‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د. أحمد الريسوني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د. أحمد الريسوني. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 4 سبتمبر 2018

سلمان العودة: 37 تهمة والمطالبة بالإعدام

سلمان العودة: 37 تهمة والمطالبة بالإعدام


أحمد الريسوني



أخيرا، وبعد عام كامل من الاختطاف والتغييب القسري، تم "الإعلان" عن بدء "محاكمة سرية" للمفكر الداعية الشيخ سلمان العودة. وقد جاء في الأخبار التي نشرتها الصحف السعودية مؤخرا، أن النيابة العامة طالبت بتنفيذ حكم الإعدام تعزيرا في حق الشيخ الجليل، بعد أن وجهت له 37 تهمة!!

وبما أنني أعرف الشيخ سلمان معرفة جيدة ومنذ مدة طويلة، فقد بدأت أفكر في هذه التهم السبعِ والثلاثين، وقلت في نفسي: بما أن المحاكمة سرية والتهم سرية، فلا بد لمن يعرفون الشيخ وأفكاره وسيرته من أن يكشفوا للناس "أفعاله وجرائمه وأفكاره التخريبية"، التي لأجلها استحق الاختطاف السري، والاعتقال السري، والتعذيب السري، والمحاكمة السرية.

وها أنذا - خدمة للحقيقة - أكشف لكم عن تلك الجرائم السبعِ والثلاثين (37)، التي ارتكبها الأستاذ الشيخ سلمان العودة، أو يُشتبه في ارتكابه لها!!

1- إصراره على الاعتدال في الدين وفي كل أموره،

2- سماحته المفرطة،

3- مخالفته للنهج الذي عليه شيوخ المملكة وخاصة بعض فتاوى هيئة كبار العلماء،

4- كتابه الذي أغاظ مشايخ الممكلة وتجاوَزهم: (افعل ولا حرج)، وهو كتاب سينشر الفوضى الدينية باسم التيسير ورفع الحرج،

5- كتابه (أسئلة الثورة)، وعنوانه وحده كافٍ للدلالة على أهداف صاحبه ومنهجه الهدام،

6- رغم تآليفه الكثيرة، لم يؤلف أي كتاب عن أمجاد هذه الدولة المباركة، ولا عن أحد من ملوكها العظام،


7- إصراره على الرفق والنهج السلمي، مع أن ذلك قد يكون مؤقتا ومرحليا،

8- إصراره على ما يسميه النصيحة لولاة الأمور،

9- إيمانه بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي يمكن اتخاذه معبرا للفوضى والفتنة،

10- عدم توقفه عن ذم الفساد والمطالبة بالإصلاح، رغم تحذيره عدة مرات من عواقب ذلك،

11- مطالبته المتكررة بالإفراج عن الشيوخ وغيرهم من معتقلي الرأي،

12- تأخره عدة أيام قبل الذهاب إلى مبايعة ولي ولي العهد، ثم ولي العهد،

13- تراخيه في الدعوة إلى طاعة ولاة الأمور،

14- ابتسامته الدائمة، التي يخفي بها سوء طويته،

15- علاقته الحسنة مع خصومه، كما مع أصدقائه، حتى لقد ألف كتابا بعنوان (شكرا أيها الأعداء)، وهذا نهج خطير ومثير للشكوك،

16- شعبيته المتمثلة في ملايين المعجبين والمتابعين، وهو أمر قد يشكل خطرا على ولي الأمر وعلى المملكة،

17- محبته واحترامه لأقوام وأشخاص يكرههم ولي الأمر،

18- تباطؤه وبرودته في تأييد المشاريع الجريئة لولي العهد،

19- تأييده للشعب الفلسطيني ولحركة حماس، ضدا على السياسة الرسمية الجديدة للمملكة،

20- المجاهرة بكراهية إسرائيل ورفضها، مع علمه بأن ولي الأمر قد غير رأيه في الموضوع،

21- انتقاداته السرية والعلنية لحلفاء المملكة وأصدقائها، سواء من العرب أو من الغربيين، وهو بمثابة طعن في السياسة الحكيمة لولي الأمر،

22- تشكيكه السري في مشروعية المِنَح والهبات المالية السخية التي يقدمها ولي الأمر وولي العهد لأصدقائهما العرب والأمريكان وغيرهم،

23- النجاح المشبوه لمشاريعه الدعوية، المتسمة بالإبداع والبدعة،

24- زياراته المتكررة لعدد من الدول العربية والآسيوية والأوروبية،؟؟

25- التخابر مع علماء وزعماء ومواطنين من دول أجنبية، والتحدث معهم في شؤون سياسية من اختصاص ولي الأمر،

26- تعلُّمُه في السنوات الأخيرة للغة الإنجليزية، مما يشير إلى سعيه لمزيد من التخابر والتآمر...،

27- تردده على قطر وإلقاؤه عدة خطب ومحاضرات في مساجدها،

28- رفضه مهاجمة قطر وإدانتَها بعد الحصار الرباعي الشهير عليها،

29- تفاؤله الواضح - في تغريدة شهيرة - بالاتصال الهاتفي بين أمير قطر وسمو الأميرMBS، وهي دعوة ضمنية للصلح مع قطر وإنهاء الحصار ضدها، مما سيعتبر هزيمة للمملكة،

30- تعاطفه مع تركيا وفرحه بفشل المحاولة الانقلابية لصيف 2016،

31- دعاؤه المتكرر بإصلاح ذات البين فيما بين ولاة أمور المسلمين، وهو ما يعني أنه يسوي بينهم، ويسوي بين المملكة المباركة وخصومها،

32- علاقته الطيبة بشيخ الإرهابيين العلامة يوسف القرضاوي،

33- رفضه الانسحاب من الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أسوة بالعقلاء من شيوخ المملكة،

34- رفضه الاستقالة من منصب الأمين العام المساعد الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ، أسوة بالشيخ ابن بيه،

35- رفضه إدانة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ووصمَه بالإرهاب وفقا للموقف الرسمي الجديد لولي الأمر،

36- تعاطفه الظاهر والخفي مع قطر، العدو اللدود لبلاده،

37- سعيه الدائم إلى زعزعة الاستقرار وإحداث الفتن في المملكة وغيرها من الدول العربية.


الرباط في 4شتتبر 2018

الأربعاء، 1 يونيو 2016

إمامة المتغلب بين الشرع والتاريخ


إمامة المتغلب بين الشرع والتاريخ



 د. أحمد الريسوني 

نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
من الأفكار الرائجة في الفقه الإسلامي وفي الثقافة الإسلامية قديما وحديثا القول بشرعية الحكم القائم على القوة والغلبة، بمعنى أن من استولى على الخلافة أو الإمارة بالقوة والسيف، حتى قهر خصومه واستولى على البلاد وسلّم له العباد، فهو إمام شرعي تجب طاعته ولا تجوز معصيته ولا الخروج عليه.

وهذه القضية فيها من الالتباس والتلبيس ما يستوجب تفكيكها وبيان حقيقتها، وهو ما يرمي إليه هذا المقال.
ليست من الإسلام
أعني أن الإسلام لم ينص على مشروعية هذه الطريقة في تولي الحكم، ولا هو أرشد إليها ولا أقر وقوعها ولو في نازلة واحدة، فلا نجد شيئا من هذا لا في القرآن الكريم، ولا في السنة الشريفة، ولا في سنة الخلفاء الراشدين.
أما المسلك الشرعي المنصوص عليه والمأمور به في باب السياسة وتولي الحكم، وفي باب تدبير الشؤون العامة فهو مسلك الشورى وما تسفر عنه من قرار واختيار، وهو الذي قال الله تعالى فيه {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38].
"لم ينص الإسلام على مشروعية المتغلب في تولي الحكم، ولا هو أرشد إليها ولا أقر وقوعها ولو في نازلة واحدة، فلا نجد شيئا من هذا لا في القرآن الكريم، ولا في السنة الشريفة، ولا في سنة الخلفاء الراشدين"
فما جاءنا عن طريق الشورى ومؤسساتها، من اختيار وتولية وبيعة، أو من عزل وإعفاء وإلغاء، أو من "حل وعقد" فهو شرعي ومشروع، وهو من الإسلام وإليه، لكونه مأمورا به في القرآن والسنة، ومعمولا به في سنة الخلفاء الراشدين.

وقد كان أول تطبيق لمسلك الشورى بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو التشاور في اختيار خليفة له من بعده، فكان بذلك اختيار أبي بكر وبيعته إماما للمسلمين، وهكذا مضت الأمور على عهد بقية الخلفاء الراشدين: الشورى والاختيار، ولو بأساليب وأشكال متنوعة.

وبناء عليه نستطيع القول بكل ثقة واطمئنان: إن الطريقة الشرعية الوحيدة التي جاء بها الإسلام ونص عليها -لتولي الحكم وانتقاله وتدبير أموره- هي: الشورى والاختيار، مع ترك الطرق والوسائل التفصيلية المعتمدة في ذلك للاجتهاد والتشاور والمراجعة.

بين التاريخ والفقه
مما يقرره ويردده الفقهاء والأصوليون أن النصوص متناهية والوقائع لامتناهية، وأنه يتعذر التنصيص على كافة الحالات والاحتمالات والوقائع الممكنة عبر التاريخ بكل تقلباتها وتشكلاتها التي لا تنتهي، فيبقى كثير منها -أو أكثرها- للاجتهاد والتفاعل بين الفقه والتاريخ.

وفي موضوعنا نجد أن الطرق والأساليب المتبعة في تولي الحكم وتدبير شؤونه عبر التاريخ لا تقف عند حد ولا تلتزم بقيد.

ومن هنا وجد الفقهاء أنفسهم أمام دول تقوم وتسود، وليس فيها مكان للشرعية الإسلامية، أي شرعية الشورى والاختيار، ولكنها على كل حال دول تدين بالإسلام، وتحكم باسم الإسلام، وتنفذ كثيرا من أحكام الإسلام.

ووجدوا -من بين ما وجدوا- أن التاريخ يضعهم أمام حكام تغلبوا وتمكنوا، واستولوا على الحكم وأقاموا دولتهم، لا بالشورى والاختيار من أهل الحل والعقد، ولكن بفضل شوكتهم وقوة عصبيتهم، وربما بفضل سيوفهم وسيوف أنصارهم.

فهذه هي إمامة المتغلب التي ذهب جمهور الفقهاء إلى التعامل معها والإقرار بشرعيتها ونفاذ أحكامها.
وقد يكون من السهل علينا اليوم أن نرمي الفقهاء -في موقفهم هذا- بتهمة التفريط في الشرعية الإسلامية والاستسلام أمام الأمر الواقع، وهو اتهام له -في الجملة- نصيبه من الحق والصواب، أما تفاصيله فالكلام فيها طويل متشعب لا يحتمله المقام.

على أن للفقهاء مستندات واعتبارات عديدة، هي معتمدهم وعذرهم في تسويغ حكم المتغلب إذا ما نزل ووقع، وأهم تلك الاعتبارات والتعليلات ما يلي:

1- إن هذه ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات، علما بأن ما يباح في محل الضرورة لا يمكن اعتباره مباحا في غير محلها.

2- إن البديل الشرعي الأمثل (أي الشورى والاختيار) كثيرا ما يكون متعذرا لا سبيل إليه ضمن الممكنات المتاحة في العهود الماضية.

3- إن التغلب والاستيلاء قد يكون في بعض الحالات هو الخيار الأصلح، كحالة الموت المفاجئ للحاكم السابق دون أن يكون له عهد أو ترتيب لمن سيخلفه، أو كحالة كون ولي عهده طفلا صغيرا لا يقدر على شيء، وكحالة أن يأتي الاستيلاء على الحكم بعد أن تكون الدولة القائمة قد غرقت في الفساد والتفكك والانحلال، فيكون المتغلب المستولي هو المنقذ.

4- إن إبطال حكم المتغلب وشرعيته، والمناداة بإزالته بعد الغلبة والتمكن قد يعنيان الدخول في حرب أهلية تهلك الحرث والنسل، وقد تنتهي إلى تقسيم البلد.

5- إن إبطال إمامة المتغلبين يستتبع إبطال كل تصرفاتهم وكل تصرفات الدولة التابعة لهم، مما يعني تعطيل الخدمات والأحكام القضائية وسائر المصالح والحقوق المتوقفة على الدولة وولاتها ومؤسساتها، وهذا فساد عريض لا يقبله شرع ولا عقل.

ومع هذه الاعتبارات القوية والوجيهة في زمانها وظروفها، فقد أحاط الفقهاء قبولهم لإمامة المتغلب بمزيد من الشروط والقيود:

• أن يكون تغلبه واقعا ضد حاكم متغلب، أما حاكم جاء ببيعة أو عهد، وما زال حكمه قائما فلا تنعقد إمامة المتغلب عليه (انظر: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج للشربيني الشافعي
5/423).

• أن يكون الزعيم المتغلب ذا أهلية في ذاته لتولي المنصب، فلا يكون فاسقا ولا ظالما، لأن الله تعالى يقول {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِين} [البقرة: 124]. وبناء عليه "قال ابن خُوَيز منداد المالكي "الظالم لا يصلح أن يكون خليفة ولا حاكما ولا مفتيا ولا شاهدا ولا راويا". (تفسير ابن كثير 1/289).

• أن يستتب له الأمر، لا أن يكون باقيا في طور التجاذب والتنازع ما بين مؤيد له ومؤيد لغيره.

• أن يبادر إلى إقامة العدل والحكم بالشرع، إذ بدون تحقيقه هذين الغرضين لا حاجة إليه أصلا.
المتغلب في عصرنا
من المعلوم أن العصر الحديث شهد تطورات هائلة في كثير من مجالات الحياة البشرية وأنماطها، ومنها مجال الحكم والسياسة وتنظيم الشؤون العامة.
"إذا كانت أفريقيا اليوم هي الأكثر تخلفا وانحطاطا وفوضوية بين دول العالم وقاراته فإنها من حيث الشرعية الدستورية والقانونية قد أصبحت أرقى من جامعة الدول العربية وأعضائها، وأرقى من منظمة التعاون الإسلامي ودولها"
ففي هذا المجال نجد على سبيل المثال انتشار فكرة الدساتير المنظمة لشؤون الحكم وإدارة الدولة، وفكرة دولة القانون، ودولة المؤسسات، وتنظيم فكرة فصل السلطات، واعتماد أسلوب الانتخابات والاستفتاءات، وكل هذا لم يكن ممكنا من قبل، أو لم يكن متيسرا في العصور القديمة كما هو اليوم.

على أن التطور الحاصل في هذا المجال ليس فقط سياسيا ودستوريا وفكريا، بل هو -أكثر من ذلك- تطور في التجارب والوسائل والأدوات والإمكانات.

والحقيقة أن هذه التطورات قد أسقطت جميع المسوغات والدواعي لنهج الاستيلاء على الحكم بالقوة والغلبة.
وحين أتأمل ما جاء به الإسلام وطبقه الخلفاء الراشدون من شرعية شورية انتخابية رفيعة -في مطلع القرن الأول- فإني أوشك أن أقول إن ذلك كان سابقا لأوانه، وكان فلتة في زمانه، ولكنه على كل حال رسم للبشرية الصورة المثلى لما ينبغي أن تكون عليه الأمور، وترك لنا أن نتعارك مع الواقع لإقامة تلك الشرعية بعينها، أو بما يشبهها، أو ما يكون الأقرب إليها.

وها هو الزمان قد استدار دورته، وأصبحت إقامة الشرعية الشورية الانتخابية اليوم ميسرة وفي متناول أيدي المسلمين، ولا يحول بينهم وبينها إلا طبائع الاستبداد وطلائع الاستبلاد.

ولئن كان لولاية التغلب والاستيلاء مسوغات معقولة في العصور الماضية، على الأقل في بعض حالاتها، فإنها اليوم -في ظل شيوع الدساتير والمؤسسات، ويسر تنظيم الاستفتاءات والانتخابات- قد فقدت كل مسوغ لبقائها، بل هي اليوم تعد أسوأ من الرق والقرصنة، لأن الرق والقرصنة كانا يصيبان أفرادا وأطرافا من المجتمعات، أما الاستيلاء على الحكم بالقوة والغلبة وبدون ضرورة ملجئة فهو استرقاق للأمم وقرصنة للدول.
فلذلك يجب القول شرعا إن تولي الحكم عن طريق القوة والغلبة والاستيلاء قد انتهى زمانه وتمحض بطلانه.

وإذا كانت دول القارة الأفريقية تعتبر اليوم هي الأكثر تخلفا وانحطاطا وفوضوية بين دول العالم وقاراته فإنها من حيث الشرعية الدستورية والقانونية قد أصبحت أرقى من جامعة الدول العربية وأعضائها، وأرقى من منظمة التعاون الإسلامي ودولها.

فالاتحاد الأفريقي قد نص في المادة الثلاثين من قانونه الأساسي المعتمد سنة 2000 على أنه "لا يُسمح للحكومات التي تصل إلى السلطة بطرق غير دستورية بالمشاركة في أنشطة الاتحاد".

ثم أصدر في يناير/كانون الثاني 2007 (الميثاق الأفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم)، ونص في مادته الثانية على أهداف هذا الميثاق، فكان من بينها ما جاء في الفقرة الرابعة، وهو "رفض وحظر وإدانة التغييرات غير الدستورية للحكومات في أي دولة عضو، باعتبار ذلك تهديدا خطيرا للاستقرار والسلم والأمن والتنمية"، والغريب أن مصر كانت هي الدولة الوحيدة التي تحفظت على هذا الميثاق.

ومنذ سنة 2000 أصبح الاتحاد الأفريقي يبادر بتلقائية إلى تجميد العضوية فيه وفي منظماته وأنشطته، لكل دولة يقع فيها انقلاب عسكري.

وفي الحقيقة، لقد أصبح الاتحاد الأفريقي أكثر تمثلا وتمسكا بالشرعية الإسلامية النيرة من عدد من المشايخ المحسوبين أزهريين أو سلفيين أو من هيئة كبار العلماء ممن يدافعون عن الاستبداد ويشكلون طلائع الاستبلاد.
الانقلابات العسكرية
الحكام المتغلبون -الذين كانوا يستولون على الحكم قديما- كانوا عادة ما ينبثقون من بين الشخصيات ذات الشعبية والمكانة والزعامة في الأمة، ومن ذوي النخوة والشهامة والنجدة، ومن ذوي المؤهلات القيادية والقدرات التأسيسية، فكان هذا مما يسهل نجاحهم ويغري الفقهاء والوجهاء بمبايعتهم والتعاون معهم.

أما الانقلابيون العسكريون في هذا العصر فينبتون في الظلام والتكتم، ويتسلقون بمكر وخداع، ومؤهلاتهم الأساسية عادة لا تتجاوز ثلاثة عناصر، هي:

- الرتبة العسكرية والمنصب العسكري.
- القابلية للخيانة والغدر.
- القدرة على المناورة والمغامرة.

فلذلك لا يمكن أن يكون استيلاؤهم على الحكم سوى سلسلة من الجرائم والكوارث والنكبات، والعرب بالباب كما يقال.

أضف إلى هذا أن الجنود والضباط اليوم في دول الاستبداد والاستبلاد قد أصبحوا يُنشّؤون على فلسفة الغباء والطاعة العمياء، يقتلون ولا يعرفون من يقتلون، ولا لماذا يقتلون، ولا لفائدة من يقتلون.
"يكون الانقلاب العسكري جائزا ومحمودا في حالة واحدة، هي عندما يكون ضد انقلابي سابق، بشرط أن يتم تسليم الحكم بعد الانقلاب للمدنيين المنتخبين في أقرب وقت ممكن"
ومنذ حوالي ثمانين سنة تفطن العلامة السيد رشيد رضا لهذه الحقيقة المرة، فكتب في تفسيره يقول "ولكن الحكام في هذا الزمان مؤيدون بقوة الجند الذين تربيهم الحكومة على الطاعة العمياء، حتى لو أمرتهم أن يهدموا المساجد، ويقتلوا أولي الأمر الموثوق بهم عند أمتهم لفعلوا، فلا يشعر الحاكم بالحاجة إلى أولي الأمر إلا لإفسادهم وإفساد الناس بهم، ولا يريدون أن يقرب إليه منهم إلا المتملق المدهن".

على أن من أخبث الحيل التي بدأ بعض الانقلابيين يتّبعونها هروبا من تطورات العصر واستحقاقاته أنهم بعد تنفيذ انقلابهم واستيلائهم على الحكم، وبعد إحكام قبضتهم على الدولة والمجتمع يعمدون إلى إعداد طبخة ديمقراطية انتخابية، لكسب رداء الشرعية، فإذا بالزعيم الانقلابي يصبح "رئيسا شرعيا منتخبا".

هكذا وقع مرارا في مصر وسوريا والعراق والجزائر وموريتانيا والسودان والصومال وتشاد.
ولذلك وجب القول إن كل انقلابي متغلب يتمسك بالحكم بعد الانقلاب، ويوطد أقدامه ليستمر فيه، بأي حيلة أو خدعة، فهو غاصب ظالم: بانقلابه أولا، وباستمراره فيه ثانيا، وبكافة جرائمه في حق البلاد والعباد.

ويبقى أن الانقلاب العسكري يكون جائزا ومحمودا في حالة واحدة، هي عندما يكون ضد انقلابي سابق، بشرط أن يتم تسليم الحكم بعد الانقلاب للمدنيين المنتخبين في أقرب وقت ممكن، وهذا ما فعله السيدان الفاضلان: المشير عبد الرحمن سوار الذهب في السودان، والعقيد اعل ولد محمد ولد فال في موريتانيا.

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2015

الإسلاميون في الحكم .. احذروا أنفسكم أولا


الإسلاميون في الحكم .. احذروا أنفسكم أولا

د. أحمد الريسوني



منذ ستين عاما -أو تزيد- كتب المحامي الفقيه الشهيد عبد القادر عودة كتابه الذي سماه (الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه).
وفيه حمَّلَ مسؤولية إضعافِ الإسلام والإساءةِ إليه، لأبنائه بجهلهم، ولعلمائه بعجزهم.

المهم أن تفكير المؤلف وتشخيصه للمشكلة، اتجه إلى الذات، وليس إلى الآخرين ومؤامراتهم، وإن كان هذا لا ينفي وجود مؤامرات ومتآمرين، ضد الإسلام والمسلمين.
المهم هو الاعتراف بأن ما نحن فيه من تخلف وضعف ومعاناة، إنما هو منا أولا وأساسا، كما قال الله تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران : 165]، وقال: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء : 79]

اليوم الإسلاميون أصبحت لهم مشاركات ومسؤوليات في مؤسسات الدولة والحكم. بل وصلوا إلى رئاسة الجمهورية في مصر، وقبلها في السودان، وإلى رئاسة الحكومة في تونس والمغرب، والبقية آتية لا ريب فيها، بإذن الله تعالى.

لكنهم قريبا سيبدأون في دفع الحساب عن نتائج مشاركتهم وأدائهم فيما تحملوه من مسؤوليات.
فهل يعملون بقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا…”؟

إذا تفهم الإسلاميون -أو غيرهم- قولة عمر هذه وعملوا بها، فسيجلسون يوميا وأسبوعيا لمحاسبة أنفسهم ومحاسبة بعضهم، بشوق وتقبل، لا بضيق وتبرم. وسيكونون كما جاء في الحديث النبوي الشريف «إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها».

إن المشكلة التي تجرف الناس عموما، والسياسيين خصوصا، نحو منحدر التقصير والتبرير، هي تركهم للأمور تمضي بلا محاسبة يومية، وبلا توبة يومية. والتوبة هنا تشمل كل تدارك وتصحيح. 
فمرور أيام أو أسابيع بلا محاسبة ولا توبة، وبدون تدارك ولا تصحيح، يؤدي إلى التراكم والانجراف التدريجي، وهو ما يثقل كاهل صاحبه ويجعل قيامه بالتدارك والتصحيح أصعبَ وأثقل مرة بعد مرة، ويكون البديلُ السهل هو الانزلاق في مسلسل التبرير والدفاع عن النفس، واتهامِ المناوئين والمتآمرين ومردة الشياطين.

في المغرب على سبيل المثال، كان رئيس الحكومة وعددٌ من وزرائه يتصرفون ويتكلمون في البداية وما قبل البداية بدرجة عالية من الشفافية، ويدافعون عن هذه الشفافية، ووجدوا لهم في ذلك سندا قويا من الدستور، ولقُوا من الشعب كل ترحاب وإعجاب. ثم سرعان ما بدأت العتمة تزحف على أعمالهم وأقوالهم، وبدأ الدفاع عن العتمة والضبابية يحل محل الوضوح والشفافية.
ومعلوم أن العتمة -في اللغة- هي بداية الظلام وأول الليل، والليل أجلب للويل.
وقد كره النبي صلى الله عليه وسلم تسمية الأعراب لصلاة العشاء باسم صلاة العتمة، وقال: (لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء، فإنها في كتاب الله العشاء)، فالصلاة نور وضياء، فلا يليق تسميتها بالعتمة.

والتعتيم مَدعاةٌ للشك والريبة، خاصة إذا تكرر واستمر،.فإذا جاء ما يوضح ويضيء ويُطَمْئن فذاك، وإلا تمكنت الشكوك، وتزعزعت الثقة، وتأكدت المخاوف.فمن عَتَّم فإنما يُعتم على نفسه، ويثير الشبهة في تصرفه. وفي الحديث الشريف: «البر حُسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس».

وتعلمون معشر الإسلاميين قصة رسول الله وزوجته صفية، حين جاءته ليلا وهو معتكف في المسجد، فلما أرادت الانصراف قام يمشي معها، “فلقيه رجلان من الأنصار، فنظرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أجازا (أي مضيا). فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: تعاليا إنها صفية بنت حُيَي. قالا: سبحان الله يا رسول الله! قال: إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يلقي في أنفسكما شيئا” (صحيح البخاري). إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حَوَّل الظلام إلى نور، وأحل الشفافية محل العتمة.

من الإسلاميين من يقولون: هذه فرصة تاريخية طالما انتظرناها وانتظرتها شعوبنا، ونحن لا نأمن أن تضيع هذه الفرصة وتضيع معها فرصة الإصلاح الحقيقي الذي نحمل رايته وأمانته، وفي ذلك ما فيه من خسارة للإسلام وللمشروع الإسلامي في هذا العصر. ولذلك لا بد لنا من المسايسة والمكايسة لكي نحافظ على هذه الفرصة ونستثمرها، خدمة للإسلام والمسلمين.

وقبل سنوات تذاكرت مع قيادي من الحزب الحاكم في السودان، وقلت له: أليس الترابي على حق حين يدعوكم ويدعو العسكريين خاصة -ومنهم الرئيس البشير- إلى التخلي عن الحكم، وتنظيم انتخابات نزيهة بدون عسكر؟ قال: يا أخي نحن نخشى على المشروع الإسلامي، والانتخابات عندنا، إن تُركت على عواهنها، في بلد يسوده الجهل والفقر، وتتحكم فيه القبلية والعشائرية والطرق الصوفية، ويخترقه النفوذ الأجنبي طولا وعرضا، لا نضمن ما الذي ستأتينا به، فلا بد من الإعداد الكافي قبل المغامرة بمستقبل المشروع الذي نحن مؤتمنون عليه.

قلت له: إن أكبر خدمة تؤدونها للإسلام وللمشروع الإسلامي في السودان والعالم الإسلامي كله، هو أن تنظموا انتخابات حرة نزيهة على جميع المستويات، بما فيها رئاسة الجمهورية، وألا يترشح فيها عمر البشير.. فهذه هي الخدمة التاريخية التي يمكنكم تقديمها للإسلاميين عبر العالم.

الإسلاميون يخافون على الإسلام وعلى المشروع الإسلامي، وأنا أخاف من خوفهم هذا، لأنه يضر من حيث يريدون النفع، ومن الحب ما قتل.

الاثنين، 9 فبراير 2015

الشرح والبيان لحرب العدوان والشيطان

الشرح والبيان لحرب العدوان والشيطان



د. أحمد الريسوني
***********************

بعد الكلمة المقتضبة التي كتبتها مؤخرا بعنوان (حرب العدوان والشيطان)، تلقيتُ عدة استفسارات واستشكالات لبعض ما تضمنته تلك الكلمة، وخاصة عدم تأييدي للحرب القائمة ضد داعش، واعتباري أن تلك الحرب هي مثل داعش وأفعالِـها، أي أنها عبارة عن “حرام في حرام”.


ثم تلقيت مقالا من الدكتور محمد بولوز يردُّ فيه علي، ويرى وجوب قتال داعش… وقد نشرته في موقعي الإلكتروني.

لذلك وجب الشرح والبيان.
1– لقد أصبح من المعلوم أن تنظيم “داعش” تَشَكَّل وتضخم وتفرعن بفعل عوامل متعددة، أكثرها وأهمها مصنَّع وموجَّه، بشكل مباشر أو غير مباشر، وأن الأيدي الأمريكية والسورية والعراقية والإيرانية ضالعة في ذلك قطعا. وهذا ما صرح به — أو اعترف به — كثير من السياسيين والمسؤولين الغربيين والعرب والإيرانيين، وهو ما أكده كثير من المحللين والخبراء. وعلى سبيل المثال فقد صرح السيد مسعود البرزاني رئيس إقليم كردستان العراق — في حوار تلفزي — أنه سبق له أن اتصل بنوري المالكي رئيس الوزراء العراقي السابق، ونبهه إلى أن نحو خمسمائة مسلح من داعش عبروا من سوريا إلى العراق، وقال له: إن قواتنا، أي قوات البشمركة، جاهزة وقادرة على سحقهم إذا وافقتم على ذلك، فأجابه المالكي: الزم شؤون إقليمك ودع هؤلاء عنك.

وحدثني صديق ثقة، سمع من مصدر عليم، أن السفير الأمريكي في العراق — وأثناء المفاوضات التي سبقت اختيار رئيس الوزراء — لما رأى تعنت نوري المالكي وتمسكه بمنصبه بدعم من إيران، واعتراضه على تولي حيدر العبادي رئاسة الوزراء، قال له: إذا لم تقبل بالتنحي وتولي العبادي، فإن داعش ستدخل إلى بغداد في غضون 24ساعة، بعدها رضخ المالكي وأعلن قبوله بالأمر الواقع.

وعلى العموم فإن العشرات ممن استمعت إليهم من العلماء والأكاديميين وقادة العمل الإسلامي — خاصة من العراق وسوريا — مجمعون على أن “داعش” مدعومة ومخترقة وموجهة، من عدة جهات معادية للعرب والمسلمين، هي نفسها التي تتصدر الآن ما يسمى بالحرب على “داعش”، وأن نظام بشار الأسد هو المحتضن الأول والراعي المباشر لولادة هذا التنظيم ونشأته.


2– من الواضح تماما أن الدول العربية والأوروبية التي يتوافد منها “المجاهدون والمجاهدات” إلى صفوف “داعش” تتغاضى عن خروجهم وتَنَقُّلِهم وعبورهم… أي أنها تتركهم يلتحقون بداعش، وهي قادرة تماما على منعهم لو أرادت. ومن الواضح أن هذه السياسة ترمي إلى التخلص من أولئك الشباب، ثم إرسالهم إلى المعركة والمحرقة.


3– أما تضخيم داعش ولو مؤقتا، ثم القيام لمحاربتها عدة سنين، فيحقق للأمريكيين — والغرب عموما — بيع الأسلحة وتجريبها، وتدريب العسكريين وتطوير مهاراتهم، وجلب أموال خيالية مقابل العمليات الحربية ومقابل ما يسمى “إعادة الإعمار”، كما ييسر لهم مزيدا من التمكن والتحكم في المنطقة ومزيدا من تفتيتها وإغراقها في العداوات والصراعات والحروب الثأرية التي لا تنتهي.

وأما الساسة الإيرانيون والطائفيون العراقيون، فإن وجود داعش وحروبها تمكنهم من سحق المناطق السنية وأهلها، لفائدة التمدد الشيعي.

وأما النظام السوري فإنه الرابح الأكبر من “داعش”، فقد أنقذه ظهور داعش من ورطة خانقة، بل من موت محقق.


4– بناء عليه، فهذه الحرب على “داعش”، هي بالدرجة الأولى صناعة أمريكية غربية، وهي بالدرجة الثانية صناعة إيرانية طائفية، وأما الشعوب العربية وعموم المسلمين، فليس لهم في هذه الحرب ناقة ولا جمل؛ ليس لهم فيها قرار ولا تخطيط ولا قيادة ولا مصلحة. بل هي عبارة عن قتل المسلمين بالمسلمين بأموال المسلمين، فهي وبال عليهم في دينهم ودنياهم، في الحال والمآل.


5– أما “الدواعش” في حد ذاتهم ولوحدهم، أي باعتبارهم طائفة من الخوارج البغاة المتمردين الفتانين، فإن أي دولة منفردة من دول المنطقة — كالسعودية والعراق والأردن وتركيا — قادرة على سحقهم وإبادتهم في بضعة أشهر، لو كان لها قرار مستقل وتدبير مستقل. فالسعودية على سبيل المثال سكانها نحو30 مليون، وثرواتها وقدراتها التسليحية لا حدود لها. ولعلمائها ودعاتها قدرة فائقة تامة على التعبئة والتجييش والتجنيد لملايين المواطنين من داخل المملكة، ولأكثر من ذلك من خارجها.
فما الذي يمنعها من ذلك: أهو العجز والإفلاس، أم الارتهان للتبعية والاستسلام للإرادة الأجنبية؟.


وقد سبق للزعيم الجزائري عباسي مدني أن عرض على الملك فهد أن يأتيه بمليون متطوع من الجزائر وحدها، لأجل ألا يستقدم الجيوش الأجنبية إلى بلاد الحرمين، ولكنه رفض العرض، وجاءت الجيوش الأجنبية، ثم جاءت القاعدة، ثم جاء داعش، ثم جاء الـحــَـوَثة، ثم لا أدري…؟

ومعلوم أن دول مجلس التعاون الخليجي لها اتفاقية دفاع مشترك، وقوات مشتركة. وهم أعضاء في اتفاقية الدفاع العربي المشترك، في إطار الجامعة العربية…

فلو أن حربهم على طائفة البغاة المتمردين المفسدين تمت في هذا الإطار، وعلى صعيد من هذه الأصعدة، وكانت لمصلحة الإسلام والمسلمين، لكانت حربا مشروعة واجبة، ولكانت شعوبهم وجميع المسلمين فيها ومعها.

ولكن الدول الاستعمارية تصر على أن يكون القرار قرارها، وأن يكون زمام الحروب بيدها، وأن يكون السلاح تحت تحكمها وإمرتها، ولصالحها ولصالح إسرائيل. ففي هذا الإطار وُجدت داعش، وفي هذا النطاق تجري الحرب على داعش. وهذا هو لب المسألة وجوهر المشكلة.

6– دول المنطقة العربية الآن:

- إما أن تستمر — وهي مستمرة حتى الساعة — في خيار التبعية والانخراط والدوران في فلك المشاريع الصهيوغربية. وهي المشاريع التي نعيش أطوارها ونتائجها وآلامها منذ الحرب العالمية الأولى، ومنذ تفكيك الدولة العثمانية، ومنذ أكذوبة “الثورة العربية الكبرى”، ومنذ اتفاقية سايكس/​بيكو ووعد بلفور…

- وإما أن تسلك مسلك السيادة واستقلال القرار، والنِّدية في علاقاتها وسياساتها الخارجية، وأن تتصالح مع شعوبها وتراعي إرادتها ومصالحها. وهذا — وحده — هو العلاج والدواء.

وأما الخيار الأول، فهو الداء، وهو الدواء الذي يزيد استفحال الداء.

الجمعة، 6 فبراير 2015

حرب العدوان والشيطان

حرب العدوان والشيطان

 د. أحمد الريسوني

اتصل بي عدد من الإخوة الصحفيين — من داخل المغرب وخارجه — يطلبون رأيي، ويسألونني عن الحكم الشرعي، في عملية الإعدام حرقا، التي نفذها تنظيم “داعش” في حق الطيار الأردني رحمه الله، ولكني اعتذرت أو لم أجب.

وأمس زارني أحد الأصدقاء، ودار بيننا الحديث إلى أن قال لي: فلماذا لم تقل شيئا في الموضوع؟ أليس ما قام به تنظيم “داعش” من حرق هو عمل لا يجوز شرعا، ولا يجوز السكوت عنه؟

قلت له: “داعش” كله من ألفه إلى يائه غير جائز شرعا، داعش من لحظة وجوده إلى لحظة فنائه حرام في حرام، وكل ما يصدر عنه حرام. فلو قلتُ: إن حرقهم للطيار الأردني عمل غير جائز، فكأنَّ أعمالهم الأخرى جائزة أو فيها شيء جائز.

قال: أليس هؤلاء إذن تجب محاربتهم؟ فلماذا لم تؤيد الحرب ضدهم؟

قلت: لأن الحرب القائمة ضدهم هي أيضا حرام في حرام، وليست حربا من الإسلام والمسلمين في شيء. بل الإسلام والمسلمون هم ضحايا لهذه الحرب ولطرفيها معا.

قال: أليس المغاربة مشاركين فيها؟

قلت: المغاربة المشاركون في هذه الحرب بعضهم مع داعش وبعضهم ضده، فأي مغاربة تعني؟

قال: أنا أقصد الضباط والجنود المقاتلين إلى جانب الحلفاء ضد داعش.

قلت: هؤلاء يقاتلون لأجل الإمارات المتحدة، والإمارات تقاتل لأجل الولايات المتحدة، وهذه تقاتل لأجل إسرائيل، وإسرائيل تقاتل لأجل العدوان والشيطان. وأما داعش فيحاربون لفائدة الشيطان بدون وسائط.



أحمد الريسوني — 6÷2÷2015

السبت، 25 أكتوبر 2014

الريسوني يدعو البشير إلى التنحّي عن حكم السودان وأن يستل نفسه من "القائمة السوداء"

الريسوني يدعو البشير إلى التنحّي عن حكم السودان وأن يستل نفسه من "القائمة السوداء"


بقلم: د. أحمد الريسوني 
نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
بعد سنوات قليلة مما سمي "ثورة الإنقاذ" قمت برحلة علمية جامعية إلى السودان، بدعوة من مكتب المعهد العالمي للفكر الإسلامي... وأثناءها قمت بزيارة للسيد الصادق المهدي، وكانت خصومته للنظام القائم على أشدها، كما هي دائما.
قال لي وهو يصف الحالة السياسية ببلاده: نحن عندنا دكتاتورية بلا دكتاتور. وكان يقصد أن الرئيس عمر البشير في شخصه وطبيعته ليس دكتاتوريا، بل هو رجل شعبي ومتواضع، ولكنه مع ذلك يرأس ويقود نظاما دكتاتوريا...! وقد أعجبني هذا الإنصاف وهذا التدقيق من السيد الصادق المهدي.
وبغض النظر عن تقييم شخصية الرئيس السوداني الحالي وأسلوبه في الحكم، وبغض النظر عن تقييم فترة حكمه وحصيلتها ونتائجها، وما إن كانت إيجابية مشرّفة، أو كارثية، أو بين ذلك، وبغض النظر عن المؤامرات والعداوات الخارجية الموجهة إليه وإلى حكمه بسبب الصفة الإسلامية التي يتحلى بها ويحكم تحت لافتتها...
بغض النظر عن ذلك كله، فإني أرى -ومنذ سنين طويلة- أن عمر البشير وحزبه عليهم أن يتركوا الحكم، وخاصة منه رئاسة الجمهورية، وذلك للأسباب التالية:
1. لأنهم استولوا على الحكم عبر انقلاب عسكري لا غبار عليه.
2. لأن انقلابهم كان ضد حكومة شرعية منتخبة لا غبار عليها.
3. لأن سندهم الأقوى في الاحتفاظ بالحكم هو امتلاكهم الجيش وغيره من أدوات الحكم والتحكم، وأما دور الشعبية والمصداقية فيأتي لاحقا وتابعا للقوة العسكرية والأمنية وللوجود الفعلي في الحكم.
4. البشير الآن أمضى في الحكم ربع قرن، وهو وحزبه يطمحون في تمديد حكمهم لأجل غير مسمى. وهذا عادة لا يتأتى إلا بالأساليب التحكمية وفرض الأمر الواقع.
5. أما حكاية الدستور والانتخابات والفوز الديمقراطي بالرئاسة والتمديد الديمقراطي لفتراتها اللامحدودة والتأييد الجماهيري العارم، فهذه أمور نعرفها ونعرف قيمتها ونتانتها، مع جعفر النميري وجمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك وعبد الفتاح السيسي ومعمر القذافي والحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي وهواري بومدين والشاذلي بن جديد وعبد العزيز بوتفليقة ومعاوية ولد الطايع ومحمد ولد عبد العزيز وحافظ الأسد وبشار الأسد وصدام حسين وعلي عبد الله صالح... فالاقتداء بهؤلاء والتحجج بنهجهم وطريقتهم في تولي الحكم والبقاء فيه، أصبح مجرد حجة دكتاتورية سخيفة ومبتذلة.
6. وأخيرا أقول للأخ عمر البشير: حاول أن تستل نفسك من هذه القائمة السوداء، وسجل نفسك في قائمة سلفك الصالح، الكريم المكَرَّم، المشير عبد الرحمان سوار الذهب.
وإنَّ أحسن ما تتقرب به إلى ربك، وتخدم به دينك ووطنك، وأفضل ما تهديه للأمة الإسلامية وللحركة الإسلامية، هو أن تتنحى عن الحكم راضيا مرضيا، وتشرف على نقل الرئاسة إلى غيرك وغير حزبك، بطريقة شرعية نزيهة مسلّمة لا شية فيها.

الثلاثاء، 23 سبتمبر 2014

الريسوني: جماعة الحوثي حصان طروادة لإيران وعلي صالح

الريسوني: جماعة الحوثي حصان طروادة لإيران وعلي صالح


هاجم أحمد الريسوني نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، السعودية وإيران والعراق، واصفا إياهم بـ"معامل تكرير وصناعة الطائفية"، معربا عن أسفه من تحول الصحوة الإسلامية إلى صحوات "مذهبية" و"طائفية" بسب هذا الدول الثلاث.

وقال أحمد الريسوني الفقيه المقاصدي المغربي، في حوار شامل خص به موقع "عربي21"، إن جماعة الحوثي تمثل حصان طروادة الذي يضم في أحشائه إيران وعلي عبد الله صالح، وإن سقوط العاصمة صنعاء بيد الجماعة دليل على أن اليمن "حطام دولة".

واعتبر الريسوني، في الحوار الذي جاء على ثلاثة محاور، أن الصمت السعودي والخليجي، راجع أربعة اعتبارات تتراوح ما بين "الارتياح" و"الدعم" السعودي للحوثي و"الصفقة" مع إيران، و"العجز" السعودي بسبب الإنهاك في ملفات أخرى خارجية كمصر والعراق.

وسجل الريسوني وجود ثلاثة ثوابت جديدة للسياسة السعودية والإماراتية، أولها تصفية جميع منجزات الربيع العربي، وثانيها التصدي لأي تجربة ديموقراطية حقيقية في العالم العربي، وخاصة في المشرق العربي، وثالثها مواجهة حركة الإخوان المسلمين ومطاردتها أينما حلت أو ارتحلت.

وبخصوص "داعش" أكد الريسوني أن الذين يصطفُّون اليوم لحرب داعش هم الذين تسببوا - بقصد أو بدون قصد - في ظهورها وهيأوا لها كل أنواع المغذيات والمقويات، وأن العلاج الحقيقي إنما يكمن في الإصلاح لا في السلاح.

وتحدث الريسوني عن مستقبل الربيع العربي الديموقراطي، وعن كلفة الإصلاح، كما تطرق في حواره إلى محاذير "تسلف" الحركة الإسلامية، وأيضا عن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

وفي ما يأتي نص الحوار كاملا:

** المحور الأول: سقوط صنعاء

* نبدأ من اليمن.. كيف تقرأون سقوط صنعاء في يد الحوثيين؟

- لا يخفى على أحد أن جماعة الحوثي المسماة (أنصار الله) متبناة ومحتضَنة بصورة كاملة من إيران وحزب الله اللبناني، بل هي عبارة عن (حزب الله اليمني). وعلى هذا الأساس فلها كل أشكال الدعم بالسلاح والمال والخبرات والتدريب... كما أن الزحف الحوثي معزز هذه المرة بعلي عبد الله صالح وحزبه وأتباعه العسكريين والسياسيين والقبليين. بمعنى أن الحوثيين في هذا الزحف الأخير هم حصان طروادة الذي يضم في أحشائه كل من ذكروا.

من جهة ثانية، هم الآن يزحفون على دولة منهكة ومفككة ومشتتة الولاءات، أو هي بالأحرى حطام دولة، هذا هو التفسير الذي يبدو لي.

* ما تفسيركم للصمت السعودي والخليجي حول هذا التطور الخطير؟

- هناك من يتحدثون عن الارتياح السعودي لما يجري، بل تتحدث مصادر يمنية وسعودية عن الدعم السعودي للحوثيين، لكونهم يأتون على حساب التجمع اليمني للإصلاح وجماعة الإخوان المسلمين.
وهناك من يرون أن هذه التطورات هي جزء من التفاهمات السعودية الإيرانية؟ وقد تم اللقاء بين وزيري الخارجية السعودي والإيراني في نفس اليوم الذي سيطر فيه الحوثيون على صنعاء ومؤسسات الدولة فيها، وقد أعلن الوزيران عن فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين.

وهناك من يرون أن الأمر أقل من هذا كله، فهو عجز سعودي لا أقل ولا أكثر، خاصة بعد حالة الانهماك والاستنزاف التي غرقت فيها السعودية في كل من مصر والعراق.

أيا ما كانت التفاصيل الآنية، فإن هناك ثوابت جديدة للسياسة السعودية الإماراتية، تبدت خلال السنوات الأربع الماضية: وهي أولا تصفية جميع منجزات الربيع العربي، وثانيا التصدي لأي تجربة ديموقراطية حقيقية في العالم العربي، وخاصة في المشرق العربي، وثالثا مواجهة حركة الإخوان المسلمين ومطاردتها أينما حلت أو ارتحلت!، فهذه العناصر كافية لتفسير الموقف السعودي مما يجري في اليمن.

* لماذا تقبل السعودية بمن تصفهم بـ"الشيعة" حكاما فعليين لجارها الجنوبي، في حين تحارب "الإسلام السياسي" على بعد مئات الكيلومترات؟

- ربما يرون أن الحوثيين في جميع الأحوال سيظلون أقلية مذهبية، وليس لديهم إمكانية التمدد أو التأثير خارج حدود اليمن. فالزيدية حكموا اليمن لقرون، ولم يتجاوزوه في يوم من الأيام. بل حتى هذه السيطرة والانتصارات الحوثية قد تكون قصيرة العمر، بينما يرون أن "الإسلام السياسي السني" عابر للقارات، ومتجذر في جميع الأقطار الإسلامية...

** المحور الثاني: سبل مواجهة "داعش"

* في مقالكم الأخير، رفضتم فكرة التحالف الدولي ضد "داعش"، لماذا؟

- مقالي الأخير (كلفة السلاح وكلفة الإصلاح) يرمي أساسا لبيان أن الذين يصطفُّون اليوم لحرب داعش هم الذين تسببوا - بقصد أو بدون قصد - في ظهورها وهيأوا لها كل أنواع المغذيات والمقويات، وأن العلاج الحقيقي إنما يكمن في الإصلاح لا في السلاح...

* هل "داعش" بالبساطة التي يستطيع فقط "العلماء" "الصادقون" مواجهتها والقضاء عليها؟

- عمل العلماء الصادقين - لو سمح به وفسح له اليوم - لن يعالج داعش الحاضر، وإنما سيعالج دواعش المستقبل، داعش اليوم كان يمكن للعلماء أن يجنبونا معضلتها وكوارثها، لو فسح لهم منذ سنين وعقود، هذا ما أقصد.

* تقولون بأن "داعش" بنت السياسة الأمريكية، فيما يرى فريق آخر أن "داعش" بنت "التاريخ" و"الخبرة" الإسلامية، كيف تردون عليهم؟

- نعم صحيح، هناك عوامل ومؤثرات مساعدة كثيرة، لكل منها نصيبه ودوره، لكن ما قلته وأريد التنبيه عليه وتأكيده هو أن داعش ولدت وترعرعت ونجحت في ظل - وبفضل- الاحتلال الأمريكي ومخلفاته، وخاصة قيامه بتدمير الدولة العراقية والوحدة العراقية والمجتمع العراقي.

* ما الذي تخشونه من تداعيات الحرب العالمية على "داعش"؟

- للأسف لم نعد نخشى شيئا، فكل السناريوهات السيئة والأسوأ، هي إما واقعة أو في حكم الواقعة، (مزيد من التقسيم، مزيد من الاستبداد، مزيد من القتل، مزيد من قطع التيار الكهربائي عن الشعوب العربية...).

أرجو أن نكون على وشك استنفاد جميع الممكنات السيئة والأسوأ، لنتطلع من ورائها إلى بعض المسارات المشرقة والمبشرة (فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا).

** المحور الثالث: مستقبل الربيع العربي

* هل أغلق قوس الربيع الديموقراطي؟

- الربيع العربي، أو الربيع الديموقراطي، أو الانتفاضات أو الثورات العربية... إذا ما نظرنا إلى ما حصل على أنه "حادثة"، أو "لحظة تاريخية"، فنستطيع أن نتحدث عن نهايته، أو تعثره، أو انقلابه إلى ضده... وإذا نظرنا إليه على أنه تعبير عن المجتمع العميق ضد الدولة العميقة، فهو عندي كالبركان، يثور ويهدأ، أو يهدأ من جهة ثم يقذف من جهة أخرى، وهو على كل حال موجود ومشتعل ومستمر.

وبغض النظر عن الكيفيات والمواعيد الزمية، فالمستقبل المؤكد عندي هو حتمية انتصار الشعوب العميقة على الدول العميقة. وهذا ليس تخمينا أو تمنيا، بل هو مبني على كون التعليم في توسع، ومنه التعليم الإسلامي، والإعلام في توسع، والتواصل والتفاعل في تيسر وتوسع، والوعي السياسي في تصاعد، والثقافة الحقوقية في نمو، والزوايا المظلمة في انحسار، واحتكار الدين في طريق الاندثار. فاجمعْ هذه الأمور كلها واحسبها، وانظر النتيجة...

* ما هي "كلفة الإصلاح" في بلاد الربيع الديموقراطي؟

- عندنا حديث نبوي شريف يقول: "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل. ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة". والحكمة الإسلامية تقول: من عرف ما قصد هان عليه ما وجد. ومن طلب العسل فليتحمل لسعَ النحل. بمعنى أن التجارب التصحيحية الإصلاحية الجارية أو المنشودة لا بد لها من ثمن، ولا بد لها من وقت. ونفاستها تستحق التضحيات المطلوبة. ولكن في جميع الأحوال، فكلفة التصحيح والإصلاح أقل بملايين المرات من كلفة الفساد والاستبداد.

* هل انتقل العالم العربي إلى الصحوة "الطائفية/ المذهبية" بعد الصحوة "الإسلامية" الجامعة؟

- للأسف هذا صحيح، فالصحوة الإسلامية تحول جزء كبير منها إلى صحوة طائفية. وهذه إحدى بركات الاحتلال الأمريكي للعراق والحرب الأمريكية في العراق. وقد قيل قبل عشر سنوات: هذه الحرب خاضتها أمريكا وانتصرت فيها إيران. من يومها دخلنا في سباق طائفي سياسي محموم. كنا في صحوة مباركة، فدخلنا في صحوة ملوثة. لحسن الحظ فإن هذه الطائفية تخفُتُ وتتلاشى بقدر بعدنا عن مصانعها ومراكز تكريرها وضخها (إيران والعراق والسعودية).

* ألا تتخوفون من فكرة "تسلف" الحركة الإسلامية؟

- عن أي تسلف وأي سلفية نتحدث؟ فكلنا سلفيون بمعنى من المعاني، ومحمد عبده ورشيد رضا، وعلال الفاسي وعبد الحميد بن باديس، يُعَدُّون من أقطاب السلفية...

* أعني التسلف الوهابي؟

- إذا كنت تقصد السلفية الوهابية النجدية، فهي فعلا مشكلة بل معضلة، بسطحيتها وعنفها، وهي الآن واقع لا يرتفع، فهي ليست مجرد شيئ يخشى حصوله وانتشاره، بل هي شيئ متفش واسع الانتشار، لكن يرجى علاجه وانحساره، وذلك محتاج إلى وقت غير قليل، والزمن جزء من العلاج.

* هل أنتم راضون عن أداء وخط سير الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين؟

- الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عرف ويعرف منعطفا بارزا، من خلال مؤتمره الذي انعقد قبل شهر بمدينة اسطنبول. ويتمثل هذا المنعطف في التوجه القوي نحو التجديد والنهوض العلمي من جهة، ونحو الإصلاح الديني الاجتماعي من جهة أخرى. وقد انعكس هذا بوضوح في أوراش مؤتمر دور العلماء في نهضة الأمة الذي انعقد بموازاة مع الجمعية العموية للاتحاد، كما تجلى في الكلمة الافتتاحية التي ألقاها فضيلة العلامة يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد، حيث ركز على قضيتين أطال في بيانهما: قضية المرأة في الفقه الإسلامي، وقضية الدعوة العالمية والتعريف العالمي بالإسلام الصحيح. وهو ما أكده حفظه الله وألح عليه منذ أيام قليلة، في اجتماع الأمانة العامة. ولذلك سيتم على هذا الأساس تنويع الأوعية والمسالك العلمية والبحثية والدعوية للاتحاد.

وقد روعي ذلك في تشكيل اللجان والمراكز، التي ستترجم هذا التوجه وتخرجه إلى حيز الفعل، في غضون السنوات المقبلة بحول الله تعالى وتوفيقه.

الأحد، 21 سبتمبر 2014

كلفة السلاح وكلفة الإصلاح…؟

كلفة السلاح وكلفة الإصلاح…؟ 

بقلم: د. أحمد الريسوني






الحرب العالمية ضد “تنظيم داعش” بدأت أشواطَها، بينما الحرب العالمية ضد “تنظيم القاعدة” لم تضع بعد أوزارها!

القيادة الغربية لهذه الحرب رسمت لها خطتها وأعدت لها عدتها ووزعت أدوارها، كما وزعت تكاليفها وأرباحها وغنائمها، الحالية والآتية.

فأمريكا وشقيقاتها الدول الغربية ستبيع السلاح وخبرة القادة والخبراء العسكريين، الذين سيصدرون التعليمات والتوجيهات، ويجددون خبراتهم وتطبيقاتهم، ثم يأخذون ما لا يتصور من الأجور والتعويضات.

القوات الحكومية العراقية، والميليشيات الشيعية، والأكراد، والمعارضة السورية “المعتدلة”، هؤلاء سيدفعون الأنفس والأرواح، وسيتولون المواجهات الأرضية.

وأما شيوخ العرب، وخاصة منهم “الأغنياء الأغبياء”، فتكفلوا بالتغطية المالية الخيالية، وسيعطون الجزية عن يد وهو صاغرون.

ثم تأتي بعد ذلك “إعادة الإعمار”، التي ستتولاها الدول والشركات الغربية ذات الاختصاص والامتصاص… والفواتير يدفعها — كالعادة — شيوخنا الكرماء، “الأغنياء الأغبياء”.


ولست أدري هل بدأ، أو سيبدأ قريبا، التخطيطُ والتحضير لإنتاج جيل جديد من “الإرهابيين والجماعات الإرهابية”، مع إعداد الخطة الاستراتيجية للحرب عليهم ومواجهة “مخاطرهم على الاستقرار والسلم العالمي”؟!

وإضافة إلى الكلفة المالية المباشرة التي عادة ما تقدر ويعبر عنها بالتريليونات، فإن الدول والشعوب العربية والإسلامية تتكبد خسائر فادحة أخرى، قد تبدو خارجة عن قضية محاربة الإرهاب ومحاربة داعش والقاعدة… فتعزيز الاستبداد وخنق الحريات وترهيب الشعوب ومحاربة التدين والثقافة الإسلامية والتعليم الإسلامي واللغة العربية والعمل الخيري الإسلامي… كل هذه الأمور وغيرها تتم وتترسخ منذ عقود، باسم محاربة الإرهاب.

هل عجز العالم عن المواجهة السلمية لداعش وفكرها؟

هذا سؤال كبير وخطير لا بد من التفكير فيه بجدية والإجابة عليه بشفافية..

فكر داعش والقاعدة في معظمه عبارة عن ضلالات وجهالات وأوهام وأحلام. ووسائل نشره ضعيفة وبدائية، ثم هي محصورة ومحظورة. فكيف — والحال هذه — عجزت دول العالم عن دحر هذا التيار وكبح جماحه، سلميا وعلميا وفكريا وثقافيا، وهي تملك كل ما تملكه من مدارس ومعاهد وجامعات، ومراكز بحثية ووسائل إعلامية وثقافية، ومؤسسات دينية وعُلمائية، ومنظمات طفولية وشبابية، ومن أموال وأتباع ومؤيدين، ومفكرين وفلاسفة ومخططين، وفنانين وإعلاميين…

هل عجز عصر الأنوار والحداثة والعقل والعلم والحرية والعولمة، عن محاصرة فكر “بدائي متخلف”، وحصر تأثيره وانتشاره وإبطال مفعوله وخطره؟!

هذا عجز مشكوك فيه عند كل من لهم فكر ونظر، بل هو عندي مقطوع بعدمه.

أسئلة أخرى لا بد من طرحها، وإن كانت أجوبتها لا تخفى على أحد ممن يعيشون هذه الحقبة ويتابعون مجرياتها:

أليست “داعش” هي بنت الاحتلال الأمريكي للعراق، أليس هذا الاحتلال هو الذي هيأ جميع الشروط والمستلزات لنشوء داعش ونجاحاتها؟ هل كانت داعش لتكون أصلاً، ثم هل كانت لتصل إلى ما وصلت إليه، إلا بفضل الاحتلال وخدماته، سواء المقصودة أو غير المقصودة؟

إن الأمريكيين والشيعة العراقيين والأكراد، الذين يصطَـفُّون اليوم في “حرب داعش” هم أنفسهم الذين اصطفوا قبل سنوات قليلة لتحطيم الكيان العراقي والدولة العراقية، وإعداد كامل الظروف اللازمة لاستجلاب داعش وغيرها من الكوارث.

السياسات العربية في خدمة الإرهاب


يتفق كثير من الدارسين والمحللين العلميين من — عرب وغربيين — أن ما يسمى بالإرهاب مدين في تشكله وتوسعه وتجذره للأنظمة العربية الأشد فسادا واستبدادا وظلما وظلمة. بل الواقع المعيش والمشاهد يكشف هذه الحقيقة للخاصة والعامة. ففكر الغلو والعنف، الأكثر نجاحا والأشدُّ شراسة، يقترن عادة ويتلازم مع الأوضاع الأشد ظلما وفسادا.

ومن هنا — على سبيل المثال — نفهم ما يستعصي فهمُه على كثير من الناس، وهو أن السعودية ذات النظام الديني المعلوم، وذات الأماكن المقدسة والمحبوبة لدى عامة المسلمين، وذات الثراء والمستوى المعيشي الممتاز، نجدها هي الأكثر إنتاجا وتصديرا للإرهابيين والفكر الإرهابي!!

ذلك أن التجربة السعودية من أول أمرها قامت على السيف والبطش، تأصيلا وتنفيذا. ومعلوم أن سياسة السيف والبطش والعنف، حتى لو استعملت للحق والعدل، فإنها تترك جراحا أليمة وآثارا وخيمة، فكيف إذا استعملت لنصرة الظلم والعسف والاستبداد والاستئثار ومنع كلمة الحق وحق الكلمة؟! والسيف كما يكون لك، يكون عليك، ولو بعد حين.

ومن آخر ما استفادته “داعش” من المملكة السعودية وسياساتها الظالمة، إعلانُ آل سعود الحربَ على جماعة الإخوان المسلمين وتصنيفُها لأجل ذلك جماعة إرهابية. لقد غنمت “داعش” من وراء هذا الموقف السعودي الكريم عشرات الآلاف من الشباب، الذين تحولوا من “الإسلام السياسي” إلى “الإسلام العسكري”.

وقد حدثني صديق هندي أن حرب السعودية على جماعة الإخوان وعلى حركة حماس، جعل كثيرا من علماء الهند يتحولون من تأييد السعودية إلى تأييد “الخلافة الإسلامية” التي أعلنتها داعش!! وقد تداولت وسائل الإعلام مؤخرا خبرَ رفض (ندوة العلماء) بالهند استقبال وفد سعودي، بسببإعلان السعودية جماعةَ الإخوان وحركةَ حماس منظمتين إرهابيتين.

كلفة الوقاية لو كانوا يريدون

كل الناس يعرفون ويفهمون الحكمة العظيمة القائلة: “درهم وقاية خير من قنطار علاج”، ولكن القليل منهم من يعملون بها. أما أصحاب الأنظمة العربية المريضة الفاسدة، فلا يحبون هذه الحكمة أصلا، ولا يريدون العمل بها أبدا. لأنهم يرون أن كلفة العلاج موجودة ووفيرة، ولن تكون من جيوبهم ومصالحهم، فلماذا يحملون أنفسهم عناء الوقاية؟

كلفة الوقاية والسلامة هي رفع السيف عن الناس بدل رفعه عليهم، هي رفع السيف عن الرقاب بدل وضعه فيها. والسيف هنا هو سيف الظلم والقهر والقمع، وهو سيف الاعتقال والتعذيب والترهيب. هو تغييب الناس في الظلمات، بدون ذكر أسباب ولا مسببات.

كلفة الوقاية ليست أكثر من العدل في الرعية، والقسم بينهم بالسوية.

وكلفة الإصلاح تتطلب شيئا لا أيسر منه ولا أرخص، وهو ترك العلماء الصادقين المخلصين يقومون بواجباتهم التي هم أدرى بها. لكن حكام الجور والاستبداد عادة ما يمنعون ويسجنون ويُقْصون علماء الصدق والنصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، ويؤثتون ممالكهم ومؤسساتهم بمن يُرضونهم ويتملقونهم. فلذلك أصبح الناس لا يأبهون بهؤلاء ولا يثقون في كلامهم وفتاويهم، بل يعتبرونهم طائفة منزوعة الدسم، أي منزوعة المصداقية.

وهكذا ضاعت مكانة العلماء ورسالتهم: ما بين المنع للعلماء المخلصين، وعدم الثقة بعلماء السلاطين.

في الأيام الأخيرة تحدثت بعض وسائل الإعلام كثيرا عن اجتماع وصف بالحاسم لهيئة كبار العلماء، ناقشوا فيه إمكانية فرض رسوم على ما يسمى بالأراضي البيضاء (وهي الأراضي غير المبنية داخل المدن)، لكنَّ المواطنين السعوديين يتهامسون ويتساءلون بسخرية: لماذا لا يناقش العلماء حكم “الأراضي السوداء”، أي آلاف الكيلومترات من الأراضي التي يغتصبها الأمراء بدون أي سند سوى أنهم أصحاب السمو؟!

الثلاثاء، 8 يوليو 2014

الخلافة على منهاج النبوة والخلافة على منهاج "داعش"

الخلافة على منهاج النبوة والخلافة على منهاج "داعش"   

د,أحمد الريسوني

في أواسط العقد الثاني من القرن العشرين الميلادي، نفَّذ القائد العسكري التركي الضابط مصطفى كمال -الملقب لاحقا بكمال أتاتورك- أول انقلاب عسكري -بالمعنى الحديث- في العالم الإسلامي، ونفذ بعد ذلك قرارا أوروبيا يقضي بإلغاء الخلافة العثمانية التي كانت تجمع تحت مظلتها معظم الأقطار الإسلامية.

عندها أحس كثير من المسلمين -من عامتهم وخاصتهم- بنوع من التيتم والضياع، ومن يومها أصبح التطلع إلى عودة الخلافة حلما يراود -أو يؤرق- أذهان كل الغيورين الخائفين على مصير الإسلام والأمة الإسلامية.

وفي هذا السياق أيضا، أصبحت قضية "استعادة الخلافة السليبة" من أكثر القضايا التي تشغل الحركات الإسلامية المعاصرة، بل إن إسقاط الدولة العثمانية -أو الخلافة العثمانية- كان من جملة الأسباب القوية والمباشرة التي دفعت إلى ظهور كبريات الحركات الإسلامية العالمية، مثل: جماعة الإخوان المسلمين التي انطلقت من مصر، وجماعة التبليغ، والجماعة الإسلامية، اللتين انطلقتا من الهند، وجماعة النور التي انطلقت من تركيا، ثم ظهر بعد ذلك حزب التحرير الإسلامي، الذي تخصص في مسألة الخلافة وجعل منها شغله الشاغل ومسعاه الدائم.
في الأيام الأخيرة انفجر السجال على أشده حول "مسألة الخلافة"، وعاد أمل الخلافة وحلمها يخيمان على الآلاف من الشباب المسلمين عبر العالم، فمنهم من بايع، ومنهم من أيد من بعيد، ومنهم من يهفو وينتظر
فقيام الحركات الإسلامية الحديثة مرتبط بفكرة الخلافة، ردا على إلغائها، أو سعيا لإحيائها، أو تصحيحا للمسار الذي انتهى بسقوطها. فبعضها جعل من إقامة الخلافة بداية ومدخلا لمشروعه الإصلاحي النهضوي، كما هو حال حزب التحرير، وبعضها جعل منه غاية لعمله ومساره عبر مراحل أخرى، كحال جماعة الإخوان المسلمين، وبعضها اعتبر أن مشكلة المسلمين في أساسها وجوهرها ليست قضية خلافة وقضية حكم وسياسة، بل هي قضية أمة ابتعدت عن دينها وتراخت في إيمانها وتدينها، وأن الداء والدواء والمشكلة والحل ها هنا، وهذه هي رؤية جماعة التبليغ وجماعة النور.

وبين هؤلاء وهؤلاء -وعلى فترة من الزمن- نشأت جماعات وتيارات وتعبيرات وأحزاب إسلامية أخرى، لا تجعل من الخلافة حلما من أحلامها، ولا مطلبا صريحا من مطالبها، ولكنها استبدلت بها مطالبَ وأهدافا سياسية محددة ذات طبيعة عملية مقاصدية، مثل: المشروعية، والحرية، والشورى، والعدالة، والحكم الرشيد.

وهذا هو ما يمكن تسميته "الجيل الثاني" من الحركات الإسلامية، أو جيل القرن الـ15.

ولعل أبرز تجلٍّ وأقرب تعبير لهذا الجيل الإسلامي الجديد هو الذي نجده ممتدا من تركيا شرقا إلى موريتانيا والسنغال غربا، ومن حزب العدالة والتنمية التركي، إلى حزب العدالة والتنمية المغربي، وحزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) الموريتاني.

وفي ما بين تركيا وموريتانيا نمر بالعديد من التيارات الإسلامية الجديدة أو التجديدية في كل من مصر والسودان وليبيا وتونس والجزائر والمغرب. وهذا مجرد تمثيل بمنطقة جغرافية متصلة، تحتضن -أكثر من غيرها في ما يبدو لي- مواطن مزدهرة ورائدة للجيل الحركي الثاني، وإلا فهذا الفكر منتشر ومتنام، وله كياناته وتجاربه، في دول شرق آسيا وشبه الجزيرة العربية، وغيرها.

على مدى العقود الثلاثة الأخيرة خاصة، نجد رؤية هذا الجيل تترسخ في صفوف الحركات الإسلامية قديمها وجديدها، وتمضي ناسخة أو مغيِّبة شعار الخلافة الإسلامية والدولة الإسلامية، ومركزة على المحتويات لا على المصطلحات، وعلى المعاني لا على المباني.

وفجأة في الأيام الأخيرة، عاد هذا الشعار إلى الساحتين الإعلامية ثم العلمية، وانفجر السجال على أشده حول "مسألة الخلافة"، وعاد أمل الخلافة وحلمها يخيمان على الآلاف من الشباب المسلمين عبر العالم، فمنهم من بايع، ومنهم من أيد من بعيد، ومنهم من يهفو وينتظر.

وحتى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين -الذي بادر مشكورا إلى إعلان موقفه الرافض للخلافة المعلنة مؤخرا، مؤكدا عدم شرعيتها وفقدانَها كل شروط الخلافة ومقوماتها- افتتح بيانه الصادر في الخامس من رمضان 1435هـ (3\7\2014م) بالقول "والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين إزاء هذه القضية يرى ويؤكد على ما يلي:

أولا: إننا كلنا نحلم بالخلافة الإسلامية على منهاج النبوة، ونتمنى من أعماق قلوبنا أن تقوم اليوم قبل الغد".

عمدة الحالمين بالخلافة وعودتها، هو الحديث الذي رواه الإمام أحمد وغيره، وهو عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج نبوة".

وهذا الحديث، أولا: لا يخلو من هشاشة في ثبوته وصحته، وأقصى ما يقوله فيه أهل الاختصاص هو أنه "حَسَنُ الإسناد". ومثل هذا لا يبنى عليه شيء من الأحكام الغليظة والأمور الجسيمة، وقصارى ما يصلح له هو التبشير وبث الأمل، أما إذا جد الجد وعظمت الأمور، فلا بد من أدلة صحيحة متينة، وإلا فلا.

وثانيا: هناك حديث آخر في الموضوع، وهو في مثل درجة هذا أو أعلى منه، وأعني به حديثَ سفينةَ رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي اللهُ مُلكه من يشاء». فهذا الحديث لم يذكر خلافة ثانية تأتي وتكون على منهاج النبوة بعد الخلافة الأولى.

وثالثا: كلا الحديثين ليس فيه أمر ولا نهي، أي ليس فيه تكليف بشيء. فمن ادعى أنه بإعلانه الخلافة وتبعاتها الخطيرة قد قام بما أوجب الله عليه، فليخبرنا أين كلفه الله بهذا؟ ومن أين له هذا الوجوب؟ وإلا فهو دعي، ومن الذين يفعلون ما لا يُؤمرون.

الخلافة بين منهاجين
وأما إذا جئنا إلى مسمى الخلافة الراشدة، أو "الخلافة على منهاج النبوة" فسنجد من صفاتها وأحوالها ما يلي:
التداول والاختيار للخلفاء الراشدين كانا يتمان في حرية مطلقة وأمان تامّ، وليس تحت سطوة السيوف والتهديد والوعيد. وأما خلافة "داعش"، فيراد فرضها في خضم الفتنة والحرب، وفي جو الخوف والرعب، وتحت التسلط والإكراه
1- أنها كانت تجمع تحت ولائها وسلطانها كافة المسلمين -بغض النظر عن قلتهم أو كثرتهم- وأن المسلمين جميعا كانوا راضين عنها فرحين بها. وأما الخلافة المعلنة مؤخرا (خلافة داعش "تنظيم الدولة الإسلامية") فليس تحت سيطرتها حتى واحد من ألف من المسلمين ومن بلاد المسلمين. ثم هل كل من تحت سيطرتهم مسَلِّم لهم وراغب فيهم ومحب لسلطانهم؟ قطعا لا.

2- أن اختيار الخليفة كان يتم بعد تشاور وتداول بين عامة أهل الرأي والمكانة، بل حتى بمشاركة واسعة من عامة المسلمين -نساء ورجالا- كما في اختيار الخليفة عثمان رضي الله عنه. ولذلك قال سيدنا عمر رضي الله عنه -كما في صحيح البخاري- "فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابَع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا".

وأما خليفة المسلمين المزعوم، فلا ندري من بايعه ومن اختاره؟ وما قيمتهم ومكانتهم في الأمة الإسلامية؟ والذي نعلمه ولا نشك فيه هو أن صاحبنا بايعه حفنة من أصحابه وأعوانه، وهذا قد يخوله أن يكون أميرا عليهم في شؤونهم الخاصة، وأما أن يصبح بذلك خليفة للمسلمين، فدونه ما بين السماء والأرض.

3- أن التداول والاختيار للخلفاء الراشدين كانا يتمان في حرية مطلقة وأمان تامّ، وليس تحت سطوة السيوف والتهديد والوعيد. وأما الخلافة المتحدث عنها في وسائل الإعلام، فيراد فرضها وتثبيتها في خضم الفتنة والحرب، وفي جو الخوف والرعب، وتحت التسلط والإكراه. وفي ما هو دون هذا بكثير كان الإمام مالك بن أنس رحمه الله يفتي ويقول: طلاق المكره لا يقع. فبيعة المكره والخائف لغو.

4- أن الخلافة الراشدة كانت خلافة وحدة ورحمة ونعمة على المسلمين، لا خلافة حروب أهلية بين المسلمين، ولا خلافة نقمة وفتنة وتمزيق وعذاب.

5- أن الخلافة على منهاج النبوة كانت قائمة على تحقيق المعاني والمقاصد والأعمال، وليس على الشعارات والبيانات، والمظاهر والألقاب. نقل الإمام البغوي في "شرح السنة"، عن حميد بن زنجويه "أن الخلافة إنما هي للذين صدقوا هذا الاسم بأعمالهم، وتمسكوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده، فإذا خالفوا السنة، وبدلوا السيرة، فهم حينئذ ملوك، وإن كانت أساميهم الخلفاء".

وما أكثر الحكام الذين بالغوا في تدبيج ألقابهم وتقديس أنفسهم وتمطيط أنسابهم، وهم في الحقيقة لم يجلبوا لشعوبهم وأمتهم سوى الفتنة والمحنة والوبال والخبال. وفي بعضهم قال الشاعر:
مما يُزهِّدني في أرض أندلسٍ ألقابُ مملكة في غير موضعها
ألقابُ معتضِدٍ فيها ومعتمِدٍ كالهِرِّ يحكي انتفاخاً صولة الأسدِ
لا شك أن الهرَّ في أصله كائن محترم ومحبوب، وله مكانته ووظيفته، ولكن حين ينتفخ ويعلن نفسه أسدا، وينصب نفسه "ملك الغابة"، هنا يفقد كل شيء ويصبح لا شيء.

"نَوطُ الأحكامِ الشرعية بمعانٍ وأوصاف، لا بأسماء وأشكال"

هذه العبارة للعلامة محمد الطاهر ابن عاشور، وقد جعلها عنوانا لمبحث من مباحث كتابه "مقاصد الشريعة الإسلامية". ومعناها أن الأحكام الشرعية لا تبنى ولا تترتب على الأشكال والأسماء والمظاهر، وإنما تبنى على مراعاة حقائق الأشياء وصفاتها المؤثرة.

فليس في الشريعة تحريم شيء أو إباحته أو وجوبه لأن اسمه كذا، ولقبه كذا، أو لأن شكله أو لونه كذا. قال ابن عاشور رحمه الله: "وإياك أن تتوهم أن بعض الأحكام منوط بأسماء الأشياء أو بأشكالها الصورية غير المستوفية للمعاني الشرعية، فتقع في أخطاء في الفقه".

وفي ما يخص قضيتنا -قضيةَ الحكم والخلافة والسياسة- نجد أن الشرع جاء بالعدل وأوجبه في كل المجالات، وجاء بالإحسان وكتبه على كل شيء، وجاء بالشورى والمشروعية ومنع الاستبداد، وجاء بالإيثار وذم الاستئثار، وجاء بالمساواة والتواضع وتحريم التجبر والطغيان، وجاء بحفظ الأموال العامة وألا تُقرب إلا بالتي هي أحسن، وحرم التخوض فيها بأي استئثار أو اختلاس أو تبذير أو محاباة، وجاء بنصرة الضعفاء وتمكينهم من حقوقهم وكرامتهم وحاجاتهم، وجاء بردع الأقوياء، ومنعهم من البغي والاعتداء، وجاء لتحقيق الأمن ورفع الخوف.
لو اختفى لفظ "الخلافة والخليفة" من حياة المسلمين إلى الأبد، ما نقص ذلك من دينهم مثقالَ ذرة ولا أصغر منها. ولكن إذا اختفى العدل والشورى وشرعية الحكم ليوم واحد، فتلك طامة كبرى
وهذه كلها أركان وفرائض وعزائم قطعية، معلومة مواضعها ومكانتها وأدلتها في الدين. فإذا تحققت هذه المعاني والمقاصد في ظل شيء اسمه الخلافة فنِعْمَتِ الخلافة، وهي التي نريد. وإذا انتهكت وضيعت في ظل "الخلافة" فبئست الخلافة، وهي ما لا نريد. وإذا تحققت دون اسم الخلافة، وتحت أي اسم آخر، فقد حصل المقصود كاملا غير منقوص.

والشرع الذي فرض علينا ما تقدم ذكره -وغيره- من الأحكام والمبادئ والمقاصد، لم يفرض علينا أبدا أن نقيم شيئا نسميه الخلافة، أو الخلافة الإسلامية، أو دولة الخلافة، ولا فرض علينا أن نقيم شكلا معينا ولا نمطا محددا لهذه الخلافة أو لهذه الدولة، ولا أمرنا -ولو بجملة واحدة- أن نسمي الحاكم خليفة، وأن نسمي نظام حكمنا خلافة.

ولذلك أقول: لو اختفى لفظ "الخلافة والخليفة" من حياة المسلمين إلى الأبد، ما نقص ذلك من دينهم مثقالَ ذرة ولا أصغرَ منها. ولكن إذا اختفى العدل، واختفت الشورى، وشرعية الحكم ليوم واحد، فتلك طامة كبرى.

إن "خلافة" تأتينا بالسيف وتخاطبنا بالسيف، لن تكون -فيما لو كانت- إلا نذير شؤم ومصدر شر لهذه الأمة.

نحن نعاني من ويلات حكام أتونا بالسيف، ويحكموننا بالسيف، وبعضهم ما زال يتخذ السيف شعارا لدولته ورايته، فكفانا سيفا وتسلطا.

نعم للسيف حين يصد الغزاة ويطرد المحتلين ويذل عملاءهم وأولياءهم، وحين يحمي الأوطان ويؤمن الثغور والجبهات. أما حين يتجه السيف إلى نحور المسلمين، ويتجه إلى السيطرة والتحكم، ويصبح بديلا عن الشرعية والشورى، ووسيلة لإعلان الخلافة، فهو باطل ومرفوض هو وخلافته.