- ما بعد الوظيفة: قل لي من أنت، لا ماذا تعمل
تبدو الوظائف البشرية المستحدثة، القائمة على استمرارية النفعية، كالمستشارين وصناعة المحتوى الرقمي واقتصاد المنصات، عنوانا لمصائر مربكة لأولئك الذين يخافون من التقاعد، حين يحالون إليه وهم في سن يرون أنها ما زالت تشع خبرة وعطاء نحو أولئك الذين يرغبون في خوض الطريق ذاته.
فعقود متلاحقة منحت الوظائف الإنسان هوية، وصورة متناقضة للحضارة، وعالما مختلفا عما يمكن أن يكونه الإنسان. إنها، بالضرورة، مزاحم شرس للحياة الاجتماعية والنفسية المتعلقة بالذات، حيث نتخلى عن كل شيء في سبيل أن تتحقق المساعي الاقتصادية والأمن المستقبلي المتوهم.
إن ما "بين الإنساني والوظائفي" شيء في غاية الرقة والحساسية. أقصد أن ثمة خيطا رفيعا يمنح بعضنا حياة مستدامة مفعمة بالابتكار والاختيار والجمال، بينما يرى آخرون مرحلة التقاعد من الوظيفة مسافة قصيرة نحو الفناء، أو بالأحرى عقابا للذين بذلوا حياتهم في سبيل تحقيق "هوية مؤسساتية" غاب فيها التواصل الإنساني والتاريخي.
ومن أجل ذلك، يقارب هذا المقال معنى أن يكون الإنسان من دون وظيفة، في لحظة عمرية تعيد استكشاف ذواتنا التي أنهكها الالتزام بالنظام المؤسساتي.
ولفعل ذلك، نقترب أكثر من الوظيفة، بوصفها ابتكارا لا تعريفا مهنيا يختزل جوهر التدافع الإنساني، إلى جانب النظر في تنامي ظواهر استهلاكية جعلت من المستقبل هاجسا حتميا، من دون النظر إلى واقع يمكن تفعيله بشكل أكثر جمالية وفنية.
فهل ننجح في فتح مسارات إبداعية نحو ذواتنا حين تحين ساعة تقاعدها؟ أم إننا سننتظر حفنة التراب تلقى على أولئك الذين فقدوا وظائفهم، ظنا أن تجاربهم المهنية عنوان لكل شيء، إلا لذواتهم المفقودة؟
إن مفهومنا للعمل المؤسساتي تجاوز الاحتكام إلى الابتكار والإتقان والتنوع، ليصير هو الآخر وسيطا بين الإنساني والوظيفي في شكله العدواني والمخيف، الباعث على فشل حضاري وتاريخي
بين الإنساني والوظائفي
من المجحف أن ترتبط الوظائف البشرية بالجانب الاقتصادي فحسب، فثمة رهانات محفزة تجعل منها ذات بعد اجتماعي ونفسي وأخلاقي، حتى إن بعضها يمنح الإنسان حضورا مستداما في أماكن قاسية.
وبالنظر إلى معنى أن تكون الوظيفة موضوعا متعلقا بالطبيعة البشرية، فإن ميزاتها الأساسية ليست بالضرورة أن تفي بغرضها الاقتصادي، بل إن أفضلها يعد أثرا فنيا في الحضارة التي تمنح العالم ابتكارا جماليا، يجعل منها معنى يمتد نحو مستقبل لا تخشاه الذات، بقدر ما تتصالح مع واقعه لتعزز حضورها فيه.
حين تأتي الوظيفة، تتدرج معها مخاوف الفقد والصراع على المناصب العليا، وهذا من آثار التطور الذي طرأ على الوظيفة ذاتها ومعناها، إذ كانت قديما تشكل "هوية إنسانية طبيعية" وساحة صراع وهيمنة، من شأنها أن ترسم مستقبلا ناضجا غير معقد، مفعما أحيانا كثيرة بالتناقضات، كما أنها لم تكن لتفتح أبواب المنافسة إلا ضمن جوانب فنية وجمالية، أكثر من كونها بحثا عن اعتراف اجتماعي.
ويظهر التطور الحضاري أن الوظائف البشرية تغيرت وفقا "للمعايير الاقتصادية" أكثر منها نتيجة للضرورات الإنسانية، حيث عملت آلة التصنيع على إعادة إنتاج بنية مؤسساتية ذات "منطق إقطاعي" يعيث في الحقوق الأساسية للعمال والمزارعين والحرفيين والأطباء والأساتذة وغيرهم ظلما وقهرا، مقدما شيئا يسيرا مما تذروه الشركات العابرة للقارات.
حتى إن مفهومنا للعمل المؤسساتي تجاوز الاحتكام إلى الابتكار والإتقان والتنوع، ليصير هو الآخر وسيطا بين الإنساني والوظيفي في شكله العدواني والمخيف، الباعث على فشل حضاري وتاريخي.
إن النظر إلى الوظائف بوصفها "سلسلة إنتاج اقتصادي" توزع فيها المداخيل بحسب ساعات العمل، دون التفكير في أنها مصنع هويات وقيم منافسة، مسألة تختزل حقيقة "المستقبل الإنساني" المرهون بمدى استجابة الوظائف للاعتراف بالحق في الحياة.
لذلك يخشى كثيرون المستقبل وهم ينظرون إلى غيرهم وقد أحيلوا إلى التقاعد؛ مستقبل تنمو فيه الوظائف في سياق اقتصادي متوحش، بينما تتلاشى فيه الأدوار الإنسانية والاجتماعية والتعبيرية للبشر.
وما نشاهده اليوم من تمدد الآلة والروبوتات في حلقة الإنتاج يعد تحديا للحضارة الإنسانية التي تكافح للانعتاق من قيم إمبراطورية معولمة ترى في الوظائف "حقل تجارب" لإعادة صياغة العبودية الطوعية.
إن الخوف الذي يجتاحنا حين ندرك أننا سنترك مناصبنا مرتبط بكون الوظيفة هي التي تعرف الإنسان، بدل أن نمنحها معنى خاصا لكل ذات مبدعة، متفننة، تترك أثرا جميلا
البحث عن اعتراف اجتماعي
بالعودة إلى الواقع، سنرى أن كثيرين ممن أحيلوا إلى التقاعد وجدوا عالما منسيا، مكتظا بالذكريات، ومنهمكا في الطلب، ومرتميا نحو الذات، في لحظة خيل لهم فيها أن الآخرين قد تخلصوا منهم، بينما هم في الحقيقة يعيدون تعريف وظائفهم بإعطاء مساحة أكبر للجانب المغيب طيلة عقود من البذل والعطاء والتميز.
وندرك أن الإنسان، في زمن أصبحت فيه الوظيفة تمنحه هوية ومعنى وحضورا، لا يجد من السهل طي صفحة مثقلة باعتراف اجتماعي عنوانه الوظيفة، حيث يقوم التواصل والتبادل على سؤال: ماذا تعمل؟ بدلا من: من أنت؟
فلا حاجة للسؤال عن ذواتنا وأسمائنا وهوياتنا، بقدر ما تمنح الوظيفة اعترافا يبدو حضاريا حين نلبس هوية الطبيب والمهندس والعسكري والسياسي.
سرعان ما تتلاشى تلك الأوهام الاجتماعية والنفسية بمجرد أن نجلس في المقهى أو نتجول في الأسواق، مع أنها فضاءات حيوية مليئة بالحضور، فلا شيء يمنحنا اعترافا في هذه الأماكن المكتظة بالمحالين إلى التقاعد إلا حضورا قائما على الابتكار والفن.
إن الخوف الذي يجتاحنا حين ندرك أننا سنترك مناصبنا مرتبط بكون الوظيفة هي التي تعرف الإنسان، بدل أن نمنحها معنى خاصا لكل ذات مبدعة، متفننة، تترك أثرا جميلا.
لذلك، حين نرى الحرفيين مثلا، نشاهد صورا مختلفة تماما عن ذاك الذي عاش حياته يطوي صفحات الإدارة ويكتب التقارير، متناسيا أن ما بين يديه لن يجده مستقبلا، حتى لو استُدعي ليكمل مسيرته المهنية مستشارا أو محللا إستراتيجيا في الإعلام، إذ سيتوقف حضوره على قدر استغلال المؤسسة له.
وبدل أن يكتشف نفسه جماليا، بأن ينظر إلى ما كان يزاحم تاريخه ويربك ذاكرته، يختار المضي قدما نحو فنائه.
ليس التقاعد نعشا للإنسانية، ولا نهاية لما يسمى الاعتراف الاجتماعي، بل هو مرحلة حقيقية لمعنى أن نكون أنا وأنت إنسانا، حين يفقد الجميع اعترافهم الوظيفي
ما بعد الوظيفة عالم مفعم بالإنساني، لا خيبات تحاكم الذات على تخليها عما رغبت فيه عقودا خلت. إنه مسار جديد نحو الذات، لاستكشاف عوالم تتداخل بالسعي تارة وبالشوق تارة أخرى؛ عوالم تمتحن الأشياء لا الإنسان، وتستذكر صورا لا تاريخا طوته عناوين كبرى، وحضورا اجتماعيا تتعزز فيه الخصوصية الذاتية بعيدا عن أحكام معلقة بحبل النجاة الذي تنسجه الوظيفة.
فما نعيشه اليوم يصرخ بأعلى صوته نعيا لموت الإنسان.
ليس التقاعد نعشا للإنسانية، ولا نهاية لما يسمى الاعتراف الاجتماعي، بل هو مرحلة حقيقية لمعنى أن نكون أنا وأنت إنسانا، حين يفقد الجميع اعترافهم الوظيفي.
وهو ليس عجزا عن المنافسة، ولا قصورا عن العطاء، بل استراحة محارب للاهتمام بذاته، من دون أنانية أو إفراط في حضوره الاجتماعي. فأي اتجاه سنختار؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق