‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات وائل علي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات وائل علي. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 24 يناير 2023

لن أقول ذكرى ثورة يناير

 لن أقول ذكرى ثورة يناير

وائل قنديل

أحد أسوأ المداخل التي يستخدمها خصوم ثورة يناير (2011) في مصر لتشويهها والنيْل منها اجترار رواية أنّ المؤسسة العسكرية حرّكتها، أو أسهمت في تحريكها للتخلّص من حسني مبارك.

رواية الانقلاب الأبيض على مبارك مصنوعة بالكامل في ورش السرد العسكرية، فهي من ناحية توّفر لهم حصّة هائلة في ماضٍ جميل، بل هو الأجمل في تاريخ المصريين. ومن ناحية أخرى، تتيح لهم إعطاب حلم التغيير في المستقبل، بتكريس فرضية عجز الشعب عن صناعة التغيير من دون موافقة، ودعم الجيش.

لا يقل سوءًا عن ذلك التعاطي مع ثورة يناير باعتبارها ذكرى تنتمي لماض يخصّ لحظة زمنية انتهت ولا يصلح للاستعادة أو التكرار في المستقبل، وهذا أيضًا شكل من أشكال محاولة إلحاق الهزيمة بالذاكرة الجمعية، وقطع خطوط الاتصال بين مستقبلها الذي تحلم به ومعادلاتها الوطنية والقيمية التي أدّت إلى نتائج مبهرة، جرى الانقضاض عليها سريعًا، ولا تزال تتلقى الضربات لمحوها من العقل الجمعي للجماهير.

فيما خصّ حكاية الانقلاب الأبيض المزعوم، يدهشك أنّ بعض من يردّدونها من المفترض أنهم ينتمون بدرجاتٍ متفاوتة إلى يناير، الحلم والفكرة والكيمياء التي لا تموت بانتهاء الحدث أو توّقفه إجباريًا، والأكثر إثارة للدهشة أن يذهب بعضهم إلى أنّه ثمّة حاجة ماسة لاختراع كيمياء جديدة ومعادلات مستحدثة لصناعة مشروع جديد للتغيير يشمل روافد جديدة، مغايرة لتركيبة العام 2011.

شواهد عديدة وشهادات كثيرة تدحض سردية الانقلاب الأبيض تمامًا، تلك السردية المصطنعة التي كانت أحد العناصر الرئيسة في التجهيز للانقلاب الأحمر الدموي الصريح في صيف 2013 على الرئيس المنتخب، بأمر ثورة يناير الدكتور محمد مرسي، وذلك بغية إبطال حجة منطقية سليمة ودامغة، تقول إنّ المستهدف هو اقتلاع فكرة قدرة الشعب على إحداث التغيير الديمقراطي من رأس الجماهير، والإذعان لمنطق جديد يقول إنّ الجيش هو صاحب السلطة، مانحها ومانعها.

هذه الرواية العسكرية ليست صحيحة على أي وجه، ويمكنك الرجوع إلى مذكّرات باراك أوباما، في الجزء الذي يتناول الربيع العربي والثورة المصرية، والذي يؤكّد فيه أنّ جميع الأطراف فوجئت بانتفاضة الشعب المصري، من الإدارة الأميركية إلى البنتاغون إلى المؤسسة العسكرية المصرية، إلى مبارك نفسه، كلهم أُخِذوا بهذا التحرّك الجماهيري الهادر.

دعني أعيد عليك نشر مقطع بالغ القطعية والدلالة في مذكّرات أوباما، حيث يقول نصًا:
"كنت واقعيا في تفكيري حين افترضت أنني          سأمضي ما تبقى لي من زمن في البيت الأبيض وأنا أتعامل مع مبارك (رئيسا لمصر) لولا عناد ومثابرة  الشباب (الغاضب) في ميدان التحرير. كنت سأواصل في التعامل معه كرئيس (برغم كلّ ما يمثله) تماما    مثلما واصلت في التعاطي مع باقي المنظومة          الكبرى "الفاسدة والسلطوية المتعفنة" كما وصفها مستشاري بن (رودس) والتي تهيمن على مقدرات  الحياة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا".          

الاستمرار في مضغ الرواية العسكرية عن الانقلاب الأبيض، أي من داخل النظام، بوصفه الوسيلة الوحيدة للتغيير هو قطع للطريق على أيّة محاولة من الشعب للحصول على حقوقه، كما أنه في الوقت ذاته لا يصلح لتأسيس تيار جديد مبني على معادلات مختلفة عن معادلة يناير، وقد شهدت السنوات الفائتة محاولات مختلفة في هذا المضمار باءت كلها بالفشل.

 لن أقول لك كل سنة وأنت طيب لمناسبة ذكرى يناير، بل دعني أقول لك إنّ الأفكار العظيمة لا تموت، وتبقى صالحة لصناعة مستقبل محترم.

الأربعاء، 9 يونيو 2021

خالد سعيد: هل تذكر هذا الاسم؟

 خالد سعيد: هل تذكر هذا الاسم؟

وائل قنديل

السادس من يونيو/ حزيران ذكرى مقتل الشاب خالد سعيد، أيقونة الثورة المصرية، كما هو محمد البو عزيزي للثورة التونسية، مرت من دون أن يتوقف عندها أحد، فلم يغرّد كبار المغرّدين، ولم تصدر جهة أو حركة أو حزب بيانًا، تتذكّر فيه "شهيد التعذيب" وتذكر فيه بالثورة.
أحد عشر عامًا مضت على واقعة مقتل الشاب السكندري تعذيبًا على يد اثنين من أفراد الشرطة، لتندلع بعدها الحياة في الأحزاب والقوى السياسية المتيبسة، وينطلق مدفع التغيير في مصر، فيعود محمد البرادعي من الخارج، ويطرح نفسه قائدًا للمشروع، منطلقًا من منزل خالد سعيد بالإسكندرية، داعيًا إلى الحشد بالتوكيلات المليونية.
كانت قضية خالد سعيد العنوان الرئيس لسردية ثورة يناير 2011 حتى جاء الثلاثون من يونيو 2013 فصارت عنوانًا فرعيًا صغيرًا، وشيئًا فشيئًا تحولت إلى سطر عابر في السياق الجديد، ومع الوقت أصبح تذكر القضية تهمة، أو طريقًا إلى الخطر، حتى وصلنا إلى اللحظة الحالية: لا أحد يتذكر، ليس جبنًا أو خوفًا من عواقب التذكّر، وإنما لأن الذاكرة اعتلاها الصدأ، وما يسمى الضمير الجمعي قد مات قتلًا وشبع موتًا.
بالتزامن مع ذكرى اغتيال خالد سعيد، كانت مدينته، الإسكندرية، على موعد مع اغتيال آخر، لكنه هذه المرة ليس اغتيال فرد، بل اغتيال مجتمعٍ بالكامل، حين افترست قوات الأمن آلافا من بسطاء المدينة خرجوا في تظاهرات ضد الإبادة والتهجير من بيوتهم، المطلوب هدمها لصالح بارونات الرأسمالية المتوحشة، تلك الرأسمالية المدجّجة بالحكم العسكري، والمطمئنة إلى أن المجتمع المدني قد ووري الثرى، وما بقي منه لا يقوى على الصراخ أو الهتاف أو حتى الشكوى، حتى أن اغتيال شركة الحديد والصلب قد مر على نحو أسهل وأسرع من حلاقة الرأس أو تقليم أظافر اليدين.
في مراعي "السوشيال ميديا" كان الحديث عما جرى في الإسكندرية، من إجراءات قمعية ضد رافضي التهجير، يستدعي وقائع حي الشيخ جرّاح في القدس المحتلة، لمناسبة تظاهر الآلاف من مواطني عزبة "نادي الصيد" في منطقة "أبيس"، في محافظة الإسكندرية، ضد مخطط لتهجيرهم من المنطقة التي يقطن بها نحو 16 ألف نسمة، وتقع على مساحة 51 فداناً، رافعين شعار "تطوير لا تهجير". 
بعيدًا عن حجم التهويل أو التهوين في موضوع تهجير مواطني نادي الصيد بالإسكندرية، فإن اللافت هنا أن التظاهرات العارمة مرّت من دون أن تعرف طريقها إلى الصحف اليومية والشاشات، أو تتسلل إلى سراديب ما يسمى مجلس النواب، للمناقشة أو الإحاطة أو التساؤل، كما لم تحرّك شهية المجتمع المدني لكي يهتم بها، أو يتبنّاها، أو حتى يستوضح أمرها.
في سياق عام من التعايش، أو التواطؤ العاجز، مع ابتلاع الدولة المتغوّلة للفرد، يصبح الحديث عن مناعة اجتماعية أو دور لمؤسسات المجتمع الأهلي في حماية الأفراد ضربًا من الخيال، في ظل الانسحاق الكامل للقوى التي انطلقت في نضالها الثوري من مقتل شاب واحد (خالد سعيد) أمام النظام الاستبدادي الذي ورث تركة النظام القمعي الذي أسقطته قبل أحد عشر عامًا.
 في مثل هذه الأوضاع، تمرّ قضية الاغتيال الفني والمعنوي والقهر الوجودي لمطربة ارتبط اسمها بثورة يناير، آمال ماهر، من دون أن يتكلم أحد، أو يهتم، ولو حتى مدفوعًا بغريزة النهم الصحافي، لمعرفة ماذا حدث، أو ما الذي يجعل فنانة موهوبة، ذائعة الصيت، تسلم بهذه السهولة لرغبة الإبادة المتوحشة، المحمّلة بالغبار والرمل.
هل يكفي القول إن شراسة الاستبداد الحالي فرضت على الفرد، ومن ثم المجتمع، أن يتكيّف مع عجزه، ويرضى به، ويخترع له مسميات لطيفة، أو يدفنه في كومةٍ من الشعارات الرنانة، ويقنع نفسه بأن لا مجال للتمسّك بالحرية أو الكرامة الإنسانية، لأن واجب الوقت أن يتخلى عن كل شيء ويتذكر أنه جندي في معركة من أجل المياه؟ وهل ثمّة تعارض أو تناقض بين أن تناضل لكي تعيش حرًا وكريمًا، وبين أن تحارب لكيلا تموت عطشًا؟
الشاهد أن الذين تسبّبوا في عطش الجماهير للحرية والكرامة، هم أنفسهم الذين فرّطوا فيما يحمي هذه الجماهير من الهلاك عطشًا للمياه. ومع ذلك مطلوبٌ من ضحايا العطشين أن ينضموا إلى قوافل التهريج السياسي التي وجدت في قضية السد الإثيوبي مدخلًا إلى ملاطفة الاستبداد ومداعبة الجلادين، في ملاهي الوطنية المستحدثة، تلك الوطنية التي يفهمونها على أنها سحق الإنسان لكي يعيش الوطن.
للمرة الألف، الوطن هو الإنسان، كما هو الأرض والحدود، ولا يكون بخير إذا كان أحد مكوناته ليس بخير، كما تظل الوطنية منقوصةً، إن تغاضت عن تقطيع خرائط الوطن الإنسانية، واستبسلت في الدفاع عن الخرائط الجغرافية.

الثلاثاء، 26 مارس 2019

العرش مقابل الجولان

العرش مقابل الجولان

وائل قنديل
2019-03-27 

ماذا لو دعا بشار الأسد الشعب السوري إلى الاحتشاد والكفاح، دفاعًا عن الجولان المحتل؟
 من سيلبي النداء وسورية منقوصة من 13 مليونًا من أبنائها، هم عدد النازحين من إجرام بشار، يتوزّعون لجوءً حول العالم، بحسب آخر إحصاءات متداولة في العام 2018؟.

وفقًا للأرقام المنشورة على موقع مركز "بيو" للأبحاث، وهو مركز بحثي أميركي، يشتغل على مجال أبحاث الشعوب، في العام الماضي، فإن 60% من عدد سكان سورية قبل الحرب، نازحون ومهجّرون، خارجيًا وداخليًا، وهي نسبة نزوح لم تشهدها دولةٌ من قبل خلال العقود الأخيرة.

وتوضح الدراسة التي نشرها المركز أن أكثر من ستة ملايين و300 ألف سوري، أي حوالي 49% من عدد المهجرين قد نزحوا داخليا، بينما، وكما تفصل الدراسة، هناك أكثر من خمسة ملايين سوري لجأوا إلى الدول المجاورة في تلك المنطقة: تركيا (3.4 ملايين) ولبنان (مليون) والأردن (660 ألفا) والعراق (250 ألف) يمثلون حوالي 41% من عدد اللاجئين السوريين المنتشرين في العالم. وهناك أكثر من 150 ألفا يعيشون في دول شمال إفريقيا مثل مصر (130 ألفا) وليبيا، أما أوروبا فيعيش فيها حوالي مليون سوري، كلاجئين أو طالبي لجوء: ألمانيا (530 ألفا يمثلون خامس أكبر نسبة لاجئين في العالم) والسويد (110 آلاف) والنمسا (50 ألفا) بالإضافة إلى نحو مائة ألف سوري في أميركا الشمالية.

السؤال الأهم هنا: هل يمكن لشخصٍ فعل في بلده كل هذه الأفاعيل أن يكون معنيًا بالجولان؟ هل يمكن أن يكون مشغولًا بإنهاء احتلال أرضه من أنزل بشعبه مئات أضعاف ما قام به الاحتلال الصهيوني؟. قبل ذلك، هل بشار الأسد لا يزال يرى الكيان الصهيوني عدوًا؟.

بشار الأسد مثل كثيرين من أعضاء النظام الرسمي العربي، حرّروا أنفسهم من قيود التاريخ والجغرافيا، وصاروا يتعجّلون إعادة صياغة العلاقة مع الكيان الصهيوني. 
ربط بعضهم نفسه به بحبلٍ سري لا ينفصم، وآخرون يتسابقون على مد الجسور. وهؤلاء وأولئك باتوا يعتبرون دونالد ترامب مصدر السلطات، وحامي العروش، أمره نافذٌ وكلمته قانون، حتى وإن تسربل بعضُهم بأرديةٍ مهترئة من عبارات الشجب والاستنكار.

والشاهد أن بشار الأسد، وغيره من أكلة لحوم الثورات العربية، ملتزمون بناموس ترامب وإسرائيل: العدو هو، فقط، الربيع العربي، الذي وصموه بالإرهاب، وأعلنوه مرادفًا له، وما دام العالم، وفي طليعته الكيان الصهيوني، يحارب الإرهاب، بالتعريف الصهيوني الواضح، وبما أن العرب، من كارهي ربيع الشعوب، خادمون أوفياء لهذه المعركة، فإنهم راضون بالشراكة مع الصهيوني، ومحاربون تحت راياته.

وفي حالة الأسد تحديدًا، لا ينكر الدور الإسرائيلي في حماية عرشه، من خطر ثورة شعبه عليه، فكيف يرفع عينه في وجه دونالد ترامب، ولسان حال الأخير يقول: قتلنا لك الربيع، وأجهضنا الثورة عليك، فلا ثمن أقل من الجولان يا ابن الأسد".

وأكرر هنا إنه من المهم أن نتفق على معنى الوطن، وهو في ظني لا يقتصر على الحدود الجغرافية، بل قبل ذلك الوطن هو الإنسان، فمن يقتل الإنسان يبيد الوطن، ويدمر وجوده، ولكي تكون مؤهلًا للحفاظ على الوطن بحدوده الجغرافية، وسلامة أراضيه، عليك أولًا أن تحمي الوجود الإنساني فيه.. أن تحافظ، يا ابن حافظ، على الحدود الإنسانية للوطن، وضمان سلامة قواه الأخلاقية والعقلية.وبما أنك أهدرت ذلك كله، فإنك منحت صوتك، أو صمتك، لدونالد ترامب، لكي يقتطع من الوطن ويمنح إسرائيل، كي تشتري عرشك.

الثلاثاء، 27 مارس 2018

سواكن العثمانية التاريخ المجهول (3)



سواكن العثمانية التاريخ المجهول (3)

وائل علي
انقضت الفترة الذهبية لسواكن بعد وفاة أوزدمير باشا وانتقال نجله عثمان باشا إلى الأستانة. تعاقب على إيالة الحبشة عدد من الولاة الذي لم يكونوا على قدر المسؤولية ولا بمستوى حنكة أسرة أوزدميرو هؤلاء الولاة المتتابعون تدور حولهم علامات استفهام تاريخية كونهم تسببوا بإضعاف المدينة والولاية وغرقوا في الرشوة والفساد. تدهور الوضع الاقتصادي للعثمانيين لدرجة أن بعض سلطانيهم صكوا نقدا مغشوشا ليمنعوا ثورة الإنكشارية عليهم، وكنتيجة لحالة الكساد الاقتصادي تغيرت السياسة العسكرية للعثمانيين فلم يعد التواجد في منطقة البحر الأحمر استراتيجيا خصوصا بعد انهيار العدو البرتغالي وفشل حملته على المغرب ووقوع البرتغال تحت الاحتلال الإسباني الذي لم يكن له طموحات في ما وراء البحار.
فتضاءلت نسبيا الأهمية الاستراتيجية لولاية الحبشة وللأسطول البحري العثماني الجنوبي، وربما تكون آخر عملية كبرى قام بها هذا الأسطول هو التدخل لدعم سلطات إقليم أتشيه الإندونيسي ضد العدوان البرتغالي، وهو ما مكن هذا الإقليم المسلم للبقاء صامدا حتى 1873م عندما تم إسقاطه على يد الاحتلال الهولندي، ولكن بالمجمل بانقضاء الخطر البرتغالي اهتمت الدولة العثمانية بتعزيز أسطولها البحري في البحر الأبيض المتوسط بدلا من أسطولها في البحر الأحمر كأحد تداعيات كارثة معركة لابينتو.

أشار أولياء جلبي أن مخازن سواكن تحتوي على بضائع لصالح سلطنة سنار والحبشة ولمن سماهم عبدة النار ولعله يقصد أتباع الديانات الإفريقية الذين كان لهم وجود في ذلك الزمن
كانت سواكن ضحية العسكرة ابتداء فتحولها من مدينة تجارية إلى قاعدة حربية أبعد عنها تجارة الهند التي كانت تأتي إليها في عهود سابقة، ومع تغير الإستراتيجية العثمانية في البحر الأحمر اتجه ولاة سواكن إلى إقناع الجوار باستخدام ميناء سواكن كمركز للتجارة والتصدير، وتطلب هذا الأمر وقف التوسع العسكري وعقد اتفاقات سلام وتفاهم وهو ما حدث وانتهى الصراع العثماني مع دولتي الفونج وأثيوبيا سلميا وأصبحت سلطنة سنار وإمبراطورية الحبشة دولتين صديقيتين للدولة العثمانية وأصبح ميناء سواكن محطة تجارية وسياحية بالنسبة لهما، فالسناريون والأحباش كانت قوافل حجاجهم نحو بيت المقدس والمشاعر المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة تستخدمان سواكن كمحطة أساسية في طريق الحج وكذلك كانت الدولتان تعتمدان على سواكن في تصدير البضائع إلى الخارج.

هذا الوضع خلق حالة من الانتعاش النسبي لمدينة سواكن وهو ما رصده الرحالة العثماني أولياء جلبي عندما زار سواكن في إطار رحلته السياحية المقدسة بحثا عن الأولياء والتي دونها في كتابه "سياحتنامه" فيقول أولياء جلبي واصفا ما رآه في سواكن وجزيرتها: "ويقابل سواكن على شاطئ البحر مدينة جدة على بعد 300 ميل مدينة جدة وبينها وبين مكة المكرمة مسيرة اثني عشر ساعة، وإن سواكن في الإقليم الأول الذي يواجه القبلة وجزيرة سواكن صغيرة تمتد غربا 3 أميال، وهذه الجزيرة تحت حكم والي الحبشة لكن الوالي لا يقيم فيها وينوب عنه فيها من يتولى أمورها، وقصر الباشا يسمونه قصر الخردة ومن يستلمون الجمرك يقيمون فيه الجزيرة وقد بناه أوزدمير باشا وهو قصر عظيم شامخ وتأتي إليه السفن القادمة من الهند والسند واليمن والحبشة فتدفع (عشرا).. وقد بنى أوزدمير باشا جامعا ذو مئذنة من الحجارة مع وجود مساجد صغيرة وعشرون دكانا من الحصير ومخازن بها شتى أنواع السلع مبرات وحمامات وخانات ومدارس.. وتحرس الميناء ثلاث قلاع قلعة باش وقلعة أورنة وقلعة بوغاز وفي كل قلعة خمسون أو ستون من الجند يأخذون راتبهم من الباشا كل شهر وهي محصنة بالمدافع والذخيرة وتحتها أبواب تطل على البحر والذين في القلعة على استعداد دائما".
   
وقد أشار أولياء جلبي أن مخازن سواكن تحتوي على بضائع لصالح سلطنة سنار والحبشة ولمن سماهم عبدة النار ولعله يقصد أتباع الديانات الإفريقية الذين كان لهم وجود في ذلك الزمن في مناطق شمال أثيوبيا وجنوب شرق السودان، ما يؤكد أن سواكن بعد أسرة أوزدمير عادت كمدينة تجارية.

تحدث البروفيسور أندرو شارليس بيكوك في دراساته عن سواكن العثمانية عن ثورة هامة اجتاحت سواكن في منتصف القرن السابع عشر سببها والي بوسني اسمه مصطفى باشا تم تعيينه من الباب العالي كوالي على ولاية الحبشة، وقد كان قدوم مصطفى باشا لسواكن كارثيا فقد تسببت قراراته الجائرة في أزمة للتجار وتمرد جنود الحامية عليه ليهرب إلى جدة مستنجدا بوالي الحجاز. فمصطفى باشا اتخذ قراراً وهو أن تدفع الجمارك نقدا ً وهو أمر لم يكن متعارف عليه في سواكن حيث كانت الجمارك تدفع بشكل عيني وقد تسبب هذا القرار في ابتعاد السفن عن ميناء سواكن لموانئ أخرى واحتج التجار ومعهم القاضي ثم تبعهم جنود الحامية بقيادة انكشاري اسمه درويش وعندما حوصر الباشا مصطفى آثر الهرب بدلا من التنازل متهما الثوار بتلقي دعم خارجي في إشارة للجبشة وسلطنة سنار.

واستعصت سواكن على حملات الاسترداد فترة من الزمان حتى قام المتمردون بالهرب إلى الحبشة، وقد أشارت رسائل عثمانية أن سلطان سنار كاتب إمبراطورية الحبشة بوجوب التحالف بينهما لصد أي حملة انتقام عثمانية بعد إخماد هذا التمرد. وبعد هذا التمرد بفترة اقتضت ظروف العثمانيين الاقتصادية في إلغاء ولاية الحبشة في إطار عملية خفض إنفاق شاملة وتم ضم سواكن إلى ولاية الحجاز، وتعتبر هذه الفترة هي فترة مظلمة في تاريخ المدينة لأن ولاة الحجاز أهملوها واستمر هذا الحال حتى الحملة الفرنسية وصعود نجم حاكم مصر محمد علي باشا الذي أحيا سواكن من جديد عندما طالب الخليفة العثماني بمنحه إياها بصفة مؤقتة لصالح إقليم السودان الذي فتحته جيوشه إلى أن جاء حفيده إسماعيل وحصل على سواكن ومصوع في صفقة سياسية مع السلطان عبد العزيز تضمنت زيادة الخراج الذي تدفعه مصر لإسطنبول مقابل إنعام الخليفة على إسماعيل بلقب خديوي واعتبار نجله محمد توفيق وليا لعهده مع منحه قائمقامية سواكن ومصوع.
ذات صلة

سواكن العثمانية.. التاريخ المجهول (1)

سواكن العثمانية.. التاريخ المجهول (2)

الأربعاء، 21 مارس 2018

سواكن العثمانية.. التاريخ المجهول (2)

سواكن العثمانية.. التاريخ المجهول (2)

وائل علي
وائل علي
إنشاء إيالة الحبشة كان خبرا سعيدا لقد تحولت سواكن بموجب هذا القرار من مجرد مدينة على هامش الإمبراطورية العثمانية في زمن السلطان سليمان القانوني إلى عاصمة ولاية ولم تعد ثرواتها تؤخذ إلى خزانة مصر كما كان الحال في الفترة التي تسبق صدور هذا القرار. ويرجع الفضل في هذا القرار لمجهودات القائد أوزدمير باشا الشركسي والذي يعتبر المؤسس الحقيقي لسواكن العثمانية وأحد أهم الشخصيات في التاريخ التركي ولشدة تعلق الأتراك به فيكثر بينهم إلى اليوم المتسمين باسم أوزدمير وهو اسم مركب من شقين أوز (خالص) ودمير (حديد) أي الحديد الخالص.
وأوزدمير هو شركسي من بقايا المماليك الذين كانوا يحكمون مصر ما قبل الفتح العثماني وعندما سيطر العثمانيون على مصر انضم إليهم أوزدمير باشا ودخل في طاعتهم وتجند في عسكرهم وعندما توجه الجيش العثماني إلى اليمن لفتحها زمن الوزير الأعظم سليمان باشا الخادم انضم أوزدمير باشا حيث خدم في ولاية اليمن العثمانية وترقى فيها حتى وصل إلى منصب الوالي العثماني في اليمن ولكنه دخل في صراعات كثيرة مع الباشوات ومع الأشراف الزيدية.

حيث أنه لم يكن من المقتنعين بفكرة تعايش العثمانيين مع الإمامة الزيدية وكان من الداعيين لاقتلاعها كونها مصدر للفتن والاضطرابات بينما كان الباشوات يميلون للصلح معها وهذا ما دفعه لطلب الإعفاء من ولاية اليمن من السلطان سليمان القانوني وعندما أجيب طلبه غادر اليمن بحرا إلى سواكن متجنبا طريق الحجاز لأنه كان على خلاف حاد مع شريف مكة وعندها زار مدينة سواكن لأول مرة فأعجبته المدينة وألقي في خاطره مشروع كبير وهو أن ينطلق الجهاد من هذه المدينة نحو إفريقيا.

توفي أوزدمير باشا في ساحة القتال وهو يجاهد في دباروا ثم نقل جثمانه ودفن في مدينة مصوع الإرترية وتولى الولاية من بعده ابنه الشجاع عثمان الذي كان قائدا محنكا مثل والده
فسافر إلى اسطنبول والتقى السلطان سليمان القانوني الذي قابله بحفاوة وعرض عليه مشروعه القائم على الجهاد في الساحل الإفريقي وفتح مملكة الحبشة التي ما فتئت تتآمر على الدولة العثمانية وتعاون البرتغال ضدها فأعجب مشروعه السلطان سليمان القانوني وزين له الوزير أحمد باشا الفكرة كونه كان يصنف من الوزراء العثمانيين المؤيدين لفكرة التوسع الإمبراطوري فوافق السلطان القانوني على تحويل سواكن عاصمة ولاية الحبشة وكتب إلى ولاة الأمصار التي بجوار سواكن أن يقوموا بإمداد أوزدمير بما يحتاجه من الجند ليحقق الفتوحات التي يريدها.

تحركت جيوش أوزدمير باشا لتفتح مناطق ما يعرف اليوم بإريتريا فسيطرت على مصوع وحرقيقوا ثم كانت الضربة الكبرى بالسيطرة على ديبرواه (جنوب مدينة أسمرة 25 كيلو متر) والتي كانت تعتبر عاصمة الإقليم الشمالي للحبشة الذي كان يعرف باسم مدري بحري وبهذه السيطرة فإن العثمانيون حرموا الحبشة من الإطلالة البحرية والمدد الذي كان يأتيها من البرتغال وأبرم تحالف مع القائد الحبشي (بحر نيغوس يشاق) الذي كان في البداية معارضا للعثمانيين وكان له دور بارز في مساعدة البرتغاليين على مقاتلة الإمام أحمد جوري (الصومالي) وكذلك في مقاومة فتوحات أوزدمير باشا.

ولكن وبسبب خلافاته مع الإمبراطور كلاوديوس الذي لم يكن يراه ملكا شرعيا فإنه تحالف مع العثمانيين والذين وفروا له المدد المالي واللوجستي ليقاوم أباطرة الحبشة المتعاقبين وفعلا لقد حول بحر نيغوس يشاق مجهود الفلاحين من التقراي من مقاومة العثمانيين إلى مقاومة الأباطرة الذين ينتمون إلى (الأمهرا) ولذلك فالمؤرخون الأوربيين يتهمونه أنه خائن رسخ الوجود العثماني في شرق إفريقيا وفجر حربا أهليا في بلاده لم يستفد منها سوى الأتراك.

توفي أوزدمير باشا في ساحة القتال وهو يجاهد في دباروا ثم نقل جثمانه ودفن في مدينة مصوع الإرترية وتولى الولاية من بعده ابنه الشجاع عثمان الذي كان قائدا محنكا مثل والده بل وأكثر دهاء لدرجة أن السلطان العثماني دعاه إلى اسطنبول وقام بتوليته إقليم شروان في أذربيجان وهناك حقق انتصارات مهمة لصالح الدولة حتى سمي بفاتح أذربيجان حيث ضم للدولة 300 ألف كيلو متر من الأراضي وأخمد تمرد محمد غراي بك خان التتار في القرم بالتعاون مع أخيه إسلام غراي فكافئه السلطان بتوليته منصب الصدر الأعظم والذي من خلاله حقق الانتصار الأكبر للعثمانيين على الصفويين منذ السلطان سليم الأول عندما كسر شوكة الصفويين وسيطر على عاصمتهم تبريز وصلى في مسجدها الأكبر الصلاة على الطريقة السنية في إهانة بالغة لهم.
تغيرت الاستراتيجية العثمانية من السيطرة المباشرة واحتلال مواقع العدو كما كان الحال في مناطق الشام والعراق واليمن ومصر إلى الاكتفاء بالمبايعة والطاعة
مواقع التواصل

أوزدمير ونجله عثمان كانا أصحاب البصمة الأوضح في تاريخ مدينة سواكن العسكري وبانقضاء فترتهما انتهى العهد الذهبي للمدينة وبدأت المدينة تعاني من مشكلات طاحنة لم يستطع الولاة الفاسدون الذين تعاقبوا على حكمها حلها فقد ساهم تحويل سواكن من مرفئ تجاري إلى قاعدة عسكرية حربية في تدمير اقتصادها حيث كانت موارد الميناء والتجارة كلها تستنزف في العمل الحربي وساهم تحول المدينة إلى عاصمة ولاية في توسعها والضغط على مواردها الطبيعية ما أفقدها الجاذبية التي كانت عليها.

فاكتظاظ المدينة وتوسعها خلق لها أزمة مياه حادة وتطلب الأمر البحث عن موارد مائية بعيدة كان عبئا أمنيا على المدينة التي أصبحت تقسم جزء من حاميتها لحماية آبار المياه وكان جنود الحامية الذين يحرسون المياه مهددين دوما باشتباك دائم مع السكان المحليين القادمين ليشربوا ويسقوا ماشيتهم بالإضافة إلى كل ذلك كانت جبهة القتال ضد الحبشة كبيرة جدا بينما عدد السكان الذين يمكن تجنيدهم قليل جدا بالنسبة لكبر مساحة جبهات القتال ووثائق الأرشيف العثماني مليء ومتخم بخطابات النجدة وطلب المدد التي كان يطلبها ولاة سواكن من إسطنبول.

حيث كانت الجبهة تستنزف منهم باستمرار الجنود وكانت كل منطقة يتم فتحها تحتاج إلى وجود عسكري عثماني (حتى لو كان رمزيا) ومع هذه الحوجة المستمرة تغيرت الاستراتيجية العثمانية من السيطرة المباشرة واحتلال مواقع العدو كما كان الحال في مناطق الشام والعراق واليمن ومصر إلى الاكتفاء بالمبايعة والطاعة وإقرار أصحاب المنطقة على حالهم وهي استراتيجية اتبعها العثمانيون في البلقان وقد أثبتت نجاعتها. نواصل في الحلقة القادمة..
ذات صلة

الثلاثاء، 13 مارس 2018

سواكن العثمانية.. التاريخ المجهول (1)

سواكن العثمانية.. التاريخ المجهول (1)


وائل علي


حتى زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السودان قبل أشهر فإن كثيراً من السودانيين والعرب لم يسمعوا بمدينة سواكن السودانية رغم أهميتها التاريخية الكبرى في تاريخ المنطقة، ويرجع ذلك للحاجز اللغوي الذي جعلنا نجهل التاريخ العثماني الذي كتب باللغة العثمانية التركية القديمة، وما نعرفه عن هذا التاريخ ما هو إلا شذرات بسيطة نتلقاها من هنا ومن هناك من بعض كتابات المستشرقين والرحالة الأوروبيين والذين لم يكونوا ملتزمين بنقل التاريخ بشكل علمي، فكان ينقلون الإشاعات على أنها أخبار تاريخية موثقة ويدعون زيارة أماكن لم يزوروها.
وينبغي أيضا عدم تحميل الأوروبيين والمستشرقين لوحدهم مسؤولية جهلنا بتاريخنا فقد واجهت كتابة التاريخ في زمن الدولة العثمانية بالعربية مشكلة وهي مشكلة الحرية، فقد ساهمت الكونفيدالية التي أنشائها العباسيون في إعطاء شيء من الحرية لمفكرين وازدهار في صناعة الأدب والفنون وكتابة التاريخ، وتسببت المركزية الشديدة القابضة عند العثمانيين في تجنب المفكرين كتابة تاريخهم خوف اعتبار هذه الكتابة نوعاً من النقد أو تشكيكا في شرعية سلطتهم.
سواكن هي أحد كبار المتضررين من جهلنا باللغة العثمانية القديمة كون تاريخها وأخبارها ووثائقها يمتلئ بها الأرشيف العثماني خصوصا في الفترة بين القرن السادس عشر والسابع عشر والتي كانت تعتبر الفترة الذهبية لهذه المدينة، ثم الفترة التي تلت ذلك بدأت المدينة تفقد بريقها حتى صارت في يد الخديوية المصرية في منتصف القرن التاسع عشر بتفاهم بين السلطان عبد العزيز (خادم الحرمين الشريفين) وواليه في مصر الخديوي إسماعيل باشا عندما أنعم عليه بمنحه قائمقامية سواكن ومصوع إلى جانب منحه حق تعيين ابنه كخليفة له على عرش مصر دون أخيه مصطفى فاضل مقابل مضاعفة الجزية التي تدفعها مصر للسلطان.

في أواسط عهد القانوني ظهر البرتغاليون كقوة مؤثرة في البحر الأحمر عندما استطاعوا الالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح وبناء مستعمرات ونقاط خطيرة على البحر الأحمر
دخل العثمانيون إلى سواكن في الفترة التي أعقبت فتح السلطان سليم لمصر حيث أن سواكن كانت في زمن المماليك خصوصا ما بعد 1256 م تحظى بما يشبه الحماية والانتداب المملوكي، فرغم أن سواكن لم تنضم فعليا للدولة المملوكية وظل يحكمها سلطان من أهلها إلا أنها فعليا كانت واقعة تحت نفوذ المماليك السياسي.

عندما دخل العثمانيون إلى سواكن وجدوا في هذه الجزيرة ميناءً نشيطاً فقد كانت السفن تأتي إليها من الهند والصين محملة بالبضائع والأقمشة والتوابل وترجع منها محملة بالذهب الذي كان يستخرج بكثافة في الحبشة، لم يحاول العثمانيون تغيير النظام الذي أعجبهم بل إنهم قاموا بتثبيت حكام سواكن في أماكنهم مكتفين بالحماية فقط، ولكن هذا الوضع لم يستمر طويلا فقد لاحظ العثمانيون أن التجار نقلوا تجارتهم من جدة إلى سواكن هربا من الضرائب الباهظة التي كان يفرضها شريف مكة ما منح ميناء سواكن ازدهارا كبيراً، وتحظى سواكن في هذه الفترة في الأرشيف العثماني باهتمام كبير ما يعني أن الباب العالي كان يتابع باهتمام ازدهار هذا الميناء خصوصا أنه استطاع في خلال فترة وجيزة اجتذاب التجار الأجانب وخصوصا اليهود لدرجة أن كثيراً من تجار مكة اختاروا أن يهاجروا إلى سواكن ويتركون جدة وهؤلاء التجار هم ما سيعرفون في تاريخ سواكن بعد ذلك بالتجار الأشراف أو المكيين أو المكاوية.

لم يحكم السلطان سليم كثيراً، وفي أول عهد ابنه السلطان سليمان القانوني لم تكن جنوب الدولة أولوية كما هو حال شرقها مع الصفويين والحرب في الشمال مع الإمبراطور كارلوس الخامس إمبراطور الإمبراطورية المقدسة الذي حاصره سليمان القانوني في فيينا دون أن يتمكن من إسقاطها. 



لكن الوضع تغير قليلا في أواسط عهد القانوني حيث ظهر البرتغاليون كقوة مؤثرة في البحر الأحمر عندما استطاعوا الالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح وبناء مستعمرات ونقاط خطيرة على البحر الأحمر وقيامهم بمهاجمة سواحل الهند ما تطلب من السلطان سليمان القانوني إرسال حملة إلى اليمن بقيادة سليمان باشا الخادم للسيطرة عليها وإغلاق البحر الأحمر في وجه البرتغاليين، هذا ما ضاعف من الأهمية الاستراتيجية لسواكن عند العثمانيين حيث أنه حتى بعد السيطرة على اليمن، فقد تطلب الأمر من العثمانيين السيطرة على الضفة الأخرى من البحر الأحمر وطرد الوجود البرتغالي، وهو ما تم فعلا بالتعاون مع القائد الصومالي أحمد جوري الذي حقق انتصارات مهمة كادت أن تقضي تماما على إمبراطورية الحبشة لولا تدخل البرتغاليين أكثر من مرة لنجدتها من أن تسقط في يد الإمام أحمد جوري، وهو ما دفع العثمانيين أيضا للتدخل إلى جانبه ضد العثمانيين واستمرت الحرب الدموية من الطرفين الحبشي والصومالي حتى تم توقيع الصلح بين الطرفين الصومالي والإثيوبي بعد مقتل السلطان أحمد الأعسر وتولي ابنه السلطان نور الدين وانسحاب الأتراك والبرتغاليين.

كل هذا ما دفع البرتغاليين إلى الانتقام الكبير وهو مهاجمة سواكن العثمانية وتدميرها وهو ما تم عبر حملة برتغالية يقودها استافيو ديغاما نجل الملاح الشهير فاسكو دي جاما الأول من مارس عام 1541م، ومكث في سواكن لمدة أسبوعين ولم ينسحب منها قبل أن يوقع معاهدة صداقة مع حاكمها "الحدربي" ويأخذ عدد من السفن معبئة بالذهب والفضة ويقتل 50 جنديا عثمانيا من حامية سواكن في استفزاز واضح للأتراك.

وكتب استافيو دي غاما في مذكراته واصفا مدينة سواكن بأنها محطة تجارية هامة ومدينة غنية وأنها تشبه إلى حد كبير لشبونة عاصمة بلاده في مستوى المعيشة. وقد تسببت حملة استافيو دي غاما الناحية وعجز الدفاعات العثمانية من مواجهته بحالة من الصدمة وسط الأوساط العثمانية العليا ما دفع السلطان سليمان القانوني إلى إعلان إيالة الحبشة وإعلان الحرب بشكل صريح على إثيوبيا حليفة البرتغاليين وذلك بنصيحة من أوزدمير باشا الذي سيكون حقبة مهمة في تاريخ سواكن.

نواصل في حلقة قادمة ماذا بعد سواكن ما بعد تحولها من مجرد مدينة إلى ولاية عثمانية. 

الأحد، 4 فبراير 2018

السوداني الذي حكم جمهورية البوسنة (2)

 السوداني الذي حكم جمهورية البوسنة (2)

وائل علي
كاتب سوداني
تاريخ النشر30/8/2016
انتهى الرجل اليوغسلافي من طباعة الكتب الإسلامية وقام بتسليمها للدكتور الفاتح حسنين الذي قام بتقسيمها إلى مجموعات ثم إرسالها إلى مدن يوغسلافيا المختلفة حيث استلمتها المجموعات ثم بدأت في إنشاء حلقات لمدارسة هذه الكتب.
غير أن نشاط الدكتور الفاتح ومجموعته السودانية كان تحت سمع وبصر المخابرات اليوغسلافية ولم تكن غافلة عنه، ففي أحد أيام عيد الأضحى وفي احتفال أقامه الطلاب بهذه المناسبة أخبر الفاتح أن هناك شخصا يطلبه خارج مقر الاحتفال وما إن خرج الفاتح حتى فوجئ أنه أمام رجل ضخم الجثة يبلغه أنه من جهاز الأمن اليوغسلافي فرع الأجانب وأن رئيس الجهاز يرغب باللقاء به.
أجاب الفاتح رجل الأمن أنه جاء من السودان للدراسة ولا يرغب في لقاء أي شخص، في هذه اللحظة شهر رجل الأمن مسدسه مخاطبا الفاتح أن يأتي معه وإلا سيطلق عليه الرصاص، فقال له الفاتح هل تسمح لي أن أستأذن من في الحفل؟ فأجابه رجل الأمن: لست في حاجة للاستئذان، إما أن تطيعني أو ستنال ما لا يحمد عقباه.
بعد سفر الفاتح من يوغسلافيا هجم الأمن على منزله وأعلن للناس أن من كان يسكن هذا المنزل هو إرهابي خطير جدا ومطلوب للعدالة
فذهب الفاتح إلى مقر جهاز الأمن اليوغسلافي في بلغراد وهناك التقى بمسؤول فرع الأجانب وكان اسمه السيد "ستوريج" حيث أمره بالوقوف ثم طلب منه الجلوس وسأله عما يحب أن يشرب، فأجابه الفاتح: أنا لا أشرب.
فقال سيتوفيج: نعم أعرف أنكم أيها المسلمون لا تشربون الخمر، ولكن ما رأيك لو شربت القهوة؟
ثم أمر مساعديه بأن يقوموا بعمل فنجانين للقهوة.

سأل ستوريج الفاتح: ما رأيك لو تحدثنا في السياسة؟أجاب الفاتح: أنا لا أعرف السياسة، أنا جئت إلى هنا لأتخرج طبيبا فقط.ضحك ستوريج وقال: عجباً ألم تأتوا إلى هنا لنشر الإسلام وتطبيق الشريعة ثم إعلان الخلافة؟الفاتح: نحن لم نفعل هذا في بلدنا، فكيف لنا أن نفعله في بلادكم؟! إنني ابن عائلة برولوتارية جئت ليوغسلافيا من أجل دراسة الطب.ستوريج: ولكنك اجتمعت في المكان الفلاني مع فلان، والمكان الآخر مع فلان.
الفاتح: ربما يكون ذلك فاتحاً آخر.
ستوريج: عندنا صور تلك الاجتماعات وإذا شئت سأخرجها لك الآن.
ثم أخرج الضابط اليوغسلافي بيانا موقعا باسم اتحاد الطلاب السودانيين في يوغسلافيا مؤيدا لقرار البرلمان السوداني بحل الحزب الشيوعي. وقد كان الدكتور الفاتح هو من أصدره مع مجموعته، فقال له الفاتح: إن كنت مُصرا على الحديث في السياسة فبإمكانك الحديث مع أحد أفراد مجموعتنا.
ففرح الضابط وقال له: من تقصد؟
الفاتح: إنه فلان زميلنا في الفصل (و ذكر له أحد الناشطين الشيوعيين السودانيين في يوغسلافيا).
فانفجر الضابط ضاحكا وقال: إن المسلمين لا يكذبون يا فاتح.
الفاتح: لم أكذب، إنه أحد أفراد مجموعتنا السودانية وهو الوحيد الذي يجاهر بالحديث السياسي، وأنا هنا جئت من أجل أن أتخرج طبيبا ولا أريد تضييع وقتي معك.
ستوريج: سنرى يا فاتح.ثم قال انتهت المقابلة. وعندما أراد الفاتح الخروج أمسك به الضابط اليوغسلافي من ياقة قميصه بيديه الاثنتين ثم قال: يا فاتح إننا نعلم كم بيضة تبيض كل دجاجة في يوغسلافيا.الفاتح: أنا سعيد جداً.ستوريج: لماذا؟الفاتح: لأنني في أيد أمينة.عندها قال له الضابط: في المرة القادمة سيكون اللقاء مختلفاً ولن تنساه في حياتك.
ثم خرج به ورماه خارج مبنى جهاز الأمن على الطريق.
 
بعد هذا اللقاء كان الفاتح تخرج من الجامعة وخرج من البلاد وكانت الكتب قد وزعت، فاتصل الفاتح بالضابط ستوريج (مدير أمن الأجانب) الذي كان حقق معه وقال له إنه أرسل إليه مجموعة من الكتب التي تتحدث عن ثقافة السودان لأنه يعرف كم يهتمون بثقافة الشعوب (وكان يقصد كتب سيد قطب المترجمة).
فقال له ستوريج: لم يصلني شيء، سأكون سعيدا بهذه الكتب.
الفاتح: هل ما زلتم مستمرين في عد بيض الدجاج أم لا؟
ستوريج: أين أنت؟ يبدو أنك خارج يوغسلافيا.
 
ويدور الزمان دورته وفي عام 1992 يصبح الضابط ستوريج وزيرا للمخابرات في كرواتيا والدكتور الفاتح حسنين هو المفاوض عن جمهورية البوسنة، فعرفه الفاتح وهو له منكر، وذكّره بحادثة الكتب وعد بيض الدجاج.
 
بعد سفر الفاتح من يوغسلافيا واكتشاف دوره في طباعة وترجمة الكتب، هجم الأمن على منزله وأعلن للناس أن من كان يسكن هذا المنزل هو إرهابي خطير جدا وهو مطلوب للعدالة.
ردا على اعتقال بيغوفيتش ألف الفاتح كتابا عن محنة الأقليات المسلمة في شرق أوروبا، ودفع الكتاب الذي ألفه بيغوفيتش بعنوان الإسلام بين الشرق والغرب للنشر
وخرج الفاتح من يوغسلافيا إلى السودان ثم إلى الخليج حيث عمل هناك طبيبا ولكنه لم يبتعد عن شؤون البوسنة حيث كان يلتقي بشكل دوري مع الأستاذ علي عزت بيغوفيتش في تركيا والنمسا والإمارات.
وفي عام 1983 أبلغ بيغوفيتش صديقه ورفيقه الفاتح حسنين أن الوقت قد حان لإعلان تنظيم إسلامي معارض في البلقان، فالحكومة اليوغسلافية تآمرت على المسلمين وقتلت ممثلهم جمال بيديجج بإسقاط طائرته والشباب يغلي ويريد الانفجار، فاتفقا على أن تكون فيينا مقراً لحزب إسلامي معارض للحكومة اليوغسلافية.
ذهب الفاتح وجهز المكتب بالأثاث في فيينا، غير أن الحكومة اليوغسلافية انتبهت لتحركات بيغوفيتش فاعتقلته وهو عائد من الإمارات بعد لقاء الفاتح وأرسلته للمحاكمة.
وردا على اعتقال بيغوفيتش ألف الفاتح كتابا عن محنة الأقليات المسلمة في شرق أوروبا، كما أخذ كتاب "الإسلام بين الشرق والغرب" للنشر، وهو الكتاب الذي كتبه بيغوفيتش وعمره 25 عاماً قبل أن يتعرف على الفاتح أو يتعرف على الفكر الإسلامي، وخلص فيه إلى أن الديانة المسيحية روحانية سامية والفلسفات الأوروبية مادية وأن الإسلام هو الوسط بين الروحانية والمادية.

وكان طباعة كتاب الإسلام بين الشرق والغرب محظورا في يوغسلافيا.
نواصل في الحلقة القادمة الحديث عن دور الدكتور الفاتح في حرب التحرير البوسنية.
أقرأ

السبت، 3 فبراير 2018

السوداني الذي حكم جمهورية البوسنة (1)

السوداني الذي حكم جمهورية البوسنة (1)

وائل علي
كاتب سوداني
تاريخ النشر 23/8/2016
دائما كان التاريخ ظالما وغير منصف فهو يمجد في شخصيات ويشيطن شخصيات أخرى ومن عادة التاريخ أنه يكتفي دوما بالكتابة عن إنجازات الرجل الأول وتاريخه مع إغفال كامل لتاريخ مساعديه.
 
فنحن مثلا نعرف عن دور صلاح الدين في تحرير بيت المقدس ونتجاهل دور عمه البطل أسد الدين شيركوه والذي كان مربيا لمحرر القدس من نعومة أظفاره، ونعرف بطولات السلطان محمد الفاتح ونتجاهل دور أستاذه آق شمس الدين بن حمزة الذي غرس فيه الرغبة في فتح القسطنطينة وتحقيق البشارة النبوية وأن يكون القائد الذي تفتح على يديه المدينة البخراء.
 
عندما نتكلم عن القضية البوسنية فإننا نتذكر مباشرة القائد الفذ علي عزت بيغوفيتش كونه أول من حمل لواء القضية البوسنية واستطاع انتزاع استقلال دولة مسلمة في عمق أوروبا ولكننا ننسى تضحيات رجال ساهموا معه في هذا الإنجاز الكبير ومنهم الدكتور الفاتح علي حسنين (صورته ضمن التصميم الرئيسي أعلاه) وكان مستشار الرئيس بيغوفيتش ورئيسا للبوسنة أثناء فترة حصار بيغوفيتش من قبل المليشيات الصربية.
 
استطاع الدكتور الفاتح حسنين تحويل علي عزت بيغوفيتش من مسلم مهموم بقضية وطنه المحدود جغرافيا إلى إسلامي مهموم بقضايا الأمة
تبدأ قصة الدكتور الفاتح مع القضية البوسنية في الستينيات من القرن العشرين حين وفد على يوغسلافيا الشيوعية مجموعة من الطلاب السودانيين قدموا لدراسة الطب وكانوا من ذوي الميول الإسلامية ومن المؤيدين لجبهة الميثاق الإسلامي في السودان (الإخوان المسلمون في السودان).
 
وكان هؤلاء الشباب هم الفاتح حسنين والنور سوار الذهب والناجي عكاشة ومحمد الضو محمد. ونتيجة لذلك فيما يبدو ولأن يوغسلافيا كانت شيوعية مادية فإنهم تكتلوا مع بعضهم فيما يشبه الجمعية الصغيرة لمدارسة القرآن والفكر الإسلامي، ولكن هذه المجموعة الشبابية طمعت على ما يبدو في إحياء النزعة الإسلامية عند المسلمين في يوغسلافيا حيث بدا لهم أن المسلمين هناك بدؤوا في فقدان هويتهم الإٍسلامية تحت الضغط الشيوعي فقرروا الاتصال بالجمعيات الإٍسلامية اليوغسلافية من أجل التنسيق، ومن تلك الجمعيات كانت جمعية الشباب المسلم التي كان يقودها البروفيسور قاسم دوبراجا الذي كان يعمل مديرا لمكتبة الغازي خسروبيكوفيتش وفي سراييفو في منطقة تسمى "حمام بار".
 
كان اللقاء الأول بين مندوب المجموعة الإسلامية السودانية الفاتح علي حسنين مع مندوب المجموعة اليوغسلافية الأستاذ علي عزت بيغوفيتش واتفقا على تنسيق المجموعات الإسلامية مع بعضها دون أن تعرف أي مجموعة عن الأخرى سوى مسؤولها، وتوافق الرجلان (الفاتح حسنين وعلي عزت بيغوفيتش) على كتابة بيان مشترك سموه البيان الإسلامي ويبدو أنه من اسمه كان ردا على البيان الشيوعي الذي صاغه كارل ماركس وفردريك إنغلز.
 
لقد كان البيان الإسلامي هو دستور وتوجه التكتل الإسلامي في البوسنة وإعلان تشكيل للحركة الإٍسلامية البوسنية التي اتفق على تسميتها بالجماعة الإسلامية اليوغسلافية. وقد تمكن الدكتور الفاتح حسنين من تحويل علي عزت بيغوفيتش من مسلم مهموم بقضية وطنه المحدود جغرافيا إلى إسلامي مهموم بقضايا الأمة، ورغم هذا الأمر لم يكن للأستاذ بيغوفيتش أي ارتباط تنظيمي بجماعة الإخوان المسلمين.
 
في حمام بار اتفق الدكتور الفاتح حسنين مع بيغوفيتش على الخطوط العريضة لتنظيم الجماعة الإسلامية اليوغسلافية، ولتمويل التنظيم اتفقوا على شراء سيارة تاكسي.
 
وكان من أول نشاطات الجماعة الإسلامية اليوغسلافية ترجمة كتب إسلامية من اللغة العربية إلى اللغة البوسنية، فتُرجم كتاب "المستقبل لهذا الدين" وكتاب "هذا الدين" لسيد قطب، وكتاب "شبهات حول الإسلام" و"المدخل للإسلام" للشيخ محمد حميد الله، وكتابي "الأربعين النووية" و"رياض الصالحين" للإمام يحيى بن شرف النووي. وقد ساهمت هذه الكتب في انطلاق صحوة إسلامية كبرى في البوسنة حيث اختلط الديني بالقومي فعمرت المساجد بعد أن هجرت وانتشرت فكرة ترجمة الكتب الإسلامية من العربية إلى البوسنية مما ساهم في إيقاظ الوعي الديني والقومي للبوسنيين المسلمين.
 
ولكتابي سيد قطب "المستقبل لهذا الدين" و"هذا الدين" وطبعتهما في البوسنة قصة طريفة يحكيها الدكتور الفاتح علي حسنين في مذكراته وهي أن الأستاذ بيغوفتش فرغ من ترجمة الكتابين هو وبنتاه ليلى وسابينا، ليواجهوا مشكلة من يقبل أن يطبع هذين الكتابين في عقر دار دولة شيوعية.

من أبرز نشاطات الجماعة الإسلامية اليوغسلافية ترجمة الكتب الإسلامية، ولكنهم وجدوا مشكلة في طباعتها في عقر دار دولة شيوعية، وهو ما كان له قصة يرويها الدكتور الفاتح
فتصدى لهذه المشكلة الدكتور الفاتح حسنين باعتباره طالبا أجنبيا، وطاف على مديري مطابع بلغراد لعل أحدهم يقتنع بطباعة الكتابين، فما أن يقرأ مديرو المطابع مقدمة الكتابيين والتي كتب فيها سيد قطب أن الإسلام هو أفضل وخاتم الديانات وأن هدي نبيه محمد صلى الله عليه وسلم هو خير الهدي؛ حتى يعتذروا بأن طباعة مثل هذه الكتب ممنوع في البلاد. ولكن أحدهم قال للدكتور الفاتح أنا موافق على طباعة هذه الكتب بشرط أن أحصل على توقيع بالموافقة من قبل وزير الداخلية والأمن اليوغسلافيين، بالإضافة إلى موافقة من قبل السفارة السودانية في بلغراد.

فأجابه دكتور الفاتح إن الحصول على مثل هذه التوقيعات هو في منتهى اليسر، وخرج من المطبعة حزينا إلى بيته، وفي الطريق إلى منزله تذكر أن جاره في الحي هو قيادي في الحزب الشيوعي الحاكم وأنه يعمل رئيسا للعمال في مطبعة حكومية فذهب إليه في زيارة لمنزله وهناك أطلعه على الكتابين وطلب منه أن يتفحص الكتابين، ثم قام بحركة ذكية هي أن ألقى عامداً بظرف يحمله مليء بالدولارات أمامه (وكانت الدولارات هي تبرعات محسنين من خارج يوغسلافيا لطباعة الكتب) وعندما شاهد الدولارات جحظت عيناه فقال له ما هذه الدولارات الكثيرة التي تحملها؟
فقال له إنها مصاريفي الشهرية التي يرسلها لي والدي
فسأله وماذا يعمل والدك؟
فقال والدي لا يعمل ولكنه صديق للسفير الأمريكي في الخرطوم، وعندما كان السفير الأمريكي في زيارة لمنزلنا في أحد الأيام وكان يتناولان القهوة في حديقة منزلنا نبه والدي السفير أن هناك رائحة غريبة تنبعث من بعض أركان حديقتنا، ولكن السفير الأمريكي بلغ والدي أن هذه الرائحة هي رائحة النفط.

ثم أحضر السفير الأمريكي شركة للتنقيب عن النفط في منزلنا واستطاع استخراج كميات تجارية من النفط وأصبح يرسل لوالدي حقائب مليئة بالدولارات شهريا مقابل النفط.
ثم التفت الدكتور الفاتح إلى جاره الشيوعي اليوغسلافي وقال له: هذا الظرف المليء بالدولارات هو لك إن استطعت أن تطبع لي هذه الكتب في المطبعة الحكومية التي تعمل بها، فوافق اليوغسلافي لكن بشرط تسليم الدولارات في البداية، ولكن الدكتور الفاتح بلغه أن شرطه تعجيزي وأنه قام بنفسه بترجمة هذا الكتاب وأنه جاد وسيرسل الكتاب إلى من يقوم بطبعه دون شروط.

عندها وافق الشيوعي اليوغسلافي على شرط أن لا يكتب اسم سيد قطب لأنه في يوغسلافيا يعتبر إرهابيا، فوافق الدكتور الفاتح وتحايلوا بكتابة الأحرف الأولى من اسمه وأن يكتب بخط عريض اسم الدكتور الفاتح كمترجم لهذا الكتاب وأنه طبع في السودان. فسأله اليوغسلافي عن اللون الذي يفترض أن تخرج به الطبعة فقال الدكتور الفاتح: هذا السؤال خاطئ نحن اشتراكيون ماركسيون ولا لون لنا إلا اللون الأحمر فاطبع الكتاب بغلاف أحمر قان.
نواصل في الحلقة القادمة.