‏إظهار الرسائل ذات التسميات غازي التوبة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات غازي التوبة. إظهار كافة الرسائل

السبت، 25 يوليو 2026

عن "الهوية الوطنية السورية"

عن "الهوية الوطنية السورية"


الهوية الوطنية السورية" تشكلت تاريخياً ضمن إطار "الأمة الإسلامية العثمانية"، وأن الدين الإسلامي كان العامل الأهم في بناء شخصية المجتمع السوري وقيمه وثقافته..                                                                                      

كثر التساؤل في الآونة الأخيرة عن "الهوية الوطنية السورية"، وللإجابة عن هذا السؤال علينا أن نتساءل منذ متى ولدت "دولة سورية"؟ وما تاريخ وجود هذه التسمية؟

لقد ولدت "دولة سورية" من رحم الدولة العثمانية، وقد كانت المنطقة العربية التابعة للدولة العثمانية في آخر عهدها مقسمة إلى عدة ولايات منها: 
ولاية حلب، ولاية دمشق، ولاية بيروت، ولاية بغداد، ولاية البصرة، ولاية الموصل، ولاية الحجاز، ولاية اليمن وكانت هناك متصرفيتان وهما: القدس، وجبل لبنان.

وهناك بعض الولايات كانت قد انفصلت عن سيطرة الدولة العثمانية فعلياً لكنها بقيت مرتبطة بها إسمياً مثل: مصر وتونس والجزائر في القرن التاسع عشر.

من الواضح أن هذا التقسيم الإداري كان الهدف منه هو إدارة هذه المنطقة وتحقيق الأمن فيها، وتقديم الخدمات لها، وجلب الضرائب والزكوات منها إلخ...، لكن جميع هذه المناطق وغيرها من المناطق في أوروبا وآسيا وأفريقيا كانت تتبع الدولة العثمانية إدارياً وسياسياً وعسكرياً، وكانت جميعها تشكل "دولة إسلامية" تحت مسمى "الدولة العثمانية"، وكانت هذه الشعوب " تشكل "أمة إسلامية"، لأنها تجمعها "وحدة ثقافية" مستمدة من القرآن الكريم والسنة المشرفة واللغة العربية وقد أفرزت هذه "الوحدة الثقافية" عدة وحدات منها: "وحدة عقلية"، و"وحدة نفسية"، و"وحدة سياسية"، و"وحدة اجتماعية"، و"وحدة اقتصادية" إلخ..

ليس من شك بأن "ولايتي دمشق وحلب" اللتين هما جزء من "الدولة الإسلامية العثمانية" تحملان صفات مشتركة مع أهل هذه الدولة، من حيث أنهم شعب متدين، متكافل، يتطلع إلى إعمار الدنيا والفوز بالآخرة وينطلق من العبودية لله، ويتمسك باللغة العربية لأنها لغة القرآن الكريم ولغة العلوم، وهناك قيم حلال وحرام مشتركة، وهناك أخلاق اجتماعية مشتركة ويملكون عادات مشتركة.
لو تساءلنا الآن عام 1900 قبل الحرب العالمية الأولى عن "ولاية دمشق" و "ولاية حلب" اللتين أصبحتا تشكلان سورية فيما بعد، ما الدولة التي تنتمي إليها هاتان الولايتان؟ ومن أمتهما؟ وما هويتهما الوطنية؟

لوجدنا الجواب التالي دون أي تردد: أنهما تنتميان إلى الدولة العثمانية، وذلك واضح من ارتباطهما العسكري والسياسي والإداري والمالي بالسلطات في استامبول وأنهما تخضعان للسلطات المقيمة في استامبول وتتبعان في كل شؤونهما الوزارات الموجودة في إسطمبول.

أما عن السؤال الثاني وهو: من أمتهما؟ فهي "الأمة الإسلامية العثمانية" التي كانت امتداداً للأمة الإسلامية التي ولدت قبل مئات السنين.

أما عن السؤال الثالث وهو: ما هويتهما الوطنية؟ لو نقلنا أحد تعريفات الهوية الوطنية وهو: "الهوية الوطنية هي السمات والصفات الجوهرية المشتركة التي تميز جماعة وطنية عن غيرها وتكوّن شخصيتها، وتعبّر عن انتماء أفرادها إلى وطن واحد".

ليس من شك بأن "ولايتي دمشق وحلب" اللتين هما جزء من "الدولة الإسلامية العثمانية" تحملان صفات مشتركة مع أهل هذه الدولة، من حيث أنهم شعب متدين، متكافل، يتطلع إلى إعمار الدنيا والفوز بالآخرة وينطلق من العبودية لله، ويتمسك باللغة العربية لأنها لغة القرآن الكريم ولغة العلوم، وهناك قيم حلال وحرام مشتركة، وهناك أخلاق اجتماعية مشتركة ويملكون عادات مشتركة.

لو انتقلنا إلى سنة 1920، ففي هذه السنة دخل غورو إلى دمشق، وحكمت فرنسا سورية بناء على قرار "عصبة الأمم" واتفاق وزيري خارجية إنكلترا وفرنسا سايكس وبيكو في عام 1916، فأخذت فرنسا سوريا ولبنان، وأخذت إنكلترا العراق وشرقي الأردن وفلسطين بعد الحرب العالمية الأولى.

من الواضح أن "ولايتي دمشق وحلب" أخذتا اسم "سوريا"، وانتقلتا إلى حكم فرنسا، وشكلت فرنسا "الدولة السورية" وأصبحت تابعة للدولة الفرنسية، وبهذا انتقلت "ولايتا دمشق وحلب" إلى القيادة الفرنسية.

من المؤكد أن التغيير الذي حدث عندما جاءت فرنسا إلى الانتداب على سورية من قبل عصبة الأمم هو "الحكم"، لكن الشعب بقي على أخلاقه وقيمه ومبادئه التي كان عليها من قبل، وبقيت "هويته الوطنية" بنفس مواصفاتها السابقة التي كانت عليها في نهاية الحكم العثماني لـ "ولايتي حلب ودمشق".

وسنحاول أن ندرس كيف سارت هذه الأمور الثلاثة: وضع الحكم من جهة، ووضع الأمة من جهة ثانية، ووضع الهوية الوطنية من جهة ثالثة في الفترة التي تلت الانتداب الفرنسي على سوريا، وسيطرته على عليها بعد عام 1920، إلى سقوط حكم البعث في عام 2024 وهروب بشار الأسد.

من البين أن سوريا منذ مجيء الاستعمار الفرنسي عام 1920 إلى وصول البعث للحكم عام 1963 خضعت لحكم وطني عروبي ثم تدرج ليصبح حكماً قومياً عربياً شديد التعصب لهذه القومية.
فقد مر الحكم في سوريا بعدة مراحل، أما المرحلة الأولى للحكم فقد كانت تغلب عليه الصفة الوطنية العروبية مع التوجهات الدستورية بعد عام 1920-1946، ثم جاء جلاء الجيوش الفرنسية عن سوريا في عام 1946، وبدأت مرحلة جديدة ذات توجه قومي عربي، ووقع تحالف بين هذا التوجه القومي العربي في سورية مع التوجه القومي العربي في مصر، وأدى لقيام الوحدة عام 1958، ثم وقع الانفصال عام 1961، ثم قفز حزب البعث العربي الاشتراكي إلى الحكم عام 1963، وهو ذو توجه قومي عربي اشتراكي وقد تحول إلى حزب ماركسي في بعض المراحل.

من البين أن سوريا منذ مجيء الاستعمار الفرنسي عام 1920 إلى وصول البعث للحكم عام 1963 خضعت لحكم وطني عروبي ثم تدرج ليصبح حكماً قومياً عربياً شديد التعصب لهذه القومية.

وقد كان الفكر القومي العربي الذي قام في سوريا وغيرها من البلدان العربية كالعراق والأردن إلخ..، يعتبر أن المنطقة الممتدة من طنجة إلى الخليج العربي تحتوي أمة عربية واحدة لكنها مجزأة سياسياً تحت حكومات متعددة، وكان يعتبر أن هذه الأمة تقوم على عاملين، هما: اللغة والتاريخ.

وقد كان المفكرون القوميين الذين قالوا بأولوية عاملي اللغة والتاريخ في تكوين هذه الأمة العربية متأثرين بالنظرية الألمانية في تكوين الأمة التي تعتمد اللغة والتاريخ وقد اعتبر ساطع الحصري أن "عامل اللغة" يكوّن "روح الأمة" وأن "عامل التاريخ" يكون "ذاكرة الأمة".

لا شك أن هذه الجماهير والشعوب التي تسكن المنطقة الممتدة من طنجة إلى الخليج تشكل أمة واحدة لكنها لا تقوم على عاملين إثنين فقط هما: اللغة والتاريخ المشترك، فإن هذين العامين لا يستطيعان أن يفسرا الوحدة النفسية والعقلية والاجتماعية، والعواطف المشتركة، والعادات والتقاليد الواحدة والآمال والتطلعات الموحدة، بل لابد من إدخال عامل الدين الإسلامي لتفسير وجود "هذه الأمة"، وقيام هذه العوامل المشتركة، لقد سعى المفكرون القوميون إلى إخراج عامل "الدين الإسلامي" من وجوده في بناء هذه الأمة الممتدة من طنجة إلى الخليج.

ولم يأت إخراج عامل الدين الإسلامي من بناء هذه الأمة من طنجة إلى الخليج نتيجة دراسة موضوعية لتاريخ هذه الأمة، وإنما نتيجة إسقاط تجربة الحضارة الغربية التي أبعدت الدين فنهضت، وكذلك علينا أن نبعد الدين لننهض وهذا قياس خاطئ، وإسقاط مضلّل، لذلك كان فشل حزب البعث العربي الاشتراكي في تحقيق أبرز أهدافه وهي إقامة النهضة العربية التي حلمت بها الأجيال لعشرات السنين، والسبب أنه أقامها على أمة موهومة غير موجودة في أرض الواقع وهي "أمة عربية" تقوم على عنصري "اللغة والتاريخ" وليس هناك من "أمة عربية" تقوم على عنصري اللغة والتاريخ فقط، بل هي موجودة في خيال المفكرين القوميين، فالحقيقة إن الأمة الموجودة في أرض الواقع تقوم على عوامل "اللغة التاريخ والدين الإسلامي" وذلك لأن عامل الدين وقيمه وأفكاره ومبادئه متغلغلة في كل شأن من شؤون الأمة: اجتماعياً واقتصادياً وتربوياً وثقافياً وسياسياً وفنياً إلخ...، لذلك بدلاً من أن يتعامل مع الواقع كما هو ويبني عليه، ومن أبرز عوامل هذا الواقع هو الدين الإسلامي، لذلك فإن حزب البعث خاصة والفكر القومي عامة ونتيجة هذا الخطأ في التشخيص رأى أن واجبه أن يدمر عامل الدين وينزعه ويستأصله من كيان الأمة، لذلك فشل في أن يحقق نهضة وتحول إلى حزب "الطائفة العلوية" في سورية وحزب "العشيرة التكريتية" في العراق.

لم يأت إخراج عامل الدين الإسلامي من بناء هذه الأمة من طنجة إلى الخليج نتيجة دراسة موضوعية لتاريخ هذه الأمة، وإنما نتيجة إسقاط تجربة الحضارة الغربية التي أبعدت الدين فنهضت، وكذلك علينا أن نبعد الدين لننهض وهذا قياس خاطئ، وإسقاط مضلّل
وقد أصاب الدكتور محمود باكير عندما تحدث في كتابه "هندسة الهوية الوطنية.. سوريا المستقبل" عن أبرز مفكرين مؤسسَيْن لحزب البعث هما: ميشيل عفلق وزكي الأرسوزي، واعتبر أن آراءهما كانت تنطلق من "التفكير الرغاتي" وسمى مرحلتهما "المرحلة الرومانسية، وأعتقد أن ذلك نتيجة لعدم انطلاق الفكر القومي من الواقع، بل انطلاقه من فكر مسبق هو التجربة الأوروبية بشكل عام، واسقاطها على الواقع العربي، وكانت أبرز النتائج اعتبار الدين عامل هدم وتأخر وانحطاط في التجربة الأوروبية، لذلك يجب أن نبعد الدين الإسلامي ونقلعه من كيان المجتمع العربي، وأدى به هذا إلى أن يعيش فقراً ثقافياً، جعل حزب البعث ينزلق إلى الماركسية حيناً، والطائفية والعشائرية حينا آخر، وإلى القطرية حيناً ثالثاً كما ذكرت في سطور سابقة.

لكن عامل الدين بقي حيا في قلوب السوريين وعقولهم وثقافتهم وأفكارهم وفي شوارعهم وحواريهم ويدل على ذلك الثورة التي انفجرت في وجه نظام البعث عدة مرات في سوريا بدءاً من عام 1964 عندما بدأت الثورة من جامع السلطان في حماة، ثم قامت ثورة أخرى من الجامع الأموي 1965 ثم ثورة 1980 والتي شملت مختلف المدن السورية وانتهت بتدمير حماة عام 1982م، ثم ثورة عام 2011 والتي كانت جماهيرها انطلقت من كل مساجد سورية، وكانت قيم الشهادة والتضحية والبذل هي التي تدفع الجماهير السورية إلى مواجهة الآلة العسكرية لنظام البعث والصبر على جحيم الهجرة والسجون والتدمير والتعذيب إلى أن كان النصر حليف السوريين في النهاية وسقوط نظام بشار عام 2024.

لذلك فإن الدرس الذي يجب أن تستوعبه سوريا الجديدة، وتنطلق منه كحقيقة موضوعية متجذرة في كل مناحي وجود سورية البشري والعقلي والنفسي والوجداني والاقتصادي والاجتماعي والسياسي والتربوي إلخ.. هو الدين الإسلامي فتعطيه المكانة التي يستحقها كعنصر بناء، فتنطلق منه بالإضافة إلى العوامل الأخرى مثل: اللغة والتاريخ والتراث والآمال المشتركة لبناء سورية جديدة تكون رافعة لأمة عظيمة، كما كانت على مدار العصور السابقة.

الخلاصة:

تقوم هذه الرؤية على أن "الهوية الوطنية السورية" تشكلت تاريخياً ضمن إطار "الأمة الإسلامية العثمانية"، وأن الدين الإسلامي كان العامل الأهم في بناء شخصية المجتمع السوري وقيمه وثقافته، إلى جانب اللغة العربية والتاريخ المشترك وعوامل أخرى. وترى أن الانتقال من الحكم العثماني إلى الانتداب الفرنسي ثم إلى الدولة السورية الحديثة غيّر البنية السياسية للدولة، لكنه لم يغيّر الأسس الثقافية والدينية للمجتمع.

كما تعتبر أن الفكر القومي العربي، وخصوصاً في مرحلة حكم البعث، اعتمد بصورة أساسية على اللغة والتاريخ في تعريف الأمة، وهو لم يهمل العامل الديني فحسب، بل عاداه، وقصد إلى اقتلاعه وانتزاعه من قلوب وعقول الشعب السوري، مما أدى إلى الفشل في تحقيق الوحدة والنهضة المنشودة وإلى إضعاف الهوية الوطنية وإلى الفقر الثقافي وإلى الانزلاق إلى حكم "الطائفة العلوية".

وبحسب هذا الطرح، فإن استمرار حضور الدين الإسلامي في المجتمع السوري رغم السياسات الرسمية المختلفة يدل على عمق ارتباطه بالوجدان الشعبي.

وتخلص هذه الرؤية إلى أن بناء سوريا المستقبل يتطلب الاعتراف بالدين الإسلامي بوصفه أحد المكونات الأساسية للهوية الوطنية، إلى جانب اللغة والتاريخ والتراث والآمال المشتركة، بما يسهم في تحقيق التماسك المجتمعي وبناء دولة قوية ومستقرة.

الخميس، 9 أبريل 2026

هل تاريخ أمتنا تاريخ استبداد؟

  هل تاريخ أمتنا تاريخ استبداد؟



غازي التوبة

لم تعرف أمتنا الاستبداد بالصورة التي عرفها المجتمع الإقطاعي الغربي.. وقد كانت قيادة العلماء موازية لسلطات الأمراء على مدى التاريخ الإسلاميِّ تحد من الظلم حينًا وتبطله أحيانًا. 

يصف كتاب كثيرون تاريخنا بأنه تاريخ استبداد، وإذا أرادوا أن يكونوا كرماء -حسب زعمهم- فإنهم يستثنون منه فترة بسيطة وهي فترة الخلفاء الراشدين وفترات لأسماء أخرى معروفة مثل فترة عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- وقد اعتبر بعض هؤلاء الكتاب أن الاستبداد السبب في كل أمراضنا الاجتماعية الأخرى، وهو الذي أفسد حياتنا كلها، وهو السبب الرئيس في تأخرنا وانحطاطنا، ومما يؤكد ذلك تخصيص كاتب مثل عبد الرحمن الكواكبي كتابًا لذلك المفهوم سماه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» ألفه عام ١٩٠٢م، ومشكلتنا مع أولئك الباحثين أنهم لا يصدرون أحكامهم على تاريخنا انطلاقًا من الدراسات المعمقة والمستقلة لذلك التاريخ، بل يسقطون عليه الأحكام الخاصة بتاريخ الحضارة الغربية من مثل صراع العلم والدين، والانحطاط ورجال التنوير، والنهضة... إلخ، أو يسقطون عليه نظريات غربية خاصة لتحليل التاريخ الغربي كالماركسية فتجد أحكامًا من مثل طبقة البروليتاريا، وطبقة البرجوازية، والصراع الطبقي، ودكتاتورية البروليتاريا... إلخ فتكون النتيجة ظلم تاريخنا وظلم الحقيقة وظلم تلك المصطلحات والأحكام.

وفي مجال حديثنا عن الاستبداد تصبح الديمقراطية الغربية هي النموذج البديل المطلوب، فإن لم تكن موجودة بكل تفصيلاتها الحالية من أحزاب وانتخابات وبرلمان ووزارة مسؤولة أمام البرلمان.. إلخ جرى الحكم على تاريخ الأمة بنقيض ذلك وهو الاستبداد، وعندما نتحدث عن الديمقراطية نتساءل ما الذي تستهدفه الديمقراطية وغيرها من أنظمة الحكم السياسي الجواب: إقامة العدل، وتحقيق المساواة، وإعطاء الفرص لجميع أبناء الأمة في تبادل الرأي حول شؤونها، وإعطاؤهم الفرصة كذلك للمساهمة في حل قضاياها... إلخ، وهذه الأهداف يمكن أن تتحقق باليات متعددة وليست مقصورة على الآليات التي صاغها النظام الديمقراطي، لذلك فإن تاريخنا السياسي قد ظلم -في تقديري- من ثلاث نواح:

الأولى: إسقاط كثير من الأحكام الخاصة بالحضارة الغربية عليه.

الثانية: عدم دراسة مسيرته السياسية بشكل مستقل.

الثالثة: جعل النموذج الغربي الحالي هو الذي تقوم على أساسه حضارتنا وتاريخنا في الاقتصاد والاجتماع والسياسة... إلخ. والآن لنرَ من أين جاء مفهوم الاستبداد؟ وهل يمكن تطبيقه على تاريخنا وكيف جرى الحكم في تاريخنا؟ وما أبرز آلياته؟

 جاء مفهوم الاستبداد من النظام الإقطاعي الغربي في العصور الوسطى، حيث كان يملك الإقطاعي فيه الأرض ومن عليها من بشر وحيوان ونيات وشجر، ويتحكم فيهم حسب أهوائه ومزاجه وحسب ما يروق له دون وجود القانون يرسم أفقًا أو حدًا لتصرفاته وأعماله، لذلك عندما جاءت الثورات التي انبثقت عن المرحلة البرجوازية وحملت معها الدستور، اعتبرت هذه الوثيقة «الدستور» التي تحدد بعض جوانب العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتبين واجبات الحاكم والمحكوم وحقوقهما، اعتبرت نهاية لعهد الاستبداد لأنها انتقلت في العلاقة بين الحاكم والمحكوم من العلاقة غير المحددة بأي قواعد أو ضوابط إلى العلاقة المحددة ببعض القواعد والضوابط ولكن هذه الخاصية كانت موجودة منذ اللحظة الأولى في تاريخنا حيث كان القرآن الكريم دستورًا لأمتنا لم يحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم فحسب بل فصل علاقة الحاكم بالمحكوم وبين واجبات الحاكم من مثل: وجوب الشورى، وإقامة الصلاة، وجباية الزكاة وتوزيعها في مصارفها المحددة، ونشر الدين، وتحديد العقوبات التي يمكن أن يوقعها الحاكم على المحكومين من مثل حد السرقة، وحد الزني، وحد الحرابة وحد شرب المسكرات... إلخ، وبين واجبات المحكوم من مثل: الطاعة طالمَا أن الحاكم مطيع الله ورسوله ﷺ، والنصح للحاكم، ودفع الزكاة والاستجابة لداعي الجهاد... إلخ إذن هذه التحديات التي شرعها الإسلام في مجالات الحاكم والمحكوم وفي العلاقة بينهما وفي علاقتهما بالآخرين أزالت سببًا رئيسًا من أسباب الاستبداد، والآن لنرَ كيف كانت علاقة الحاكم بالمحكوم والراعي بالرعية على مدار القرون السابقة؟

لقد أنشأ الرسول محمد صلى الله عليه وسلم الأمة الإسلامية، وقامت علاقته مع رعيته ﷺ على العدل والمساواة والشورى والرحمة والرأفة والحكمة والعلم... إلخ وكانت نموذجًا للعلاقة المثالية بين الحاكم والمحكوم ولن نفصل في صورتها وحيثياتها لأن خصومنا أو مجادلينا قد يحتجون بأنه لا مجال للمحاججة بخصوص علاقة الرسول ﷺ بالصحابة لأنه نبي تسدد السماء علاقته برعيته، وينزل عليه جبريل بالحق بخصوصها، وأما الخلفاء الراشدون فيسلم معظم الدارسين بأن العلاقة بينهم وبين رعيتها كانت سليمة ومشرقة وإيجابية وقريبة من صورة علاقة الرسول ﷺ بصحابته -رضي الله عنهم-وحققت العدل والمساواة والشورى والرحمة... إلخ لذلك لن نخوض في تفاصيلها مادامت ليست مجال اختلاف، لكن العصور التالية هي مجال الاتهام بالاستبداد، ونحن من أجل تقرير وجهة نظر صائبة في هذا الموضوع لن نستطيع أن نستقصي في هذا المقال كل وقائع التاريخ الأموي والعباسي والمملوكي والعثماني من أجل استخلاص أحكام دقيقة في مجال الحكم من جهة، ولن نستطيع أن نستقصي كل تفصيلات علاقات الحاكم الإسلامي برعيته خلال كل ذلك التاريخ الطويل من أجل تقرير مدى قربها أو بعدها عن الاستبداد من جهة ثانية، فذلك يحتاج إلى دراسات متعددة نسأل الله العون على تدوينها في أيام قادمة، لكن يكفي في هذا المقال إعطاء مؤشرات عن اتجاه الحكم وعن مدى سلامة علاقة الحاكم بالمحكوم في ذلك التاريخ الطويل، وهو ما سنجتهد أن نقوم به.

الخلافة الراشدة:

تميزت فترة الخلافة الراشدة بأن الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم- كانوا أمراء الأمة وعلماءها في الوقت نفسه، لكن العهد الأموي شهد ظهور قيادتين للأمة هما: قيادة الأمراء وقيادة العلماء ثم استمر الأمر على هذا المنوال في العهود التالية: العباسية، والمملوكية، والعثمانية، وقد كانت قيادة الأمراء تأخذ شرعيتها من التزامها بالشريعة الإسلامية وهذا ما يمكن أن نعتبره أول عامل ينفي عنها صفة الاستبداد -كما وضحنا ذلك في بداية الحديث- لأنه كان يحدد علاقتها ،برعيتها، ويوضح واجبات وحقوق الطرفين الراعي والرعية، كما أنها «أي قيادة الأمراء» لم تكن تنفرد بقيادة جماهير المسلمين، بل كانت قيادة العلماء تشاركها في هذه القيادة من جهة، وتحاسبها على كثير من تصرفاتها من جهة ثانية مما يقلل من حجم ظلمها وفرصه ولا أريد أن أعدد أسماء العلماء الذين ساهموا في قيادة المسلمين على مدار التاريخ الماضي أو أعدد للمواقف التي تشير إلى محاسبتهم الأمراء، فالتاريخ مملوء بشواهد تدل على الأمرين السابقين، والأمر أجلى وأوضح من أن يحتاج إلى تعداد أو تدليل، ويكفي أن نذكر اسمين هما العز بن عبد السلام وابن تيمية ودورهما في تحريك الأحداث وتوجيهها في عصرهما.

ومما تجدر الإشارة إليه أن قيادة العلماء لم تبق في صورة أشخاص إنما تحولت إلى أشبه ما يكون بالمؤسسة مع مرور الزمن فأصبحت هذه القيادة تحتوي عدة وظائف في العهد العثماني منها: شيخ الإسلام الذي كان يسكن عاصمة الخلافة إسطنبول، ويأتي ترتيبه الثاني في البروتوكول الرسمي بعد الخليفة وقبل الصدر الأعظم الذي هو رئيس الوزراء، ومنها أيضًا القضاة والفقهاء، ونقباء الأشراف، وخطباء المساجد وأئمتها، والمؤذنون، والخدمة، والقراء، والوعاظ... إلخ وكان هؤلاء يأخذون رواتبهم من خلال الأوقاف وكان القضاة يقومون بالإضافة إلى قضائهم في الخصومات الشخصية والتجارية بتثبيت مشايخ الحرف وفض منازعاتهم. وكان القضاة بمثابة حكام شرعيين للأمة، وكانوا يقومون بدور صلة الوصل بين الوالي والأهالي، فينقلون أحكام الوالي إلى الأهالي، وينقلون رغبات الأهالي وطلباتهم إلى الوالي.

وبالإضافة إلى قيادة العلماء التي نافست الأمراء على نفوذهم عند جماهير المسلمين، وشاركتهم في هذا النفوذ ومنعت انفرادهم بالسلطة، برزت قيادات مدنية أخرى في المجتمع الإسلامي كانت تؤدي دورًا أخلاقيًا، أو اقتصاديًا، أو رقابيًا، أو ثقافيًا، أو اجتماعيًا.. إلخ، ومن هذه القيادات التي تطورت على مدار التاريخ الإسلامي: التنظيمات الحرفية، والطرق الصوفية، والحسبة، والأوقاف، وسأشير باختصار إلى دور كل منها خلال العهد العثماني لأنه -كما قلت- العهد الأكثر اتهامًا من غيره بالاستبداد.

فمن دراسة الحرف والصناعات نجد أن كل حرفة كانت تختار شيخها المناسب بإرادتها الذاتية المحلية، وكانت سلطة شيخ الطائفة تشمل إدارة شؤون أبناء الطائفة، والاهتمام بمشكلات والإشراف على تنفيذ اتفاقياتهم، والطلب من القاضي تسجيل هذه الاتفاقيات، وكان يرفع شكاوى الطائفة على طائفة أخرى إلى القاضي بنفسه، وكان الوالي يتصل بأصحاب الحرفة عن طريقه.

وكان شيخ الحرفة يمارس سلطته اعتمادًا على العلاقات التنظيمية والأخوية الصادقة التي كانت تربطه بأبناء الطائفة، فعلى المستوى التقني والتنظيمي يخضع التعليم الحرفي لتراتبية دقيقة بدءًا من المبتدئين إلى الصانع وإلى المعلم، وعلى قاعدة هذه التراتبية لشيخ الحرفة الحق في أن يشد بالكار «الصنعة» المبتدئين الماهرين فيصيرون صناعًا أو معلمين، وحفلة الشد حفلة ترفيع المبتدئ إلى صانع أو الصانع إلى معلم هي حفلة ذات طابع ديني، ويظهر ذلك في قراءة «الفاتحة» والأدعية والأناشيد النبوية التي تتخلل الحفلة، وإسباغ جو من الورع والتقوى على المشدود والحاضرين، والتشديد على «العهد» و «الميثاق» و«الأخوة» أمام الله والجماعة، وكان المشدود يعاهد المعلم على أن يلتزم بقواعد منها الإتقان، عدم الغش والتسعيرة العادلة التضامن مع رفاق المهنة... إلخ.

 وكان هناك «شيخ مشايخ الحرف أو شيخ التجار» وكان يعين بإجماع التجار ويشترط فيه أن يكون صاحب دين وأخلاق وأهلًا للمشيخة لائقًا بها، وأن يختاره ويرضي به كامل التجار وأن يوافق القاضي والسلطان على تعيينه، وكانت مهمة هذا الشيخ تشمل الإشراف على كل طوائف الحرف ومشايخها، ويقوم بصلة الوصل بين الوالي والقاضي من جهة، وهذه الطوائف من جهة أخرى ولا يتم أي تغيير إلا بعلمه ورأيه وكان مشايخ الحرف كلهم ينتخبون بحضوره ويزكون بتزكيته.

لقد نشأت الطرق الصوفية في العهد العباسي، لكنها تغلغلت في كل زوايا المجتمع في العهد العثماني، فقد تداخلت مع التنظيمات الحرفية. كما تداخلت مع الجيش الإنكشاري الذي أسس أمجاد الخلافة العثمانية، والذي ارتبط بالطريقة البكتاشية، وقامت الطرق الصوفية بدور تهذيبي وامتلكت الدور والمدارس والخانات والزوايا... إلخ وكانت إحدى الحلَقات الفاعلة في حياة المسلمين بعيدًا عن قيادة الأمراء.

الحسبة..

نشأت الحسبة في مرحلة مبكرة من تاريخ المجتمع الإسلامي، ثم تطورت فأصبح برأسها محتسب ومعه محتسبون معاونون مهمتهم المحافظة على الآداب، والأخلاق والنظافة والحشمة ومنع الغِشّ وعدم الاختلاط.. ود كانت تهدف أن تجعل الأخلاق الإسلامية سجية وطبعًا ليبقى المجتمع محافظًا على شخصيته وهويته.

 أما الأوقاف فقد شغلت ثلث ثروة العالم الإسلامي وقامت بدور اجتماعي وثقافي واقتصادي، فقد أنشأت المدارس والمكتبات، وأنفقت على العلماء وطلاب العلم، كما كلفت بعض العاملين بنسخ الكتب من أجل إيقافها على طلاب العلم، كما أنشأت الأوقاف المستشفيات التي كانت تعالج الناس مجانًا، كما أنشأت الخانات التي كانت تؤوي الناس على الطرقات كما أوقفت الدور التي تساعد الفقراء وتؤويهم وتطعمهم... إلخ.

الخلاصة: لم تعرف أمتنا الاستبداد بالصورة التي عرفها المجتمع الإقطاعي الغربي في العصور الوسطى، ومثل التزام الأمراء المسلمين بتنفيذ الشريعة الإسلامية الشرط الأول لمنحهم الشرعية من قبل الأمة كما مثل هذا الالتزام نفيًا للاستبداد لأنه الوثيقة الدستورية التي اعتبر الغرب وجود مثلها إنهاء للاستبداد في حياته السياسية وقامت قيادة العلماء بدور القيادة الموازية لقيادة الأمراء على مدار التاريخ الإسلامي مما جعلها تواجه ظلم الأمراء فتقلل من حجمه حينًا، وتبطله حينًا آخر، كما قامت مؤسسات وروابط أخرى من مثل: المنظمات الحرفية والطرق الصوفية والحسبة والأوقاف بدور الوسيط بين جماهير المسلمين والقيادة الحاكمة حينًا، وتوسيع هامش الاستقلال في حياتهم حينًا آخر، وإبعادهم عن تدخلات الأمراء حينًا ثالثًا، وفي كل الأحوال قامت تلك المؤسسات والروابط والقيادات بإغناء الجانب المدني والثقافي والاقتصادي والاجتماعي والرقابي في حياة جماهير المسلمين إغناء فريدًا، ورعايته وتوسيع دائرته.

غازي التوبة

تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-2000

المصدر

تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-2000


الأحد، 29 مارس 2026

حديث عن محمد علي باشا في مصر

 حديث عن محمد علي باشا في مصر

غازي التوبة
داعية وكاتب مهتم بشؤون العقيدة الإسلامية وشؤون الأمة وشؤون الحضارة الغربية 

أرسلت الخلافة العثمانية محمد علي باشا -الألباني الأصل- إلى مصر مع مجموعة من العسكريين بعد أن احتلها نابليون عام 1799 من أجل مواجهة الفرنسيين فيها، وبعد أن خرج الفرنسيون من مصر عام 1803، لعب محمد علي باشا دوراً على التناقضات فيها، واستمال المصريين إليه، وطلبوا من الخليفة العثماني أن يجعله والياً عليهم ففعل ذلك

اتجه محمد علي باشا في بداية حكمه لمصر -بعد أن أصبح والياً عليها- إلى عدة إصلاحات كبيرة ومتنوعة فيها، أبرزها: إنشاء جيش قوي، فأرسل عدداً من الجنود والضباط ليتدربوا في فرنسا، وأرسل معهم مرشداً دينياً كان هو الشيخ الأزهري رفاعة الطهطاوي (1801-1873)، وقد تسلم قيادة الجيش ضابط فرنسي هو “سليمان باشا الفرنساوي”، كما بنى محمد علي مصانع لإنتاج الأسلحة والذخائر، وقد سخر محمد علي باشا هذا الجيش الذي أنشأه في التوسع الجغرافي فاحتل السودان عام 1820 وضمها إلى مصر، كما وجه جيشه إلى قتال الحركة الوهابية عام 1818، ودمر الدرعية مركز تلك الحركة، وقد قام محمد علي باشا بهذا العمل بناء على طلب من الخلافة العثمانية، كما خاض الأسطول البحري المصري مع أسطول الخلافة العثمانية “معركة نافارين” عام 1828 في مواجهة الأسطول الإنجليزي والفرنسي والروسي ولكنه خسر المعركة وتدمر الأسطول المصري مع أسطول الخلافة العثمانية، كما وجه محمد علي باشا ابنه إبراهيم باشا إلى احتلال بلاد الشام عام 1931 بحجة أن والي عكا كان يؤوي الهاربين من أهالي مصر من الالتحاق بالجيش المصري، ثم استمر تقدمه إلى الشمال ووصل إلى جبال طوروس، وهدّد الخلافة العثمانية في عقر دارها، ولكن الدول الكبرى واجهته وعلى رأسها إنجلترا وحالت بينه وبين الاستمرار في تهديد الخلافة، وبالمقابل خذلته فرنسا فاضطر إلى التوقف والتراجع ثم الانسحاب، لكنه أخذ عهداً من الخلافة العثمانية بأن تصبح مصر ولاية له ولأبنائه من بعده.

      وبالإضافة إلى الإصلاحات التي أجراها محمد علي باشا في مجال الجيش أجرى إصلاحات أخرى في مجال الزراعة فأنشأ القناطر الخيرية في منطقة الدلتا، وشق الترع التي تزيد من توسيع مياه النيل من أجل زيادة الأرض المزروعة، وكذلك استحدث محمد علي زراعة القطن، واستفاد منها في تشغيل مصانع النسيج التي بناها، والتي أنتجت الأقمشة التي تحتاجها مصر.

كما أجرى محمد علي باشا إصلاحات تعليمية، فأنشأ مدارس ذات منهج فرنسي تدرس العلوم الدنيوية، وتخرج متعلمين من أجل أن يستخدمهم محمد علي باشا في أجهزته الإدارية.

وقد قام محمد علي باشا بإصلاح المواصلات، فبنى سكة حديدية تصل شمال مصر بجنوبها، فربط بين مدينة الإسكندرية التي تقع في شمال مصر بمدينة أسوان التي تقع في جنوب مصر، كما بنى شبكة بريد تربط أنحاء مصر المتفرقة ببعضها.

والسؤال الآن: لماذا قام محمد علي باشا بهذه الإصلاحات؟ لقد قام محمد علي باشا بهذه الإصلاحات من أجل تكوين سلطة قوية تحقق أحلامه في التوسع والسيطرة، وقد استفادت منه الخلافة العثمانية في تنفيذ بعض مصالح لها مثل القضاء على بعض خصومها وكانت هذه الحركة الوهابية في الجزيرة العربية أبرز هذه المصالح، ومنها احتلال السودان.

وما كان باستطاعته إجراء هذه الإصلاحات لولا الدول الغربية التي أمدته بالخبرات وبالمعونة الفنية، وكانت فرنسا هي الدولة الراعية لهذه الإصلاحات في هذه المرة، وكانت تهدف من ذلك إلى تزويده بالقوة التي يستطيع من خلالها أن ينشق عن الخلافة من أجل إضعافها، وقد مارست ذلك من قبل مع شخصيتين أخريين قبل محمد علي باشا وهما: أحمد باشا الجزار في عكا، ومحمد أبو الدهب في مصر.

لقد نجح محمد علي في كل الإصلاحات التي قام بها في مجال الجيش والزراعة والتعليم والمواصلات إلخ..، وأعطت هذه الإصلاحات لمصر صورة مختلفة عن بقية البلدان العربية في وقتها، ولكن هل نعتبر هذه الإصلاحات التي قام بها محمد علي باشا نهضة؟ الحقيقة إننا لا نعتبرها نهضة، لأن النهضة يجب أن تتناول بالتغيير أمرين:

الأول: الإنسان وتمحيص شئونه النفسية والعقلية والاجتماعية والتربوية والنظر فيها، وتحسينها والارتقاء بها، وبالتالي الانتقال إلى بناء نفسي وعقلي وتربوي واجتماعي أكثر صحة وصواباً وسلامة.

الثاني: الواقع العمراني والزراعي والإداري والاقتصادي وتمحيصه والارتقاء به والاستفادة من الخبرات العالمية والدولية الموجودة آنذاك في العالم المحيط بنا.

إذا حاكمنا محمد علي باشا بما كتبناه سابقاً عن النهضة، فإننا نجد أن محمد علي باشا حقق جانباً من النهضة وهو الجانب المتعلق ببعض الإصلاحات المرتبطة بالجيش والزراعة والصناعة والمواصلات والبريد ولكنه لم يفعل شيئاً يتعلق بالإنسان من أجل إصلاح الإنسان وما يتعلق به من ناحية تحسين البناء العقلي والنفسي والتربوي والعبادي المتعلق به، لذلك فإنه لم تتحقق نهضة، بل بقيت آثار هذه الإصلاحات محدودة في مصر، ولم تؤثر في المحيط العربي أو الإسلامي، ثم انتهت هذه التجربة بأن سقطت في أنياب الاحتلال الإنجليزي عام 1882.

وعند مقارنة تجربة محمد علي باشا مع تجربة اليابان التي وقعت في التاريخ نفسه في عهد “الإمبراطور ميجي” الذي حكم بين عامي 1876-1912، وجاءت موازية لها، نجد أن تجربة “الإمبراطور ميجي” نجحت، وجعلت اليابان من الدول الأولى عالمياً الآن، في حين أن تجربة محمد علي باشا تعثرت، نجد أن سبب التعثر أن “تجربة الميجي” غيرت الإنسان وغيرت “طبقة الساموراي” في حين أن تجربة محمد علي باشا لم تتناول “المسلم”، مع أن المسلم كان بحاجة إلى كثير من الإصلاحات على ضوء العقيدة الإسلامية السليمة، والعبادة الصحيحة، وإعادة النظر في كثير من الأخلاق المتوارثة على ضوء الأخلاق التي علمنا إياها الرسول صلى الله عليه وسلم.

إن هذا لم يحدث في تجربة محمد علي باشا، لذلك لم تؤت هذه التجربة أكلها، وبقيت في نطاق إصلاحات مادية تناولت الجانب العسكري والزراعي والعمراني إلخ…، وكان تأثيرها محدوداً لذلك لم تبن نهضة لأنها لم تقترب من الإنسان المسلم.

الخلاصة: لقد وصل محمد علي باشا إلى ولاية مصر عام 1805، وأجرى إصلاحات متعددة وكبيرة في مجال الجيش والزراعة والصناعة والري والمواصلات والتعليم والبريد إلخ…، 

ولا يمكن أن نسمي هذه الإصلاحات نهضة، لأن النهضة يجب أن تعالج أمرين: الجوانب الاقتصادية والزراعية والصناعية إلخ…، والثاني: الإنسان المسلم فترتقي به عقيدة وعبادة وسلوكاً وعقلاً وخلقاً إلخ…، وهي قد تناولت الأمر الأول لكنها لم تعالج الثاني لذلك تعثرت النهضة.



السبت، 14 مارس 2026

قراءة في تعثر النهضة العربية.. حديث عن حزب البعث في سورية

 قراءة في تعثر النهضة العربية.. حديث عن حزب البعث في سورية 

غازي التوبة

 


نشأ “حزب البعث العربي” في سورية عام 1947، وأخذ ترخيصاً رسمياً بعد الاستقلال وقاده ميشيل عفلق وصلاح البيطار، وتوسعت شعبيته في سورية بعد سقوط أديب الشيشكلي عام 1954، عندما اندمج مع “الحزب العربي الاشتراكي” الذي أسسه أكرم الحوراني، فأصبح الحزبان حزباً واحداً تحت اسم “حزب البعث العربي الاشتراكي”.                                                                  

وقد استطاع حزب البعث العربي الاشتراكي أن يقود سورية في هذه المرحلة من خلال جبهة شكلها من عدة أحزاب وشخصيات، من أبرز هذه الأحزاب الحزب الشيوعي، ومن أبرز الشخصيات السياسية: خالد العظم الذي كان يسمى “المليونير الأحمر”، وقد تحالفت هذه الكتلة مع جمال عبد الناصر في مواجهة حلف بغداد، الذي تأسس في عام 1954 لمواجهة الشيوعية والاتحاد السوفيتي.

وقد استفاد هذا التحالف المكون من مصر وسورية من الاتحاد السوفيتي واشترى أسلحة تشيكية عام 1955 لمصر وسورية، ووقفت سورية آنذاك إلى جانب مصر في المواجهة التي خاضتها ضد العدوان الثلاثي المكون من إسرائيل وانكلترا وفرنسا والذي احتل سيناء وبورسعيد، ثم اضطرت إسرائيل أن تنسحب من سيناء كما اضطرت انكلترا وفرنسا أن تنسحبا من بورسعيد بعد احتلالها أيضا بسبب قرار اتخذه مجلس الأمن والأمم المتحدة بذلك، وكان هذا القرار نتيجة تفاهم الدولتين العظميين آنذاك وهما أمريكا وروسيا.

وقد أثر هذا التقارب والتعاون بين سورية ومصر في معركة السويس عام 1956، أن تطلب سورية الوحدة مع مصر عام 1958، حيث ذهب عدد من ضباط الجيش السوري الذي يتكون من مختلف التوجهات السياسية والعسكرية، ووقعوا اتفاق لقيام الجمهورية العربية المتحدة في 22 شباط (فبراير) عام 1958.

لكن هذه الوحدة المصرية السورية لم تستمر طويلاً ووقع الانفصال في 27 أيلول (سبتمبر) 1961، ولكن الانفصال انتهى وقام انقلاب عسكري بقيادة اللجنة العسكرية في حزب البعث العربي الاشتراكي، وكانت قد تشكلت في مصر أثناء الوحدة من خمسة ضباط هم:

  1. محمد عمران: وقد كان برتبة عقيد في الجيش وهو علوي.
  2. صلاح جديد: وقد كان برتبة رائد في الجيش وهو علوي.
  3. عبد الكريم الجندي: وقد كان برتبة رائد في الجيش وهو اسماعيلي.
  4. حافظ الأسد: وقد كان برتبة رائد في سلاح الطيران وهو علوي.
  5. أحمد المير: وقد كان برتبة رائد في الجيش وهو سني من منطقة دير الزور.

وقد قادت هذه اللجنة العسكرية حزب البعث العربي الاشتراكي في سورية، وحكمت سورية من خلال هذه القيادة، ثم قام الأعضاء العلويون في اللجنة العسكرية بتصفية الطوائف الأخرى في الجيش بدءاً من أهل السنة والدروز والاسماعيليين.

ثم بدأت اللجنة العسكرية بعد ذلك بتصفية بعضها بعضاً، فتحالف حافظ الأسد وصلاح جديد وعبد الكريم الجندي ضد محمد عمران ففر إلى لبنان ثم اغتالوه في لبنان، ثم تحالف حافظ الأسد وصلاح جديد ضد عبد الكريم الجندي فدفعوه إلى الانتحار، ثم سجن حافظ الأسد صلاح جديد اثر الحركة التصحيحية التي قام بها عام 1970.

هناك امران ملفتان للنظر في شأن مسيرة الحزب، وهما:

الأول: انقلاب الحزب من حزب يجمع كل أطياف الأمة العربية إلى حزب تتحكم فيه طائفة وهي ” الطائفة العلوية”.

الثاني: انقلاب الحزب من حزب قومي إلى حزب ماركسي تتحكم فيه الأيدلوجيا الماركسية بكل ماديتها ودمويتها وعنفها، وبكل ما احتوته من تأجيج للصراع بين الطبقات. والسؤال الآن لماذا انزلق الحزب إلى مثل هذه النتائج؟

اعتقد أن السبب في الوصول إلى هذه النتائج هو الفقر الثقافي الذي قامت عليه “الفكرة القومية”، والتي قام عليها حزب البعث واقتصارها على عاملي اللغة والتاريخ وإغفالها للدين الإسلامي، أو لنقل بصورة أوضح عداؤها وإبعادها للدين الإسلامي، فجعل الفكرة القومية فقيرة ليس لديها أية مواد أو مضامين أو رأي في مشاكل النفس والقلب والعقل والدوافع والحاجات ولا تمتلك ثراء وغنى في المفاهيم والقيم والسلوكيات والأفكار إلخ…، إن هذا الفقر الثقافي والفكري الذي تعانيه الفكرة القومية جعل الأحزاب القومية العربية عرضة لانزلاقين خطيرين لمعالجة هذا الفقر الثقافي والفكري، هما:

الأول: الانزلاق إلى فكرة أيديولوجية، كما حدث مع حزب البعث السوري عندما انزلقت القيادة القطرية بقيادة صلاح جديد إلى الفكرة الماركسية، وتبنتها بشكل كامل في عام 1966 وحاولت أن تطبقها في سورية، ووقف إلى جانبه الأطباء الثلاثة: الدكتور نور الدين الأتاسي في رئاسة الدولة، والدكتور يوسف الزعين في رئاسة الوزراء والدكتور إبراهيم ماخوس في وزارة الخارجية، وعاونهم خالد الجندي في رئاسة نقابات العمال، حيث حاول الجميع مركسة المجتمع والدولة، وأصبح حزب البعث حزباً ماركسياً وغابت عنه صبغته القومية، وكذلك وقع التغيير نفسه مع حركة القوميين العرب فانقلبت من حركة قومية عربية إلى حركة ماركسية بعد مراجعات أجرتها بعد نكسة عام 1967، وأخذت اسما جديداً لها هو: “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”.

إن هذا الانزلاق في الحالتين السابقتين هو إحدى نتائج الفقر الثقافي الذي تعانيه الفكرة القومية فاضطرها إلى هذا الانزلاق.

الثاني: فقد تحول حزب البعث العربي في سورية إلى حزب ذي قيادة علوية على مستوى القيادة القطرية والجيش، وهذا ناتج من الفقر الثقافي الذي تعانيه الفكرة القومية التي تعتمد عاملي اللغة والتاريخ في بنائها، فهذا الفقر الثقافي هو الذي يجعل من الأشخاص يعودون إلى انتماءاتهم العشائرية أو العرقية أو الطائفية عندا لا يجدون محتوى وقيماً ومفاهيم وأفكاراً تملأ قلوبهم وعقولهم ليتقاربوا أو يتباعدوا على أساسها.

الخلاصة: إن “حزب البعث العربي الاشتراكي” في سورية نشأ حزباً قومياً عربياً، واعتمد الفكرة القومية العربية التي تقوم على عاملي “اللغة والتاريخ”، وتنكّر للإسلام بل عاداه، وسار على منهج ساطح الحصري في طرحه للتصور القومي وفي موقفه من الدين، لذلك أضحى الفكر القومي العربي عنده يعاني فقراً ثقافياً، وقد دفه هذا الفقر الثقافي إلى منزلقين خطيرين أديا إلى تدمير سورية، هما:

  • المنزلق الأيديولوجي الماركسي الذي قاده صلاح جديد مع القيادة القطرية واتحاد العمال في سورية فخربوا سورية اقتصادياً واجتماعياً.
  • المنزلق الطائفي الذي قاده حافظ الأسد الذي مكنه ومكن الطائفة العلوية من أن تستلم قيادة البلد، وهذا أدى إلى عدم الاستقرار المستمر خلال الخمسين سنة الماضية، والثورات المستمرة والتي انتهت بثورة الربيع العربي الذي اقتلع النظام وأنهى حكم حزب البعث الجائر.

الاثنين، 5 يناير 2026

قراءة في تعثر النهضة بقيادة الفكر القومي العربي.. وجهة نظر نقدية

 قراءة في تعثر النهضة بقيادة الفكر القومي العربي.. وجهة نظر نقدية

غازي التوبة

بسبب هذا التشخيص الخاطئ لواقع الأمة جعل القوميين يخطئون في التعامل مع الواقع والمستقبل، فهم يهدمون ما بناه الإسلام في واقع الأمة، ولا يستفيدون منه في بناء المستقبل..


 في قلب سؤال النهضة العربية، الذي شغل العقول العربية منذ منتصف القرن التاسع عشر، يكمن الإخفاق قبل الإنجاز، والتعثر قبل النهوض. فمنذ لحظة الاصطدام بالحداثة الغربية وتفكك الدولة العثمانية، تعددت المشاريع الفكرية التي سعت إلى تشخيص أسباب الانحطاط واقتراح سبل الخلاص، وكان الفكر القومي العربي أحد أبرز هذه المشاريع وأكثرها تأثيرًا في المجالين السياسي والثقافي.


غير أن مرور قرنٍ كامل على انبثاقه، وما رافقه من تجارب دول ومشاريع وحدوية، يفرض إعادة مساءلة جذرية لفرضياته التأسيسية ومنهجيته في فهم المجتمع والتاريخ والإنسان العربي.

في هذا السياق، تأتي هذه الدراسة ضمن سلسلة خاصة يكتبها الدكتور غازي التوبة لـ"عربي21"، لتعيد قراءة أطروحات النهضة القومية، لا بوصفها لحظة مجيدة مكتملة، بل كخيار فكري تاريخي أخفق في تشخيص واقع الأمة، فأخطأ طريق النهوض، متخذة من التجربة العراقية وساطع الحصري نموذجًا كاشفًا لتعثر النهضة حين أُقصي الدين الإسلامي عن معادلة التكوين الاجتماعي والحضاري للأمة.


لماذا تعثرت النهضة؟

من الواضح المؤكد أنه لم تتحقق النهضة، وأننا في تأخر في كل المجالات: مجال الاقتصاد والسياسة والزراعة والتربية والعلم والجامعات والصناعة إلخ..، وأظن أنه لا حاجة لحشد الأدلة، واستحضار الإحصائيات التي تدل على ذلك، فهذا الواقع يشاهده الجميع ويقر به الجميع، لكن السؤال الأهم هو: لماذا تعثرت النهضة؟ وللإجابة على هذا السؤال سندرس تعثر النهضة من خلال الفكر القومي العربي ومنهجيته التي طرحها بعد قيام الثورة العربية الكبرى وفي دولة العراق بالتحديد.

من الجلي أن التشخيص السليم للواقع الذي نعيشه وتحديد المشاكل التي نعانيها هما الأصلان الصحيحان لكل نهوض صحيح وبعيد عن التعثر.

لقد اعتبر ساطع الحصري أن هذه الأمة التي تسكن المنطقة من المحيط إلى الخليج هي "أمة واحدة" وتقوم على عنصري "اللغة والتاريخ" وعند التدقيق في الكلام السابق لا نجد أن هذا الكلام صحيح، "فاللغة والتاريخ" لا يفسران واقع هذه الأمة وعقليتها ونفسيتها واقتصادها وتركيبتها الاجتماعية، والمشاكل التي تعيشها
بعد أن انتهت سيطرة الخلافة العثمانية على الدول العربية، وتوج الملك فيصل بن الحسين ملكاً على العراق عام 1921، برز الفكر القومي العربي كفكر قائد لمملكة العراق، ومن أبرز المفكرين الذين دعوا إلى الفكر القومي العربي ساطع الحصري، وقد اعتبر ساطع الحصري أن الشعوب التي تسكن المنطقة الممتدة من المحيط إلى الخليج هي "أمة واحدة" وهي "الأمة العربية"، ويمكن أن نعتبر أن هذا الجواب صحيح إذا قصدنا أن السكان الذين يسكنون هذه الأرض من جنس عربي ولغتهم عربية، ولكن الحصري لم يقصد هذا فحسب بل اعتبر أن هذه الأمة تقوم على عاملي "اللغة والتاريخ" واعتبر أن اللغة هي شعور الأمة وروحها، وأن التاريخ هو ذاكرة الامة وجسدها، واعتبر ساطع الحصري أن مشكلة الأمة الرئيسية تتجسد في التجزئة التي صنعها الاستعمار بعد الحرب العالمية الأولى ولذلك فإن الهدف الرئيسي يجب أن يكون هو إقامة الوحدة، ولا حاجة للتفصيل عن قيمة ساطع الحصري الفكرية في التاريخ الحديث، وبخاصة في "الفكر القومي العربي" فهو يعتبر رائداً في "الفكر القومي العربي" في العصر الحديث، ويعتبر المؤسس الفكري الرئيسي للعراق بعد نشوئها عام 1192 بقيادة الملك فيصل، وكذلك سورية بعد استقلالها عام 1945، حيث لعب دوراً رئيسياً في صياغة المناهج التربوية، كما لعب دوراً رئيسياً في صياغة الجامعة العربية وعمل مستشاراً ثقافياً لدى جامعة الدول العربية في الخمسينيات، ثم عمل عميداً لمعهد الدراسات العربية العليا، بتكليف خاص من الرئيس جمال عبد الناصر، ومن هذا يتبين لنا قيمة ساطع الحصري الفكرية والسياسية والعلمية والعملية في العصر الحديث في العالم العربي.

لقد اعتبر ساطع الحصري أن هذه الأمة التي تسكن المنطقة من المحيط إلى الخليج هي "أمة واحدة" وتقوم على عنصري "اللغة والتاريخ" وعند التدقيق في الكلام السابق لا نجد أن هذا الكلام صحيح، "فاللغة والتاريخ" لا يفسران واقع هذه الأمة وعقليتها ونفسيتها واقتصادها وتركيبتها الاجتماعية، والمشاكل التي تعيشها إلخ..، وقد أغفل ساطع الحصري "عامل الدين الإسلامي" في تكوين هذه الأمة، وليس الحصري فقط بل أخطأ كل المفكرين  القوميين في مثل هذا الإغفال لعامل الدين مثل: عبدالله عبد الدايم، ميشيل عفلق، صلاح الدين البيطار، زكي الأرسوزي، هاني الهندي، عصمت سيف الدولة، محمود الريماوي إلخ..

والحقيقة أننا لا تستطيع تفسير واقع هذه الأمة الموجودة من "المحيط إلى الخليج" إلا بوجود الإسلام ومن خلال الإسلام، فهو الذي يفسر لنا وحدتها الثقافية، ووحدتها النفسية، ووحدتها الفكرية، ووحدة العادات والتقاليد عندها، ووحدتها الاجتماعية إلخ...، بل إننا لا نستطيع أن نفسر وجود العاملين وهما "اللغة والتاريخ" إلا بالإسلام، فالإسلام هو الذي حفظ اللغة العربية من أن تتحول عدة لغات، فإن القرآن الكريم نزل بلهجة قريش، وأصبحت لهجة قريش هي اللغة السائدة على مدى التاريخ، وبهذا حفظ اللغة العربية من أن تصبح عدة لغات بعدد اللهجات التي كانت سائدة قبل نزول القرآن الكريم، كذلك فإن "عامل التاريخ" الذي اعتبره الحصري العامل الآخر في بناء الأمة العربية، هو مرتبط بالإسلام، فتاريخ المنطقة العربية مرتبط بنشأة الدعوة الإسلامية في مكة، ثم في هجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- والصحابة إلى المدينة، ثم مرتبط بالفتوحات الإسلامية، ومرتبط بكيفية بناء الحضارة الإسلامية إلخ ...

لكن الحصري وجميع المفكرين القوميين كانوا حريصين على إبعاد الإسلام من أن يكون له دور في بناء الحاضر، بل كانوا ينظرون له كعامل سلبي لعب دوراً في تأخر الأمة وتخلفها، وهم يعتقدون أننا لن ننهض إلا بإبعاد الإسلام كما فعلت أوروبا، فالدين معاد للعقل، ولا بد من استحضار العقل لكي ننهض.

لا أريد أن أناقش خطأ المقولات السابقة وعدم انطباقها على الدين الإسلامي، لأن الحصري أسقط واقع الغرب على واقعنا دون تمحيص لهذا الواقع، ودون تدقيق في مدى اختلاف الواقعين، بل عمم حقيقة معاداة المسيحية في الغرب للعقل على الدين الإسلامي، وهذا مخالف لحقائق التاريخ.

الفكر القومي العربي كان أمامه تحد رئيسي هو إيجاد "رابطة قومية وطنية" مكان "الرابطة الإسلامية" التي كانت تسود المجتمعات العربية قبل الحرب العالمية الأولى، لكن الفكر القومي العربي فكك الرابطة الإسلامية السابقة ولم يستطع أن يحل مكانها "رابطة قومية عربية" أو "رابطة وطنية عربية"
وبالإضافة لهذا القياس الخاطئ الذي وقع فيه ساطع الحصري، وهو الذي طابق فيه بين واقعين مختلفين، وقع الحصري في خطأ آخر هو انطلاقه من العلمانية من أجل إبعاد الدين الإسلامي من التأثير في أي جانب من جوانب الحياة الدينية، لاعتقاده أن العلمانية شرط أساسي للنهضة.

فأعتقد أن هذا التشخيص الخاطئ لواقع الأمة واعتبارها تقوم على عاملي اللغة والتاريخ فقط وتجاهل دور الدين الإسلامي هو العامل الأساسي في عدم قيام النهضة وتحققها.

ومما يؤكد ذلك أن الفكر القومي العربي كان أمامه تحد رئيسي هو إيجاد "رابطة قومية وطنية" مكان "الرابطة الإسلامية" التي كانت تسود المجتمعات العربية قبل الحرب العالمية الأولى، لكن الفكر القومي العربي فكك الرابطة الإسلامية السابقة ولم يستطع أن يحل مكانها "رابطة قومية عربية" أو "رابطة وطنية عربية" والدليل الواضح على ذلك يمكن ان نأخذه من العراق الذي هو أقدم مكان لانبعاث الفكر القومي العربي على يد ساطع الحصري أكبر مفكر قومي، فقد تعرض العراق عام 2003 إلى غزو أمريكي، ونجحت القوات الأمريكية في إسقاط نظام الحكم القومي في أقل من ثلاثة أسابيع وذلك بسبب انعدام وجود الرابطة القومية أو الوطنية، بل بروز الروابط المذهبية من رابطة شيعية وسنية ومسيحية وصابئية إلخ.... أو بروز الروابط الإثنية من كردية وعربية وآشورية وكلدانية إلخ..

لذلك أمكن للاحتلال الأمريكي بعد غزوه العراق عام 2003، أن يجعل العراق الموحد ثلاث دول: كردية في الشمال، وسنية في الوسط، وشيعية في الجنوب، وقد استتبع فشل الفكر القومي العربي في إنشاء رابطة واحدة تجمع الشعب العراقي إلى الفشل في إيجاد الوحدة الفكرية، والثقافية، والاجتماعية، والنفسية، والثقافية للشعب العراقي، وهذا ما سهل احتلاله من قبل الغازي الأمريكي.

الخلاصة: لقد حاولت الأمة أن تنهض منذ أواسط القرن التاسع عشر، وكان الفكر القومي العربي هو من أوائل الأفكار التي برزت لقيادة هذه النهضة، وقد جاءت فرصة ذهبية لهذا الفكر عندما وصل الملك فيصل الأول بن الحسين إلى العراق عام 1921، وحاول أن يصنع نهضة عمادها الفكر القومي العربي، وقد تولى تلك المهمة ساطح الحصري رائد الفكر القومي العربي وصاحب المؤلفات المتعددة في مجال الفكر القومي العربي، لكن النهضة تعثرت، ولم تقم نهضة وكان السبب الرئيسي كما حللنا هو اعتبار الفكر القومي العربي أن الأمة تقوم على عاملين فقط، هما: اللغة العربية والتاريخ، وهذا التشخيص خاطئ، فهذه الأمة تقوم على اللغة والتاريخ والدين الإسلامي.

ولذلك بسبب هذا التشخيص الخاطئ لواقع الأمة جعل القوميين يخطئون في التعامل مع الواقع والمستقبل، فهم يهدمون ما بناه الإسلام في واقع الأمة، ولا يستفيدون منه في بناء المستقبل لأنه ـ في نظرهم ـ دين خرافي كبقية الأديان لا يصلح للبناء بل يجب ابعاده وعدم التعامل معه، لذلك هم هدموا الروابط الإسلامية التي كانت تجمع الشعب العراقي أثناء الخلافة، ولم يفلحوا في إيجاد روابط جديدة "قومية" أو "وطنية" لذلك سقط العراق بسرعة في يد أمريكا في عام 2003.

الأربعاء، 31 ديسمبر 2025

لماذا لم يسقط ترامب “نظام الملالي”؟

 لماذا لم يسقط ترامب “نظام الملالي”؟

غازي التوبة

لقد هددت الولايات المتحدة وإسرائيل بإسقاط “نظام الملالي” في إيران عدة مرات بعد قيامه عام 1979، ومع ذلك لم تنفذا ذلك ولم تسقطاه؟ فلماذا؟

“الأسد الصاعد” بمشاركة أمريكا

أعلنت إسرائيل الحرب على إيران في اليوم 13 من يونيو (حزيران) 2025م، وشنت هجومًا مفاجئًا بغارات جوية مكثفة على عشرات الأهداف الإيرانية، والهدف وقف ما وصفته إسرائيل التقدم السريع لطهران في تطوير الأسلحة النووية، وأطلقت إسرائيل على الهجوم اسم عملية “الأسد الصاعد”، وقد نفذ خلالها الجيش الإسرائيلي وجهاز الموساد ضربات استهدفت مواقع نووية ومنشآت عسكرية ومناطق سكنية تواجدت فيها قيادات عسكرية وعلماء نوويون إيرانيون، وفي 22 حزيران (يونيو) 2025م أعلن ترامب تنفيذ غارات مكثفة بالتنسيق مع إسرائيل استهدفت المنشآت النووية الإيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان، وهي المنشآت الأكثر تحصيناً في إيران، والتي يملك الطيران الأمريكي – وحده فقط – القدرة على تدميرها ولا يملك الطيران الإسرائيلي ذلك.

وقد تحدث ترامب أثناء حرب الاثني عشر يوماً عن احتمال إسقاط “نظام الملالي”، وكذلك تحدث نتنياهو عن ذلك، فلماذا لم يفعلا؟ فلماذا لم يسقطاه؟

السبب في ذلك هو أن “نظام الملالي” أصبح -الآن- ثابتاً من ثوابت السياسة الأمريكية في المنطقة، فما هذه الثوابت؟ ومتى أصبح “نظام الملالي” ثابتاً من ثوابت السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط؟

ثوابت السياسة الأمريكية

فقد كانت ثوابت السياسة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945م أربعة ثوابت في الشرق الأوسط، وهي:

  • المحافظة على كيان إسرائيل ووجودها والدفاع عنه.
  • استمرار السيطرة على البترول، واستمرار وصوله إلى الغرب.
  • تحقيق حرية المرور من الغرب إلى الشرق الأقصى وعدم وجود عوائق تمنع ذلك.
  • منع توسع الاتحاد السوفيتي والتصدي لنفوذه في أي مكان من الشرق الأوسط.

لكن بعد أن قام “نظام الملالي” في إيران عام 1979م، أصبح “نظام الملالي” ثابتًا آخر مضافًا من ثوابت السياسة الأمريكية، لذلك لم يسقطه بوش، بعد أن اعتبره إحدى دول محور الشر الثلاثة: كوريا الشمالية، إيران، العراق، وقد قام بوش بإسقاط نظام “صدام حسين” في العراق عام 2003، لكنه لم يقم بإسقاط نظام الملالي لأنه كان ثابتاً من ثوابت السياسة الأمريكية في المنطقة، فلماذا أصبح “نظام الملالي” ثابتاً من ثوابت السياسة الأمريكية؟

تفتيت الوحدة الثقافية والسياسية للأمة

لقد استهدفت إسرائيل وأمريكا بخاصة، والغرب بعامة بعد الحرب العالمية الثانية تفتيت “الوحدة الثقافية” لمنطقتنا، وتجزئة “الوحدة السياسية” ليسهل استغلالها والسيطرة عليها واستعمارها وتوجيهها، وقد استخدمت القوى الغربية ممثلة بإنجلترا وفرنسا والصهيونية العالمية بعد الحرب العالمية الأولى “المشروع القومي العربي” في بلاد الشام، و”المشروع القومي الفرعوني” في مصر لتفتيت الوحدة الثقافية في المنطقة، ثم استخدمت “المشروع الاشتراكي” لتحقيق هذا التفتيت وهي قد نجحت في تحقيق هذا الأمر بشكل جزئي مما جعلها تبحث عن مشروع آخر.

فاختارت “مشروع ملالي إيران“، لأنه يؤجج الصراع الطائفي المذهبي بين السنة والشيعة، وهما أكبر مكونين في الأمة، وقد اتضح هذا التأجيج منذ أن قاد الخميني ثورة إيران الإسلامية عام 1979، وقد ربط الخميني جمهورية إيران الإسلامية بالمذهب الجعفري الإثني عشري ربطاً محكماً، مع أن قيادات إسلامية عديدة قابلته، وتحدثت معه، ودعته إلى الابتعاد عن المنهج الطائفي المذهبي، لكنه أصر على ذلك، وقد برز هذا من خلال الدستور الذي صاغه الخميني وأخذ موافقة الشعب عليه عام 1979.

نظرات في دستور جمهورية إيران الإسلامية

عند الفحص والتدقيق في دستور جمهورية إيران الإسلامية نجد ترسيخاً للمذهب الجعفري الإثني عشري، وهذه بعض صوره:

  • الأولى: أشارت المادة الثانية عشر من الدستور الإيراني إلى أن إيران ملتزمة إلى الأبد بالمذهب الجعفري الإثني عشري، وقد نصت المادة على ما يلي: “الدين الرسمي لإيران هو الإسلام، والمذهب الجعفري الإثني عشري هو المذهب الرسمي لإيران، وهذه المادة تبقى إلى الأبد غير قابلة للتغيير”.
  • الثانية: الالتزام بمبدأ “ولاية الفقيه” في غيبة الإمام المهدي، وهي النظرية التي تبناها الخميني وفرضها على الجمهورية الإسلامية في إيران، كما ذكرت المادة الخامسة من الدستور.
  • الثالثة: الالتزام باتباع الأئمة الإثني عشر وسماها الدستور “سنة المعصومين” واعتبرها شرطاً من شروط الاجتهاد كما ذكرت المادة الخامسة من الدستور.
  • الرابعة: اشترط الدستور أن تتحقق بعض الأوصاف فيمن يترشح لرئاسة الجمهورية وهي: “الإيمان بالمبادئ التي قامت عليها الجمهورية وبالمذهب الجعفري الإثني عشري” كما ذكرت المادة 115 من الدستور.

مشروع تصدير الثورة الإسلامية

بعد أن ربط الخميني الجمهورية الإسلامية في إيران بالمذهب الجعفري من ناحية دستورية، ورسخ ذلك وربط كل مؤسسات الدولة الاقتصادية والسياسية والعسكرية والاجتماعية والإعلامية بهذا المذهب، وسخرها لتنفيذ آراء المذهب، رسم مشروعاً لتصدير “الثورة الإسلامية” إلى الخارج واستهدف هذا المشروع عدة أهداف منها: نشر المذهب الشيعي وتوسيع رقعة الطائفة الشيعية، ومنها: تقديم ولاية الفقيه كمرجعية سياسية وعقائدية، ومنها: توسيع نفوذ إيران السياسي، وتحويل الأمة الإسلامية الممتدة من طنجة إلى جاكرتا من “أمة إسلامية” إلى أمة ذات صفة طائفية وصبغة مذهبية وهي “الأمة الشيعية”.

من الواضح أن “مشروع ملالي إيران” استخدم في تصدير الثورة عدة أدوات منها: الميليشيات الطائفية مثل: حزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، والحوثيين في اليمن، ومنها: القنوات الإعلامية، ومنها تسخير الطوائف الشيعية في البلدان العربية والإسلامية لمصلحة إيران وسياساتها في كل المجالات، ومنها: رفع راية مناصرة القضية الفلسطينية والفلسطينيين ومحاربة إسرائيل وأمريكا، ومنها مناصرة المستضعفين في كل مكان، ومحاربة المستكبرين والمستبدين إلخ….

نتائج “مشروع ملالي إيران”

لقد حقق “مشروع ملالي إيران” خلال أقل من نصف قرن نتائج متقدمة في “تفتيت الوحدة الثقافية والسياسية” للأمة، فقد عزز الصراع الطائفي السني-الشيعي في المنطقة، وعمق الانقسام السني-الشيعي في عدد من الدول، وهي: العراق وسورية ولبنان واليمن ومصر وباكستان وجنوب شرق آسيا، وكذلك ساهم في تفكيك كثير من الدول مثل: العراق وسورية ولبنان واليمن، وعطل التنمية والنمو الاقتصادي فيها، وأشعل حروباً أهلية وصراعات متعددة، وقد حلت مليشيات طائفية محل الدول في عدد من البلدان مثل: لبنان، اليمن، العراق.

الخلاصة

إن إسرائيل وأمريكا أشعلتا الحرب الأخيرة عام 2025م من أجل إنهاء برنامج إيران النووي وقد نجحتا في ذلك، ولم تسقطا “نظام الملالي” لأنه أثبت نجاحه في تفتيت وتدمير وتفكيك عدد من الدول العربية ومجتمعاتها -كما رأينا ذلك في الفقرة السابقة- قد شكل هذا النجاح والنتائج تمهيدًا لولادة “شرق أوسط جديد” ولتوليد “دول طائفية” وقيام “إسرائيل الكبرى”.

لذلك فإن ترامب وإسرائيل لم يسقطا “نظام الملالي” لكي يكمل دوره في تفتيت وتدمير وتفكيك دول أخرى في شمالي أفريقيا، ودول وسط أفريقيا وشرق آسيا، لكي تصبح لقمة سائغة لكل من إسرائيل وأمريكا في المرحلة المقبلة.