‏إظهار الرسائل ذات التسميات أحمد مصطفى الغر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أحمد مصطفى الغر. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 31 أغسطس 2026

سبتة.. ما بين انتقام تل أبيب وعنصرية مدريد

 سبتة.. ما بين انتقام تل أبيب وعنصرية مدريد

لم تكن سبتة في أواخر يوليو مجرد بوابة تدفق منها آلاف الفارين، بل شقًّا انفتح فجأة في جدار المتوسط، كاشفًا ما تخفيه الحدود من استعمارٍ قديم، وصراعاتٍ جديدة، وحساباتٍ إسرائيلية وأوروبية، وشبابٍ يطاردون خلف الأسوار حلمًا بالنجاة وسط عالمٍ مضطرب.

          

تتجاوز التدفقات البشرية التي شهدتها شواطئ مدينة

 سبتة المحتلة في أواخر يوليو الماضي حدود المأساة

 الإنسانية العابرة، لتغدو مرآةً كاشفة لشبكة معقدة من

 الصراعات الجيوسياسية في حوض البحر المتوسط.

 فهذه الهزة الحدودية العنيفة لا يمكن فهمها بمعزل عن

 جذورها الاستعمارية المتواصلة، ولا بعيداً عن هندسة

 الابتزاز التي تقودها الدوائر الصهيونية لمعاقبة

 إسبانيا على مواقفها في مناصرة الحق الفلسطيني،

 وفي الوقت الذي يندفع فيه آلاف الشباب فراراً من

 واقع التهميش والانسداد الاقتصادي في الضفة

 الجنوبية بالمغرب، يكشف التعاطي الغربي مع الأزمة

 عن زيف الشعارات البراقة؛ إذ سارعت العواصم

 الأوروبية إلى استدعاء الخيار الأمني ووصم الوضع بالغزو المنظم، في تأكيد جديد على أن ادعاءات حقوق

 الإنسان تتهاوى فور اقتراب المستضعفين من تخوم

 القلعة الأوروبية وثغورها الاستعمارية.


الإرث الاستعماري

تُشكّل مدينتا سبتة ومليلية المحتلتان إحدى ملامح

 الاحتلال الجغرافي في عالمنا المعاصر، باعتبارهما

 آخر ثغور الاحتلال الإسباني المباشر في القارة

 الأفريقية، ونقطة التماس البرية الوحيدة مع القارة

 الأوروبية. حيث تخضع مليلية للسيطرة الإسبانية منذ

 عام 1497، فيما خضعت سبتة للسيادة ذاتها منذ عام

 1640، وتكرس ذلك بموجب معاهدة لشبونة عام

 1688. ومنذ أن استعاد المغرب استقلاله عام 1956،

 لم تتوقف المطالبات المشروعة باسترجاع الجيبين

 باعتبارهما جزءاً لا يتجزأ من التراب الوطني، مما

 جعل المنطقة جرحاً نازفاً وبؤرة توتر دائم تطفو على

 السطح مع كل أزمة دبلوماسية، لتكشف عن الإصرار

 الغربي المتواصل على احتفاظه بالقواعد والشرائح

 الاستعمارية قبالة الشواطئ العربية.

ورغم منح المدينتين الحكم الذاتي داخل الهيكل

 الإداري الإسباني عام 1995، إلا أن هذا الواقع

 الهجين أنتج مأزقاً قانونياً وديموغرافياً معقداً؛

 فالمدينتان تظلان استثناءً خارج الاندماج الكامل في

 فضاء "شنغن"، مما حولهما إلى ثغور مراقبة مشددة.

 إلى جانب التوتر الديموغرافي الداخلي في سبتة،

 حيث يتوزع النسيج السكاني بين الإسبان والمواطنين

 من أصول مغربية ومسلمين، حيث يعمل اليمين

 القومي المتطرف في إسبانيا، المتمثل في حزب

 "فوكس"، على تغذية خطاب العنصرية ضد الوجود

 الإسلامي طوال الوقت.

 

تشير المعطيات المتقاطعة إلى دورٍ تخريبي لعبته الدوائر الصهيونية بالتحالف مع قادة اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة لمعاقبة مدريد على مواقفها الشجاعة المناهضة للعدوان الصهيوني على غزة


انكشاف القلعة الأوروبية

مع صدور قرار المحكمة العليا الإسبانية في 8 يوليو الماضي الذي حدّ من عمليات الترحيل الفوري للمهاجرين الواصلين بحراً، وجدت مدريد نفسها أمام انكشاف لوجستي وسياسي تعمّق بتكدس آلاف العالقين. وأمام هذه التدفقات ـ حيث وصلت الأعداد إلى 70 ألفاً من العابرين ـ حدث ارتباك قانوني وسياسي سرعان ما أسقط القناع التبشيري الذي لطالما تدثرت به العواصم الغربية؛ إذ تلاشت ادعاءات التضامن واللجوء الإنساني بمجرد وصول التدفقات البشرية عبر شواطئ "تاراخال" و"بليونش" هرباً من واقع معيشي ضاغط، ليحل محلها المنطق الأمني والردع العسكري.

وفي مشهد يجسد الذعر القومي والتواطؤ الحزبي، تلاقت التيارات السياسية الإسبانية والأوروبية على اختلاف أطيافها خلف المقاربة الأمنية الصرفة؛ حيث زايد اليمين الفاشي على المأساة، بينما سارعت حكومة بيدرو سانشيز الاشتراكية إلى نشر المدرعات واقتياد الفارّين تحت فوهات البنادق. ولم تتوقف ارتدادات هذه العنصرية عند حدود مدريد، بل امتدت إلى عمق الاتحاد الأوروبي في مشهد ينم عن رعب جماعي وعنصرية متأصلة، وهو ما جسدته خطوة حكومة روما بقيادة جورجيا ميلوني بتعليق العمل باتفاقية "شنغن"؛ لتتهاوى أسطورة التضامن الأوروبي سريعاً، وفرض رقابة مؤقتة على الحدود الجوية والبحرية لمنع تسرب المهاجرين إلى أراضيها، مهددة بإقصاء مدريد من فضاء حرية التنقل، وهو الموقف الذي ساندته فنلندا ودول أوروبية أخرى تطالب بتسريع وتيرة الترحيل وتوسيع تفويض وكالات مراقبة الحدود، وهو ما يبرهن في سياق آخر على أن فكرة التضامن الأوروبي هي كذبة كبرى تنهار بمجرد اقتراب المخاطر من حدودها.

انتقام تل أبيب

لا يمكن فهم التوقيت المريب لأزمة سبتة والتدفق البشري الكثيف بعيداً عن التحولات الجيوسياسية المشتعلة في الشرق الأوسط؛ إذ تشير المعطيات المتقاطعة إلى دورٍ تخريبي لعبته الدوائر الصهيونية بالتحالف مع قادة اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة لمعاقبة مدريد على مواقفها الشجاعة المناهضة للعدوان الصهيوني على غزة. فمنذ اعتراف حكومة سانشيز بالدولة الفلسطينية، وفرضها حظراً شاملاً على تصدير السلاح للكيان الصهيوني، وصولاً إلى منع السفن المحملة بالسلاح نحو إسرائيل من الرسو في الموانئ الإسبانية فضلاً عن حرمان القوات الأمريكية من استخدام القواعد العسكرية التاريخية مثل "روتا" لشن هجمات استهدفت إيران وحلفاءها، تحولت إسبانيا في نظر تل أبيب وواشنطن إلى استثناءٍ مغرد خارج السرب الغربي، مما استدعى تحريك أدوات الحرب الهجينة لزعزعة استقرارها الداخلي وإحراج قيادتها التزاماً بأسلوب العقاب الجماعي والدبلوماسي.

لم تكن هذه المؤامرة وليدة الصدفة، بل جاءت تتويجاً لتجييشٍ إعلامي وسياسي موثق ونتيجة لتحريض ممنهج وهندسة واضحة سبقت تفجر الأزمة بأسابيع؛ ففي مارس الماضي، دعا "معهد المشاريع الأمريكي" اليميني الرباط علناً لترتيب مسيرة خضراء جديدة نحو سبتة ومليلية لرفع الأعلام وطرد المستوطنين الإسبان، ليتلاقى ذلك مع تقرير صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية الذي اقترح استغلال النفوذ الصهيوني في الولايات المتحدة لدعم الطموحات المغربية عقاباً لمدريد. وتُرجم هذا التحريض تشريعياً بتمرير مجلس النواب الأمريكي بنداً لتمويل المغرب عسكرياً مع الإشارة إلى سيادته على المدينتين، في تقاطعٍ مشبوه تلاقى مع احتفاء الرباط بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتسمية أحد أطول طرقها في الصحراء الغربية باسمه، مقابل ثنائه العلني الذي سبق انفجار الأزمة الحدودية بأيام معدودة.

وفي أوج الأزمة، جاء السلوك الصهيوني ليكشف عن المؤامرة الخبيثة؛ إذ بادر مندوب الكيان الإسرائيلي في الأمم المتحدة، داني دانون، إلى الشماتة بمدريد والدعوة للتركيز على جيوبها الاستعمارية في أفريقيا بدلاً من تقديم دروسٍ في حقوق الإنسان، هذا التماهي الكامل بين التحريض الصهيوني والمصالح الأمنية المغربية يثبت أن أزمة الهجرة لم تكن مجرد حدث إنساني عفوي، بل تم توظيفها واستغلالها سياسياً واستخباراتياً من تل أبيب لمعاقبة سانشيز وإحراجه داخلياً وخارجياً، وقد لخص وزير النقل الإسباني، أوسكار بوينتي، هذه الشكوك العميقة بإعلانه الرافض لأن تتحول إسبانيا إلى "مكتب فرعي لترامب أو نتنياهو"، كاشفاً النقاب عن اقتناع متزايد داخل النخبة الإسبانية الحاكمة بأن بلادهم تدفع ثمن مواقفها الشجاعة تجاه غزة في مواجهة الابتزاز الصهيوني.

عمق الأزمة في البلدين

بعيداً عن التحليلات المجرّدة، تقتضي القراءة المنهجية الرصينة النفاذ إلى عمق الأزمة كما تتجلى داخل البلدين الجارتين؛ ففي إسبانيا كشفت أحداث سبتة عن هشاشة المنظومة الحكومية وازدواجيتها الأخلاقية التي سارعت إلى استدعاء المعجم الأمني والعنصري. ويتلخص هذا المأزق الإسباني الداخلي في بُعدين رئيسين:

* العنصرية المؤسسية والتضييق الميداني: قوبل التدفق البشري بتصاعد لافت في خطاب الكراهية، وتضييقٍ مباشر على الفارين بمنعهم من الحصول على أدنى مقومات الحياة كالمياه والغذاء، في ممارسة تعكس الذعر الديموغرافي وتغليب النزعة الاستعلائية على حساب الحقوق الإنسانية الأساسية.

* التلاقح الحزبي والمزايدة السياسية: انصهرت الفوارق الأيديولوجية بين أطياف المشهد الإسباني؛ إذ تلاقت تحريضات اليمين الفاشي مع مواقف أطراف داخل الائتلاف الحكومي في المطالبة بمعاقبة المغرب واستبعاده من تنظيم نهائيات كأس العالم 2030، مما يؤكد أن العداء للوجود المغربي والإسلامي يظل القاسم المشترك عند استثارة الهواجس الأمنية.

في الضفة الجنوبية، تُشكل هذه الفاجعة مرآةً كاشفةً لعمق الانسداد الاقتصادي والسياسي داخل المغرب؛ إذ إن اندفاع عشرات الآلاف ونبذهم للحدود لا يمكن فصله عن أزمة العدالة الاجتماعية وتآكل الثقة في السياسات المحلية. وتتجسد أبعاد هذا المأزق المغربي في نقطتين:

* الاحتقان السياسي ورفض التطبيع: اقترنت الضائقة الاقتصادية بالتضييق الأمني على الحركات الشبابية، بالتوازي مع السخط الشعبي المتصاعد ضد مسار التطبيع مع الكيان الصهيوني وقمع التظاهرات التضامنية مع غزة، لتتحول المحاولة الجماعية للعبور إلى انفجارٍ سياسي يعبر عن الرفض المطلق لواقع التهميش والارتهان والارتماء الكامل في حضن الاحتلال الصهيوني.

تبعات ومآلات المشهد

تتجه التداعيات المترتبة على أزمة سبتة الأخيرة نحو إعادة تشكيل الخريطة السياسية والدبلوماسية في كلا الضفتين، حيث لم تعد الأزمة مجرد حادث حدودي عابر، بل صدمة هيكلية تمتد آثارها إلى عمق المؤسسات والتوازنات الإقليمية. ويمكن تفكيك مآلات هذه الأزمة عبر جزئين رئيسين:

أولاً: المشهد الإسباني

* المأزق السياسي للحكومة الاشتراكية: يجد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز نفسه في حقل ألغام سياسي محاطاً بانقسامات داخل ائتلافه الحكومي؛ إذ تضطره الأزمة للموازنة المعقدة بين استعادة نبرة الردع لحماية الثغور الاستعمارية في سبتة ومليلية لإرضاء الشارع الإسباني المتخوف، وبين الالتزام بتقديم تنازلات للرباط لضمان التعاون الحدودي ومع مواصلة تقديم التنازلات الدبلوماسية للمغرب، قد يهدد ذلك ائتلافه الهش ويعزز من فرص صعود اليمين إلى سدة الحكم.

* صعود اليمين الشعبوي: تتيح الأزمة فرصة ذهبية لليمين المتطرف (حزب فوكس كمثال) لاستغلال الهواجس الديموغرافية وتأجيج الخطاب العنصري ضد المسلمين والمغاربة. ويتقاطع هذا الصعود المحلي مع تحريض صهيوني ومساندة من دوائر اليمين في الولايات المتحدة، التي تسعى لمعاقبة مدريد جراء موقفها الشجاع والمبدئي في مناهضة حرب الإبادة في غزة وحظر تصدير السلاح للكيان الصهيوني.

* تآكل التضامن الأوروبي وإرباك الناتو: كشفت الأزمة عن هشاشة التضامن داخل الاتحاد الأوروبي، كما سلطت الأزمة الضوء على الموقف المعقد لحلف الناتو الذي يستثني سبتة ومليلية من مظلته الدفاعية المباشرة، مما يترك مدريد مكشوفة في مواجهة الضغوط الجيوسياسية.

ثانياً: الشأن المغربي

* الاستحقاقات الانتخابية: عشية انتخابات سبتمبر 2026 التشريعية، تخيم ظلال الأزمة على المشهد المغربي لتضع الشارع أمام مسارين: إما اتساع رقعة العزوف السياسي ومقاطعة صناديق الاقتراع نتيجة فقدان الثقة في الأحزاب الحاكمة، أو اندفاع تيار عارم من التصويت العقابي ضد الأحزاب الحاكمة جراء الفشل التنموي واتساع معدلات الفقر والبطالة.

* استراتيجية الحارس وأوراق الضغط: تبعث الرباط برسالة واضحة مفادها أن لعب دور الحارس المجاني لحماية حدود أوروبا الاستعمارية لم يعد خياراً مقبولاً في ظل غياب التضامن الغربي وإصرار أوروبا على فرض شروط اقتصادية مجحفة. وسيتواصل استخدام ورقة الرقابة الحدودية بشكل تكتيكي لانتزاع مكاسب جيوسياسية وإجبار العواصم الغربية على الاعتراف الصريح بالسيادة الترابية للمملكة.

* مأزق التطبيع والانفجار الشعبي: أظهرت الأحداث حجم الفجوة بين التوجهات الرسمية والشارع؛ إذ جاء الهروب الجماعي للشباب واليافعين كرد فعل على التهميش والانسداد الاجتماعي، بالتوازي مع حالة الغضب الشعبي العارم ضد اتفاقيات التطبيع مع الكيان الصهيوني وقمع التظاهرات الداعمة لغزة.

في الختام؛ فإن أزمة سبتة تفتح الباب عريضاً أمام المستقبل، فارضةً أسئلة استشرافية عديدة: هل تصمد القلعة الأوروبية وسياجاتها العسكرية أمام انفجارات الجنوب المتلاحقة؟، وإلى متى تُرهن قضايا العبور لأجندات الابتزاز الصهيوني والضغوط الأمريكية؟، وهل تملك دول المنطقة الإرادة لكسر المعادلة الاستعمارية والتأسيس لنموذج تنموي وسياسي عادل يُنهي ارتهان شبابها للعيش بالخارج، أم أننا نقف بالفعل على أعتاب مرحلة أشد خطورة تتجاوز أسوار سبتة لتُعيد رسم توازنات المتوسط برمتها؟

الأربعاء، 20 مايو 2026

مشروع إلغاء اتفاقية أوسلو وقرب نهاية السلطة الفلسطينية

 مشروع إلغاء اتفاقية أوسلو وقرب نهاية السلطة الفلسطينية

 . أحمد مصطفى الغر

  بينما ينشغل العالم بحروب المنطقة،     يمضي الكيان الصهيوني في قضم ما تبقى من القضية الفلسطينية سياسيا بدفن اتفاقية أوسلو نهائياً، وبينما يسعى لوضع نهاية للسلطة الفلسطينية فإنه يعطي الضوء الأخضر لطور جدد من المقاومة هي أشد مما واجهه من قبل.


يواجه المشروع الوطني الفلسطيني اليوم واحدة من أخطر لحظاته الوجودية منذ نكبة عام 1948، حيث تتكالب قوى اليمين الصهيوني المتطرف للإجهاز على ما تبقى من رماد اتفاقيات أوسلو، في محاولة محمومة لفرض واقع دولة الاحتلال الواحدة وتصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي.

ومع أن رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو قد آثر تأجيل مناقشة مشروع قانون إلغاء هذه الاتفاقيات داخل اللجنة الوزارية لشؤون التشريع بدعوى مزيد من الدراسة، إلا أن هذا الإرجاء ليس سوى مناورة تكتيكية لتجنب فتح جبهات دبلوماسية وأمنية جديدة في ظل انشغال حكومته بحروبها على جبهات أخرى كجنوب لبنان والتوتر مع إيران.

إن هذا التأجيل لا يلغي الخطر بل يضعه في غرفة انتظار استراتيجية، بينما تواصل الجرافات والتشريعات الأخرى قضم الأرض وتفكيك مؤسسات السلطة، مما يجعل "موت أوسلو" حقيقة ميدانية لا تنتظر سوى التوقيع القانوني الأخير لتكريس عودة الحكم العسكري المباشر.

تشريعات الاستئصال

لم يعد الحديث عن إلغاء اتفاق أوسلو مجرد صرخات غوغائية يطلقها المستوطنون في شوارع القدس، بل استحال إلى مشروع قانون رسمي يتقدم به حزب "القوة اليهودية" المتطرف بقيادة إيتمار بن غفير وليمور سون هار ميليخ. وينص هذا المشروع بوضوح لا لبس فيه على إلغاء جميع الاتفاقيات الموقعة مع منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، بما في ذلك اتفاق الخليل ومذكرة "واي ريفر"، واعتبارها غير ملزمة لدولة الاحتلال بأي شكل من الأشكال. إن الغاية الجوهرية من هذا القانون هي إعادة الوضع القانوني والأمن في الضفة الغربية إلى ما كان عليه قبل عام 1993، أي تحويلها إلى أراضٍ تخضع للحكم العسكري المباشر دون أي وسيط سياسي فلسطيني، وهو ما يعني عملياً تدمير الغطاء القانوني الذي قامت عليه السلطة الفلسطينية.

ويبرر مروجو القانون خطوتهم بأن هذه الاتفاقيات كانت خطأ تاريخياً ورسالة ضعف لم تجلب إلا الإرهاب ـ على حد وصفهم، مدعين أنها وفرت البنية التحتية التي قادت إلى أحداث السابع من أكتوبر. غير أن الحقيقة التي يدركها الجميع هي أن اليمين الصهيوني يسعى لاستخدام هذا التشريع كأداة لسحق الدولة الفلسطينية ديموغرافياً وجغرافياً، ومنع أي فرصة مستقبلية لإقامتها. فإلغاء الاتفاقية يزيل القيود القانونية (ولو كانت شكلية) التي وضعتها أوسلو بشأن التوسع الاستيطاني في المناطق المصنفة "أ" و"ب"، ويفتح الباب أمام ضمٍ رسمي وشرعنةٍ شاملة لكل البؤر الاستيطانية المنتشرة في جسد الضفة.

 

إن رسالة حكومة الاحتلال الإسرائيلية من وراء هذا التأجيل هي أن "أوسلو" قد انتهت وظيفياً، وأن المسألة هي مجرد توقيت دفنها قانونياً بما يضمن أقل قدر من الأضرار للكيان

إن هذا التوجه التشريعي يعكس إجماعاً متزايداً داخل الائتلاف الحاكم على ضرورة التحلل من الالتزامات الدولية والتعاقدية السابقة، فالأمر لم يعد يتعلق بتعديل بنود أو تحسين ظروف التفاوض، بل بالانتقال إلى مرحلة الحسم التي ترفض الاعتراف بوجود شريك فلسطيني أو كينونة وطنية مستقلة. وبذلك، يتحول القانون المقترح إلى إعلان حرب سياسية تهدف إلى تجريد الفلسطينيين من صفتهم السياسية وتحويلهم إلى مجرد سكان تحت إدارة أمنية محضة.

مناورات نتنياهو

جاء قرار نتنياهو بتأجيل المصادقة على مشروع القانون ليعكس حالة من البراغماتية المتوحشة التي يجيدها، حيث فضل عدم الصدام المبكر مع المجتمع الدولي في توقيت عسكري حساس. فالتقارير الإعلامية تشير إلى أن التأجيل نبع من تقديرات أمنية ودبلوماسية تخشى انفجار الضفة الغربية بشكل لا يمكن السيطرة عليه، وتجنباً لفتح جبهة إضافية بينما تتركز الجهود العسكرية في جبهات أخرى. ومع ذلك، فإن هذا التأجيل لا يمثل رفضاً لمضمون المشروع، بل هو إدارة للوقت بانتظار الظروف المواتية للانقضاض النهائي.

وقد أكد وزير القضاء الإسرائيلي ياريف ليفين هذا التوجه حين صرح علانية بأنه يؤيد التقدم بالقانون بشكل مدروس ومسؤول، معتبراً أن العودة إلى المستوطنات التي أُخليت سابقاً هي الهدف القادم. إن رسالة حكومة الاحتلال الإسرائيلية من وراء هذا التأجيل هي أن "أوسلو" قد انتهت وظيفياً، وأن المسألة هي مجرد توقيت دفنها قانونياً بما يضمن أقل قدر من الأضرار للكيان. وهذا التكتيك يسمح للاحتلال بمواصلة القضم المتدرج للأرض دون تحمل التكاليف القانونية والسياسية الفورية لإلغاء الاتفاقات الدولية.

وبينما يتصارع أقطاب اليمين مثل بن غفير، الذي يطالب بالدفع بالقانون فوراً باعتبارها فرصة نادرة، وبين نتنياهو الذي يفضل التأجيل المدروس، يظل الفلسطيني هو الضحية الوحيدة لهذه اللعبة السياسية. فالاحتلال يستخدم فزاعة الإلغاء القانوني كأداة ابتزاز سياسي دائمة، بينما يطبق على الأرض كل بنود الإلغاء عبر الاستيطان والاقتحامات وخنق السلطة مالياً. إن التأجيل ليس طوق نجاة للسلطة، بل هو حبل مشنقة يزداد ضيقاً بانتظار اللحظة التي يرى فيها الاحتلال أن كلفة البقاء على الوضع الحالي أصبحت أكبر من كلفة الانهيار الشامل.

سراب التسوية

عند النظر بعمق في مآلات ثلاثة عقود من "أوسلو"، يتضح أن الاتفاقية كانت منذ لحظة ولادتها في حديقة البيت الأبيض عام 1993 فخاً استراتيجياً أعده الاحتلال ببراعة. فبينما كان الفلسطينيون يأملون في أن يقود المسار الانتقالي إلى استقلال ناجز، كانت إسرائيل تستخدم الاتفاقية كغطاء لتعميق سيطرتها الأمنية والاقتصادية. والواقع أن الاتفاقية بدأت تموت فعلياً مع اغتيال إسحاق رابين عام 1995، ثم استكمل شارون ومن بعده نتنياهو مهمة تمزيق بنودها عبر سياسة القضم المتدرج للأرض وعزل التجمعات الفلسطينية.

وباتت اتفاقية أوسلو اليوم جثة سياسية تعيش حالة موت سريري، وما يفعله اليمين المتطرف الآن هو مجرد محاولة لدفن هذه الجثة رسمياً. فمنذ عام 1999، أصبح واضحاً أن إسرائيل لم تلتزم بأي من قضايا الوضع النهائي كالقدس واللاجئين والحدود. بل على العكس، تضاعف عدد المستوطنين في الضفة الغربية نحو سبع مرات منذ توقيع الاتفاق، ليرتفع من 111 ألفاً إلى قرابة 750 ألف مستوطن حالياً، مما حول فكرة الدولة المتصلة جغرافياً إلى مستحيل واقعي.

 وقد أفرغ الاحتلال الاتفاق من جوهره عبر تقسيم الضفة إلى مناطق (أ، ب، ج)، وهي تقسيمات فقدت معناها العملي مع الاجتياحات اليومية المتكررة للمدن الفلسطينية وسيطرة جيش الاحتلال المطلقة على الحدود والمعابر. وفي هذا السياق، تبرز المأساة في أن السلطة الفلسطينية تحولت بفعل هذه الاتفاقيات إلى إدارة مدنية محدودة الصلاحيات تقع تحت هيمنة الاحتلال الكاملة. إسرائيل تستفيد من بقاء هذا الهيكل المشوه لأنه يزيح عنها عبء تأمين حياة الفلسطينيين كدولة احتلال، بينما تحتفظ هي بالسيطرة العسكرية والسيادية المطلقة.

حرب المقاصة

تتجلى سياسة الخنق الصهيونية من خلال استخدام الاقتصاد كسلاح فتاك لتفكيك السلطة الفلسطينية من الداخل، وهي سياسة يقودها الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش. وتعتمد هذه السياسة على سرقة إيرادات المقاصة (أموال الضرائب الفلسطينية) ومنع العمال من العمل داخل الأراضي المحتلة. إن الهدف المعلن هو إيصال السلطة إلى حالة الانهيار المالي الشامل، مما يؤدي إلى فوضى عارمة وشلل في مؤسسات التعليم والصحة والخدمة المدنية.

 

إن الهدف النهائي هو إعادة تشكيل المنطقة من جديد عبر ممارسة عنف منفلت يجبر السكان على النزوح، وتجريف كل مظاهر السيادة الوطنية الفلسطينية. وبذلك، يتحول الميدان إلى حقل تجارب لسياسة الحسم

ويمكن رصد محاور هذه الحرب المالية في النقاط التالية:

* احتجاز مبالغ خيالية من أموال المقاصة الفلسطينية بحجج واهية تتعلق برواتب الأسرى والشهداء.

* تحويل جزء من الأموال الفلسطينية المسروقة لتمويل مشاريع بديلة أو ما يسمى بـ "مجلس السلام" لخدمة أجندات الاحتلال.

* تراكم الديون والفوائد الوهمية لصالح شركات الكهرباء والمياه الإسرائيلية لاستنزاف ميزانية السلطة.

* دفع السكان نحو اليأس والهجرة القسرية عبر تجفيف منابع العيش الكريم وضرب الاقتصاد المحلي.

هذا التدهور الاقتصادي المخطط له يهدف إلى دفع السكان للتمرد على قيادتهم أو الهجرة، وتحويل المسؤولين الفلسطينيين إلى مجرد باحثين عن سبل البقاء بدل الانشغال بالحقوق الوطنية. وهي خطة تنسجم تماماً مع خطة الحسم التي طرحها سموتريتش، والتي ترى في السلطة الفلسطينية عبئاً يجب التخلص منه لصالح حكم عسكري صريح أو إدارة محلية تفتقر لأي طابع سياسي.

هندسة الجغرافيا

على الأرض، تترجم دولة الاحتلال الإسرائيلي نواياها بإلغاء أوسلو من خلال تغييرات جغرافية وهيكلية عميقة، خاصة في شمال الضفة الغربية ومحافظة جنين. فقرار مصادرة آلاف الأمتار المربعة في حي الجابريات بمدينة جنين لإنشاء قاعدة عسكرية داخل المنطقة المصنفة "أ" هو خرق فاضح لآخر ما تبقى من سيادة فلسطينية اسمية. وكذلك إنشاء أبراج مراقبة تطل مباشرة على مخيم جنين يعكس عودة جيش الاحتلال للتمركز في قلب المدن الفلسطينية، وهو وضع يهدف لإعادة هندسة المنطقة ديموغرافيا.

ولا تتوقف الهندسة الجغرافية عند القواعد العسكرية، بل تمتد لتشمل إعادة بناء المستوطنات التي أُخليت عام 2005 مثل "صانور" و"غانيم" و"كديم". وتعد المصادقة على بناء وحدات سكنية جديدة في هذه المواقع بمثابة تصحيح لجريمة الإخلاء في نظر قادة المستوطنين، وخطوة عملية نحو إلغاء تقسيمات المناطق (أ، ب، ج) ودمجها تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة. إن هذا الواقع الجديد يهدف إلى عزل المدن الفلسطينية وتحويلها إلى جزر معزولة وسط بحر من الاستيطان والسيطرة العسكرية المباشرة.

وتترافق هذه التحركات مع تدمير ممنهج للبنية التحتية في مخيمات الشمال ضمن عملية السور الحديدي، مما أدى إلى نزوح الآلاف وإغلاق مئات المنشآت التجارية. إن الهدف النهائي هو إعادة تشكيل المنطقة من جديد عبر ممارسة عنف منفلت يجبر السكان على النزوح، وتجريف كل مظاهر السيادة الوطنية الفلسطينية. وبذلك، يتحول الميدان إلى حقل تجارب لسياسة الحسم التي ترفض أي وجود لمؤسسات فلسطينية ذات سيادة، وتعيد تعريف الأرض كساحة حرب مفتوحة تتجاوز كل الاتفاقيات السابقة.

اختبار الوجود

في حال إقرار قانون إلغاء أوسلو، ستدخل القضية الفلسطينية في نفق مظلم من الفراغ القانوني والسياسي، حيث ستتحول السلطة الفلسطينية في نظر الاحتلال من شريك تعاقدي إلى كيان غير شرعي. وسيعني ذلك سقوط شرعية الأجهزة الأمنية الفلسطينية، واعتبار أي سلاح في يدها غير قانوني، مما يفتح الباب أمام جيش الاحتلال للعمل في قلب المناطق (أ) دون أدنى تنسيق. إن هذا السيناريو سيضع ملايين الفلسطينيين أمام مواجهة مباشرة مع آلة القمع الصهيونية دون أي غطاء مؤسسي.

وعلى الرغم من اعتراف العديد من دول العالم بالدولة الفلسطينية، إلا أن هذا الاعتراف يبقى رمزياً ويفتقر لآليات التنفيذ التي تحميه من الوقائع المفروضة على الأرض. إن الفجوة تتسع باستمرار بين النصوص التي تصاغ في قاعات الأمم المتحدة وبين الجرافات التي تنهش الأرض الفلسطينية. كما أن إلغاء أوسلو سيضع القوى الإقليمية والدولية أمام اختبار حقيقي حول جدوى الرهان على حل الدولتين الذي تعمل إسرائيل على دفنه يومياً عبر مخططات الضم وشرعنة البؤر الاستيطانية.

ومع ذلك، يرى البعض في هذا الانهيار الحتمي لاتفاقيات أوسلو فرصة استراتيجية للشعب الفلسطيني للتحلل من القيود الأمنية والاقتصادية المهينة. فإلغاء الاتفاق من جانب واحد قد يعني تفكيك الغطاء الذي استخدمه الاحتلال لإدارة الصراع بدل حله، مما قد يمهد الطريق لعمل المقاومة الفلسطينية واستعادة الروح النضالية، أو العودة إلى إعلان الاستقلال الفلسطيني لعام 1988 كمرجعية أساسية، وتدويل القضية كحركة تحرر وطني تواجه نظام فصل عنصري واحتلال مباشر.

الاثنين، 9 فبراير 2026

مشروع الاستيطان الحريدي في قلب الأغوار

 مشروع الاستيطان الحريدي في قلب الأغوار      

 . أحمد مصطفى الغر

 تُعد الديموغرافيا هي السلاح الذي تشهره إسرائيل في    وجه الفلسطينيين، ويكشف التحليل أن المشروع يهدف    إلى عزل التجمعات الفلسطينية في الأغوار من خلال قطع  طرق التواصل الطبيعية بين القرى الفلسطينية، ومن ثمَّ    كسر إرادة الصمود لدى الإنسان الفلسطيني ودفعه للهجرة


تُمثّل خطة إنشاء ما يُسمّى بـ "مدينة التمور" في قلب الأغوار الفلسطينية المحتلة تصعيدًا نوعيًا وخطيرًا في بنية المشروع الاستيطاني الصهيوني، إذ تنتقل به من نمط المستوطنات الزراعية الوظيفية إلى تأسيس مدن استيطانية كبرى، فخلف الخطاب المموَّه عن حلول سكنية للمجتمع الحريدي، يتكشف مشروع جيوسياسي متكامل يسعى إلى إعادة تشكيل الأغوار بوصفها فضاءً استيطانيًا حضريًا كثيفًا، وإغلاق البوابة الشرقية لفلسطين، وقطع أي إمكانية للتواصل الجغرافي الفلسطيني مع الأردن، بما يحوّل المنطقة من عمق استراتيجي إلى كتلة بشرية استيطانية متصلة تُفرغ فكرة الدولة الفلسطينية تماما ونهائيًا من مضمونها. وبهذا المعنى، لا تبدو مدينة التمور مشروع إسكان عابرًا، بل أداة إحلال استعماري مدروسة، وطعنة محسوبة في خاصرة الهوية الوطنية الفلسطينية، تُنفَّذ تحت مظلة نظام احتلال راسخ يسعى إلى تثبيت السيطرة بالقوة وتحويل الاستيطان من حالة مؤقتة إلى واقع دائم لا رجعة عنه.


جذور المخطط

يعود التفكير في مشروع مدينة التمور إلى ما يعرف بـ "خطة آلون" القديمة المتجددة، والتي رأت في الأغوار خط الدفاع الشرقي الأول لدولة الاحتلال، لكن الجديد هنا هو الانتقال من الاستيطان الأمني إلى الاستيطان المدني الكثيف.


المشروع يقع استراتيجيًا بالقرب من مستوطنة "بتسائيل"، وقد تم التخطيط له في البداية ليستوعب حوالي 3000 وحدة سكنية، مع طموح توسعي ليصل إلى مدينة تضم 10,000 مستوطن. هذا التوقيت يتزامن مع صعود اليمين المتطرف مؤخرًا وسيطرته على مفاصل السلطة، مما سرّع من وتيرة المصادقة على تخصيص آلاف الأفدنة من الأراضي التي تُصنف زورًا كـ "أراضي دولة"، وهي في الحقيقة امتداد للمراعي التاريخية لقرى الجفتلك وفصايل.


إن نشأة الفكرة ترتبط برغبة الاحتلال في خلق توازن رعب ديموغرافي في منطقة يشكل فيها الفلسطينيون أغلبية رغم التنكيل اليومي. من خلال زج الكتلة الحريدية في هذا المكان، يسعى الاحتلال لضرب عصفورين بحجر واحد: حل أزمة السكن المتفجرة داخل المدن الحريدية في الداخل المحتل، ونقل العبء السكاني ليكون حائط صد بشري في الأغوار. إن هذا التوظيف الديني والاحتياج الاجتماعي يوضح خبث المؤسسة الصهيونية التي تحول الفئات الأكثر فقراً وتشددًا إلى رأس حربة في المشروع الإسرائيلي التوسعي، مما يضمن ديمومة الصراع وبقاء المنطقة تحت السيطرة العسكرية بحجة حماية المدنيين.


ولا يمكن إغفال الجانب التاريخي في تسمية مدينة التمور، فهي محاولة بائسة لربط الوجود الصهيوني الطارئ بتاريخ زراعي عريق للمنطقة. الاحتلال يدرك أن منطقة الأغوار هي سلة غذاء فلسطين، وبناء مدينة بهذا الحجم يعني السيطرة المطلقة على الموارد الطبيعية والمائية واللوجستية. ولا شك أن وضع حجر الأساس لمثل هذه المشاريع هو بمثابة إعلان حرب صامت على الوجود الفلسطيني، حيث يتم استبدال الفلاح الفلسطيني الذي ارتبط بالأرض لآلاف السنين بمستوطن أيديولوجي لا يرى في الأرض إلا عقارًا أو منطلقًا لتنفيذ نبوءات دينية متطرفة تحت حماية فوهات البنادق.


توظيف ديموغرافي


تُعد الديموغرافيا هي السلاح السري الذي تشهره إسرائيل في وجه الحقوق الفلسطينية، ويكشف التحليل المتعمق أن هذا المشروع يهدف أيضا إلى عزل التجمعات الفلسطينية في الأغوار من خلال قطع طرق التواصل الطبيعية بين القرى الفلسطينية، ومن ثمَّ كسر إرادة الصمود لدى الإنسان الفلسطيني ودفعه للهجرة الطوعية، واللافت أيضا أنه في مدينة التمور يتم تسييس المجتمع الحريدي بشكل غير مسبوق. 

ويتضح ذلك من خلال:


* اختيار الحريديم تحديدًا يرجع إلى معدلات نموهم السكاني العالية، مما يعني أن أي نواة استيطانية تبدأ بألف عائلة ستتحول في غضون عقد واحد إلى قوة سكانية توازي مدنًا فلسطينية كبرى.


* هذا الزحف السكاني المخطط له يهدف إلى خلق واقع مادي لا يمكن التراجع عنه في أي مفاوضات مستقبلية، حيث ستتحول هذه المدينة إلى مركز ثقل يفرض شروطه على الخارطة السياسية، تماماً كما حدث في مستوطنتي "موديعين عيليت" و"بيتار عيليت".


* الاستيطان الحريدي غالبا ما يكون مدعومًا بمؤسسات دينية وتعليمية ضخمة، مما يجعل المدينة "دولة داخل دولة". الاحتلال يوفر لهذه الفئة ميزات تفضيلية من شقق مدعومة وقروض ميسرة، وكل ذلك على حساب الأرض المسروقة.


* المجتمع الاستيطاني الحريدي مدافع شرس عن البقاء على الأرض المغتصبة، وهو ما يجعل من فكرة إخلاء المستوطنات في المستقبل أمرًا مستحيلًا من الناحية اللوجستية والسياسية والاجتماعية.


نهب الموارد


يقوم جوهر مشروع مدينة التمور على استغلال الموارد المائية لتعزيز الاستيطان؛ فزراعة التمور التي تحمل المدينة اسمها تستهلك تريليونات اللترات من المياه سنويًا، ويأتي هذا في وقت يسيطر فيه الاحتلال على أكثر من 85% من منابع المياه في منطقة الأغوار، وتقوم شركة "ميكوروت" بسحب مياه الآبار الفلسطينية وتوجيهها لري مزارع المستوطنين وتغذية مدنهم الجديدة. ومن المتوقع أن تكون "مدينة التمور" بمثابة الثقب الأسود الذي يمتص ما تبقى من مياه الحوض الشرقي، مما سيؤدي حتما إلى تدمير الزراعة الفلسطينية وتهجير آلاف العائلات التي تعتمد على الأرض كمصدر رزق وحيد.


وقد بدأت تتضح معالم هذه السرقة المنهجية من خلال:


* السيطرة على ينابيع المياه التاريخية وتسييجها لمنع الفلسطينيين من الوصول إليها، وتحويلها إلى مرافق تابعة للمدينة الاستيطانية الجديدة.


* حفر آبار عميقة جدًا تصل إلى طبقات المياه الجوفية السفلى، مما يتسبب في جفاف الآبار الفلسطينية الضحلة التي يستخدمها المزارعون منذ قرون.


* تحويل مياه الصرف الصحي الناتجة عن هذه المدينة الاستيطانية نحو الأراضي الزراعية الفلسطينية لتلويثها وتدمير خصوبة تربتها، في ممارسة لا يمكن وصفها إلا بالإرهاب البيئي.


النهب للموارد لا يقتصر على الماء فحسب، بل يمتد للأرض التي تُسرق تحت مسميات قانونية واهية. فبموجب الأوامر العسكرية، تُعلن مساحات شاسعة كـ "مناطق إطلاق نار" أو "أراضي دولة"، ثم فجأة يتم تحويلها لشركات مقاولات إسرائيلية لبناء عقارات جديدة، في إطار منظومة متكاملة من النهب المنظم الذي يحظى بمباركة القضاء الإسرائيلي.


قاعدة الاقتلاع والإحلال


تتجاوز مدينة التمور في خطورتها مجرد التوسع العمراني لتصل إلى قلب التخطيط الاستراتيجي الصهيوني لإنهاء الصراع لصالح طرف واحد. فالأغوار هي الرئة التي تتنفس منها الضفة الغربية، والسيطرة عليها تعني إحكام الحصار على أي كيان فلسطيني مستقبلي. إن وجود مدينة حريدية ضخمة في هذه المنطقة يضمن للاحتلال سيادة أمنية ومدنية كاملة على طول الحدود مع الأردن، ناهيك عن ضرب الاقتصاد الفلسطيني في مقتل. فالأغوار تسهم بحصة كبيرة من الناتج المحلي الفلسطيني، وتحويلها لساحة استيطان حضري وزراعي صهيوني يعني تجريد الفلسطينيين من أهم مقومات صمودهم الاقتصادي.


علاوة على ذلك، يهدف المشروع إلى تفتيت وحدة الموقف الفلسطيني من خلال خلق وقائع جيوسياسية تجعل من المطالبة بالقدس والأغوار واللاجئين مطالب غير واقعية من وجهة النظر الصهيونية والغربية. ولا شك أن بناء مستوطنات ومدن بآلاف السكان يكرس الظلم ليصبح هو القاعدة، والعدالة هي الاستثناء الذي لا يتحقق.


ويضاف إلى ذلك الفصل العنصري في تفاصيل الحياة اليومية في الأغوار؛ من الطرق التي يُمنع الفلسطيني من استخدامها لتسهيل حركة مستوطني مدينة التمور، إلى الحواجز العسكرية التي تخنق القرى الفلسطينية بينما تفتح ممرات سريعة للمستوطنين.


والهدف هو جعل حياة الفلسطيني لا تطاق، ودفعه لليأس والرحيل القسري، بينما يُقدم للمستوطن كل سبل الرفاهية والترف، هذا التوحش في التعامل يعكس قاعدة "الاقتلاع والإحلال" التي بنيت عليها الصهيونية منذ يومها الأول، والتي تجد في مشروع مدينة التمور تجليًا جديدًا لها، كجزء من محاولات تصفية القضية الفلسطينية برمتها.

السبت، 17 يناير 2026

لجنة غزة الإدارية.. فخ صهيو-أمريكي جديد للسيطرة

 لجنة غزة الإدارية.. فخ صهيو-أمريكي جديد للسيطرة

 . أحمد مصطفى الغر


هل يمثّل مشروع الإعمار واللجنة الإدارية في غزة مدخلًا إنسانيًا حقيقيًا لإنهاء الحرب، أم صيغة وصاية سياسية ناعمة تُستبدل فيها الدبابات بالإدارة والتمويل المشروط لتفريغ القضية والمقاومة من جوهرهما؟

في لحظةٍ تبدو فيها غزة مثخنة بالجراح، منهكة من حرب إبادة طويلة، ومحاصرة بين ركام البيوت وأشلاء الجغرافيا، يطلّ المشروع الأمريكي–الصهيوني بثوبٍ جديد، هذه المرة تحت مسمّى اللجنة الإدارية لإدارة قطاع غزة ومجلس السلام الدولي. مسمّيات ناعمة تخفي خلفها منطق القوة ذاته، وتعيد إنتاج أدوات السيطرة بأساليب أكثر خبثًا ودهاءً. فالإعمار، الذي يُفترض أن يكون استحقاقًا إنسانيًا، يتحوّل في هذا السياق إلى أداة ابتزاز سياسي، وإلى فخّ استعماري يراد له أن يُنهي القضية الفلسطينية من بوابة غزة، لا عبر الدبابات وحدها، بل عبر الإدارة والتمويل والوصاية.

هندسة الوصاية

رغم إعلان المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف أن خطة الرئيس دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة تدخل طورها الثاني، بالانتقال من "وقف إطلاق النار" إلى "نزع السلاح، الحكم التكنوقراطي، وبدء الإعمار"، فإن الوقائع الميدانية تكشف تناقضًا صارخًا بين الخطاب السياسي والممارسة الفعلية؛ إذ لا تزال الانتهاكات الإسرائيلية متواصلة على الأرض، فيما لم يُنفَّذ عدد جوهري من بنود المرحلة الأولى قبل القفز المتعمد إلى المرحلة التالية. هذا التسرّع لا يمكن فصله عن البنية السياسية للمرحلة الثانية نفسها، التي يُراد لها أن تعيد تشكيل واقع غزة تحت سقف مختلف، لا يقل قسوة عن منطق القوة العسكرية، بل يعيد إنتاجه بأدوات إدارية ومالية أكثر التواءً.

فمنذ الإعلان عن مجلس السلام برئاسة ترامب، بدأت تتضح ملامح نموذج حكم لا يمتّ إلى السيادة الفلسطينية بصلة، بل يؤسس لمرحلة وصاية مُقنّعة تُدار باسم الإعمار والاستقرار. فالمجلس، كما تعكسه التصريحات والتقارير الغربية، لا يُطرح كإطار داعم لإدارة فلسطينية مستقلة، وإنما كسلطة إشراف عليا تتحكم في القرار السياسي
 والاقتصادي، وتضبط إيقاع الحياة اليومية في القطاع وفق شروط الممول والراعي الأمريكي والصهيوني. أما الحديث عن لجنة تكنوقراط فلسطينية، فلا يتجاوز كونه واجهة محلية لتسويق مشروع الوصاية وتخفيف حدّة الرفض الشعبي، في حين تُدار الخيوط الفعلية من واشنطن وتل أبيب، ضمن تصور يُراد له أن يُنهي غزة كمساحة مقاومة، ويعيد تعريفها ككيان منزوع الإرادة، خاضع للإدارة لا للتحرر.

 

إنها محاولة لإعادة هندسة الوعي، وإقناع الناس بأن المقاومة هي سبب البؤس، لا الاحتلال والحصار، في قلبٍ فجّ للحقائق، وتزويرٍ فاضح لمسار الصراع


هذا النموذج يعيد إلى الأذهان تجارب استعمارية كلاسيكية، حين كانت القوى الكبرى تنصّب إدارات محلية محايدة ظاهريًا، لكنها مقيّدة بالكامل بشروط المموّل والمشرف. فقد عرفت المنطقة العربية أشكالًا مشابهة في الانتداب البريطاني على فلسطين حين أُفرغت المؤسسات المحلية من أي سيادة فعلية، وفي الإدارة المدنية الأمريكية في العراق بعد 2003 التي رُوّج لها كحكم تكنوقراطي بينما كانت تُدار بقرارات الاحتلال الأمريكي، وكذلك في النموذج الفرنسي بالجزائر عبر مجالس محلية تابعة تُستخدم لضبط المجتمع لا لتمكينه. في جميع هذه الحالات، لم يكن التكنوقراط صُنّاع قرار، بل منفذين لسياسات مرسومة سلفًا، وحدود حركتهم مرهونة بمدى التزامهم بأجندة «الأمن أولًا» كما يعرّفها الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة، حيث تُختزل السياسة في الإدارة، وتُختزل السيادة في التقارير والتمويل المشروط.

الإعمار المشروط

لا يُطرح الإعمار في الخطة الأمريكية بوصفه حقًا للضحايا، بل كجائزة مشروطة بالسلوك السياسي والأمني. فالدول المانحة، تحت مظلة مجلس السلام، تضع التمويل في كفة، ونزع سلاح المقاومة في الكفة الأخرى، في معادلة ابتزاز واضحة لا تخفى على أحد. الإعمار هنا ليس لإعادة الحياة، بل لإعادة تشكيل المجتمع بما يتلاءم مع متطلبات الاستقرار الصهيوني. هذا المنطق يحوّل الركام إلى ورقة تفاوض، والبيوت المهدمة إلى أداة ضغط. كل مشروع إسكان، كل محطة كهرباء، كل معبر، يصبح مرتبطًا بتقارير أمنية وتقييمات سياسية، لا بحاجات الناس. وهكذا يُدفع المجتمع الغزي إلى خيار قاسٍ: إما القبول بشروط الإخضاع، أو البقاء في دائرة الحرمان.

الأخطر أن هذا الإعمار المشروط يسعى إلى تفكيك الحاضنة الشعبية للمقاومة، عبر ربط تحسين الظروف المعيشية بالتخلي عن خيار الصمود. إنها محاولة لإعادة هندسة الوعي، وإقناع الناس بأن المقاومة هي سبب البؤس، لا الاحتلال والحصار، في قلبٍ فجّ للحقائق، وتزويرٍ فاضح لمسار الصراع، فمما لا شك فيه أن ربط الإعمار بنزع السلاح يعني عمليًا تجريد غزة من آخر عناصر القوة، وتركها مكشوفة أمام الابتزاز والعدوان. والتجربة الفلسطينية، والعربية عمومًا، أثبتت أن الوعود الدولية لا تصمد أمام تبدّل المصالح، وأن الضمانات الأمريكية ليست سوى أوراق بلا قيمة حين تتعارض مع أمن الكيان. ويزداد الأمر سوءًا مع تحول الإدارة من أداة تنظيمية إلى أداة تفكيك سياسي. إذ يجري فصل غزة عن سياقها الوطني الأشمل، وتقديمها كملف إداري أمني مستقل، ما يكرّس الانقسام الجغرافي والسياسي، ويمهّد لتحويل القطاع إلى كيان منزوع الإرادة، محاصر بالاحتياجات، وخاضع لشروط الخارج دائما.

دور اللجنة الإدارية

تُقدَّم اللجنة الإدارية لغزة بوصفها إطارًا تقنيًا مؤقتًا لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، اللجنة مؤلفة من 15 عضواً، سيرأسها علي شعث، نائب وزير التخطيط السابق في السلطة الفلسطينية المدعومة غربيًا، والتي تُدير أجزاءً من الضفة الغربية المحتلة خارج السيطرة الإسرائيلية، غير أن تفكيك صلاحيات تلك اللجنة وآليات عملها يكشف أنها ليست هيئة إدارة محايدة، بل أداة ضبط سياسي وأمني مغلّفة بلغة مدنية. فهذه اللجنة لا تنبثق عن توافق وطني فلسطيني، ولا تستمد شرعيتها من تمثيل شعبي، وإنما تُنشأ بقرار خارجي، وتعمل تحت إشراف مباشر لما يُسمّى مجلس السلام الذي يرأسه دونالد ترامب ووفقاً للخطة المكونة من 20 بندًا التي كُشف عنها قبل 3 أشهر، وهو ما يجعل تبعيتها واضحة منذ اللحظة الأولى، ويحدّد دورها ضمن منظومة وصاية لا إدارة ذاتية.


 

تنطلق المقاومة الفلسطينية من حقيقة تاريخية ثابتة: كل تجربة جُرِّدت فيها الشعوب من أدوات قوتها، وعودًا بالاستقرار أو التنمية، انتهت إلى تكريس التبعية لا إنهاء الاحتلال



تنحصر وظائف اللجنة المعلنة حتى الآن في مهام محسوبة بدقة، تُدار جميعها من خلال التمويل والرقابة، ويمكن تلخيص جوهر عملها في الآتي:

* إدارة المساعدات الإنسانية وتوزيعها وفق آليات تخضع للتدقيق الأمني.

* الإشراف على مشاريع الإعمار وربطها بشروط الممولين وجدولهم الزمني وأولوياتهم السياسية.

* تنظيم الخدمات المدنية الأساسية من صحة وتعليم وبنية تحتية دون امتلاك قرار استراتيجي بشأنها.

* ضبط الفضاء العام ومنع أي نشاط يُصنَّف على أنه مهدد للاستقرار.

* التعامل مع ملف نزع سلاح المقاومة كشرط ضمني لاستمرار التمويل والإعمار.

بهذا المعنى، لا تقوم اللجنة بدور البناء بقدر ما تؤدي وظيفة الإدارة المقيّدة، حيث تُختزل السياسة في إجراءات، وتُفرَّغ السيادة من مضمونها. فهي ليست معنية بإعادة صياغة مستقبل غزة أو حماية حقها في مقاومة الاحتلال، بل بتأمين انتقال ناعم نحو واقع جديد تُدار فيه الحياة اليومية لسكان القطاع دون المساس بجوهر الهيمنة الإسرائيلية.

تُدرك المقاومة الفلسطينية، في لحظتها الراهنة، أن المواجهة دخلت طورًا أكثر تعقيدًا من سابقاته. فبعد أن فشلت آلة الحرب في كسرها عسكريًا، انتقلت محاولات الإخضاع إلى مساحات السياسة والإدارة والاقتصاد. هذا التحول لم يفاجئ المقاومة، بل جاء منسجمًا مع قراءتها المبكرة لطبيعة المشروع الصهيوني، القائم على استبدال الاحتلال الصريح بأنماط وصاية ناعمة تُفرغ القضية الفلسطينية من جوهرها. ومن هنا، يبدو موقفها الحالي قائمًا على وعي مركّب بأن المعركة لم تنتهِ بوقف إطلاق النار، بل بدأت مرحلة جديدة لا تقل خطورة. ويتجلى هذا الوعي في رفض المقايضة بين الإعمار ونزع السلاح، وفي الإصرار على الفصل بين الاحتياجات الإنسانية المشروعة وبين الشروط السياسية المفروضة.

تنطلق المقاومة الفلسطينية من حقيقة تاريخية ثابتة: كل تجربة جُرِّدت فيها الشعوب من أدوات قوتها، وعودًا بالاستقرار أو التنمية، انتهت إلى تكريس التبعية لا إنهاء الاحتلال. من الجزائر في خمسينيات القرن الماضي، إلى جنوب لبنان قبل عام 2000، أثبتت الوقائع أن نزع القوة قبل زوال الاحتلال لم يكن يومًا مدخلًا للسلام، بل وصفة لإدامة السيطرة بأشكال أقل كلفة للمحتل. لذا فإن المقاومة الفلسطينية لا تتعامل مع السلاح بوصفه غاية بحد ذاته، بل كأداة ردع تمنع فرض الحلول من طرف واحد.

أما على مستوى المستقبل، فتراهن المقاومة على عامل الزمن وعلى الذاكرة الجمعية الفلسطينية. فهي تعلم أن المشاريع المفروضة، مهما بدت محكمة، تحمل في داخلها بذور فشلها حين تصطدم بإرادة شعبية رافضة. التجربة الفلسطينية نفسها، منذ الانتداب البريطاني مرورًا باتفاق أوسلو، تؤكد أن محاولات الالتفاف على الحقوق الوطنية عبر هياكل إدارية أو حلول انتقالية لم تُنهِ الصراع، بل أجّلته وزادته تعقيدًا. ومن هنا، تستند يقظة المقاومة إلى درس: الصمود ليس فقط في الميدان، بل في القدرة على قراءة اللحظة، وعدم تسليم المفاتيح تحت ضغط المعاناة، والحفاظ على جوهر القضية حيًا، مهما تغيّرت الأشكال والواجهات. فالإعمار الذي لا يمر عبر السيادة ليس إعمارًا، والسلام الذي يُبنى على نزع الحقوق ليس سلامًا، بل استراحة تكتيكية في حرب لم تُغلق فصولها بعد، لأن فلسطين، ببساطة، لم تقل كلمتها الأخيرة.

الاثنين، 20 أكتوبر 2025

مأساة الفاشر.. المدينة المحاصرة التي تختصر أزمة السودان

مأساة الفاشر.. المدينة المحاصرة التي 

تختصر أزمة السودان

 . أحمد مصطفى الغر

هذا الصراع حول مدينة الفاشر يعيد إنتاج الأزمة السودانية في صورتها الأعمق، حيث يتواجه مفهوم الدولة الحديثة مع إرث المليشيات والقبائل والاقتصاد المسلح. وفي هذا السياق، تحولت الفاشر إلى مختبر حيّ لقياس قدرة الدولة على البقاء


تعيش مدينة الفاشر اليوم واحدة من أكثر لحظات السودان تعقيدًا منذ اندلاع الحرب في السودان، إذ تحولت من مجرد ساحة مواجهة إلى مركزٍ يختبر حدود الدولة وملامح مصيرها. فالحصار الطويل، والانهيار الإنساني، وتراجع سلطة الحكومة المركزية، جعلت من الفاشر مرآةً مكثفة لما آلت إليه البلاد بعد عام ونصف من الصراع بين الجيش والدعم السريع. في هذه المدينة تتقاطع خطوط الجوع والسياسة والميدان، وتتعقد حسابات القوى الإقليمية والدولية على نحوٍ غير مسبوق. فهل تمثل الفاشر آخر معارك الدولة السودانية قبل الانهيار الكامل؟ وهل يمكن أن تفتح مأساتها بابًا لتسوية تعيد التوازن السياسي والعسكري في البلاد؟ أم أن سقوطها سيكون إعلانًا صريحًا لنهاية السودان الذي نعرفه؟

الفاشر.. عقدة الميدان

ليست الفاشر مجرد مدينة محاصرة في غرب السودان، بل تمثل اليوم عقدة الميدان التي تحدد اتجاهات الحرب في البلاد كلها. موقعها الجغرافي يجعلها نقطة التقاء بين ولايات دارفور، وامتدادًا لخطوط الإمداد القادمة من ليبيا وتشاد، ومحورًا استراتيجيًا لأي طرف يسعى إلى السيطرة على غرب السودان أو تطويق الشمال. لذلك لم يكن تمسك الجيش بها مسألة رمزية فحسب، بل خيارًا وجوديًا لحماية ما تبقى من مراكز الدولة في الإقليم، ولمنع قوات الدعم السريع من إحكام الطوق حول مناطق النفوذ الحكومية المتبقية.

منذ الأشهر الأولى للحرب، أدرك الطرفان أن السيطرة على الفاشر ليست هدفًا محليًا، بل مفتاحًا لمعادلة القوة في البلاد. فـ "محمد حمدان دقلو" (حميدتي) كان ينظر إليها كبوابة توحيد دارفور تحت سلطته، فيما يراها الجيش آخر خطوط الدفاع عن وحدة السودان. وهكذا تحولت المدينة إلى ساحة صراع مركزي، تداخلت فيها القوى المحلية مع الحسابات الإقليمية والدولية، من تهريب السلاح إلى المساعدات الإنسانية المشروطة، لتصبح الفاشر بؤرة الحرب التي تختصر مشهد الانهيار. ومنذ منتصف عام 2024، خضعت الفاشر لحصار خانق تزداد قسوته مع مرور الأشهر، حيث أغلقت قوات الدعم السريع جميع الطرق المؤدية إليها تقريبًا، ومنعت دخول الوقود والدواء والغذاء إلا عبر قنوات محدودة لا تكفي لبقاء السكان. وقد أدى هذا الحصار إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخ دارفور الحديث، حيث يواجه مئات الآلاف خطر المجاعة، وتنهار الخدمات الصحية على نحو شبه كامل، في ظل عجز المنظمات الدولية عن الوصول الآمن إلى المدينة.

 

يبدو أن الحرب حول المدينة لم تعد بين جيش نظامي وقوة متمردة، بل بين نموذجين متنازعين للدولة: أحدهما يسعى للحفاظ على الهياكل التقليدية للسلطة، والآخر يبني سلطته على الولاءات الإقليمية والاقتصاد الموازي.

ورغم المحاولات الدولية والإقليمية للضغط على الأطراف لفتح ممرات إنسانية، فإن كل المبادرات اصطدمت بحسابات ميدانية معقدة، إذ يرى كل طرف في إمداد المدنيين وسيلة ضغط أو ورقة تفاوض. ومع غياب آلية تنفيذ حقيقية، تحوّل الحصار إلى أداة سياسية بامتياز، يُعَاقب بها السكان ويمتحن بها العالم قدرته على التحرك خارج حدود البيانات الدبلوماسية. وفي ظل هذه المعادلة القاسية، أصبحت الفاشر عنوانًا لانكسار الضمير الدولي قبل أن تكون مأساة سودانية خالصة.

توازن هش ومتغيّر

يتعامل الطرفان المتحاربان حول الفاشر مع ساحةٍ معقدة يصعب حسمها عسكريًا. داخل المدينة، يعتمد الجيش السوداني على مزيج من القوات النظامية وبقايا وحدات الدعم الشعبي المحلي، إلى جانب فصائل من حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم. تُقدّر أعداد القوات الموالية للجيش داخل المدينة بما بين ثمانية إلى عشرة آلاف مقاتل ينتشرون في خطوط دفاع داخلية تعتمد على أسلوب الدفاع العنقودي للحدّ من تأثير القصف المدفعي. في المقابل، تفرض قوات الدعم السريع حصارًا من ثلاثة محاور رئيسية، وتسيطر على الطرق المؤدية إلى نيالا والجنينة وامبرو، وتعتمد على وحدات سريعة الحركة مسلحة بأسلحة خفيفة ومدفعية متنقلة، هدفها إنهاك القوات داخل المدينة أكثر من خوض معارك اقتحام مباشرة.

هذا التوازن الميداني الهش لا يعكس تفوقًا لأي طرف بقدر ما يشير إلى استنزاف طويل الأمد. فالقوات الحكومية تواجه نقصًا حادًا في الوقود والمؤن، وتعتمد على جسور إمداد جوية محدودة من مناطق شمال كردفان، بينما تعاني الدعم السريع من ضعف الإمداد اللوجستي وتباين الانضباط بين تشكيلاتها المتعددة. وتشير بيانات منظمات مراقبة النزاع إلى أن محاولات الاقتحام التي نفذتها قوات الدعم السريع في يونيو وسبتمبر 2025 فشلت، وأسفرت عن خسائر فادحة قُدّرت بأكثر من 300 قتيل، مقابل تراجع قدرة الجيش على شن عمليات مضادة بعد استهلاك معظم مخزونه في الدفاع عن المنشآت المدنية.

ويُلخّص المشهد الميداني الراهن حول الفاشر في عدد من النقاط المفصلية:

* تمركز القيادة العسكرية للجيش في الأحياء الشمالية والشرقية للمدينة، مقابل سيطرة الدعم السريع على الأطراف الغربية والجنوبية، ما يجعل خطوط النار ثابتة منذ أكثر من خمسة أشهر.

* تنامي الدور القبلي والمناطقي، إذ بدأت قوات الدعم السريع في استمالة مجموعات محلية في ضواحي المدينة مقابل ضمانات بالحماية والمساعدات.

* تراجع الإسناد الخارجي لكلا الطرفين؛ حيث تقلّصت الإمدادات القادمة من الشمال للجيش بسبب الوضع الاقتصادي، فيما فقدت قوات الدعم السريع جزءًا من الدعم المالي الإقليمي نتيجة الضغوط الدولية المتزايدة.

ولا شك أن هذا المزيج من الانهاك الميداني والتصدعات المحلية يجعل أي توازن قائم حول الفاشر مرحليًا ومؤقتًا، قابلًا للانهيار في أي لحظة مع تغيّر بسيط في المعطيات أو التحالفات، وهو ما يُبقي المدينة على حافة الانفجار العسكري والسياسي في آنٍ واحد.

البعد الإقليمي الخفي

وراء خطوط القتال، تتحرك قوى إقليمية كبرى بهدوء، ترسم ملامح صراع طويل الأمد. فليبيا وتشاد يتأثران مباشرة بمآلات الوضع في الفاشر، إذ إن أي اختلال في ميزان القوة قد يفتح طرق تهريب جديدة ويعيد إشعال التوترات على حدودهما. في المقابل، تتابع الإمارات ومصر التطورات بعين حذرة، حيث تُتهم إحداهما بدعم الدعم السريع لوجستيًا، بينما تراهن الأخرى على بقاء الجيش متماسكًا حفاظًا على وحدة السودان ومنع تمدد الفوضى نحو الشمال.

مآلات مفتوحة ومخاطر قادمة

تطرح الفاشر ـ اليوم ـ سؤال الدولة السودانية بحدّ ذاته: من يملك شرعية السيطرة؟ ومن يمثل بقايا السلطة المركزية؟، إذ يبدو أن الحرب حول المدينة لم تعد بين جيش نظامي وقوة متمردة، بل بين نموذجين متنازعين للدولة: أحدهما يسعى للحفاظ على الهياكل التقليدية للسلطة، والآخر يبني سلطته على الولاءات الإقليمية والاقتصاد الموازي. هذا الصراع يعيد إنتاج الأزمة السودانية في صورتها الأعمق، حيث يتواجه مفهوم الدولة الحديثة مع إرث المليشيات والقبائل والاقتصاد المسلح. وفي هذا السياق، تحولت الفاشر إلى مختبر حيّ لقياس قدرة الدولة على البقاء. فاستمرارها في الصمود يعطي أملًا بأن المركز لم يفقد قبضته تمامًا، بينما سقوطها يعني انهيارًا رمزيًا وجغرافيًا لمنظومة الحكم. لذلك تُعامل المدينة بوصفها خط الدفاع الأخير عن فكرة السودان الموحّد، لا مجرد مساحة جغرافية على خريطة دارفور.

 

كلّ سيناريو من سيناريوهات الحرب في الفاشر يحمل في طيّاته تحولًا أعمق في بنية السودان السياسية والعسكرية معًا. فالفاشر ليست مجرد معركة على أطراف دارفور، بل مفصلٌ في تحديد ملامح الدولة السودانية المقبلة

أمام هذا المشهد، تتقاطع السيناريوهات المحتملة لمستقبل الفاشر، ويمكن تلخيص أبرزها في ثلاثة اتجاهات رئيسية:

* سيناريو الانهيار الكامل: 

في حال سقطت المدينة بيد الدعم السريع، فإن ذلك سيمنح حميدتي سيطرة شبه كاملة على دارفور، ويفتح الطريق نحو الشمال والغرب، مما يسرّع بتفكك الدولة السودانية إلى كيانات مناطقية.

* سيناريو التسوية المؤقتة: 

قد تنجح ضغوط الأمم المتحدة أو بعض الدول الإقليمية في فرض هدنة إنسانية تمتد تدريجيًا إلى تفاوض سياسي، لكنها لن تنهي الحرب ما لم تُحسم مسألة السلطة والموارد.

* سيناريو الجمود الطويل: وهو الأكثر احتمالًا في المدى القريب، حيث تستمر الحرب منخفضة الوتيرة، ويُترك المدنيون تحت الحصار، بينما تتعايش الأطراف المتحاربة في حالة استنزاف متبادل.


نهاية مفتوحة للسودان


كلّ سيناريو من سيناريوهات الحرب في الفاشر يحمل في طيّاته تحولًا أعمق في بنية السودان السياسية والعسكرية معًا. فالفاشر ليست مجرد معركة على أطراف دارفور، بل مفصلٌ في تحديد ملامح الدولة السودانية المقبلة؛ دولة المؤسسات أم دولة الميليشيات. فاستمرار الحصار والانقسام يعيد تشكيل مراكز القوى داخل الإقليم، ويغذي نزعة الانفصال الواقعي بين شرق البلاد وغربها، في حين يقوّض قدرة الحكومة في بورتسودان على فرض سلطة مركزية ذات معنى. من هنا، لا تبدو الحرب في الفاشر حدثًا محليًا بقدر ما هي اختبار لبنية السودان الحديثة، بما تحمله من أسئلة حول وحدة الجيش، وشرعية القيادة، ومستقبل النظام السياسي كله.

يبدو أن مصير السودان يمر عبر بوابات الفاشر. فصمود المدينة يعني بقاء الحد الأدنى من التوازن الذي يسمح بمسار سياسي لاحق، وربما استعادة الحوار الوطني برعاية إقليمية، بينما سقوطها سيمنح قوات الدعم السريع سيطرة جغرافية شبه كاملة على دارفور، بما يتيح لها إعلان إدارة موازية أو سلطة أمر واقع. وهذا السيناريو الأخير لا يُنذر فقط بانقسام البلاد فعليًا، بل بامتداد الفوضى إلى ولايات كردفان والجزيرة، ثم إلى الشرق، لتتآكل فكرة الدولة المركزية التي وُلدت بعد الاستقلال.

في النهاية، تبقى الفاشر أكثر من جغرافيا محاصرة؛ إنها مرآة مكشوفة لوطنٍ يختبر آخر ما تبقّى له من معنى السيادة. 

معركتها ليست فقط بين بندقية وأخرى، بل بين مشروعَي بقاء وانهيار.وإذا كان التاريخ لا يدوّن تفاصيل الجوع والخوف كما عاشها أهل المدينة، فإنه سيتذكر أن الفاشر كانت ـ وربما لا تزال ـ آخر مدينةٍ تقف في وجه العدم، وأول مدينةٍ تكتب ملامح السودان الذي سيأتي.