لمّا عجزت العلمنة عن مواجهة الإسلام وجهاً لوجه، ارتدت حُلّته وسرقَت مفاهيمه. هذا المقال رحلة في دهاليز الخطاب التحريفي الجديد الذي يصادر مرتكزاتنا ويحوّرها لتخدم العلمنة من داخل عباءة الدين.
فشل العلمنة التقليدية في مواجهة الإسلام
قام الخطاب العلماني التحريفي للدين منذ نحو قرن على تهميش الدين ومحاصرته وقصره على المعتقد والشعائر، بصورة شبيهة لما حدث مع المسيحية في أوروبا، لكنه فشل في ذلك فشلا ذريعا؛ لأنّ طبيعة الإسلام تأبى ذلك والخطاب الإسلامي المناوئ كان قويا في تفكيك هذه الأطروحة.
التحول الاستراتيجي: من مقاومة الخطاب الإسلامي إلى مصادرته
ولأجل ذلك يقوم الخطاب الشحروري التحريفي المعاصر في صورته الجديدة على العلمنة بطريقة مختلفة؛ فبدلا من معاداة مفاهيم الخطاب الإسلامي، يصادرونها ويعيدون تأويلها لتتماشى مع المفاهيم العلمانية المعاصرة!
فالملاحَظ أنّ مجموعة كبيرة من مرتكزات هذا الخطاب مسروقة من مرتكزات الخطاب الإسلامي المؤثّر بجميع فروعه: التراثي والإصلاحي والسلفي والحركي والدعوي والصحوي، وإليكم البيان:
سطو على “العمل والسلوك” تحت عباءة العلمنة
فإذا كان الخطاب الإسلامي قد جهر من قديم بأن العقيدة ليست مجرد تصورات ذهنية، بل تقتضي عملًا وسلوكًا في واقع الحياة، فإن الخطاب التحريفي الجديد يسطو على هذه الفكرة، لكنه يحوّرها ويجعل العمل هنا لأجل الدنيا وإصلاحها بما يتماشى مع الرؤية العلمانية.
توظيف “الكفر بالعمل” لتفريغ الاعتقاد
وإذا كان الخطاب الإسلامي قد بيّن أن الكفر والشرك لا يكونان بالاعتقاد والتصوّر فقط، بل قد يكونان بالعمل والطاعة والاتباع، فإن الخطاب التحريفي الجديد يأخذ هذه الفكرة ليهوّن من شأن الاعتقاد، وليجعل جوهر الإيمان في السلوك الإنساني العام لا في الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر.
اختطاف “العبادة الشاملة” لإضفاء الشرعية على الدنيوي فقط
وإذا كان الخطاب الإسلامي قد بيّن أنّ مفهوم “العبادة” ليس محصورًا في الشعائر كالصلاة والصيام والحجّ، وأنّه طاعة واتباع وخضوع لله ويشمل كل جوانب الحياة وله بعد حضاري، فإن الخطاب التحريفي الجديد يسطو على هذا المعنى ليجعل العبادة اسمًا لكل عمل نافع دنيويا، ثم يذيب خصوصية الشعائر ويخرجها من العبادة ويوهن من حاكمية الشريعة!
تحريف “الحب الإيماني” إلى قيمة إنسانية مجردة
وإذا كان الخطاب الإسلامي قد قال إن الحب ليس مجرد وجدانات هائمة وعشق مزعوم بلا رصيد من الطاعة والانقياد، فإن الخطاب التحريفي الجديد يأخذ هذا المعنى ليحوّل الحبّ إلى قيمة إنسانية أو كونية عامة منفصلة عن الولاء لله ورسوله وشريعته.
من نقد التلاوة الطقوسية إلى تعطيل الأحكام
وإذا كان الخطاب الإسلامي قد نقد اختزال القرآن في التبرك والتلاوة الطقوسية بلا تدبّر، وأكد أن القرآن كتاب هداية وعمل وإصلاح، فإن الخطاب التحريفي الجديد ينطلق من النقد نفسه لكن دون رصيد حقيقي من اتباع أحكام القرآن، فهو يخالف الكثير من أحكامه.
“الكتاب المسطور والكون المنظور”.. المخلوق حاكمًا على الخالق
وإذا كان الخطاب الإسلامي قد تحدث عن “كتاب الله المسطور وكتاب الكون المنظور” (بهذه الألفاظ)، وربط بين آيات الوحي وآيات الكون، فإن الخطاب التحريفي الجديد يأخذ هذا المفهوم ليجعل الكون والطبيعة والإنسان مصدرًا موازيًا للوحي، أو حاكمًا عليه.
تحويل “العالمية” إلى إنساوية مائعة
وإذا كان الخطاب الإسلامي قد أكد عالمية الإسلام وأنه ليس دينًا عرقيًا أو قوميًا وبأنّ “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب”، فإن الخطاب التحريفي الجديد يحوّر هذه العالمية إلى إنسانوية مائعة، تذيب الفوارق بين الحق والباطل، وبين الإسلام وغيره من الملل، وتبطل دلالة أسباب النزول وأحداث القرآن في فهمه.
“الدين كنظام اجتماعي” مفتوح وفق الهوى العلماني
وإذا كان الخطاب الإسلامي قد ربط كلمة “الدين” بالنظام والطاعة والخضوع والجزاء، لا بمجرد الاعتقاد الخاص، فإن الخطاب التحريفي الجديد يسطو على هذا المرتكز ليعيد تعريف الدين بوصفه نظامًا اجتماعيًا مفتوحًا يمكن تشكيله وفق المفاهيم الحديثة.
السنن الكونية: من آيات للتدبر إلى بديل عن الشريعة
وإذا كان الخطاب الإسلامي قد تحدث عن الشريعة الكونية وسنن الله في الخلق والتاريخ والاجتماع، فإن الخطاب التحريفي الجديد يأخذ هذا الباب ليجعل السنن الكونية بديلًا عن الشريعة المنزلة، أو يجعل الواقع والتاريخ حاكمين على النص.
الهوية الإيمانية تتحول إلى “إبراهيمية جديدة
وإذا كان الخطاب الإسلامي قد أكد الهوية الإيمانية الواحدة، ونقَد التعصب العرقي والقومي، فإن الخطاب التحريفي الجديد يحوّر هذا المعنى إلى هوية إنسانية عامة تضعف رابطة الإسلام الخاصة وتساوي بينها وبين غيرها، بل تلغي الطوائف التاريخية المذكورة في كتاب الله سعيًا نحو “الإبراهيمية الجديدة”!
من “الإيمان أمن وطمأنينة” إلى إلغاء التصديق بالغيب
وإذا كان الخطاب الإسلامي قد قال إن الإيمان مشتقّ من “الأمن”، كما ذكر الحكيم الترمذي والحليمي وابن تيمية وغيرهم، وأن الإيمان ليس مجرد تصديق ذهني بل طمأنينة ومحبة وانقياد، فإن الخطاب التحريفي الجديد يسطو على هذا المعنى ليقلل من شأن التصديق والاعتقاد بالغيب، وليجعل الإيمان مجرد منح للأمن في الدنيا، ويمنح صفة “الإيمان” من يكفر بدين الله!
تسخير “ذم التحزب” لخدمة الدولة العلمانية
وإذا كان الخطاب الإسلامي قد ذمّ التفرق والتحزب، ودعا إلى الاعتصام بحبل الله، فإن الخطاب التحريفي الجديد يستغل هذا الأصل ليطعن في الدعوة الإسلامية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خدمةً للدولة العلمانية، وليجعل كل تفريق بين الحق والباطل أو اجتماع على الخير ضربًا من التحزب والتفرّق!
رفض “الوسائط”: من نقد الكهنوت إلى هدم السنة والعلماء
وإذا كان الخطاب الإسلامي قد أكد الصلة بالله بلا واسطة في التعبّد والدعاء، ونفى “الكهنوت” والتقليد الأعمى، فإن الخطاب التحريفي الجديد يأخذ هذا المعنى ليلغي قيمة أخذ العلم عن العلماء وقيمة التراث العلمي التراكمي عبر القرون بل ليلغي قيمة السنّة النبوية في فهم الدين، فهذه كلها عنده “وسائط” مرفوضة!
وحدة الأديان تحت غطاء “الإسلام دين الأنبياء
وإذا كان الخطاب الإسلامي قد قرر أن الإسلام دين الأنبياء جميعًا كما جاء في الكتاب والسنّة، وأن أصل دعوتهم واحد وهو التوحيد والاستسلام لله، فإن الخطاب التحريفي الجديد يسطو على هذا المرتكز ليجعله بابًا لوحدة الأديان، أو وحدة الإنسانية الدينية، أو تمييع الفوارق العقدية بين الإسلام وغيره.
نقد الجبرية: من حافز للعمل إلى إلغاء الإيمان الصحيح
وإذا كان الخطاب الإسلامي قد نقد الجبرية والتواكل والاعتماد على الانتماء الاسمي للإسلام في النجاة الأخروية، فإن الخطاب التحريفي الجديد يستغل ذلك ليجعل معيار الدين هو الفاعلية الدنيوية وحدها، لا الإيمان الصحيح والعمل الصالح معًا.
تسخير الدقائق اللغوية لتحريف الثوابت الكبرى
وإذا كان الخطاب الإسلامي قد اهتم بالدقائق واللطائف والفروق اللغوية وعلل استعمال كلمة بدلًا من أخرى والجوانب الصوتية للألفاظ، كما عند سيد قطب وفاضل السامرائي وغيرهما، فإن الخطاب التحريفي الجديد يأخذ هذه الحساسية اللغوية البلاغية ليبني عليها تأويلات بعيدة تغيّر مفاهيم الإسلام الكبرى الثابتة في الكتاب والسنّة والإجماع، فيجعل الفروق اللفظية بابًا لتحريف المعاني الكبرى.
الإعجاز العلمي: من آية على الخلق إلى حكم العلم على القرآن
وإذا كان الخطاب الإسلامي قد اعتنى بالإعجاز العلمي وربط بعض الآيات بعجائب الكون والنفس (بصرف النظر عن غلوّ بعض أفراده في ذلك)، فإن الخطاب التحريفي الجديد يسطو على هذا الباب ليجعل العلم الحديث حاكمًا على القرآن، أو ليعيد قراءة الوحي كله بمنطق علموي معاصر يتكلّف استخراج النظريات العلمية الحديثة من كتاب الله.
خلاصة السطو: قاعدة “اركب المرتكزات وغيّر المضامين
ولو دققتم في كلام هؤلاء لأدركتم عملية السطو الشاملة هذه، ولكنه سطو مع تحريف، فالقاعدة تقول: إذا لم تستطع مقاومة الخطاب الإسلامي فاركب مرتكزاته المؤثّرة في الشعوب المسلمة، ثم ضع مضامينك العلمانية ذاتها!
ما لم يُسرق: غياب قضايا الحرية والعدالة والاستبداد
الطريف أنّ هناك مرتكزات أساسية في الخطاب الإسلامي لم يقترب منها هؤلاء، وهي: مكافحة الاستبداد والجَور السياسي، وإعطاء الشعوب حقّها في اختيار من يحكمها والرقابة والحسبة عليه، ومناضلة العلمانية التي تفصل الدين عن الحياة وتحاصر الإسلام، فمثل هذه القضايا التي تميّز بها الخطاب الإسلامي المعاصر غائبة عن خطاب هؤلاء لسبب بسيط: أنّها ليست في مصلحة من يموّلهم ويصدّرهم ويفتح لهم الفضائيات والمنصّات!
المصدر
صفحة شريف محمد جابر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق