السبت، 9 مايو 2026

هذا ما تخفيه هجمات 25 أبريل في مالي

هذا ما تخفيه هجمات 25 أبريل في مالي
كاتب وباحث مالي في الشؤون الأفريقية.

في الساعات الأولى من فجر 25 أبريل/نيسان بدت باماكو وبعض المناطق الأخرى وكأنها تستيقظ على يوم غير عادي.

أصوات الانفجارات المتتالية، وحالة الارتباك التي انتشرت سريعا بين السكان، والتدفق المتسارع للأنباء المتضاربة، كلها أوحت منذ اللحظة الأولى بأن البلاد أمام واحدة من العمليات الأمنية التي تختلف كثيرا عن الهجمات المعتادة التي عرفتها البلاد خلال السنوات الماضية.

خلال الساعات الأولى، سادت حالة من الغموض داخل العاصمة، خاصة مع تضارب المعلومات، وتداول مقاطع فيديو لم يكن معروفا مدى ارتباطها الحقيقي بالأحداث.

لكن مع مرور الوقت، بدأت الصورة تتضح تدريجيا، وتبيّن أن ما جرى لا يقتصر على هجوم انتحاري منفرد، بل عملية واسعة ومنسقة، استهدفت أكثر من موقع داخل العاصمة باماكو ومحيطها، إلى جانب كاتي التي تُعد من أهم مراكز النفوذ العسكري والسيادي في البلاد، وكذلك كيدال وغاو وتساليت ومناطق أخرى. تكررت الهجمات بأساليب مختلفة، لكن بتوقيت متقارب ورسائل متشابهة.

ولم تمض ساعات حتى بدأت جماعات متعددة، بعضها مرتبط بحركات انفصالية، وأخرى بتنظيمات مصنفة "إرهابية"، تتبنى العمليات أو تعلن المشاركة فيها، رغم تباينها المعروف، ومرجعياتها السياسية والأيديولوجية.

استهداف محيط وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا حمل دلالة تتجاوز البعد العسكري المباشر.

فالهجوم الذي طال المنزل والمسجد المجاور خلال وقت صلاة الفجر بدا وكأنه رسالة نفسية بقدر ما هو عملية أمنية، خصوصا أن المكان المستهدف لا يرتبط فقط بشخصية عسكرية بارزة، بل بإحدى أكثر الدوائر تأثيرا داخل بنية السلطة الأمنية في البلاد.

ولهذا، بدا واضحا أن الهدف لم يكن فقط إحداث خسائر ميدانية، بل توجيه رسالة تقول إن الجماعات المسلحة لا تزال قادرة على الاقتراب من العمق الأكثر تحصينا داخل الدولة المالية.

أولا: دلالات التوقيت السياسي والعسكري للهجمات

أعتقد أن توقيت هذه الهجمات لم يكن عشوائيا. فدولة مالي تمر أصلا بمرحلة شديدة الحساسية سياسيا وأمنيا، في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة وتوترات إقليمية معقدة، إضافة إلى استمرار حالة عدم الاستقرار في أجزاء واسعة من البلاد.

لذلك يصعب التعامل مع ما جرى باعتباره مجرد عملية ميدانية منفصلة عن السياق العام؛ لأن مثل هذه الهجمات غالبا ما تحمل رسائل تتجاوز بعدها العسكري المباشر، سواء للداخل المالي، أو للأطراف الإقليمية والدولية المتابعة للمشهد.

وربما لهذا السبب جاء قرار آسيمي غويتا بتولي حقيبة الدفاع بنفسه في هذا التوقيت تحديدا.

فالسلطة تبدو مدركة أن المرحلة المقبلة لن تسمح بإدارة أمنية تقليدية، خاصة بعد الهجمات الأخيرة وما كشفته من حاجة إلى إعادة ترتيب الأولويات العسكرية والأمنية بشكل سريع.

ثانيا: طبيعة التنسيق بين الجماعات المسلحة والانفصالية

أخطر ما كشفته هذه الهجمات ربما لا يتعلق فقط بحجمها، بل بطبيعة التنسيق الذي ظهر بين جماعات تختلف ظاهريا في الخطاب والأهداف.

فما حدث لا يبدو تحالفا مفاجئا بقدر ما هو امتداد لتحولات طويلة شهدها شمال مالي ومنطقة الساحل منذ عام 2012، حيث دخلت الجماعات المسلحة في عمليات متواصلة من إعادة التموضع، والانشقاقات، وتبدل الولاءات.

وخلال السنوات الماضية، لم تكن الحدود الفاصلة بين الحركات الانفصالية والتنظيمات الإرهابية ثابتة دائما على المستوى الميداني، خاصة في المناطق التي تتداخل فيها المصالح المرتبطة بالحركة والتمويل والسيطرة على طرق النفوذ.

الجديد هذه المرة أن هذا التقاطع بين بعض الفصائل لم يعد يجري في الظل، كما كان يُعتقد سابقا، بل ظهر بصورة أكثر وضوحا وتزامنا على الأرض، وهو ما منح الهجمات بعدا سياسيا إضافيا.

ثالثا: قراءة في الرسائل التي أرادت هذه العمليات إيصالها

داخليا، لم تكن هذه الهجمات مجرد محاولة لإيقاع خسائر ميدانية، بل بدت وكأنها محاولة لإعادة فرض الشعور بعدم اليقين داخل المجال الأمني للدولة.

فاستهداف مواقع حساسة، والاقتراب من مراكز مرتبطة ببنية القرار العسكري، أعادا إلى الواجهة أسئلة قديمة حول قدرة السلطة على تأمين عمقها الإستراتيجي، وليس فقط أطرافها البعيدة.

وربما كان الأثر النفسي للهجمات، خاصة خلال الساعات الأولى وما رافقها من ارتباك وتضارب في المعلومات، أحد أبرز الرسائل التي أرادت الجماعات المسلحة إيصالها إلى الداخل المالي.

أما خارج مالي، فقد حملت هذه الهجمات رسالة واضحة: أن الصراع في منطقة الساحل لا يزال مفتوحا على احتمالات أكثر تعقيدا.

فرغم التحولات العسكرية والسياسية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، لا تزال الجماعات المسلحة قادرة على إعادة تنظيم نفسها، وتنفيذ عمليات متزامنة بهذا الحجم، وهو ما يكشف أن الأزمة الأمنية في الساحل لم تصل بعد إلى مرحلة الاستقرار الحقيقي.

رابعا: الفجوة بين الرواية الإعلامية والواقع الميداني

في الساعات الأولى بعد الهجمات لم يكن الواقع فقط ما جرى ميدانيا، بل الطريقة التي تشكلت بها الصورة حوله. كان هناك تباين واضح منذ البداية: روايات تتحدث عن انهيار واسع في بعض المواقع، وأخرى تعطي انطباعا بأن الوضع تحت السيطرة. وبين هذين الخطين، ضاع كثير من التفاصيل الدقيقة.

من خلال متابعة تطور الأحداث، يبدو أن الواقع لم يكن في أي من الاتجاهين بشكل كامل. لا انهيار شاملا، ولا سيطرة كاملة كما حاولت بعض السرديات إيصاله. ما حدث أقرب إلى ارتباك ميداني في أكثر من نقطة في وقت واحد، وهو ما جعل الصورة تتشكل بشكل متأخر ومتدرج.

من الواضح أيضا أن الهجمات، بتزامنها واتساعها، وضعت المنظومة الأمنية تحت ضغط مباشر في أكثر من موقع، وهذا ظهر في بطء الاستجابة في الساعات الأولى، قبل أن تبدأ القوات الحكومية في إعادة التموضع، واستعادة السيطرة على عدد من النقاط الحساسة داخل العاصمة ومحيطها.

لكن الأهم من ذلك، ليس فقط ما جرى على الأرض، بل كيف جرى نقله. كثير من المحتوى الذي انتشر في البداية كان خارج سياقه أو غير مكتمل، وهذا أمر متكرر في بيئات الأزمات، حيث تتحول المنصات الرقمية بسرعة إلى مصدر للروايات المتنافسة أكثر من كونها وسيلة لنقل صورة دقيقة.

في مثل هذه اللحظات، لا تكون المسألة مجرد نقل خبر، بل هو صراع مبكر على تفسير ما يحدث، قبل أن تكتمل الصورة أصلا على الأرض.

خامسا: سيناريوهات المرحلة المقبلة

يبدو أن السلطات في باماكو ستضطر في المرحلة المقبلة إلى تغيير طريقة تعاملها مع الملف الأمني، وإعادة ترتيب أولوياتها، خصوصا فيما يتعلق بحماية الطرق الرئيسية والمناطق المفتوحة خارج المدن؛ لأن ما ظهر خلال الهجمات الأخيرة يشير إلى أن الخطر لم يعد داخل المدن فقط، بل أصبح موجودا أيضا على طول الطرق التي تربط العاصمة ببقية المناطق.

وهذا يعني أن التركيز على تأمين المدن وحدها لم يعد كافيا، لأن جزءا مهما من التهديد أصبح خارجها، في مناطق يصعب فيها وجود أمني ثابت وقوي.

وعلى نطاق أوسع، قد يدفع هذا الوضع صناع القرار في باماكو إلى التفكير بطريقة أوسع من السابق، خاصة إذا استمر وجود تداخل بين الجماعات المسلحة داخل مالي، والجماعات النشطة في منطقة الساحل بشكل عام.

وفي النهاية، فإن ما سيحدد المرحلة القادمة ليس فقط قدرة الدولة على التعامل مع الهجمات داخل المدن، بل أيضا قدرتها على تأمين الطرق والمناطق البعيدة؛ لأن هذا هو المكان الذي يظهر فيه الضعف أكثر.

ختاما: ما حدث في 25 أبريل/نيسان لم يكن مجرد هجوم أمني عابر، بل هو مؤشر جديد على أن الصراع في مالي يدخل مرحلة أكثر تعقيدا وتشابكا.

فالمشكلة لم تعد فقط في قدرة الجماعات المسلحة على تنفيذ عمليات واسعة، بل أيضا في قدرتها على فرض حضور نفسي وإعلامي يتجاوز حدود الميدان نفسه.

وربما يكون التحدي الأصعب أمام الدولة المالية خلال المرحلة المقبلة ليس فقط حماية المدن الرئيسية، بل استعادة السيطرة على المجال الجغرافي الذي يربط بينها، في ظل استمرار التهديدات الأمنية واتساع حالة الهشاشة خارج المراكز الحضرية.



ماريغا ماسري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق