‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات فضيلة العلامة الدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات فضيلة العلامة الدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 29 يونيو 2026

تفشي آفة الاستعجال بين المؤمنين

تفشي آفة الاستعجال بين المؤمنين

الشيخ د. سفر بن عبدالرحمن الحوالي


 إعداد خطة أو منهج، ثم الصبر عليه حتى يؤتي ثماره، دون استعجال، هذا الذي يجب أن نفكر فيه دائماً، وأن نسعى إليه دائماً، وألاَّ نتيح لأنفسنا ولعواطفنا مجالاً للاستعجال، وقطف الثمرة قبل أن تنضج، مهما كان الأمر، ومهما كانت رغبتنا في تحقيقها وفي قطفها، فهذه سنن ربانية، ولا بد أن تتحقق بالنسبة للفرد وبالنسبة للمجتمع، وكل العالم يدرك هذه السنن نوعاً من الإدراك.

الإنسان بطبيعته عجول

إن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قال: (خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ) [الأنبياء:٣٧]، وقال عز وجل: (وَكَانَ الْأِنْسَانُ عَجُولاً) [الإسراء:١١] فالإنسان بطبيعته عجول، والنفس الإنسانية بطبيعتها عجلة، وهذا أمر جعله الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فيها لحكمة عظيمة، لا نستطيع الآن أن نستعرضها، ولكن حكمة الله أن يكون في الإنسان هذا الطبع وهذه الصفة وهذه الغريزة.

ولو أن الناس لم يمنحهم الله تبارك وتعالى العقل والأناة، لأكلوا الثمار قبل أن تنضج، ولربما أكلوا الطعام قبل أن ينضج، إذ في الإنسان هذا الطبع، فإذا كان في طبع الإنسان باعتباره إنساناً أياً كان مؤمناً أو كافراً أن يستعجل، وخلق من عجل، فهذا يوضع في الاعتبار بالنسبة للإخوة الدعاة وبالنسبة للناس المدعوين.

أما بالنسبة للدعاة فيجب أن يحمل بعضنا بعضاً على المحمل الحسن، وإذا رأينا هذا الاستعجال من أنفسنا أو من إخواننا الدعاة، فلنعلم أن الطبيعة البشرية قد غلبت جانباً آخر، فلنذكِّر أنفسنا به، وهو “الحكمة والأناة”، حتى لا تغلبنا هذه النزعة وهذه العاطفة.

وبالنسبة للمدعوين نحتاج إلى أناة، إننا نريد أن نقول الكلمة اليوم فنرى أثرها عاجلاً الآن أو غداً، نريد أن نقول للناس: هذا حرام، فينتهي الجميع عنه، أو نقول لهم: هذا واجب، فسرعان ما نجدهم قد فعلوه، وامتثلوا أمر الله فيه.

معالجة القرآن الكريم لآفة الاستعجال

والأمر ليس كذلك أبداً، فلِكَوْنِ الاستعجال من طبيعة البشر، ذكر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في القرآن بياناً شافياً كافياً له حتى يغير به الأمور والأحوال.

ومن ذلك ما ذكره الله في آيٍ كثيرة أن الرسل الكرام عندما يدعون أقوامهم إلى الله وتوحيده يخوفونهم من عذاب الله، وينذرونهم عاقبة المعاصي، والظلم، والجور، والفساد، فإن الجواب عند كثير من الأمم هو استعجال العذاب (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) [الحج:٤٧].

انظر حلم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وسنن الله! يستعجلون أن تحل بهم العقوبة، ولهذا جاء الرد عليهم في آيٍ كثيرة، قال الله تبارك وتعالى: (أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ) [الشعراء:٢٠٤-٢٠٧].

سبحان الله! يستعجلون بالعذاب اليوم، لو فكروا كم سيعيشون، أرأيت إن أمهلهم الله وجعلهم يتقلبون في البلاد؟! أهذا يعني أنه لن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر؟! سبحان الله! (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ) [الشعراء:٢٠٥] هب أن الأمر كان كذلك (ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ) [الشعراء:٢٠٦-٢٠٧] هنا المحك، وهنا المعيار.

سل من تمتع وتقلب في أنواع الملذات العمر كله، لحظة أخذ الله له أخذ عزيز مقتدر، هل أغنى عنه ذلك المتاع شيئاً؟! (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) [يونس:٥٠]، فإذا أتاه العذاب تذهب تلك النعمة، وتلك اللذات والشهوات، ولهذا في الحديث الصحيح: {أنه يؤتى يوم القيامة بأنعم أهل الأرض من أهل الدنيا، وهو من أهل النار، فيغمس في النار غمسة واحدة، فيقال له: هل رأيت نعيماً قط؟ هل ذقت نعيماً قط؟ فيقول: لا والله، ما ذقت نعيماً قط والعكس، يؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة، فيغمس في الجنة غمسة واحدة، يقال له: هل رأيت بؤساً قط؟ هل مرَّ بك شدة قط؟ فيقول: لا والله! ما ذقت بؤساً قط }.

إذاً العبرة بالنتائج، فلماذا نستعجل؟

فالمشركون يستعجلون العذاب في معرض التحدي للرسل، وأن الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- غير صادقين فيما يعدون به من العذاب، والرسل الكرام يحذرونهم ويبينون لهم أن هذا الإمهال ليس إهمالاً، وأن التأخير ليس إغفالاً، ولكن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يمهلهم، ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته؛ ولذلك يضرب المثل بالأمم التي سبقت من قبلنا تنعمت وعصت (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) [الفجر:٦-١٤]، فلم الاستعجال إذاً؟!

ألا ترون ما فعل الله بحضارة عاد؟! وهي من الحضارات المندثرة، التي يحكى عنها الغرائب، كما قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه لما دخل مدينة دمشق ورأى ما فيها من النعمة والترف بالنسبة إلى ما كان يراه في المدينة ، “يا أهل دمشق ، ما لي أراكم تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون؟! إن الأمم قبلكم قد بنوا فشادوا، وجمعوا فأوعوا، وإنه قد بلغنا عن عاد أنهم بنوا لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، فمن منكم يشتري تركة آل عاد بدرهمين؟” لا أحد، لأنه لا وجود لها، فقد محيت، وذهب بها الله.

والحضارة الفرعونية إلى الآن، لم يصل العلم الحديث إلى كثير مما كانوا يتعاملون به مع التقنية واستخدام العلم، مثل تحنيط الموتى، ومثل تفريغ الهواء.

فإلى الآن يعجب العلم الحديث كيف وصلوا إلى ما وصلوا إليه، وهم الآن قد ذهبوا، وقد كانوا يستعجلون العذاب! كما أن الكفار في كل زمان ومكان يستعجلون العذاب، ويرون أنه تأخر.

لا بد من يوم يأخذهم الله تبارك وتعالى فيه إلا أن يؤمنوا بالله وحده

وإذا طال عليهم الأمد وقست قلوبهم ونسوا وعد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ووعيده، ركنوا إلى الدنيا وإلى الملذات والشهوات، وغفلوا عن كل ما جاء من عند الله (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) [الأنعام:٤٤] تأتيهم الخيرات -وهذا الواقع الآن- الحضارة الغربية اليوم عندما نقول للناس: إن الغرب سيسقط، إن الغرب ليس بدائم؛ لأنه يعصي الله، ولأن عذاب الله تعالى الذي دمر الحضارات جميعاً سيدمره، يرى بعض المتفرنجين أو المتربين على آرائهم وأفكارهم، أن هذه الحضارة تملك مقومات الأبدية أو شبه الأبدية، نعم فيها مقومات لأن تستمر إلى ما شاء الله، لكن لا بد من يوم يأخذهم الله تبارك وتعالى فيه إلا أن يؤمنوا بالله وحده سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وهكذا كل حضارة وكل أمة.

فالكفار يستعجلون العذاب، وهو واقع بهم لا محالة، ويرون ما أعده الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى من العذاب بعيداً، سواءً عذاب الدنيا أم عذاب الآخرة، وهو أشد قال تعالى: (وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) [القمر:٤٦]، وقال تعالى: (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً*وَنَرَاهُ قَرِيباً) [المعارج:٧-٨] هذا شأنهم وهذا حالهم.

استبطاء النصر آفة

وأما ما يتعلق بالمؤمنين فإن استعجالهم من نوع آخر، وهو استبطاء النصر من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) [البقرة:٢١٤]، فهو قريب لكنهم يستعجلون.

{ولهذا جاءوا إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو متوسد في ظل الكعبة، فقالوا: يا رسول الله! ادع الله على قريش! وشكوا إليه ما وجدوا، فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: والله ليتمن الله هذا الأمر حتى تسير الظعينة أو الراحلة من صنعاء إلى حضرموت ، ولكنكم قوم تستعجلون }، لا تستعجلوا، وقد أتم الله تعالى هذا الدين.

من كان يطمع من العرب أن يذكر كلمة كسرى؟!

{جاء سراقة بن مالك وقد منَّى نفسه بالمائة ناقة، وتبع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبعد أن حدثت الآية العظيمة، وساخت قوائم فرسه، يقول له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أبشر بسواري كسرى، يا سراقة أمن أجل الدنيا تأتي }.

فوعده رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسواري كسرى، خيال!!! سواري كسرى! من يحلم أن يرى كسرى؟! من كان يطمع من العرب أن يذكر كلمة كسرى؟! وكسرى أين هو؟!

شيء فوق الخيال! وهذا الأعرابي يُوعَد به.

وممن يُوعَد به؟!!

يوعد به من رجل خرج خائفاً لينجو بنفسه صلوات الله وسلامه عليه، ومعه الصديق ، خرجوا خشية أن يقتلهم الذين كفروا أو يثبتوهم، سبحان الله!

في هذه الحالة! وهل أمنت على نفسك؟!

هذا هو المنطق البشري، منطق الذين يقولون دائماً: الأمر حسابات، واعتبارات وخطط.

أنت الآن تريدني أن أرجع، حتى لا أقبض عليك، وحتى لا أدل قريشاً عليك، وتعدني مع ذلك بسواري كسرى!

ولم يقل بعد جيل أو جيلين، انظروا إلى أين يؤدي ضعف الإيمان دائماً والاتكال على الأسباب المادية، وعلى النظرة المادية مهما كان عمق التخطيط، كما يظن، فلله تعالى حكم وسنن أعظم من ذلك كله، وفعلاً: لبس سراقة سواري كسرى. الله أكبر!

والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله

وعندما كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحفر الخندق هو وأصحابه، بشرهم أيضاً بفتح كسرى، وإيوانه.

قال المنافقون: هذا محمد وأصحابه يعجز أحدهم أن يقضي حاجته، ويعدهم بقصور كسرى!

انظروا ضعف الإيمان، وضعف الثقة بالله، والنفاق!! ومع ذلك حقق الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذلك، كما تعلمون -والحمد لله- وصدق فيهم قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبشارته: {إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله عز وجل }.

لا تستعجلوا..! الكنوز والحضارات التي تبنى، والمليارات التي يملكها الكفار، والذي نفسي بيده إن صدقنا مع الله لتنفقن في سبيل الله!

هذه التي جمعت من حرام، أو ربما جمعها الكفار من أموال المسلمين، لا نستعجل: “والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله عز وجل”، فيكون الأمر عكس ما أملوا، جمعوها ليقاوموا بها الدين والإسلام، فالله عز وجل يجعلها غنيمة للإسلام والمسلمين. يستعينون بها على الجهاد في سبيل الله.

لو خرج المسلمون يريدون أن يأكلوها أو يتمتعوا بها ما أُورثوها، ولذلك في هذا الحديث تنبيه للمؤمنين، { لتنفقن كنوزهما في سبيل الله } فإن قاتلنا فلله، وإن غضبنا فلله، وإن دعونا فلله، وإن رضينا فلله، الكل في سبيل الله، لو خرجوا يطلبون الغنائم، والمتاع الدنيوي ما أُعطوا شيئاً، أو لو كانوا عند أول غنيمة، اقتسموها واختصموا فيها، وما الذي وقع في بلاط الشهداء؟

استعجال المؤمنين لنصر الله مخالف لسنة الله

وأقول: استعجال المؤمنين أو استبطاؤهم لنصر الله هذا -أيضاً- مما يجب أن يبين بالأدلة وفقه الدعوة الصحيح أنه مخالف لسنة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وإن كان هو حق قال تعالى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) [يوسف:١١٠]، نعم يأتي اليأس، ويأتي الشعور بأن الأمر قد فرغ، وأنه لا حيلة بعد ذلك، وربما وقع في القلوب أن النصر قد تأخر.. ولكن نقول: لا يجوز للإنسان أن يفقد أمله في الله، وأن يستبطئ نصر الله ووعد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

على الإخوة الدعاة -وفقنا الله وإياهم- أن يعالجوا هذا الأمر مع الأحداث النازلة هذه، وفي كل حدث وفي كل موقف، ومع كل إنسان يدعوه، وأن يعالجوا هذه الغريزة وهذه العاطفة بعدم الاستعجال في أي شيء في تكوينك الشخصي والعلمي وغيره.

لِـمَ الاستعجال، قبل أن ترى الحدث كله وأبعاده وما وراءه، قبل أن تلقى أو تسأل من هو أعرف منك، وأبصر منك بهذا الأمر؟! لا تستعجل في الحكم، ولا تتسرع.

الحلم والأناة خصلتان يحبهما الله

هناك خصلتان يحبهما الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كما ذكر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث أشج عبد القيس الحلم والأناة، فقال: {إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة }، الأناة: الروية، لا يندم الإنسان عليها أبداً، فإذا دعوت إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فكن حليماً ولا تستعجل.

رُبَّ مجرم ينقلب خيراً للدعوة -وهذا ما وقع والله- وينقلب سيفاً بتاراً على أعداء الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وعلى دعاة الشر والفساد، لكن بعد صبر من الدعاة عليه، حتى يفقه الحق، وحتى يستجيب له، وحتى يعرف أنه لم يُدع إلا إلى خير الدنيا والآخرة، فلا بد من الأناة.

الواجب على الجميع أن يتأملوا سنن الله في تغيير الأنفس والمجتمعات

لقد وعد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى المؤمنين بالنصر (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر:٥١] لكن الإنسان يقول: لماذا لم يأت النصر؟!! يريده الآن..!

فهذا الاستعجال آفة يبتلى بها الناس ولا ينبغي للدعاة بالذات، ولكل من يقرأ كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقع فيها، وإنما الواجب من الجميع أن يتأملوا سنن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في تغيير الأنفس وفي تغيير المجتمعات.

إننا نحن اليوم والأمة الإسلامية تواجه أعداءها من الشرق والغرب أنستعجل النصر، ونستعجل ما عند الله، وما وعد الله به المؤمنين، ونستعجل كيف نعمل وماذا نعمل؟! مع أن الواجب أن نأخذ الأمور بحكمة وبهدوء وبروية، ونقرأ التاريخ، فنأخذ منه العبرة والعظة، كيف غيَّر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الأحوال؟! عندما كانت حملات التتار، أو الحروب الصليبية، أو ما كان قبلها من المعارك أو ما بعدها، لقد جعل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سنناً للتغيير.

مما رأيته من سنن الله تعالى أن جيل الهزيمة لا ينتصر هو لكن ينبثق النصر منه.

فهو أول من يشعر بمرارة الهزيمة ومرارة الذل، وهذه من نعم الله.

فتأتي مصيبة، وتأتي نكبة، وتأتي مشكلة، فيبدأ الشعور بالتقصير، والشعور بوجوب الأخذ بما أمر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فتبدأ الانطلاقة من هنا، ولكي يكون النصر نهائياً يحتاج إلى أمد بعيد وإلى زمن طويل، لا نحدده ولا نقيده بسنوات معينة، لكن هو على أية حال يحتاج إلى صبر وإلى أناة.

توحيد الله هو أعظم القواعد التي يبنى عليها أي عمل

ومن هنا كان الواجب أنه في كل حدث، وفي كل مرحلة، وفي كل وقت، ألاَّ ننسى دائماً القواعد الأساسية التي عليها يبنى أي عمل مهما كان.

ومن أعظم القواعد في ذلك، أن توحيد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هو الأساس الذي يكون منه الانطلاق في الدعوة، والجهاد، وأن التوبة، والإنابة، والضراعة، والاستغفار، وترك الذنوب والمعاصي، والإقلاع عما حرم الله ومحاسبة النفس، كل هذا لا بد أن نستصحبه في كل حال.

إذا اراد الفرد في ذاته أن يطلب العلم، فالاستعجال بالتوحيد أول واجب.

إذا أراد أن يجاهد فالتوحيد أول واجب.

إذا أراد أن يدعو فالتوحيد أول واجب.

إذا أراد أي أمر من أمور دنياه فأول شيء لا بد أن يبدأ بالتوحيد، ثم بعده يأخذ بسنن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في التغيير، ولله تعالى سنن في ذلك.

الأخذ بسنن الله عز وجل في التغيير من القواعد الأساسية التي عليها يبنى أي عمل

فالجيل الأول جيل الهزيمة أو جيل السقوط لا يفعل شيئاً، ولهذا رأينا الهزيمة المدمرة التي مرت بالعالم الإسلامي، كما حدث عام (٦٧) الأيام الستة وما تسمى نكبة وهزيمة ونكسة، إلى آخر ما قيل، فابتداءً منها ولدت الصحوة الإسلامية والعودة إلى الله.

انهارت النظم القومية والاشتراكية، والدعاوى الباطلة، الوافدة المستوردة، وبدأ الناس يفيقون، ويفكرون بالعودة إلى الله.

ولننظر كم نحتاج؟ فإلى الآن لم نصل إلى حد أن نكون أهلاً للنصر؛ لأن المسألة تحتاج إلى طول وقت، ولذلك لما أُخذت القدس في الحروب الصليبية الأولى، وقبل أن يأخذوا القدس أخذوا مناطق أنطاكية ، وأجزاء الشام العليا.

ومرت سنوات حتى ظهر نور الدين ، ثم جاء بعد نور الدين ، صلاح الدين .

ثم كانت حطين في النهاية، ثم بعد حطين كان دخول بيت المقدس .

الرجوع إلى العلم أحدث تغيير أساسي في الأمة

إنها سنن وإعداد مادي، وإعداد علمي، وإعداد أدبي، فعند قدوم الصليبيين كانت هناك مدرسة واحدة في دمشق تعادل كلية كما نسميها اليوم، ودمشق عاصمة الشام ، ولم يكن فيها إلا مدرسة واحدة للعلم وللحديث.

فلما كانت أيام صلاح الدين ، كانت المدارس تقارب مائة مدرسة، فلماذا نغفل عن هذا الجانب؟!

ننظر دائماً أن صلاح الدين جمع الجيوش وانتصر، هذا حق وهذا جانب لا يمكن أن يغفل، لكن هل يمكن أن يكون هذا النصر وهذا الجيش لولا أن هناك أمراً آخر حدث في الأمة؟!

لقد حدث تغيير أساسي في الأمة، وهو رجوعها إلى العلم وإلى طلب العلم، وإلى الدعوة وإلى الخير.

وهؤلاء العلماء وهؤلاء الدعاة هم الذين حرَّكوا الأمة، فهم العصب الذي يحرك هذه الأمة ويجمعها، ويوحدها على الخير بإذن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وقد كان ابن قدامة رحمه الله صاحب المغني في ميمنة صلاح الدين .. فاجتمع العلماء على الكتاب والسنة، واجتمع حولهم طلبة العلم على ما اجتمعوا عليه من الحق، فاجتمعت القيادة المؤمنة، مع الدعاة الصادقين، مع طلبة العلم، فكان النصر بإذن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

من السنن الربانية: إعداد خطة أو منهج، ثم الصبر عليه حتى يؤتي ثماره، دون استعجال

وهذا الذي يجب أن نفكر فيه دائماً، وأن نسعى إليه دائماً، وألاَّ نتيح لأنفسنا ولعواطفنا مجالاً للاستعجال، وقطف الثمرة قبل أن تنضج، مهما كان الأمر، ومهما كانت رغبتنا في تحقيقها وفي قطفها، فهذه سنن ربانية، ولا بد أن تتحقق بالنسبة للفرد وبالنسبة للمجتمع، وكل العالم يدرك هذه السنن نوعاً من الإدراك.

فعندما بدأت اليابان تخطو خطواتها في ملاحقة الغرب، بدأت -وهي تدرك هذا الشيء- وصبرت على الابتعاث وعلى التبعية للغرب، حتى أصبحت منافساً له.

بدأت كوريا من نفس النقطة، وبدأت غيرها من الدول، وهي دول لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر، لكن أدركت السنن، وأنه لابد من إعداد خطة أو منهج، ثم الصبر عليه حتى يؤتي ثماره، دون استعجال تكون فيه النهاية، وتكون فيه الانتكاسة والبدء من جديد.

المصدر

محاضرة لفضيلة الشيخ د. سفر بن عبدالرحمن الحوالي بعنوان: ” آفة الإستعجال”.

الخميس، 23 أكتوبر 2025

مقدمة في كيفية بدء الحروب الصليبية

مقدمة في كيفية بدء الحروب الصليبية



ما أشبه الليلة بالبارحة، وما أشبه واقعنا المهترئ كعرب ومسلمين بواقعنا زمن الحروب الصليبية؛ ثمة دروس ومنطلقات من الأولين نحتاجها اليوم كثيرا.

مقدمة

إن المؤرخين يقولون: التاريخ يعيد نفسه، ونحن نقول: سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً، ولن تجد لسنة الله تحويلاً، هذه هي سنة الله تعالى في الأمم، وخاصة في الأمة الإسلامية، كل حياتها كرٌ وفر، وكل مواقفها إقبال وإدبار.

قبل ألف سنة بالضبط من الآن اجتمعت أوروبا شرقها وغربها وشمالها وجنوبها في غارة واحدة على العالم الإسلامي، جاءت الجيوش من بولندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، وما بقيت ـ تقريباً ـ قطعة في أوروبا إلا وتدفقت منها الجيوش استجابةً لداعي تلك الحملة الهوجاء التي بدأها أول من بدأها البابا “قريقور السابع”؛ الطاغية المشهور، ثم خلفه البابا “أرذان الثاني” ومعه المدعو “بطرس الناسك”.

بطرس الناسك هذا المشهور جداً في تاريخ الحروب الصليبية، ماذا فعل..؟ لقد ركب حماراً وطاف به أرجاء أوروبا داعياً الأوروبيين إلى حرب صليبية دينية على المسلمين الذين انتزعوا منهم بيت المقدس، والذين يهينون الحجاج النصارى ويسيئون إليهم.

لقد رفع عقيرته بهذه الدعوة الخبيثة؛ فاستجابت له جموع من الوحوش الضواري، يعترف التاريخ كله شرقيه وغربيه أنهم كانوا مجموعات من الوحوش والرعاع والهمج الذين لا يضبطهم ضابط، ولا يردعهم رادع من خُلق أو دين، وإنما هو تعصب حاقد جمَعَهم؛ فانسالَت هذه الجموع وتدفقت إلى المملكة البيزنطية أو الإمبراطورية الشرقية، ومنها إلى بلاد الشام حيث بدأت تلك الحروب التي تسمى الحروب الصليبية، واحتلوا مواقع كثيرة أهمها ـ بلا ريب ـ “القدس” التي دانت وخضعت لهم قرابة قرن؛ حتى حررها الله سبحانه وتعالى واستنقذها بـ “صلاح الدين الأيوبي”.

عوامل نجاح الحروب الصليبية

لن نطيل بالتفصيلات التاريخية، لكن لا بد أن نعرج على بعض الأمور التي نأخذ منها العبرة لواقعنا وحاضرنا.

أول ما يتبادر إلى الأذهان هو: كيف استطاعت هذه الجموع الهمجية أن تحتل العالم الإسلامي، وأن تأخذ أطهر وأقدس بقعة بعد الحرمين الشريفين..؟! أين كانت الأمة الإسلامية..؟!

الواقع أن حال الأمة الإسلامية يُرثى له، وأن السبب هو كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥].

السبب هو أن هذه الأمة كانت تستحق أن تؤدَّب بالصليبيين، وأن تُردَع وتعاقَب بأمثال هؤلاء؛ لكي ترجع إلى رب العالمين.

كيف كان حال الأمة الإسلامية..؟

أولاً: العوامل الداخلية في جسم الأمة

أصبحت دولة السلاجقة ممالك موزعة ممزقة، وأصبح كل أمير يحسد أخاه، والإخوة أبناء السلطان الواحد يتقاتلون على الملك؛ حتى أنه بلغ الحال أن أي مدينة من المدن ـ ولا سيما المدن الكبرى في بلاد الشام أو العراق ـ أصبحت دولة أو سلطنة فـ “حلب” دولة، و”دمشق” دولة، و”الموصل” دولة، و”طرابلس” أو غيرها.. كانت كل واحد منها عبارة عن دولة أو دويلة وهكذا، كل منطقة أو مدينة أصبحت دولة مع أن بعض السلاطين كانوا أبناء رجل واحد.

وكانت العلاقة بين هؤلاء السلاطين تحاسُدا وتباغضا وشحناءًا، وانغماسا في الشهوات والملذات كانت آثارها واضحة عندما قدم الصليبيون.

إن الصليبيين الذين وصلوا منهم فعلاً إلى الشرق الإسلامي وإلى بلاد الشام كانت أعدادهم قليلة كان المقاتلون فقط بضعة ألوف من الفرسان والمشاة، ومع ذلك فعلوا ما فعلوا، معرة النعمان وحدها قتلوا فيها أكثر من مائة ألف من المسلمين، وغيرها من المدن كذلك.

وما كان ليحصل هذا إلا في ظل هذا التراخي والتحاسد، كثيرٌ من الحكام أول ما وصل الصليبيون إليهم مدوا أيديهم إليهم للتحالف معهم، وسلّموا لهم القلاع والمدن بشرط واحد هو: أن يعترفوا بهم حكاماً على تلك المدن، وبعد أن اعترفوا ببعضهم واشتد ساعد الصليبيين أرادوا أن يحتلوها؛ فرضي أن يدفع لهم الجزية..!

والأمثلة على ذلك كثيرة، نذكر منهم: صاحب حلب “رضوان”، هذا مشهور بموالاته للصليبيين، وللباطنيين أيضاً؛ حتى أنه كان في آخر أمره يدفع أكثر من عشرين ألف دينار من الذهب كجزية للصليبيين دون أن يتَّحد أو يتعاون مع أي إمارة من الإمارات الإسلامية، أو مع إخوانه السلاطين الآخرين لجهاد الصليبيين، وقد كانوا قادرين على ذلك.

وكذلك “معين الدين أنر” صاحب دمشق؛ وهذا رجل غريب حقا، كان يوالي الصليبيين ويحالفهم ويراسلهم بل، ويدلهم على عورات المسلمين..!

وهكذا أحداث طويلة يكفينا منها هذه الإشارات العابرة عنها.

ثانياً: الفرق الهدامة؛ الرافضة الحشاشون

بعد العوامل الذاتية في جسم الأمة المنتسبة إلى السُنة نجد هنالك الفرق الخبيثة الهدامة، وهي تمثل في كل زمان ومكان الحربة التي تطعن من الخلف، والعدو اللدود المقيم الذي لا يأتي العدو الخارجي ويمشي إلا على جسر منه، وهم دول الرافضة، ومن ذلك دولة “العبيديين” الذين يسمون “الفاطميين”، وقد كانوا يحكمون مصر في تلك المرحلة وأجزاءا من بلاد الشام، وكان التشيع يغلب على كثير من العالم الإسلامي في ذلك الوقت.

ماذا فعلوا..؟ فعلوا ما يليق بـ “الرافضة” أن تفعله؛ حالفوا الصليبيين، وأمدّوهم وراسلوهم، وكانوا عوناً لهم ضد المسلمين؛ حتى أن “القدس” ـ المدينة المقدسة عند المسلمين ـ كانت بيد السلاجقة السنة، الذين كوَّنوا الإمارات في “أنطاكيا” وفي غيرها من بلاد الشام؛ وعندما قدِمت الحملات الصليبية، جاء جيش العبيديين فاحتل القدس من السلاجقة وأخذها منهم، ولم يستطع أن يدخلها إلا بعد أن دك أسوارها، وحطّم قلاعها وما حولها من الحصون، وكان ذلك تهيئة لأخذ الصليبيين لها؛ فعندما جاء الصليبيون لم يجدوا أي مقاومة من قِبل أولئك العبيديين الذين سلموا لهم القدس، وجاء الأهالي يريدون أن يدافعوا عن المدينة وإذا بها لا أسوار لها ولا حصون، وسلمها أولئك لقمة سائغة لهؤلاء المجرمين.

كذلك كانت العقيدة الرافضية منتشرة، وكان جزءاً منها تلك الفرقة الخبيثة الباطنية الذين كانوا يسمون بالحشاشين، وكان للحشاشين الباطنيين وجود قوي في وقت قدوم الحملة الصليبية، ثم كان لهم دور خبيث في تعطيل حركة الجهاد ضد الصليبيين، وفي الحروب الصليبية.

كان زعيمهم الخبيث المشهور “الحسن بن الصباح” صاحب قلعة “ألمونت” في بلاد فارس، ثم “بهرامل الاسترباذي”، ثم “راشد الدين سمنان”.. وغيرهم، كانوا زعماء؛ كما ذكر المؤرخون وأجمعوا على ذلك، ولم يغتالوا شخصية واحدة من شخصيات الصليبيين ولا أميراً واحداً، وإنما كان غرضهم أن يقتلوا أمراء الجهاد المسلمين، وقد قتلوا من قتلوا، ومن أول مَن قَتلوا وفتكوا به الوزير “نظام الملك” وزير السلاجقة المشهور.

ثم بعد ذلك لما تحركت مشاعر الجهاد عند الأمة الإسلامية، كان من أول من حرّكها السلطان “غلام مودود” رحمه الله، كان من أوائل الذين حركوها، وهو يكاد يكون مغموراً ـ وما أكثر من هو مغمور في تاريخنا من أولئك الرجال الكرام.

بدأ السلطان “مودود” ووصل إلى دمشق، وكان أول مَن بدأ المعارك وحطم أسطورة الجيش الذي لا يُقهَر، وأعاد للمسلمين الثقة في النصر، فعندما وصل إلى دمشق اغتاله الباطنيون في رمضان في الجامع الأموي بعد الصلاة.

ولهذا قال الصليبيون كلمة أصبحت مثلاً: أمة تقتل عميدها، في شهر عيدها، في بيت معبودها؛ حق على الله أن يبيدها.

الصليبيون أنفسهم لم يصدقوا أن هذه الأمة تغتال السلطان “مودود” في داخل المسجد، في رمضان وهو صائم من أجل أنه أراد أن يجاهد الصليبيين.

ثم اغتيلت بعد ذلك شخصيات أخرى، منهم على سبيل المثال: “آغ سنقر”، وقد كان له أيضاً دور وشأن في الحروب الصليبية، ومنهم “تاج الملك بوري” الذي اغتيل (عام ٥٢٦) عندما قرر وعزم أن يستخلص “بانياس” ويستردها.

حوادث كثيرة نرى فيها أنه في حالة وجود من يجاهد ويريد أن يرفع هذه الأمة إن لم يهزمه الصليبيون فإن أولئك المجرمين يغتالونه ويطعنونه من الخلف..!

وكان الأذان يُعلَن في حلب وفي غيرها من مدن الشام ومصر والحجاز، والمغرب وأفريقيا كلها على الطريقة الرافضية، وكانت شعائر هذه الملة الخبيثة ظاهرة، وكان تعاونهم مع اليهود والنصارى ظاهراً، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع كثيرة في منهاج السنة، كما ذكره ابن القيم رحمه الله في مفتاح دار السعادة، وغيرهما حيثما جاءت المناسبة لذكر هذه الأفعال القبيحة.

إذاً عندما نجد واقع الأمة، ودور الرافضة العبيديين، وأيضاً دور الباطنيين وهم جزء من أولئك الروافض وخيانتهم؛ نجد أن الأمة وصلت إلى حالة من التردي لا تكاد تصدق. (١)

المكان الذي يبدأ منه الجهاد

في هذه الظروف هيأ الله سبحانه وتعالى من عنده مَن يرفع لواء الجهاد على الصليبيين، هنا نأخذ عبرة وموقفاً؛ كيف بدأ الجهاد حقيقة..؟

أولا: يذكر المؤرخون ـ ولا داعي للإطالة في النقول ـ أن أول ما ابتدأت الغيرة والحمية الإسلامية من الدعاة والأئمة في المساجد حين خطبوا في المساجد وفي كل مكان ومنها في بغداد؛ حتى إن العامة تظاهروا أمام الخليفة في بغداد، وأصبحوا يضجون ويقولون: لِم لا نجاهد ولا نقاتِل..؟ ولماذا يفتك الصليبيون بإخواننا ويدمرون مدن الإسلام ونحن قاعدون..؟

فقامت الدعوة أولاً من المساجد؛ وكانت دعوة جهادية قام بها العلماء والدعاة والخطباء.

ثانيا: أن الدعوة قامت نقية من الولاءات المشبوهة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨].

من المستحيل لأيّ جيش جهادي أن ينتصر وفيه الخونة، أو وهو مُوالٍ للخونة، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع عندما أثنى على قادة الجهاد العظام؛ نور الدين وصلاح الدين.

ذكر، رحمه الله، كيف أن الله سبحانه وتعالى أذل دولة الرافضة العبيديين في مصر؛ لأن وزراءهم كانوا من اليهود والنصارى من الأرمن وغيرهم؛ ولأنهم والوا الكافرين، فسلطهم الله تبارك وتعالى عليهم، كما قال الله عز وجل: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً﴾ [النساء:١٤٤] جعلوا لله عليهم سلطاناً مبيناً بموالاتهم للكافرين؛ فأذلهم الله سبحانه وتعالى.

ثم قال رحمه الله وقد ذكر كيف استنجد المصريون بـ “نور الدين”:

“ثم أرسل إليهم القائد المعروف “صلاح الدين”.

قال:

“وصلاح الدين وأهل بيته ما كانوا يوالون النصارى ـ يريد أن يبين سبب انتصارهم ـ ولم يكونوا يستعملون منهم أحداً في شيء من أمور المسلمين أصلاً”. (٢)

لا يمكن؛ لأن من استشارهم فقد خان الأمة؛ ولأن من ولّاهم فقد أعز من أَمَر الله تبارك وتعالى أن يهان ويذل.

ولهذا يقول رحمه الله:

“ولهذا كانوا مؤيَّدين منصورين على الأعداء مع قلة المال والعدد”. (٣)

وقال:

“وكذلك السلطان “نور الدين محمود” الذي كان في الشام ـ وهو الذي أرسل “صلاح الدين” و”أسد الدين شيركوه” إلى مصر ـ عز أهل الإسلام والسنة في زمنه، وذل الكفار وأهل البدع ممن كان في الشام ومصر وغيرهما من الرافضة والجهمية ونحوهم”. (٤)

خاتمة

هذا من سِمات الطريق؛ ولا بد منه.. الحذر من الرافضة، وقطع موالاة الكافرين؛ صليبيين وصهاينة، وعلمانيين وإباحيين فجرة.

إن الطريق نظيف، ولا بد للسالكين أن يكونوا بمستوى طُهره.

الهوامش:

  1. ولم يزل هذا الدور الى الآن.
  2. مجموع الفتاوى، الجزء الثامن والعشرين ص٦٣٩.
  3. نفس المصدر.
  4. مجموع الفتاوى، الجزء الرابع ص٢٢.

المصدر:

الخميس، 22 أغسطس 2024

حاجة البشرية إلى الإيمان

 حاجة البشرية إلى الإيمان
فضيلة العلامة الدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي


إنَّ أحوج ما نحتاج إليه في حياتنا الدنيا وفي حياتنا الأخرى، هو الإيمان بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لأنه لا نجاح لنا ولا فلاح ولا سعادة ولا طمأنينة لا في هذه الدنيا ولا في الآخرة، ولا في أنفسنا، ولا في أسرنا، ومجتمعنا، وأمتنا إلا بالإيمان بالله تبارك وتعالى.

امتنان الله عز وجل على البشرية بإرسال الرسل

والله تبارك وتعالى من رحمته بعباده، ومن لطفه، ومن كرمه وعظيم منّه، لم يتركنا هملاً ويدعنا عبثاً، بل أرسل إلينا رسولاً بين لنا الإيمان، وأوضح لنا الطريق، وأبان لنا الحجة، وأظهر الله تبارك وتعالى به دينه على العالمين، وبيَّن لنا ما يسعدنا وما فيه فلاحنا في الدنيا والآخرة، فإذا اتبعنا ما أنزله الله تبارك وتعالى على هذا النبي الأمي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتمسكنا به؛ تغير حالنا من الذل إلى العز، ومن الشتات والفرقة إلى الألفة والمحبة، ومن الهزيمة إلى النصر، ومن الضياع والتشرد إلى الاستقامة والتقوى، ويحدث التغير الذي لا يمكن أن يحدث في أي مجتمع ولا في أية أمة إلا بالإيمان بالله تبارك وتعالى.

شفاء الأمة من الأدواء والعلل بالرجوع إلى الكتاب والسنة

وإن ما تعيشه أمتنا الإسلامية اليوم شرقاً وغرباًُ، لجدير بكل مسلم أن يقف عنده، وأن يتأمله، وأن يفكر في أسبابه ودواعيه، وبالتالي يبحث عن الحل الذي لا حل غيره، وهو الرجوع إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإن كل ما نعانيه من الأمراض ومن الأدواء ومن العلل لا يكون شفاؤها ودواؤها إلا بالرجوع إلى كتاب الله وإلى سنة نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

الحاجة إلى الإيمان ضرورية

فهو لا يغني عنه أي شيء، ولا أي نوع من أنواع العلم والثقافة، ولا التقدم الحضاري بأي شكل من الأشكال، بل حتى الرقي المادي ورغد العيش والرفاهية المادية لا تتحقق حقيقةً إلا بالإيمان بالله وبالالتجاء إلى الله، عبادةًَ واستعانة؛ ولذلك يقول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [الأعراف:٩٦] ويقول الله تبارك وتعالى: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً) [الجن:١٦] والله تبارك وتعالى ذكر في آي كثيرة ما يدل على أن مسألة الرزق والطمأنينة، والعيش الهنيء الكريم لا يمكن أن يكون إلا بالإيمان بالله، وباللجوء إليه، كما قال نبي الله نوح لقومه: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً) [نوح:١٠-١٢].

فيتبدل الحال من الفقر والجدب والقحط إلى الرغد والنعيم والحياة الكريمة، وذلك إذا اصطفانا الله عز وجل ورجعنا وتبنا إليه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

 أثرُ الإيمان في فتوحات المسلمين

ولنضرب أمثلة على ذلك مما يتعلق بواقع الجهاد، وحركة الجهاد، وكيف يغير الإيمان المؤمن والأمة المؤمنة في هذا المجال: ماذا كان العرب في الجاهلية قبل الإسلام وقبل الإيمان؟! وماذا كان جهادهم؟! وعلى من كانوا يغيرون؟!

يقول شاعرهم:

               وأحياناً على بكرٍ أخينا      إذا ما لم نجد إلا أخانا

فهم يتخاصمون لأتفه الأسباب! فيغير بعضهم على بعض، ويسلب بعضهم بعضاً، وينهب بعضهم بعضاً، وإذا غزا أحدهم فأصاب قطيعاً من الغنم أو الإبل، افتخر بذلك في قصيدةٍ عصماء؛ لأنه حقق هذا الانتصار العظيم!!

والمنتمي إلى هذه الأمة الجاهلية نظرته محدودة، وفكره قاصر، وعقله محدود، وتأملاته وفكره لا يخرج عن دوائر معينه مظلمة، لكنهم لما آمنوا بالله وبرسوله محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هل بقي ذلك الغزو والنهب والسلب ومعاداة الجيران والقبائل المجاورة؟ لا، بل ذهب ذلك كله، وتحولت هذه الأمة إلى أعظم أمةٍ فاتحةٍ في تاريخ الإنسانية، كما شهد بذلك أكبر فاتحٍ في تاريخ أوروبا التي يقدسها المغرورون من المسلمين، إنه نابليون ، يقول: نابليون في كلمة مشهورة عنه لما استعرض الفتوحات: إن العرب قد فتحوا نصف الدنيا في نصف قرن.

إذاً المسلمون فتحوا معظم الدنيا في نصف قرن!! أي في خمسين سنة!! فهل كان الأمر مجرد انتصار عسكري ثم ينتهي ويضمحل مثلما هو الحال في الاستعمار!!

لا، بل كان الفتح فتحاً للقلوب وفتحاً للأرواح، وكان طمأنينة وأمناً وسلاماً، فكيف تغير التخطيط العسكري عند الإنسان الجاهلي ليصبح في الإسلام على هذا المستوى وبهذه العظمة؟!

 أثر الإيمان في الإنسان

ماذا كان عمر بن الخطاب في الجاهلية؟!

لو لم يأتِ الإسلام لما بلغنا أي شيء عن عمر ولما عرفنا من هو عمر رضي الله عنه، لكن لما أسلم وغيره الإيمان، ماذا أصبح؟!

نأخذ مثالاً من حياة عمر فيما يتعلق بموضوع الجهاد والتخطيط العسكري، حيث أرسل عمر رضي الله عنه الجيوش لمحاربة الفرس، ولاحظ أن المسلمين لم يقولوا نبدأ بالفرس ونترك الروم، أو نبدأ بالروم ونترك الفرس -مع أنهما أقوى دولتين تتحكمان في العالم- أو كيف نحارب تلك الدولتين في وقت واحد وعددنا قليل؟!

نعم هذا صحيح، إلا أن العدة أقل بكثير!! وكل ما يمكن أن يقال بالنظرة المادية وفي التخطيط المادي العسكري يمكن أن يقال هنا، إلا أن هناك إسلاماً يحارب كفراً، وهذا هو الميزان الذي يرجح دائماً في أية معركة وهو أن الإيمان ينتصر على الكفر بإذن الله!!

وكان العرب قبل الإسلام لا يطمحون ولا يطمعون، بل ولا يتخيلون أنهم يحاربون كسرى وحده أو هرقل وحده، فضلاً عن أن يحاربوا الإثنين معاً.

فلما جاء الإسلام، وانطلقت الجيوش إلى هناك، جمع عمر رضي الله عنه الجيوش وأرسلهم، وأخذ يفكر من يختار لحرب الفرس، فوفقه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إلى سعد بن أبي وقاص ، القائد المشهور، وماذا كان سعد في الجاهلية؟! وماذا كان قبل الإيمان؟!

لم يكن شيئاًَ مذكوراً.

أرسل سعداً وهو يعلم أن هذه المعركة هي أعظم معركة في تاريخ الفتوحات الإسلامية التي خاضها المسلمون مع الفرس، فماذا صنع عمر؟

قال له عمر رضي الله عنه -وعمر لم يكن لديه خرائط للمناطق، ولم يكن لديه وسائل للاتصال المباشر-: إذا نزلت بأرضٍ، فأرسل السرايا، واكتب لي عنها -أي: يكتب له عن طبيعة الأرض- وأنا أوافيك كيف تفعل، فعندما وصلوا إلى أول العراق ، كتبوا له بأن الأرض كذا وكذا وكذا.

فجاء الرد من المدينة: تقدموا عن المدر واجعلوا المزارع من ورائكم، فإن نصركم الله تعالى تقدمتم، وإن كانت الأخرى ترجعون إلى المدر وإلى المزارع وإلى المياه، هذا عمر الذي كان في الجاهلية أعرابياً، ولا يدري ولا يعرف ما هي الخطط، ولا يعرف إلا الكر والفر، فقد كان هذا الذي تعرفه العرب في تاريخها العسكري فقط، لكن الإيمان غيَّر عمر ، فلم يعد عمر ذلك الجاهلي، بل أصبح ذلك الرجل الذي يدير أعظم دولة في عصره بأعظم وأفضل إدارة، وليست القضية هي عسكرية عمر كما يقول البعض، لا، بل القضية هي قضية إيمان يفجر العبقريات، لو أتيت إلى طفل صغير عمره خمس سنوات بالإيمان، لحفظ القرآن، ولعمل الأعاجيب، ولأصبح خطيباً أو عالماً وهو دون العشرين؛ كما كان علماء السلف الصالح .

إذاً: السر هو في الإيمان الذي يفجر الطاقات، وليس مجرد العبقرية التي في الأشخاص.

وكتب الله تعالى النصر العظيم في القادسية ، وكان عمر رضي الله عنه يخرج إلى ظهر المدينة كل يوم، ويتحرق ويتألم منتظراً الأخبار، لأنها معركة حاسمة.

بل إن أكثر المسلمين كانوا يختارون قتال الروم، ولا يختارون قتال الفرس؛ لأن قتال الفرس كان أشد، فكانوا يريدون أن يذهبوا إلى مصر والشام ولا يريدون فارس.

وكان عمر رضي الله عنه يخاف عليهم خوفاً شديداً حتى قال: “وددت لو أن بيني وبين فارس بحراً فلا يصلون إلينا ولا نصل إليهم” فلما كتب الله النصر، أرسل سعد رسولاً من عنده، وذهب يحث الناقة ويطوي القفار؛ ليبشر المسلمين بالنصر المبين، ووصل إلى قرب المدينة وإذا بهذا الرجل -عمر – جالس، يتحرق ويتألم وينتظر! فقال: من أنت؟

فقال: دعني أريد أن أبشر المسلمين وأن أبشر أمير المؤمنين، فيقول: من أنت وماذا تريد؟

فقال: الحمد لله رب العالمين، نصر الله المسلمين، وأريد أن أبشر أمير المؤمنين، ويحث الناقة لتسرع، وعمر رضي الله عنه يسرع على رجليه ولا يلحقه، ولم يقل له: أنا أمير المؤمنين، حتى دخلا إلى المدينة ، وكانت فرحة الانتصار تحث رجلي عمر رضي الله عنه، وهو يسابق الناقة حتى دخلا المدينة ، فاستقبله الناس، وقالوا: أمير المؤمنين.. أمير المؤمنين.

فقال الرجل: رحمك الله يا أمير المؤمنين، هلا قلت لي أنك أمير المؤمنين فأحملك وأبشرك.

ثم أخبره بما حدث من النصر المبين.

وهذا النصر بعد القادسية ، أعقبه أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه دخل إلى المدائن! العاصمة التي لا نظير في الدنيا لها في تلك الأيام!!

فلما فتحوها ودخل سعد رضي الله عنه القصر سجد سجود الشكر وأخذ يقرأ قوله تعالى: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ) [الدخان:٢٥-٢٩].

فتركوا هذا النعيم، وتركوا هذه البهجة، وهذا الملك لما مقتهم الله عز وجل وهانوا عليه: (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ) [الحج:١٨]، ثم صلى لله شكراً على هذا النصر المبين.

الإيمان والأمانة

إن الإيمان يهذب النفوس، ويربيها، فليس هناك للانتصار زهو ولا خيلاء ولا كبرياء، إنما هو السجود لله عز وجل والاتعاظ والاعتبار بما جعل الله من عقوبة لمن عصاه ولمن خالف أمره واتبع غير سبيله.

وكان من أعجب ما أخذوا من الغنائم البساط، -بساط كسرى- وهذا البساط كان كبير الطول والعرض، وليس هناك من وسيلة لنقله كاملاً، فقالوا لابد أن نقطعه، ويحمل كل جمل ما يستطيع، فقطعه سعد رضي الله عنه ومن معه، حتى أوصلوه إلى المدينة ، وقالوا لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: ألا نريك يا أمير المؤمنين كيف كان يجلس كسرى؟! ففرشوا ذلك البساط، وضموا كل قطعة إلى الأخرى، وعمر رضي الله عنه واقف يتأمل ويتفحص، ويتعجب حيث لم تنقص منه لؤلؤة واحدة، فقال: “إن قوماً أدوا هذا لأمناء” أي: أن جيش المسلمين جيش أمين حين أدى ذلك، لأن ياقوتة واحدة يضعها في جيبه قيمتها بعشرة آلاف دينار! ولم يكن العرب قبل الإسلام يحلمون بألف ولا بمائة درهم أن يكسبها الواحد من أموال كسرى، لكن عمر وجد البساط كاملاً!! فتعجب من هذه الأمانة! وكان بجواره علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: “يا أمير المؤمنين عففت فعفوا، ولو رتعت لرتعوا” أي: لو أنك خنت لخانوا، فهؤلاء جيشك تربوا على الإيمان الذي تربيت عليه.

إنها الأمانة التي فقدتها الأمة الإسلامية، لأن هؤلاء القوم لم يخرجوا إلا ابتغاء وجه الله، وإنما كانوا يقاتلون في سبيل الله ولإعلاء كلمة الله، وماذا تساوي يواقيت كسرى بالنسبة إلى جنات النعيم؟!

وماذا يساوي أخذ شيء من هذه الدنيا الفانية إذا كان الإنسان متوعداً عليه بغضب من الله عز وجل ونارٍ في الدار الآخرة، فلذلك أدوا تلك الغنائم كاملة وشهد لهم عمر رضي الله عنه بالأمانة.

 الإيمان والانقلاب الشامل

لما كان المسلمون في الحال التي كانوا عليها قبل الإسلام، والتي قال لهم كسرى فيها: كنتم تأكلون الميتة، وتقطعون الرحم، وتنهبون الطريق، وتفعلون وتفعلون، فما الذي جاء بكم؟!

إن كان ذلكم الجوع أطعمناكم، وإن كان العري كسيناكم، وإن كان الظلم أمّرنا عليكم ملكاً عادلاً، فقالوا له: أيها الملك، قد كان فينا مثل ما تقول وأعظم، ولكن الله بعث فينا نبياً هو محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته، وأنزل عليه الهدى والنور المبين، فاتبعناه وآمنا به، فابتعثنا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ لنخرج العباد من عبودية العباد إلى عبودية الله وحده لا شريك له، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.. لأن السعة والسعادة والطمأنينة لا تكون إلا بالإيمان بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فمن أول لحظة أنزل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فيها إبليس وأبانا آدم عليه السلام قال: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى) [طه:١٢٣] فهذه تكفل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بها: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً) [طه:١٢٤-١٢٥] وذلك لأن الأصل أن الإنسان يحشر يوم القيامة مثلما كان في الدنيا ولذلك فإنه هنا يقول: أنا لم أكن أعمى حتى تحشرني يوم القيامة أعمى: (قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى) [طه:١٢٦] أي: بسبب أنك تعاليت عن كتاب الله وتعاليت عن سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعن اتباع أمر الله؛ فاليوم تحشر أعمى.

الإيمان والرخاء والأمن

ونأخذ الموضوع من زاوية أخرى، كيف كانت حياة المسلمين؟

كيف كان المجتمع المسلم يعيش؟

لم يوجد في الدنيا كلها مجتمع يتمتع بالطمأنينة والرخاء والأمن مثل المجتمع المسلم الذي كان يقيم كتاب الله وسنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ففي أيام عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، فاض المال حتى كانت الزكاة يدور بها الجباة في الأرض، فلا يجدون من يأخذها! ولا أحد يأخذها، حتى لو كان أحدهم قليل المال، فلديه من القناعة القلبية ما يغنيه، فلا تنافس ولا تهالك بينهم على الدنيا!! على عكس ما آل إليه المسلمون بعد ذلك، يريدون أن يأخذوا المال من أي مصدر كان، سواء كان حلالاً أم حراماً، وهكذا كان الوضع من الناحية الأمنية، حيث كان الأمن في ذلك الوقت شيء لا يمكن أن يتصور، مع أنهم كانوا يملكون مساحات واسعة جداً: الصين كانت قد خضعت للمسلمين والهند والأندلس وجنوب فرنسا ، وليس هناك وسائل للاتصال إلا الدواب، والنقل عن طريقها، ومع ذلك تمتعت بأمن لم يكن له أي نظير في تاريخ الإنسانية.

الإيمان وامتثال الأوامر

  • النهي عن شرب الخمر

ولنأخذ مثالاً على ذلك، لما بعث صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان العرب يشربون الخمر، وبقي الأمر كذلك إلى أول الإسلام، ونزل الأمر بتحريمها تدريجياً، ولما نزل الأمر الصريح (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) [المائدة:٩١] قالوا: انتهينا انتهينا، ولما نادى المنادي في المدينة: إن الله تعالى قد حرم الخمر، ماذا حصل؟!

أريقت الخمور في جميع أنحاء المدينة حتى جرت في الشوارع والأزقة كالأنهار!! بلا تفتيش ولا لجنة ولا هيئة ولا شيء من هذا القبيل!! لأن الإيمان بالله عز وجل قد ثبت في قلوبهم؛ وعندما كان يوجد هناك احتمال أنها حلال أو حرام، كانت موجودة طبيعياً وعفوياًَ، لكن عندما أصبحت حراماً، قالوا: انتهينا انتهينا يا رب العالمين، فأراقوها وتخلصوا من أذاها؛ فهل هذا العمل هين على النفوس؟!

وهل هذا هين على إنسان يدمن الخمر أن يترك الخمر؟!

مع الإيمان لا يوجد شيء اسمه إدمان، ولا يوجد شيء اسمه مستحيل، فمع الإيمان بالله عز وجل رفضت الخمر وأريقت، وصحت القلوب، وصحت العقول من الخمر، لماذا؟

لأن القلوب عامرة بالإيمان بالله عز جل، فهي مستعدة لتنفيذ أمر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

  • الأمر بالحجاب

ومثال آخر في المجتمع المسلم، حيث كان في أول الإسلام يمشي الرجال والنساء ويعرف بعضهم بعضاً، ويرى الرجل المرأة فيعرف أنها فلانة بنت فلان، ولم يكن قد نزل الحجاب، فلما أن أنزل الله الأمر بالحجاب التزم المسلمون بذلك من أول لحظة، حتى كان الإنسان ينظر إلى النساء وهن كالغربان، لا يرى فيهن أي شيء ظاهر على الإطلاق، فهل من السهل أن الإنسان يحجب زوجته إذا كانت طول حياته كاشفة؟!

ثم يمنع الذي ليس محرماً لها، مثل ابن العم وابن الخال وكل من ليس بمحرم لها أن يراها، هذه عملية صعبة جداً، وكل من عاناها يعرف صعوبتها، لكن مع الإيمان ليس هناك صعب، وليس هناك مستحيل.

بالإيمان تتحقق الاستقامة للفرد والأمة

بلا إيمان لا يمكن أن يستقيم الإنسان -لا فرداً ولا أمة- ولا يمكن أن يكون الإنسان إنساناً حقيقياً أبداً إلا إذا كان مؤمناً بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، مطبقاً لما جاء عن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحذافيره، فيترقى في درجات الخير وفي الرقي وفي الكرامة وفي العزة، بقدر ما يترقى في الاجتهاد لتطبيق هذا الدين في نفسه وفي مجتمعه وفي أمته، فرداً كان أو أمة لا يختلف الحال، هذا هو الأساس الذي لابد أن يدور عليه صلاح الأمم جميعاً.

المصدر

محاضرة بعنوان: “حاجتنا إلى الإيمان” لفضيلة الشيخ د. سفر بن عبدالرحمن الحوالي .

     اقرأ أيضا