‏إظهار الرسائل ذات التسميات جِيفري ساكس وسيبيل فارس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات جِيفري ساكس وسيبيل فارس. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 20 يوليو 2026

بعد 65 عاما وقعت أمريكا في محظور أيزنهاور

بعد 65 عاما وقعت أمريكا في محظور أيزنهاور
أوكرانيا.. حرب أمريكا الدائمة بالوكالة على روسيا

جِيفري ساكس وسيبيل فارس



بعد 65 عاما وقعت أمريكا في محظور أيزنهاور
بقلم
 جِيفري ساكس
اقتصادي أمريكي بارز، ومدير معهد الأرض السابق في جامعة كولومبيا. كبيرة المستشارين لشبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

في خطاب وداعه في يناير/كانون الثاني 1961، حذّر دوايت أيزنهاور الأمريكيين من "اكتساب المجمّع الصناعي العسكري نفوذا لا مبرر له، سواء سُعِيَ إليه أم لم يُسْعَ"، ومن خطر أن "تصبح السياسة العامة نفسها أسيرة لنخبة علمية-تكنولوجية".

وبعد 65 عاما، تأكّدت تحذيرات أيزنهاور مرارا وبشكل مأساوي؛ فالديمقراطية الأمريكية تتدلّى بخيط رفيع، بينما يدير المجمّع الصناعي العسكري، الذي بات يشمل الآن وادي السيليكون، السياسة الخارجية الأمريكية رغم اعتراضات الشعب الأمريكي.

والهدف هو التفوق الأمريكي، أي ضمان تدفق الثروة والقوة والامتيازات التي لا يُنازَع فيها للنُّخب الأمريكية، دون أن تكبحها أي دولة أخرى أو مجموعة دول.

وما يعنيه هذا عمليا هو أن وول ستريت، ومقاولي التسليح، ووادي السيليكون، وكبرى شركات النفط، يتحكّمون في السياسة الخارجية الأمريكية بما يعظّم ثروة النخبة ووصولها إلى الموارد العالمية وسلاسل التوريد ونقاط الاختناق الإستراتيجية، وعلى بقية العالم أن ينصاع.

يستخدم المجمّع الصناعي العسكري مجموعة أدوات نلخصها بعبارة "السيطرة على الأنظمة"، موجّهة نحو إخضاع سائر حكومات العالم للولايات المتحدة.

في خطاب وداعه في يناير/كانون الثاني 1961، حذّر دوايت أيزنهاور الأمريكيين من "اكتساب المجمّع الصناعي العسكري نفوذا لا مبرر له، سواء سُعِيَ إليه أم لم يُسْعَ"

ومن بين أدوات السيطرة على الأنظمة: فرض الحواجز التجارية أو رفعها، وإتاحة التكنولوجيا أو الحرمان منها، وفرض العقوبات الاقتصادية أو إلغاؤها، وامتلاك الإعلام الأجنبي والتلاعب به، والتدخّل الانتخابي بدرجات متفاوتة، والاغتيالات السياسية، والثورات الملوّنة، والانقلابات المدعومة من وكالة الاستخبارات المركزية.

وذلك إلى جانب إثارة موجات سحب الودائع من البنوك في الخارج، وتقديم القروض الطارئة حين ترضخ الدول، وتجميد الأصول الأجنبية أو رفع التجميد عنها، واستهداف المسؤولين الأجانب بمزاعم الفساد أو التسليم أو الاختطاف.

إعلان

وحين لا يكفي أي من هذا لتحقيق السيطرة على الأنظمة، تأتي الحرب المباشرة. وحروب الولايات المتحدة الاختيارية (وهي في الحقيقة حروب من أجل السيطرة على الأنظمة) دائمة ومربحة لصناعات الحرب، وإن كانت الدولة العميقة تفضّل عادة أن ترضخ الحكومات الأخرى دون قتال.

المحاور الجيوسياسية والتفوّق الأمريكي

لقد بيّن كتاب زبيغنيو بريجنسكي "رقعة الشطرنج الكبرى" (عام 1997) هدف السيطرة على الأنظمة بصراحة لافتة.

فأوراسيا هي الرقعة التي يجب أن يُؤمَّن عليها التفوّق العالمي لأمريكا. ولكي تنجح، ينبغي لأمريكا أن تهيمن على "المحاور الجيوسياسية"، أي الدول غير المهمة لأمريكا في ذاتها لكنها مفيدة لإضعاف قوة كبرى أخرى.

وقد سمّى بريجنسكي محاور جيوسياسية رئيسية، كان أهمها أوكرانيا. وأعلن مرارا أن روسيا من دون أوكرانيا تكفّ عن كونها قوة عظمى.

وحدد إيران بوصفها محورا آخر، فالسيطرة على إيران تؤمّن قبضة أمريكا على الخليج، ونفط الشرق الأوسط، ومنطقة بحر قزوين. وليس من المستغرب أن تشتعل الحروب الأمريكية في كلا الموضعين.

وهذا مهمّ لفهم قرارات 6 رؤساء بدوا مختلفين ظاهريا، لكنهم جميعا انتهجوا سياسة واحدة متسقة تجاه أوكرانيا.

فقد شرع بيل كلينتون في توسيع حلف الناتو ليشمل أوكرانيا وغيرها من الدول المتاخمة لروسيا، معوّلا على أن روسيا أضعف من أن تعترض.

من بين أدوات السيطرة على الأنظمة: فرض الحواجز التجارية أو رفعها، وإتاحة التكنولوجيا أو الحرمان منها، وفرض العقوبات الاقتصادية أو إلغاؤها، وامتلاك الإعلام الأجنبي والتلاعب به، والتدخّل الانتخابي بدرجات متفاوتة، والاغتيالات السياسية، والثورات الملوّنة، والانقلابات المدعومة من وكالة الاستخبارات المركزية

وافترض هو والرؤساء الذين تلوه أن روسيا ستقبل في نهاية المطاف بمكانتها العالمية المتضائلة، وستقبل بواقع الناتو على حدودها، وستستقر في دور تابع يتمثل في تزويد الغرب بالمواد الخام ضمن أوراسيا تنتظمها أمريكا.

أطلق كلينتون توسيع الناتو في تسعينات القرن الماضي، متجاوزا تحذير جورج كينان من أنه "أفدح خطأ في السياسة الأمريكية طوال حقبة ما بعد الحرب الباردة بأكملها"، وعلى الرغم من التطمينات المُلزِمة قانونا التي قدّمتها الولايات المتحدة لغورباتشوف عام 1990 بأن الناتو لن يتحرّك "بوصة واحدة شرقا".

ثم انسحب جورج بوش الابن من معاهدة الحد من منظومات القذائف المضادة للصواريخ الباليستية، وفي قمة بوخارست عام 2008 ألزم الناتو بمنح العضوية لأوكرانيا وجورجيا، متخطّيا ما وصفه ويليام بيرنز، السفير آنذاك في موسكو ثم مدير وكالة الاستخبارات المركزية لاحقا، في مجالسه الخاصة بأنه "أوضح الخطوط الحمراء جميعاً" لدى النخبة الروسية بأسرها.

وقد دعمت إدارة أوباما إطاحة ميدان عام 2014 بحكومة أوكرانيا المنتخبة والمحايدة (ونحن نعرف ذلك من مكالمة فيكتوريا نولاند المُعترَضة التي تناقش فيها اختيار رئيس الوزراء المقبل)، ثم أيّدت سعي النظام الجديد للانضمام إلى الناتو.

وأرسل ترمب، في ولايته الأولى، منظومات جافلين إلى النظام المدعوم أمريكيا في كييف لقتال دونباس الانفصالية الناطقة بالروسية. وتجاهل بايدن مسوّدات المعاهدات الأمنية الروسية في ديسمبر/كانون الأول 2021 دون تفاوض، وأجهض الاتفاق شبه المكتمل بين روسيا وأوكرانيا في إسطنبول في ربيع عام 2022، وهو ما كان كفيلاً بإنهاء الحرب. وهكذا تستمرّ الحرب إلى يومنا هذا.

وعود ترمب الجوفاء بإنهاء الحروب

خاض دونالد ترمب حملته الانتخابية عام 2024 بوصفه الرجل الذي سيُنهي حروب أمريكا الأبدية، وقد تبيّن أن هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة.

إعلان

افتُتِح عام 2025 بمسرحيات، منها إهانة زيلينسكي في المكتب البيضاوي في فبراير/شباط، والتهكّم بأن أوكرانيا لا تملك "أوراقا". وفي مارس/آذار تعليق دام أسبوعا لتبادل الاستخبارات الأمريكية مع كييف.

وقد أثبت ذلك الأسبوع أمرين:

أولا، أن هذه حرب أمريكية: فبمجرّد حرمان أوكرانيا من الاستخبارات الأمريكية أياما معدودة، تراجعت قدرتها على الضربات العميقة ووعيها بميدان المعركة تراجعا ملحوظا.

ثانيا، أن ضغط البيت الأبيض لم يكن موجها نحو السلام مع موسكو بل نحو الطاعة من كييف. ثم أُعيد فتح صنبور السلاح الأمريكي، وما تلا ذلك، خلف واجهة من القمم والمكالمات الهاتفية، كان أكثر تصعيد منهجي للدور العسكري الأمريكي منذ عام 2022.

في يونيو/حزيران 2025، وقّع ترمب الأمر التنفيذي 14307، المعنون "إطلاق الهيمنة الأمريكية في مجال الطائرات المسيّرة"، موجها بإعادة بناء القاعدة الصناعية الأمريكية للطائرات المسيّرة، ومُوعِزا بأن على البنتاغون "أن يكون قادرا على شراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة عالية الأداء ودمجها والتدرب باستخدامها".

ضغط البيت الأبيض لم يكن موجها نحو السلام مع موسكو بل نحو الطاعة من كييف. ثم أُعيد فتح صنبور السلاح الأمريكي، وما تلا ذلك، خلف واجهة من القمم والمكالمات الهاتفية، كان أكثر تصعيد منهجي للدور العسكري الأمريكي منذ عام 2022

وفي يوليو/تموز، أقام وزير الدفاع هيغسيث عرضا للطائرات المسيّرة في البنتاغون وأزال قيود الشراء لـ"إطلاق" الهيمنة العسكرية في مجال الطائرات المسيرة؛ وفي الشهر ذاته، سأل ترمب زيلينسكي في مكالمة، وفق ما نقلته صحيفة فايننشال تايمز لاحقاً، عمّا إذا كان بوسع أوكرانيا ضرب موسكو إذا زُوِّدت بأسلحة أبعد مدى.

ومنذ منتصف صيف عام 2025، زوّدت الولايات المتحدة الاستخبارات اللازمة لحملة أوكرانيا بالطائرات المسيّرة بعيدة المدى ضد المصافي الروسية وخطوط الأنابيب ومحطات الطاقة، مُشكِّلة تخطيط المسارات والارتفاع والتوقيت وقرارات المهام؛ بل، حسب رواية بعض المسؤولين، مُحدِّدة أولويات الأهداف بنفسها.

وفي أغسطس/آب جاءت قمة ألاسكا موحية بالدبلوماسية، لكن في الوقت نفسه جرى بيع ذخائر الهجوم بعيدة المدى لأوكرانيا، على أن يدفع ثمنها الحلفاء الأوروبيون.

وبحلول أكتوبر/تشرين الأول، كان ترمب قد أذِن رسميا للبنتاغون وأجهزة الاستخبارات بتزويد أوكرانيا ببيانات تحديد الأهداف لضرب البنية التحتية للطاقة الروسية في عمق روسيا، وهي خطوة كانت إدارة بايدن نفسها قد رفضتها باعتبارها بالغة التصعيد، بينما ضغطت واشنطن على حلفاء الناتو لفعل الشيء ذاته، وتناقشت علنا بشأن صواريخ توماهوك القادرة على بلوغ موسكو.

وطوال ذلك، أبقى مدير وكالة الاستخبارات المركزية راتكليف حضور الوكالة في أوكرانيا عند أعلى مستوياته، وزاد تمويل برامجها هناك، ونسّق الضربات الأوكرانية على المصافي الروسية بمشاركة معلومات استخباراتية عن مواطن ضعف البنية التحتية، وقاد ترمب بصبر نحو مباركة الحملة.

وقد تبيّن أن الولايات المتحدة كانت قد أنفقت المليارات في بناء برنامج الطائرات المسيّرة الأوكراني منذ البداية، في مسعى دعمته وكالة الاستخبارات المركزية طوال الوقت.

كثيرا ما يُدلي ترمب بتصريحات مجانبة للحقيقة، ويبدو الكثير منها وليد ارتجال يعكس شخصية مندفعة وشديدة الاعتداد بنفسها. غير أن تصريحاته ذات التبعات المؤثرة تتسم بكونها ممنهجة وتصب في اتجاه واحد: خدمة المجمع الصناعي العسكري.

المختبر

يقدّم تحذير أيزنهاور من أن السياسة الأمريكية ستقع أسيرة نخبة علمية-تكنولوجية سببا محددا لإبقاء الولايات المتحدة على حرب أوكرانيا.

فقد أصبحت أوكرانيا مختبرا فريدا بالذخيرة الحية لحرب الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع: ملايين الطلعات للطائرات المسيّرة، وسباق تكيّف متواصل ضد الحرب الإلكترونية لخصم نِدّ، وآلاف الساعات من بيانات القتال التي تشكل أثمن أصل عسكري للذكاء الاصطناعي على وجه الأرض.

وفي قلب هذا تجلس شركة بالانتير، التي وُلِدت من تمويل أولي لوكالة الاستخبارات المركزية، وتدير مشروع "مايفن" لتحديد الأهداف في البنتاغون، وتتغلغل في المؤسسة الأمنية البريطانية عبر بابٍ دوّار يضم مديرا سابقا للاستخبارات البريطانية "إم آي 6" (MI6) من بين أكثر من 30 مسؤولا بريطانيا وظّفتهم الشركة أو تعاقدت معهم.

ويتباهى رئيسها التنفيذي علنا بأن برمجيات بالانتير تنجز "معظم عمليات تحديد الأهداف" التي تقوم بها أوكرانيا.

وفي يناير/كانون الثاني 2026 أعلنت وزارة الدفاع الأوكرانية أن بالانتير تبني "قاعة بيانات Brave1" لتغذية أدمغة الذكاء الاصطناعي في الطائرات المسيّرة الاعتراضية ببيانات ميدان المعركة الفعلية.

أصبحت أوكرانيا مختبرا فريدا بالذخيرة الحية لحرب الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع: ملايين الطلعات للطائرات المسيّرة، وسباق تكيّف متواصل ضد الحرب الإلكترونية لخصم نِدّ، وآلاف الساعات من بيانات القتال التي تشكل أثمن أصل عسكري للذكاء الاصطناعي على وجه الأرض

وبحلول مايو/أيار، كان الوزير والرئيس التنفيذي يناقشان توسيع التعاون في تحليل ميدان المعركة والتخطيط العسكري، فيما وعدت الوزارة بأن "تنقل الحرب إلى الأراضي الروسية".

وليست إيران قصة منفصلة عن ملحمة أوكرانيا. تذكّروا أنه في جغرافيا بريجنسكي، يمثّل القوس الممتد من الخليج عبر بحر قزوين الجائزة الكبرى الثانية، وإيران محورها الأساسي.

وقد نُشِرت فرق الاعتراض الأوكرانية في الأردن ضد الطائرات المسيّرة الإيرانية، وتُسوَّق منظومات مكافحة الطائرات المسيّرة التي أثبتت جدواها ضد روسيا في الخليج، محوران جيوسياسيان، ورقعة شطرنج واحدة، ومصدر أساسي واحد لهاتين الحربين الاختياريتين: المجمّع الصناعي العسكري.

تحذير كيسنجر لأصدقاء الولايات المتحدة

يُنسَب إلى هنري كيسنجر قولٌ شهير يصارح به الأمم التي تستخدمها الولايات المتحدة ثم تلقي بها جانبا: قد يكون عداء الولايات المتحدة خطِرا، لكن صداقتها قاتلة.

أوكرانيا تحتضر على أيدٍ أمريكية، فبعد 30 عاما على إشارة بريجنسكي إلى أوكرانيا بوصفها المحور الجيوسياسي الرئيسي للتفوّق الأمريكي، أُفرِغت أوكرانيا ديموغرافيا وبُتِرت أراضيها، وسُحِقت شبكتها للطاقة، وعُلِّقت انتخاباتها، واختُزِلت سياستها إلى دسائس قصور فاسدة.

ويُظهِر الصدع الذي شهدته كييف هذا الشهر أنه في خضم ما تسمّيه التغطية الغربية عودة أوكرانيا الكبرى، حلّ زيلينسكي حكومته للمرة الرابعة في الحرب، وأرسل رئيس وزرائه نحو سفارة واشنطن لإدارة "الشريك الرئيسي"، وأقال على نحوٍ مقتضب ميخايلو فيدوروف، الوزير المحبوب الذي احتُفِي به بوصفه مهندس منظومة الطائرات المسيّرة. والبلد الذي يكسب حربه حقا لا يتصرّف على هذا النحو.

أما القسوة الأعمق فهي أن روسيا سعت، مرارا وعلى مدى 30 عاما، إلى ترتيب أمني مع الولايات المتحدة يعيش فيه البَلدان وجيرانهما في سلام واحترام متبادل وأمن غير قابل للتجزئة.

يُنسَب إلى هنري كيسنجر قولٌ شهير يصارح به الأمم التي تستخدمها الولايات المتحدة ثم تلقي بها جانبا: قد يكون عداء الولايات المتحدة خطِرا، لكن صداقتها قاتلة

لكن الولايات المتحدة لا تريد أمنا قائما على الاحترام المتبادل، إنها تريد التفوّق، وهو أمر مختلف تماما. وفي غمرة ذلك، تضحي بأوكرانيا وإيران على مذبح غطرستها.

ولا يتطلّب السلام في أوكرانيا سوى أن تتخلى الولايات المتحدة عن الغطرسة التي تمسّكت بها لعقود بأن روسيا يمكن الضغط عليها كي تستسلم، وأن تقبل بدلا من ذلك بأوكرانيا جسرا محايدا بين أوروبا وروسيا لا محورا جيوسياسيا يُستخدَم ضد روسيا.

لقد تنبّأ أيزنهاور بسبب صعوبة قبول السلام إلى هذا الحد: فالمجمّع الصناعي العسكري لا يؤثّر في السياسة فحسب، بل يحدّدها.

وإلى أن يستعيد الشعب الأمريكي ديمقراطيته من بالانتير وبلاك روك وسبيس إكس وشيفرون وأمثالها، ستبقى "مختبرات" ميدان المعركة مفتوحة، وستدفع أوكرانيا الثمن الفادح لـ"صداقة" أمريكا.

السبت، 20 يونيو 2026

أوقفوا "إسرائيل الكبرى" الآن لتحقيق السلام

أوقفوا "إسرائيل الكبرى" الآن لتحقيق السلام

جِيفري ساكس وسيبيل فارس
اقتصادي أمريكي بارز، ومدير معهد الأرض السابق في جامعة كولومبيا. كبيرة المستشارين لشبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.



حمل هذا الأسبوع شيئا طالما حرِم منه غرب آسيا: بصيص أمل. ففي الرابع عشر من يونيو/حزيران، اتفقت الولايات المتحدة وإيران على إطار لإنهاء حربهما. ومن المقرر أن يعاد فتح مضيق هرمز، وأن يتوقف قصف لبنان، والأهم من سعر النفط، أن يتوقف القتل. فبعد أكثر من مئة يوم من حرب أودت بحياة الآلاف، بمن فيهم كبار قادة إيران، ودفعت الاقتصاد العالمي إلى حافة الهاوية، تبدو حتى الهدنة الهشة وكأنها أول خيوط الفجر.

لنرحب بهذه الهدنة، ولكن قبل ذلك لا بد أن نفهمها أيضا. ولكي ندرك لماذا اندلعت هذه الحرب، وسلسلة الحروب التي سبقتها، علينا أن نسمي سببها المشترك. وهذا السبب هو "إسرائيل الكبرى"، لا الدولة بل الفكرة، وهي فكرة مروعة. لقد كانت فكرة "إسرائيل الكبرى" سببا للحروب في العراق، وغزة، ولبنان، وسوريا، وإيران.

تقوم فكرة "إسرائيل الكبرى" على أن إسرائيل تملك بحق كل فلسطين- من النهر (الأردن) إلى البحر (المتوسط)- وكذلك أجزاء من الدول المجاورة. ووفقا للسفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، وهو بروتستانتي أصولي بوصلته الجيوسياسية نص توراتي يعود إلى عام 700 قبل الميلاد، فإن "إسرائيل الكبرى" تمتد من النيل إلى الفرات. وفي الصيف الماضي، أعلن بنيامين نتنياهو تعلقه "الشديد" برؤية لـ"إسرائيل الكبرى" تضم، على حد قوله، الأراضي الفلسطينية والأراضي العربية المجاورة.

لهذه العقيدة العبثية والخطيرة أبوان. الأول هم المتشددون العلمانيون من أمثال نتنياهو، الذين يقولون إن إسرائيل يجب أن تسيطر على كل الأرض من النهر إلى البحر لتكون آمنة، وليذهب إلى الجحيم الثمانية ملايين فلسطيني الذين يقفون في الطريق. والثاني هو عقيدة التفوق اليهودي لدى بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، القائلة إن الله وهب الأرض لليهود وحدهم: فـعلى حد قول سموتريتش، "لا وجود لشيء اسمه الشعب الفلسطيني".

إعلان

وحين سئل مؤخرا عن كيفية رد إسرائيل على انهيار مكانتها العالمية، تعهد سموتريتش بأنها لن تتخلى عن السيطرة العسكرية على الضفة الغربية أو غزة، أو لبنان، أو الجولان: "لن ننتحر لإرضائهم". إن "إسرائيل الكبرى" هي جنون الارتياب وجنون العظمة والتعصب الديني، مضفورة في برنامج واحد.

كان ينبغي نبذ هذه العقيدة منذ أول ظهور لها قبل عقود. لكنها بدلا من ذلك وجهت العقيدة الخارجية والعسكرية لإسرائيل طوال ثلاثة عقود- وبقيت حتى اليوم؛ لأن نتنياهو خدع الولايات المتحدة. وقد فعل ذلك بالاعتماد على شريحتين أمريكيتين، هما: الصهاينة اليهود الذين يحبون إسرائيل وسيغفرون لها أي شيء، والصهاينة المسيحيون الذين يحبون نبوءة آخر الزمان والمجيء الثاني للمسيح أكثر مما يحبون أي فلسطيني حي، أو في واقع الأمر أي إسرائيلي حي. وقاد الوهم إلى وهم آخر، وامتد الطريق من حرب إلى التي تليها. لقد بلغنا الآن العام الثلاثين من هذا الإخفاق الذريع.

على العالم العربي وإيران أن يقولا للولايات المتحدة الحقيقة الصارخة في هذه اللحظة بالذات: إن القطيعة مع "إسرائيل الكبرى" هي الطريق الوحيد إلى سلام دائم

لم تكن الحرب على إيران سوى أحدث أوهام "إسرائيل الكبرى". فقد كان من المفترض أن تسقط حكومة تسعين مليون نسمة في يوم واحد مجيد. وبالطبع، لم يحدث ذلك. لقد قتلت القنابل الإسرائيلية والأمريكية قادة إيران في 28 فبراير/شباط، لكن القنابل لم تحقق الانهيار الموعود، بل لم تخلف إلا آلاف القتلى، ومضيق هرمز مخنوقا، وصدمة نفطية عالمية.

لقد شاهدنا هذا الفيلم من قبل. فالخطة الإسرائيلية-الأمريكية لإسقاط الأسد في سوريا كان يفترض أيضا أن تكون سريعة، في سنة أو سنتين على الأكثر. لكن ما جاء بدلا من ذلك كان 12 عاما من المجازر، غذتها حرب سرية سلحتها ومولتها وكالة المخابرات المركزية بدعم إسرائيلي متحمس، وبلدا عريقا تحول إلى أنقاض. إن انتصارات اليوم الواحد الموعودة تتحول دائما إلى مقابر تمتد لعقود.

لقد تلقى الرئيس ترمب الضربات جراء انضمامه إلى وهم "إسرائيل الكبرى"، وهو يدرك ذلك. والاتفاق الجديد مع إيران هو صمام نجاته، ومخرجه من حرب حمقاء لم يكن قادرا على كسبها يوما. وهذا بالضبط هو السبب الذي يجعل ساسة "إسرائيل الكبرى" يحاولون خنق الاتفاق الجديد في مهده؛ لأن السلام مع إيران هزيمة لـ"إسرائيل الكبرى". وحتى بينما كان الاتفاق يبرم، واصلت إسرائيل قصف بيروت، وهو ما قال ترمب نفسه علنا إنه "ما كان ينبغي أن يحدث".

وهنا تكمن الحقيقة الأعمق: إن "إسرائيل الكبرى" لا تنقذ إسرائيل، بل تقتلها. فالاحتكاك الظاهر الآن بين ترمب ونتنياهو ليس سوى السطح. أما تحته فيكمن انهيار مكانة إسرائيل في أنحاء العالم. ووفقا لـاستطلاع رأي حديث أجراه مركز "بيو"، باتت نظرة العالم إلى إسرائيل سلبية إلى حد بعيد.

وفي الولايات المتحدة، راعية إسرائيل التي لا غنى عنها، ينظر ستة من كل عشرة بالغين إلى إسرائيل نظرة سلبية. والدولة التي تجعل العالم يكرهها، ويكرهها حاميها الوحيد، لا تسعى إلى الأمن، بل تهدد بقاءها ذاته لتغذية وهم.

إعلان

ولذلك، فإن الطريق إلى السلام في غرب آسيا هو إيقاف "إسرائيل الكبرى". أنهوا الحرب على إيران، وأنهوا الإبادة الجماعية في غزة، وأوقفوا خنق الضفة الغربية. والأهم من ذلك كله، افعلوا ما تحرمه هذه العقيدة، أي إقامة دولة فلسطين بوصفها العضو الـ 194 في الأمم المتحدة إلى جانب دولة إسرائيل، على حدود عام 1967، مع أمن حقيقي للبلدين وإطار إقليمي يضمنه، بما في ذلك انسحاب إسرائيل من لبنان، وسوريا.

ويقدم وقف إطلاق النار مع إيران نموذجا مصغرا للقضية: فقد تحقق لا في ساحة المعركة بل عبر الوساطة، في اللحظة التي قررت فيها واشنطن أنها تريد السلام أكثر مما تريد حرب "إسرائيل الكبرى".

بإمكان إسرائيل أن تبقى، لكن ليس بوصفها "إسرائيل الكبرى"، تلك الفكرة الكارثية التي ساقتها وساقت الولايات المتحدة من حرب إلى أخرى. إن بصيص الأمل هذا الأسبوع حقيقي. أما أن يصبح فجرا حقيقيا فيتوقف على ما إذا كانت الولايات المتحدة ستسمح أخيرا بولادة فلسطين، ومن ثم تترك إسرائيل تعيش. على العالم العربي وإيران أن يقولا للولايات المتحدة الحقيقة الصارخة في هذه اللحظة بالذات: إن القطيعة مع "إسرائيل الكبرى" هي الطريق الوحيد إلى سلام دائم.