالدولة علاقة بناءٍ للمرجعيات الفكرية الحاكمة وعلاقة مؤسساته بها علاقة نصحٍ وتقويمٍ وشراكةٍ في الخير، مع استقلالٍ روحيٍّ وعلميٍّ يمنعها من التحول إلى بوقٍ إداري؛ فالدولة التي تصوغ الدين على مقاسها تصنع قشرةً دينيةً جميلةً فوق فراغٍ أخلاقيٍّ عميق، أما الأمة التي تعيد للوحي مقامه وللعلماء أمانتهم وللمؤسسات الدينية رسالتها، فإنها تفتح الطريق إلى تدينٍ يبدأ بعبادة الله تعالى في المحراب، مروراً بإقامة العدل في السوق ووصولاً إلى حراسة الكرامة في ميادين السياسة، ليكون الوحي نوراً يقود الحياة كلها حقيقةً لا شعاراً.

x.com/muhammadkhm

الأربعاء، 17 يونيو 2026

الإنسانُ الحديثُ.. ذلكَ المُكِبُّ على وجهِه

الإنسانُ الحديثُ.. ذلكَ المُكِبُّ على وجهِه

محمد خير موسى

"تنساب حوله الشّاشات كأنها جدارٌ شفّاف يطوّق إدراكه ويعيد ترتيب انتباهه ثم يبقى في عمقه محتاجا إلى جهةٍ واحدة تردّ عليه نفسه"



"يَنقلب الإنسانُ في مجتمع الإنجاز إلى عاملٍ يستغلُّ نفسَه داخل مشروعه الخاص فيجتمع فيه المستغِلُّ والمستغَلُّ، ويجتمع فيه السيِّدُ والعبدُ، ويتحوّل صراعُ الطبقات إلى صراعٍ داخليٍّ مع النفس" 

(بيونغ تشول هان، مجتمع الاحتراق النفسي؛ ص45).

متدفّقا بالحركة ومتخما بالأدوات ومسكونا بالقلق والسرعة وتوتّرِ العجلة؛ يخرج الإنسان الحديث إلى يومه؛ فتتزاحم في يده وتزدحم في رأسه مفاتيحُ وأصواتُ العالم كلّه، وتنساب حوله الشّاشات كأنها جدارٌ شفّاف يطوّق إدراكه ويعيد ترتيب انتباهه ثم يبقى في عمقه محتاجا إلى جهةٍ واحدة تردّ عليه نفسه وتجمع شتاته وتعيده إلى معنى وجوده، فيطول ركضه بحثا عن راحةٍ تغدو كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماء فتفرّ منه كلما اقترب. ويتكاثر جمعه للأخبار وغوصه في المنشورات والتغريدات المتدفقة رجاء أن يعثر على حقيقةٍ واحدة تمسك قلبه من التبدّد، وتتوالى مشاهدُه طلبا لامتلاءٍ داخليّ يتسع فراغه طردا مع اتساع صخب الخارج، فتنبثق أمام البصيرة صورةٌ قرآنية تتجاوز البيان إلى الصّدمة وترسم هيئة الإنسان حين تغيب جهة السماء عن قلبه، ويصير السؤال موازنة بين إنسانين وطريقين ومصيرين‎.‎

"أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" (الملك: 22). 

المُكِبُّ على وجهه في هذه الآية صورةُ إنسانٍ انقطعت عنه جهةُ العلوّ فهبطت رؤيته إلى الأرض وحدها، فصار يلتقط من تراب اليوميات فتاتَ المعنى كما يلتقط الجائع فتاتَ الخبز، واندفع في التفاصيل انحدارا متصلا حتى تبهت الغاية الكبرى، 

يهيمن منطقُ السوق فيتسلّل إلى تعريف الإنسان لذاته، فيحسب نفسَه مشروعا يُقاس كلَّ يومٍ بالأرقام والانطباعات، ويعيش تحت ميزان المقارنة والتصنيف فيجمع في صدره صورةَ السيّد حين يأمر نفسَه بالإنجاز، وصورةَ العبد حين يلهث وراء الرضا والتقدير

واستحالت نفسه إلى ساحة مطالب متتابعة تُضرِم القلق ثم تُورِث العطش، واستحال عقله آلة ماهرة في الحساب والتدبير والسرعة تُحسن إدارة المشهد الخارجيّ في حياته غير أنّها عاجزةٌ عن صياغة داخله وأعماقه على بصيرةٍ وسكينةٍ وتمييز.

وتظهر هذه الهيئة بوضوحٍ في زمن الحداثة؛ إذ يهيمن منطقُ السوق فيتسلّل إلى تعريف الإنسان لذاته، فيحسب نفسَه مشروعا يُقاس كلَّ يومٍ بالأرقام والانطباعات، ويعيش تحت ميزان المقارنة والتصنيف فيجمع في صدره صورةَ السيّد حين يأمر نفسَه بالإنجاز، وصورةَ العبد حين يلهث وراء الرضا والتقدير، ثم تمتدّ الفكرة إلى عالم الصور؛ فتغدو الشاشة ميدان اللقاء وتغدو اللقطة بطاقةَ تعريفٍ بالمكانة ويصير المشهد مادةَ الحكم والتقييم، فتدار العلاقات بما يُعرَض ويُنشر أكثر مما تُدار بما يحقّق المعنى، ويتحوّل الوعي ومنهجيّة التفكير وبناء الأفكار شيئا فشيئا من وزن الحقائق إلى وزن الإشارات وعدّاد الإعجابات، حتى يُعاد تعريف الواقع وتُعاد صياغة الإحساس بحسب ما يُرى ويعرَض؛ أكثر من مقدار ما يكون محلا للإدراك والفهم.

ويتعمّق الانكباب حين يصير الزمن غنيمة تُختصر في ظاهر اليوم، ثم تُبدَّد في باطنه فيُؤخَذ الإنسان بفتنة السرعة كأنها خلاصه، ثم يقف أمام الساعات التي ربحها عاجزا عن تحويلها إلى حياةٍ ذات معنى. 

وقد عبّر إريك فروم في "فنّ الحبّ" (ص110) عن هذه المفارقة بقوله: 

"إن الإنسان الحديث يحسب أنه يربح الوقت بالسرعة ثم يصرف الوقت الذي ربحه في قتله".

وتزداد الصورة وضوحا حين يُختزل النجاح في معيارٍ واحد يتجسّد في مطاردة الكمّ والظهور والسبق، ويصوغ منطقُ السوق الرغبات ويعيد تعريف الاحتياج الإنساني ويبيع صورة السعادة على هيئة تجارب ومظاهر، فينشأ كائنٌ تفيض يداه بالأشياء ويضيق صدره عن السكينة وتزدحم حوله الأصوات وقلبه خالٍ من كلمةٍ جامعة، ثم يستيقظ ضمير الشريعة في وسط هذا الضجيج بحديثٍ نبويٍّ موجز يجعل الفراغ نعمة ذات حساب، إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاريّ في صحيحه: "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؛ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ".

ويضع ابن القيم الميزان في موضعه حين يقول في "الفوائد" (ص59): 
"إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها"، فتغدو العبودية في حقيقتها استردادا للوقت من قاتله واستردادا للقلب من تشتته واستردادا للإنسان من انكبابه على وجهه.


وتجيء الحكمةُ الأولى من حِكَمِ ابن عطاء الله السكندريّ لتأكيد هذا المشهد كأنها ميزانٌ يُوزن به قلبُ الإنسان الحديث في لحظةٍ واحدة، إذ يقول: 

"من علامات الاعتماد على العمل نقصان الرّجاء عند وجود الزلل"، فإذا جعل القلبُ عملَه عمادَ وجوده صار رجاؤه تابعا لسلامة الأداء فيبدأ القصور من أعماق الإنسان ابتداء ثمّ يظهر في العمل، لأن القلب حين يربط قيمته بسلامة الأداء وحدها يجعل مصيره معلقا على ميزانٍ سريع التقلب، 

تبدأ النّجاة حين يعيد الإنسان ترتيب ما في داخله، فيقدّم العبودية على التملّك ويجعل الغاية فوق التفاصيل الاستعراضيّة، ويجعل الوجهة أعلى وأهمّ من صخب اللحظة العابرة في الطريق، فتتحول الاستقامة إلى عادةٍ يوميةٍ متصلة، ويصير السير على الصراط المستقيم أثرا ممتدا لاتصال القلب بالله

فيصير كلّ تعثرٍ عنده كأنّه سقوط وكلّ نقصٍ كأنّه هدمٌ لمعناه. وتبدأ النّجاة حين يعيد الإنسان ترتيب ما في داخله، فيقدّم العبودية على التملّك ويجعل الغاية فوق التفاصيل الاستعراضيّة، ويجعل الوجهة أعلى وأهمّ من صخب اللحظة العابرة في الطريق، فتتحول الاستقامة إلى عادةٍ يوميةٍ متصلة، ويصير السير على الصراط المستقيم أثرا ممتدا لاتصال القلب بالله تعالى وليس مجرد حركةٍ تنفيذيّة سلوكيّة على الطريق.

ويظهر هذا المخرج يوم يستعيد الإنسان نفسَه من بين الأصوات المتراكمة، فيقيم في قلبه سكينة تردّ إليه الفهم بعد أن بعثرته العجلة، ويأخذ خلوة قصيرة يراجع فيها حسابه ويعيد ترتيب أولوياته ويقيم عبادته بحضورٍ يلين به قلبه، ويجعل القراءة غذاء للعقل يعيد إليه نظامه بعد فوضى المؤثرات، ويختار صحبة صالحة تشدّ عضده عند المنعطفات، ويثبت له مقصدٌ واضح يلمّ شعث يومه ويجمع مبعثره، فيخرج إلى العالم وقد استقام باطنه فاستقامت خطواته فيمشي على الأرض وقلبه مرفوع إلى جهة السماء.

وتجيء خاتمة الآية ميزانا مفتوحا لكل إنسان في كل زمان: 

"أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" (الملك: 22)؛ فالمشي المكبّ يورث ضيق المعنى وتيه الوجهة واحتراق الداخل، ولكنّ المشي السويّ يورث سكينة القلب ووضوح الطريق ورشد العمل، وحين يختار الإنسان الاستواء في الباطن قبل الاستواء في الظاهر ويردّ أدوات الحداثة إلى موضعها ويجعلها خادمة لمعنى أعلى، ويعيد تعريف النجاح بما يليق بكرامة الإنسان وحقيقة العبودية وأفق الآخرة، يصير في الدنيا عاملا بالحق ثابتا على المقصد عارفا بربه مستقيما في مشيته، فلا يبرحُ حتى يبلغ.

x.com/muhammadkhm




الأحد، 14 يونيو 2026

لا تصدّقوا ذلك الأعرابي

 لا تصدّقوا ذلك الأعرابي

محمد خير موسى

  "هذا الأعرابيّ يمثّل إبرة تخدير يحقنها بعض الدّعاة   والوعّاظ في عقول المسحوقين وأرواحهم، ليحسبوا أنّ علاج هذا الواقع المُزري المتردّي عندهم وحدهم"
- 

ثمّة حكاياتٌ صغيرة تُساقُ في زمن الانكسارات كي تؤدّي وظيفة إجراميّة، فتروّض الوجع وتُعيد تشكيل الوعي وتُحوّل الفقر إلى "درس تزكية" يخدّر ألم السياط التي تنهش ظهور الجياع.


في زمن الغلاء الفاحش يُخرج "الأعرابي" من مخازن الحكايات ويُقدَّم بوصفه صورة من صور الإيمان الصّافي ثم يُجعل معيارا للناس؛ فمن اشتكى نقْصَ القوت نُصّب له هذا الأعرابيّ واعظا، ومن تحدّث عن فساد السياسات جرى دفعه إلى زاوية "ضعف التوكل"، ومن طالب بالحقوق قيل له: اجعل قلبك مع الله تعالى وكفى.

هذه الصناعة الخطابية وظيفة جرميّة تقوم على قلب المقامات، إذ يتحوّل مقام الإيمان إلى بديلٍ عن مقام العدل، ويستعمل مقام التوكل سترا لمقام المحاسبة، ويُوظَّف مقام الصبر أداة لإدامة الخلل بدل أن يكون سلّما لمقاومة الخلل؛ فيتحوّل الدّين من ميزانٍ يردّ الظلم ويقيم الحقوق إلى مسكّنٍ اجتماعيّ وأداة تخدير تطلب من الفقير أن يبتلع حريقه بصمتٍ "متعبد"، ويطلب من المظلوم أن يبتسم وهو يُسحق ثم يُهدى إليه حديث القلب كي ينشغل عن حديث السّوق والسّلطة والنّهب والقرار.

فكلّما ارتفعت الأسعار استحضرَ فريقٌ من الدّعاة والوعّاظ قصّة لأعرابيّ مسكين تتداولها وسائل التّواصل الاجتماعيّ بكثرة وهي: "قيل لأعرابيّ: لقد أصبح رغيف الخبز بدينار؛ فأجاب: واللهِ ما هَمَّني ذلك ولو أَصبَحَتْ حبّةُ القمحِ بدينارٍ فأنا أَعبُدُ اللهَ كما أَمَرَنِي وهوَ يرزُقُني كما وعَدَنِي".

والمشكلة هنا ليست في تذكير الناس بربّهم، فذكر الله تعالى حياةٌ للقلوب ولا في تثبيت اليقين، واليقين روحُ المؤمن حين تضيق به الأسباب ولا في الدعوة إلى التوكّل، فالتوكّل مقامٌ من مقامات العبادة القلبية العظيمة؛ المشكلة في "موضع" الحكاية وفي "وظيفتها" حين تُدفع إلى المنبر في لحظةٍ يريد الناس فيها ميزانا وعدلا ورفعا للضيم؛ فتأتي الحكاية كأنّها تقول للمسحوق: اكتم جرحك وامضِ إلى بيتك ثم عد إلى السوق صامتا راضيا بكل هذا الغلاء الفاحش واصنع من صمتك عبادة.

يُرادُ لهذا الأعرابيّ أن يكون هو نموذج المسلم الصّالح كلّما ارتفعت الأسعار وأحرق الغلاء أكباد الشّعب المسكين. 
وهذا القول الذي قاله الأعرابيّ وإن كان فيه ترسيخٌ لجانب الإيمان بالرّازق جلّ وعلا وترسيخ اليقين وتعزيز التّوكل على الله تعالى في قضيّة الرّزق؛ غير أنّ استحضاره في إطار التّعامل مع الغلاء الفاحش النّاتج عن السّياسات الكارثيّة وفشل المنظومات الحاكمة في إدارة المشهد الاقتصاديّ في ظلّ انقسام المجتمع إلى طبقتين؛ طبقةٍ متنفّذة تعيش التّرف وتتقلب في الأموال المنهوبة وطبقةٍ تمثّل الغالبيّة من الشّعب تعيش مسحوقة محطّمة همّها كيفيّة تحصيل قوت يومها، وفوق هذا عليها هي وحدها أن تتقبّل هذا الغلاء وتطفئ نيران التدهور الاقتصادي بيقينها البارد بأنّ الرّزق مقسوم ولو بلغ ثمن حبّة القمح دينارين فعليها ألّا تكترث ولا تعبأ بذلك؛ فهذا ما هو إلا ضرب من الإجرام الفكريّ الذي يلبس ثوب الدّعوة إلى الله تعالى.

هنا تتبدّى الخديعة في أصفى صورها، إذ يُستدعى مقامٌ إيمانيّ جليل ليُستعمل في غير موضعه ويُحمَّل الفقير وحده واجب إطفاء الحريق، بينما تُترك أسباب الحريق في مأمنٍ من السؤال، فيتحوّل الغلاء من ظاهرةٍ تُقرأ بأدوات الاقتصاد والسياسة والفساد والاحتكار إلى اختبارٍ روحانيّ يُطلب من الضحيّة وحدها أن تنجح فيه، وكأنّ العدالة جزءٌ ثانويّ في الدّين، وكأنّ حفظ القوت شأنٌ هامشيّ في الشريعة، وكأنّ كرامة الناس أمرٌ يُعوَّض عنه بكلمة وعظٍ ومشهد "أعرابي".

ومن أخطر ما يصنعه هذا الاستدعاء أنّه يعيد ترتيب الحسّ الجمعي فهو يضع طاقة الغضب الفطريّ في خانة السّخط الذي هو معصية لله تعالى، ويضع مطالبة الحق في خانة ضعف الإيمان وغياب التوكّل على الله تعالى، ويضع نقد السياسات في خانة الاعتراض على القدر؛ حتى يصبح المقهور خائفا من صوته متردّدا في شكواه مرتابا من فطرته التي تطلب الإنصاف.

هذا الأعرابيّ يمثّل إبرة تخدير يحقنها بعض الدّعاة والوعّاظ في عقول المسحوقين وأرواحهم، ليحسبوا أنّ علاج هذا الواقع المُزري المتردّي عندهم وحدهم وعليهم هم إيجاده واستعماله.

وهذه الإبرة التخديريّة تعمل على أكثر من مستوى، فهي تُسكت الغضب المشروع وتُبدّل لغة المطالبة بلغة الاستسلام، وتُحوّل الإحساس بالاختناق إلى صمتٍ يُسمّى أدبا ورضا بالقدر، ثم تُعيد تعريف الدين تعريفا مشوها فهو دينٌ يُهذّب الفرد عن الاعتراض ويترك المجتمع في قبضة الآكلين لأقوات الناس. ثم لا يكتفي هذا الخطاب بإسكات الجائع بل يُقنعه أنّه مسؤولٌ عن شفائه وحده؛ فإن صبر نجح وإن تكلّم فشل، وإن طالب بحقوقه خرج من مقام الإيمان وإن احتجّ على فساد السوق اتُّهم في قلبه.

ثم تنشأ نتيجة أخطر، إذ يتعوّد المجتمع أن يرى الظلم مناخا طبيعيا لا قضية تحتاج إلى المعالجة الجذريّة، وأن يرى الفساد قدَرا وليس جريمة اقتصاديّة وسياسيّة، وهنا تتداعى بنية الوعي لقلب الموازين فتضعف الحسبة وتخفت النّخوة ويبهت معنى الأمر بالمعروف في الشأن العام، ثم يصبح المنبر مكانا لتزيين الصّبر بدل إحياء العدل.

توظيفُ هذا الأعرابيّ في الخطاب الدّعوي صرفٌ لأنظار المفتوك بهم عن سبب مشكلتهم الحقيقيّ وعلاجها المنطقي، وإنّك لتعجب أن تزخرَ مواقع التّواصل الاجتماعيّ ومنابرُ بعض الدّعاة بهذا الأعرابيّ، بينما يغيبُ تماما ذلك القول المنسوب لعليّ بن أبي طالبٍ تارة ولأبي ذرّ رضي الله عنهما تارة أخرى وهو: "عجبتُ لمن لا يجد قوتَ يومه كيف لا يخرج على النّاس شاهرا سيفه"!

وليس المراد من هذا القول فتح باب الفوضى ولا إشعال الفتنة، بل المراد إيقاظ معنى خطير يتمثل في أن القوت في ميزان الشرع ليس تفصيلا عارضا وكرامة الإنسان ليست هامشا والجوع ليس موعظة تُلقى ثم تمضي، ولكنّه قضية عدلٍ تكمن في صميم الدين.

إنّ الضمير حين يرى منابر الدعاة تُكثر من "الأعرابي" وتُغيّبُ من لغة المسؤولية والمحاسبة يدرك أنّ جهة ما تريد إعادة هندسة الوعي؛ تريد إيمانا بلا أثرٍ اجتماعي وتريد توكّلا بلا سعيٍ لإقامة القسط وتريد صبرا يمتصّ الألم دون أن يردّ الظلم.

وهكذا يصير "الأعرابي" في هذا الاستعمال علامة على انقلابٍ في الوظيفة الدعوية، فبدل أن تكون الدعوة صوتا يحرس الضعفاء تتحول عند بعضهم إلى أداة تُطهّر الجلّاد من المساءلة ثم تُلزم الضحية بحسن الظنّ في سكّينها، وحين يقبل المجتمع هذا المعنى تتغير علاقته بالدين فيراه جدارا يكتم الأنفاس بدل أن يراه نورا يحرر من الاستعباد، ويراه خطابا يطلب التحمّل المهين بدل أن يراه ميزانا يطلب الإنصاف.

إنّ الدعوة حين تفقد شجاعتها في مواجهة ظلم القوت تفقد صدقها في قلوب الناس لأن الناس قد يتحملون الوعظ في العبادات الفردية ثم ينكسرون حين يرون الدين يتراجع عند أبواب الخبز والدواء والكرامة، وحين تلتبس المقامات بهذه الصورة يخرج جيلٌ يظن أنّ الإيمان يعني إلغاء الحسّ بالعدل، وأن التقوى تعني تعطيل فطرة المقاومة، وأن الرضا يعني إطفاء الأسئلة في القلب، ثم يصبح الدين عنده حكاياتُ "أعرابيّ" جميلة تؤنسه وليس ميزانا يقوم به عالمه.

x.com/muhammadkhm

الأربعاء، 15 أبريل 2026

في مواجهة وعّاظ الغلاء ودعاة ضيم الأسعار

في مواجهة وعّاظ الغلاء ودعاة ضيم الأسعار

"الذّنب الذي تسبّب في هذا الغلاء الفاحش هو تولية الفاسدين وتحكيم الطّغاة المستبدّين"


 في كتابه "الإسلام المفترى عليه" يقول الشّيخ محمّد الغزالي رحمه الله تعالى: 

"إنّ كلّ دعوة تحبّب الفقر إلى النّاس أو تُرَضِّيهم بالدّون أو تقنعهم بالهوان في الحياة أو تصبّرهم على قبول البخس والرّضا بالدنيّة؛ فهي دعوةٌ فاجرة يراد بها التّمكين للظّلم الاجتماعي وإرهاق الجماهير الكادحة في خدمة فردٍ أو أفراد وهي قبل ذلك كذب على الإسلام وافتراء على الله. وأيّ تجاهلٍ لأحوال الأمم المحرومة من العدالة الاجتماعيّة، أو تهوينٌ لآثار الضّيم النّازل بها، أو تسكينٌ للثّوائر المهتاجة فيها؛ فهو دليلٌ على أحد أمرين: خبالٌ في العقل، أو نفاقٌ في القلب؛ وكلا الأمرين له منزلته الحقيرة من دين الله تعالى، ومن دنيا النّاس فلا يُلتَفَت إليه".


إنّ هذه الكلمات البديعة تضع قاعدة حاكمة، وهي أنّ الزهد مقامٌ تربويّ جليل حين يقيم الإنسان على القناعة والإتقان والحرية من عبودية المتاع، ويُثمر في صاحبه شجاعة في طلب الحق وصلابة في مواجهة الفساد ونزاهة في الكسب وحسّا بالمسؤولية تجاه المظلومين، أمّا تحويل الزهد إلى وصفةٍ اجتماعية تُلقى على ظهور الجياع في لحظة تُؤكل فيها حقوقهم؛ فيحوّل الدعوة إلى وظيفة ترويض ويحوّل الإيمان إلى ستار للطغيان.

تحويل الزهد إلى وصفةٍ اجتماعية تُلقى على ظهور الجياع في لحظة تُؤكل فيها حقوقهم؛ فيحوّل الدعوة إلى وظيفة ترويض ويحوّل الإيمان إلى ستار للطغيان


وكذلك تجد بعض الدّعاة يستشهد بقصة مروية عن عمر رضي الله عنه وهي: "جاء الناس إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقالوا: غلا اللّحم فسعّره لنا؛ فقال: أرخصوه أنتم فقالوا: نحن نشتكي غلاء السّعر واللّحم عند الجزارين ونحن أصحاب الحاجة، فتقول: أرخصوه أنتم؟ فقال: اتركوه لهم".

وهذه القصّة مكذوبةٌ على أمير المؤمنين عمر، فلم يرد في أيّ كتابٍ من كتب التّاريخ أنّها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب، وقد ورد قريب منها في تاريخ دمشق لابن عساكر والبداية والنّهاية لابن كثير منسوبا إلى إبراهيم بن أدهم إذ قيل له: إن اللّحم قد غلا فقال: أرخصوه؛ أي لا تشتروه.

ومن يعرف سياسة عمر رضي الله عنه يعلم جيّدا أنّه حين ترتفع الأسعار الفاحشة فإنّه لا يمكن أن يترك الحبل على غاربه لجشع الجشعين دون من محاسبة من يكون سببا في كارثة اقتصاديّةٍ، وكذلك حين تكون الجائحة الاقتصاديّة كبيرة فإنّ أمير المؤمنين عمر يكون أوّل من يجوع وآخر من يشبع، ويعاني وهو في سدّة الحكم قبل أن يعاني أشدّ النّاس فقرا في رعيته. فلا تكذبوا على عمر رضي الله عنه كي تبرّروا هذا الخراب الذي يفتك بهذا الشّعب المسكين؛ فقد أخرج أحمد بن حنبل في الزهد وابن سعد في الطبقات الكبرى والبيهقي في السنن عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: "أصاب النّاس سنة غلا فيها السّمن وكان عمر يأكل الزّيت فيقرقر بطنه فيقول: قرقر ما شئت فوالله لا تأكل السّمن حتى يأكله الناس".

وهذا الأثر يقدّم مفتاحا في فقه الحكم قبل أن يقدّم لنا حكاية زهد، إذ يضع العدالة في مركز السياسة، ويجعل "المعاش" عنوان أمانةٍ لا تفصيلا إداريا عابرا؛ فالحاكم هنا يجعل نفسه أولَ من يلتزم بضبط الاستهلاك وآخرَ من يمدّ يده إلى الرفاه، فتتحوّل القدوة من شعارٍ يقال إلى ميزانٍ يضبط سلوك السلطة. وفي هذا المعنى تتأسّس شرعية الحكم في الوعي الإسلامي على قاعدة مشاركة السلطة رعيّتها آلامها، فعندها تملك حقّ مخاطبتها وتصبيرها.

تتأسّس شرعية الحكم في الوعي الإسلامي على قاعدة مشاركة السلطة رعيّتها آلامها، فعندها تملك حقّ مخاطبتها وتصبيرها


وبعض الدّعاة يستشهد بما يروى عن أحد السّلف حين شكا له الناس غلاء الأسعار فقال: أرخصوها بالاستغفار، وهذا الأثر لو صحّ فهو يعني مطالبة النّاس بالتوبة ومن شروط التّوبة الإقلاع عن الذّنب، والذّنب الذي تسبّب في هذا الغلاء الفاحش هو تولية الفاسدين وتحكيم الطّغاة المستبدّين، وهذا الاستغفار يقتضي ضمنا توجيه المسؤوليّة إلى المتسبّب في كلّ هذا، لا ترديد عبارة "أستغفر الله العظيم" باللّسان من دون فقه مضامينها التي تقتضي التوبة إلى الله تعالى من ذنب تحكيم المجرمين برقاب العباد ومصائرهم.

فكلّ داعيةٍ أو واعظٍ يرفع عقيرته في الحديث عن استفحال الأسعار وفحش الغلاء وآثار التضخم وتهاوي العملة، مقتصرا على مطالبة النّاس بالصّبر والاحتمال ومحببا الزهد إلى نفوسهم ومطالبا إياهم بالتقشف، مغفلا الحديث عن أسباب هذه الانتكاسات وصامتا عن تحميل الطّبقة السياسيّة الفاسدة التي تتقلّب في الترف مسؤولية احتراق النّاس بنيران الغلاء؛ فهو يكذب على الله تعالى ويفتري على دين الإسلام وهو جنديّ من جنود الباطل والاستبداد درى أو لم يدرِ؛ فلا تصدّقّوه ولا تقيموا لكلامه وزنا ولا قيمة.


x.com/muhammadkhm


الأربعاء، 11 مارس 2026

حديثٌ عن نُخَبُ الفُقَاعة


محمد خير موسى
"ورمٌ فكريٌّ وأخلاقيٌّ يُرادُ به الإيهامُ بالعظمة"

إنَّ المتأمل في مساراتِ التحوّلِ التاريخيِّ للمجتمعاتِ الناشئة يلحظُ ظاهرةً مَرَضيةً تبرزُ كلما تزلزلت الأركانُ القديمةُ وبزغ فجرُ يقظةٍ لم تكتمل ملامحُها بعد؛ ظاهرة "نخب الفُقاعة"، تلك الكائنات العدميّة التي تتقنُ فنَّ الطفو فوق بركِ الدماء وعرقِ الثّائرين وتضحيات الشّهداء مستغلةً حالةَ السيولةِ القيميةِ والاضطرابِ الفكري، وهؤلاء ليسوا مجردَ عابرين في قطارِ المرحلة ولكنّهم طفيلياتُ المرحلة الذين يمتصون رحيقَ الآمالِ ليحقنوا في جسدِ الأمة سمومَ الرداءةِ والزيف.

ماهية الفراغ

تبدأُ مأساةُ نخبِ الفقاعة من الخَوَاء الذاتي؛ فالمثقفُ الحقيقيُّ جذورُه ضاربةٌ في أعماقِ الأرض، يستمدُّ وقارَه من صمتِ الجذورِ وتواضعِ الثمار. أما الواحد من "نخب الفُقاعة" فليس أكثر من كائن بلا جذر، صُنِعَ من غشاءٍ رقيقٍ من الادعاء يملؤه هواءٌ ساخنٌ من الغرورِ والانتفاخ، وهذا الانتفاخ ما هو إلّا ورمٌ فكريٌّ وأخلاقيٌّ يُرادُ به الإيهامُ بالعظمة.

يغدو الهجومُ على الصادقين وتخوينُ المخلصين وإثباتُ فشلِ الآخرين هي الصنعة الوحيدة التي يجيدُها هؤلاء؛ ظانّين واهمين أنَّ غبارَ الهدمِ سيحجبُ رؤيةَ الناسِ لفراغِهم المطبق

تنطبع هذه الفئة عادة بسوء الأدبِ والخُلقِ، وهو درعٌ يحمون به هشاشتَهم؛ فلأنَّ الواحدَ منهم لا يملكُ بضاعةً فكريةً رصينة ولا رصيدا من الفاعليّة الصّادقة فإنّه يجدُ نفسَه مضطرا لانتهاجِ سياسةِ الهدم؛ إنّه لا يستطيعُ أن يرتفعَ إلى قمةِ الجبل فيحاولُ جاهدا خفضَ القمةِ لتتساوى مع القاعِ الذي يقفُ عليه، ومن هنا يغدو الهجومُ على الصادقين وتخوينُ المخلصين وإثباتُ فشلِ الآخرين هي الصنعة الوحيدة التي يجيدُها هؤلاء؛ ظانّين واهمين أنَّ غبارَ الهدمِ سيحجبُ رؤيةَ الناسِ لفراغِهم المطبق.

حتمية الانفجار وواجب الدّبوس

في عُرفِ الفيزياء تطفو الأجسامُ الخفيفةُ والهشةُ فوق السطح بينما يغوصُ الذهبُ والياقوتُ في الأعماق، وكذلك في عُرفِ الثوراتِ والنهضات تطفو "نخب الفُقاعة" لأنها الأخفُّ وزنا قيميا والأسرعُ تجاوبا مع رياحِ المصالح؛ إنها تطفو على وجهِ الحدثِ كما يطفو الزبدُ الذي يذهبُ جفاءً، لكنَّ خطورةَ هذا الزبدِ تكمنُ في قدرتِهِ على حجبِ رؤيةِ النهرِ الحقيقيِّ المتدفّق.

إنَّ هذه الفقاعاتِ تحملُ بذورَ فنائِها في جوهرِ تكوينِها؛ فـحتفُها في انتفاخِها وكلما ازدادت تورما واستعلاءً رقَّ غشاؤُها واقتربت لحظةُ انفجارِها؛ غيرَ أنَّ الركونَ إلى الانفجار الذاتي هو ضربٌ من التّواكلِ الفكري الذي ترفضُه الروحُ الوثّابة، وإنَّ الواجبَ الشرعيَّ والفكريّ والقيمي يقتضي وجودَ دبابيس الصادقين؛ أولئك الذين يحملون وعيَ النقد وصدقَ المواجهة ليفجروا هذا الانتفاخَ الكاذب؛ صيانةً للحقائق من أن تُبتذل وحمايةً للثورةِ من أن تُختزل في وجوهٍ جوفاء، وإنَّ دبوس الصادق هو في الحقيقةِ أداةُ جراحةٍ ضروريةٍ لاستئصالِ الغرغرينا الفكريّة من جسدِ الوعيِ الجمعي.

صناعةِ الرداءةِ الشاملة
بين "نخبِ الفقاعة" وبين أبناءِ القضايا المخلصين هو صراعٌ بين الزيفِ والحقيقة وبين العَرَضِ والجوهر، ومهما انتفخت الفقاعة ومهما زاد ضجيجُ الأبواق فإنَّ جدارا واحدا من الصدقِ كفيلٌ بهدمِ تلك القصورِ الورقية

تتجلى قمةُ المأساةِ حين تتحول هذه النخبُ إلى أبواقٍ مستأجرة، وإنَّ الكرامةَ الفكريةَ هي أعزُّ ما يملكُه الإنسان لكنَّ "نخب الفقاعة" تقايضُ كرامتَها بفتاتِ الموائدِ الماديةِ والمعنوية، إنّ هؤلاءِ غدوا ببغاواتٍ بزيٍّ ثقافي يرددون ما يتمُّ تلقينُهم إيّاه في الغرفِ الخلفيّة، وهذا الارتهانُ هو أحد تفسيرات تفشي الرداءة في فضاءاتِنا الرقميةِ وإعلامِنا المرئي؛ فقد استُبدِلَ بالمفكر الرصين "المؤثر" التّافه، واستُعيضَ عن الأطروحةِ العميقةِ بـ"المنشور" الصاخبِ الذي يخاطبُ الغرائزَ؛ إنَّ الرداءةَ هنا ليست مجردَ ضعفٍ في الأداء ولكنّها منهجٌ مقصودٌ لتمييعِ القضايا الكبرى وتسطيحِ الوعيِ العام، بحيثُ يصبحُ من السهلِ سوقُ الجماهيرِ نحو غاياتٍ لا تخدمُ سوى سدنةِ الفقاعة ومن يقفُ خلفَهم.

تهاوي الأصنامِ الورقية

في نهايةِ المطاف لا يصحُّ إلا الصحيح، والتاريخُ -ذلك الغربالُ القاسي- لا يحتفظُ بالفقاعاتِ مهما علا شأنُها ولكنّه يلقي بها في غياهب النسيان، وإنَّ الصراعَ بين "نخبِ الفقاعة" وبين أبناءِ القضايا المخلصين هو صراعٌ بين الزيفِ والحقيقة وبين العَرَضِ والجوهر، ومهما انتفخت الفقاعة ومهما زاد ضجيجُ الأبواق فإنَّ جدارا واحدا من الصدقِ كفيلٌ بهدمِ تلك القصورِ الورقية.

إنَّ الأملَ معقودٌ على تلك البقيةِ الباقيةِ من أولي النُّهى الذين يرفضون السقوطَ في فخِّ الرداءة، ويصرون على أنَّ الكلمةَ أمانة وأنَّ طريقَ الخلاصِ يبدأُ بتسميةِ الأشياءِ بمسمياتِها الحقيقية؛ فالفقاعةُ يجب أن تسمى فقاعة مهما انتفخت والفكر الصّادق يبقى وحده المنارة.

x.com/muhammadkhm