الخميس، 7 مايو 2026

العجز أسلوب حياة

 العجز أسلوب حياة

سعدية مفرح 
كاتبة وصحفية كويتية

يستيقظ كثيرون، كلّ صباح، وهم يعرفون مسبقاً أنّ هذا اليوم سيضيف خبراً جديداً إلى قائمة الأحداث التي لا يستطيعون فعل شيء حيالها. 

صورة طفل تحت الأنقاض، أمّ تنتظر ابنها عند باب سجن، مدينة تُقصف على الهواء مباشرة، أو موظف يعود إلى بيته منهكاً بعدما اكتشف أن راتبه صار أقلّ من احتياجات أسبوع واحد. 

ومع ذلك، تستمرّ الحياة بكامل وقاحتها، تُطالب الجميع بالاستيقاظ والعمل، والردّ على الرسائل، والابتسام أحياناً، كأنّ الخراب مسألة جانبية يمكن تأجيل التفكير فيها.

هذا الشعور تحديداً هو ما يرهق الناس أكثر من المصائب نفسها؛ شعور بأنّ القلب ممتلئ بالعاطفة والغضب والخوف، بينما اليد قاصرة إلى حدٍّ مؤلم. كأنّ المرء يعيش داخل قاعة طوارئ ضخمة، يسمع الاستغاثات كلّها، ويقف عاجزاً عن إسعاف أحد.

المشكلة أنّ قلّة الحيلة لا تظهر دائماً في صورة واضحة؛ ترتدي أحياناً هيئة تعبٍ عابر، أو سخريةً زائدة، أو فتوراً مفاجئاً تجاه الأخبار، أو رغبةً متكرّرةً في الانسحاب من النقاشات العامة. 

وبعض الناس يبدون طبيعيين تماماً بينما هم في الداخل يجرّون شعوراً ثقيلاً بأنّ العالم يتحرّك بطريقة لا تسمح لأصحاب الضمير بالنجاة بسلامهم النفسي.

هناك مَن تعلّم مع الوقت كيف يطفئ حساسيته كي يتمكّن من العيش. يمرّ على المآسي مروراً سريعاً، يغيّر القناة، يضحك، يتابع يومه، يقنع نفسه بأنّ هذه هي الحكمة. بينما آخرون ظلّوا محتفظين بتلك القابلية الخام للتأثّر، يدفعون ثمنها كلّ يوم من أعصابهم ونومهم وقدرتهم على الاحتمال. وهؤلاء تحديداً يعيشون معركةً صامتةً؛ لأنّهم يدركون أنّ التعاطف وحده لا يغيّر شيئاً، لكنّهم عاجزون أيضاً عن التحوّل إلى كائنات باردة.

أقسى ما في العجز أنّه يُشعر صاحبه أحياناً بالذنب؛ كأنّ مجرّد الجلوس في بيت آمن بينما أحدهم يُقتل في مكان آخر تهمة أخلاقية تحتاج إلى تبرير. 

وكأنّ الحياة اليومية نفسها صارت فعلاً مشبوهاً. كيف يمكن لشخص أن يشرب قهوته بهدوء بينما هناك أمٌّ تبحث بين الأشلاء عن طفلها؟ كيف يكتب شاعر قصيدة حبّ بينما مدينة كاملة تُمحى؟ 

وكيف يذهب موظّف إلى دوامه، كالمعتاد، بعدما قضى الليل يتابع صور المجاعة؟

لكنّ الحياة لا تمنح أحداً رفاهية التوقّف الكامل. الناس يكملون أيامهم لأنّ عليهم أن يكملوها، لا لأنّهم بخير. وهذه نقطة كثيراً ما يُساء فهمها. 

استمرار البشر في تفاصيلهم الصغيرة لا يعني أنّهم اعتادوا الألم، وإنّما يعني أنّهم وجدوا طريقة مؤقّتة للتعايش مع عجزهم حتى لا ينهاروا تماماً.

والمفارقة أنّ أكثر الناس إحساساً بقلّة الحيلة هم أولئك الذين يملكون حسّاً أخلاقياً مرتفعاً. 

أمّا القاسي فلا يشعر بالعجز أصلاً، لأنّه لا يشعر بما يكفي ليتألّم. 

لذلك يبدو أصحاب الضمير مرهقين دائماً، كأنّهم يحملون فوق أرواحهم وزناً إضافياً لا يراه أحد. 

إنّهم يفكّرون كثيراً، ويتأثرون كثيراً، ويحاسبون أنفسهم أكثر ممّا ينبغي، ثم يكتشفون في النهاية أنّ العالم لا يكافئ هذه الحساسية، بل يعاقبها أحياناً.

ورغم ذلك تبقى هناك قيمة خفية لهذا الألم كلّه. فالعجز الذي يُبقي القلب حيّاً أقلّ خطراً من القوّة التي تقتل الإحساس بالتدريج. والذين ما زالوا يتألّمون أمام الظلم، وما زالوا يشعرون بالاختناق كلّما رأوا الإهانة البشرية تتكرر، يملكون شيئاً نادراً حتى لو بدا متعباً: قدرتهم على رفض التواطؤ الداخلي.

قد لا يغيّر أحدهم خريطة حرب، ولا يوقف مجاعة، ولا يعيد قتيلاً إلى أمّه، لكنّه يحتفظ بشيء مهمّ وسط هذا الخراب الهائل: رفضه اعتبار القسوة أمراً عادياً. وهذه ليست مسألة بسيطة كما تبدو. 

فالكارثة الحقيقية تبدأ عندما يتحوّل الاعتياد إلى موقف أخلاقي، وعندما يصبح الألم خبراً عابراً بين إعلانين.

ربّما لا يستطيع البشر إنقاذ العالم كما يحلمون، لكن بوسعهم على الأقلّ ألّا يسمحوا للعالم بأن يسلبهم قدرتهم على الحزن النبيل. وهذا وحده يحتاج إلى شجاعة طويلة النَّفَس.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق