‏إظهار الرسائل ذات التسميات ياسين أقطاي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ياسين أقطاي. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 21 أغسطس 2026

فرضنا كلمتنا على الأوصياء.. تركيا تغيرت وعلى الجميع أن يفهم

فرضنا كلمتنا على الأوصياء.. تركيا تغيرت وعلى الجميع أن يفهم

ياسين أقطاي
أكاديمي وسياسي وكاتب تركي.

قد لا يكون من دواعي البهجة كثيرا أن نذكّر بهذه الحقيقة ونحن في غمرة الاحتفال بالذكرى الخامسة والعشرين، لكن لنبدأ بها حديثنا ثم نعود فنجمع أطرافه: للحركات السياسية -شأنها شأن البشر- أعمار وآجال. فمنها من ينطفئ قبل أن يولد، ومنها من يصل إلى السلطة ثم يغادرها دون أن يترك أثرا، ومنها ما لا يكتفي بالحكم، بل يغير اتجاه المرحلة التي يعيش فيها.

أما حزب العدالة والتنمية، فإنه، بعد 25 عاما باتت اليوم وراءه، يستحق أن يُنظر إليه لا بوصفه مجرد حزب سياسي، بل بوصفه تجربة تاريخية فريدة، طبعت بطابعها ربع القرن الأخير من تاريخ تركيا، بل تستحق أن تُقرأ ضمن منظور تاريخي أطول بكثير.

إن مثل هذه المناسبات السنوية ليست فرصة للاحتفاء بالماضي فحسب، بل هي أيضا مناسبات مهمة للمحاسبة والمراجعة. ذلك أن القيمة الحقيقية للنجاحات لا تتجلى إلا بقدر ما نستطيع أن نفهم التحول الذهني والفكري الذي جعلها ممكنة.

ولعل من أعظم نجاحات حزب العدالة والتنمية ليست تحديدا تلك المشاريع المنجزة التي سنشهد، خلال فعاليات الاحتفال هذه، عروضا كثيرة عنها. صحيح أن مستشفيات المدن، والطرق السريعة، والمطارات، والسيارة المحلية، واكتشافات الغاز الطبيعي، والقفزات التي تحققت في الصناعات الدفاعية، والطائرات المسيرة المسلحة، واستثمارات الطاقة، والأرقام القياسية في الصادرات، كلها إنجازات مهمة، بل بالغة القيمة؛ لأنها تمثل تحقق عالم كان حتى مجرد الحلم به أمرا متعذرا. غير أن هذه الإنجازات جميعا ليست سوى أجزاء من تحول أكبر.

لقد خرجت تركيا من موقع الموضوع في المعادلات التي يرسمها الآخرون، وأصبحت ذاتا فاعلة ترسم معادلاتها بنفسها. وهذا، بطبيعة الحال، ليس مكسبا تحقق بسهولة

أما التغيير الحقيقي، فهو المسافة المهمة التي قطعتها تركيا في سبيل الخروج من نظام الوصاية الذي اعتادته على مدى سنوات طويلة، والتحول إلى دولة، بل إلى أمة، قادرة على اتخاذ قراراتها بنفسها.

إعلان

كان هناك يوما ما بلد اسمه تركيا، كانت المراكز الخارجية تقرر إلى حد كبير أي سلاح يشتري، ومع أي دولة يقيم علاقاته، وكيف يتصرف في كل أزمة. أما اليوم فهناك تركيا تتحرك بعقلها الإستراتيجي الخاص في جغرافيا واسعة تمتد من ليبيا إلى الصومال، ومن قره باغ إلى سوريا، ومن البلقان إلى أفريقيا.

وهذا تحول لا يمكن لأي إنسان عاقل، يتمتع بقدر من الإنصاف والوجدان، أن يقلل من شأنه.

إن توطين الصناعات الدفاعية ليس مجرد تطور تقني، بل هو أحد أكثر المؤشرات الملموسة على الاستقلال السياسي. كما أن الاستثمارات في مجال الطاقة ليست مجرد مشاريع اقتصادية، بل هي شرط من شروط القدرة على إدارة السياسة الخارجية باستقلالية أكبر.

أما الانفتاحات الدبلوماسية فلا تعني مجرد افتتاح سفارات جديدة، وإنما تمثل عودة تركيا إلى التواصل مع فضائها الحضاري، واحتضان هذا الفضاء من جديد، وإعادة تأسيس العلاقات معه.

وفي السنوات الأخيرة، ينبغي أن يُقرأ كل من مشروع طريق التنمية، والانفتاح على أفريقيا، والتوازنات الجديدة التي أُنشئت في القوقاز، وأخيرا اتفاق مكة للدفاع المشترك الموقع بين تركيا والمملكة العربية السعودية وباكستان، بوصفه استمرارا للخط الإستراتيجي نفسه.

وتدل هذه التطورات على أن تركيا قد بلغت من القدرة ما يمكنها ليس فقط من صياغة أمنها الخاص، بل كذلك الإسهام في تشكيل البنية الإقليمية للأمن.

والواقع أنه يمكن تلخيص الـ25 سنة الماضية كلها في جملة واحدة: لقد خرجت تركيا من موقع الموضوع في المعادلات التي يرسمها الآخرون، وأصبحت ذاتا فاعلة ترسم معادلاتها بنفسها. وهذا، بطبيعة الحال، ليس مكسبا تحقق بسهولة.

إن النضال الذي تم خوضه ليلة 15 يوليو/تموز، والحزم الذي أُبدي في مكافحة الإرهاب، ودبلوماسية الطاقة التي أُديرت في شرق المتوسط، والدعم الذي قُدم لأذربيجان في قره باغ، والحزام الأمني الذي أُنشئ في سوريا، والقدرة التي وصلت إليها تركيا اليوم لتكون في قلب محاور التعاون الإقليمي، ليست سوى محطات مختلفة في المسيرة التاريخية ذاتها.

ولهذا ينبغي قراءة ربع القرن الأول من عمر حزب العدالة والتنمية، في جوهره، بوصفه إعادة بناء قدرة الدولة المستقلة. إعادة بناء كانت ثمرة قيادة قوية، وكادر متمرس تحرك بانسجام مع هذه القيادة.

ولا شك أن أكبر ميزة أتاحت لحزب العدالة والتنمية تحقيق هذا الأداء الذي لا يمكن التعبير عنه إلا بكلمة "ثورة"، كانت القيادة القوية التي تجسدت في شخص رجب طيب أردوغان.

الشيء الذي كان حزب العدالة والتنمية يستهدفه عندما انطلق في مسيرته لم يكن مجرد بناء مؤسسات قوية، بل كان أيضا بناء مجتمع قوي وعادل وأخلاقي وهذا هو العبء الأهم

غير أنه، بعد 25 عاما، وإذا كانت الثورة في الشطر الثاني من اسم "حزب العدالة والتنمية"، أي في مجال "التنمية"، حقيقة لا جدال فيها، فإن السؤال الأكثر إلحاحا أمامنا اليوم هو: إلى أي مدى تحققت الثورة في الشطر الأول من الاسم، أي في مجال "العدالة"؛ سواء من حيث العدالة الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية؟

وسيكون هذا هو العبء الأهم الذي ستتحمله رسالة حزب العدالة والتنمية في السنوات الـ25 المقبلة.

إعلان

والأسئلة التي يضعها هذا العبء أمامنا تعيدنا، في الحقيقة، إلى السؤال الأول الذي انطلقت منه علاقة التيارات الدينية بالسياسة في تركيا: هل كان ينبغي أن نسعى أولا إلى الوصول إلى مجتمع صالح وعادل ثم نعمل على تنميته، أم كان ينبغي أن نصل أولا إلى مجتمع متقدم ومزدهر ثم نعمل على إصلاحه وجعله أفضل؟

لقد انجرف أناس "صالحون" مع تيار السياسة، فوصلوا بطريقة ما إلى مجتمع متقدم ومزدهر؛ لكن الخيرات والفضائل التي أُجلت تحت ضغط أولويات عملية التنمية أوصلتنا إلى مكان مختلف تماما. وبالطبع، ليس مكانا بعيدا إلى حد يستحيل معه الرجوع عن نقاط الانحراف، ولا هو مرحلة يتعذر فيها أي إصلاح أو تحسين؛ لكن من الواضح أيضا أن المهمة باتت أكثر صعوبة.

ومن المؤكد أن قوة الدولة وتنمية المجتمع لا تؤديان بالضرورة إلى تحقق العدالة. يمكن شق الطرق، وإنشاء المصانع وتحديث الجيوش، ويمكن للاقتصاد أن ينمو. لكن كل ذلك، بمفرده، لا يكفي لإقامة مجتمع قوي وعادل.

فالشيء الذي كان حزب العدالة والتنمية يستهدفه عندما انطلق في مسيرته لم يكن مجرد بناء مؤسسات قوية، بل كان أيضا بناء مجتمع قوي وعادل وأخلاقي. ولعل أهم سؤال في المرحلة المقبلة يواجهنا تحديدا عند هذه النقطة:

لقد كان أعظم إنجاز في السنوات الـ25 الأولى هو أن تصبح تركيا من جديد دولة قادرة على الوقوف على قدميها والاعتماد على نفسها. أما نجاح ربع القرن الثاني فلن يُقاس فقط ببناء دولة أكثر قوة، بل بمدى القدرة على بناء مجتمع أكثر قوة، وأسرة أكثر تماسكا، وشباب أكثر ثقة بأنفسهم، وطرح دعوى حضارية تحررت بالكامل من بقايا الذهنية الاستعمارية.

ذلك أن إنهاض الدولة كان أمرا صعبا، لكن إنهاض الإنسان أصعب منه.

ولعل القضية الحقيقية للسنوات الـ25 المقبلة تكمن تحديدا هنا.



السبت، 8 أغسطس 2026

لا توجد حرب أهلية في السودان، بل محاولة احتلال بالوكالة تستهدف البلاد

 لا توجد حرب أهلية في السودان، بل محاولة احتلال بالوكالة تستهدف البلاد





ياسين أقطاي 

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم

- يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

قد تكون الإبادة الجماعية التي تواصل إسرائيل ارتكابها بشكل ممنهج في غزة رغم وقف إطلاق النار، وإرهابها الهمجي الذي يمارسه مغتصبو الأراضي في الضفة الغربية، إلى جانب هجماتها المتكررة على إيران ولبنان، فضلاً عن التطورات التي ظهرت خلال الأيام الأخيرة في اليمن وليبيا، قد دفعت المأساة الإنسانية المتواصلة في السودان منذ نحو 3 سنوات إلى خارج دائرة الاهتمام. 

لكن ما يحدث في السودان ليس منفصلاً عن كل هذه الأحداث. فالهدف مرة أخرى هو المضي خطوة إضافية في مخطط الاحتلال والنفوذ الصهيوني، لكن النتيجة، كما جرت العادة، هي نشوء مقاومة أيضاً.

تُظهر الأخبار الواردة من السودان، يوماً بعد يوم، وبصورة أكثر وضوحاً، أن الحرب الدائرة في البلاد لا تقتصر على صراع على السلطة يجري في الجبهات العسكرية. 

ووفقاً لتصريحات السلطات السودانية، يُحتجز نحو 6 آلاف شخص في السجون التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع في الفاشر. 

كما أفادت منظمة «أنقذوا الأطفال» بأن أكثر من 5 آلاف طفل نزحوا مجدداً خلال فترة زمنية قصيرة.

وتُظهر هذه الأخبار أن الكارثة الإنسانية التي يشهدها السودان ليست مجرد نتيجة جانبية حتمية للحرب، بل تثبت وجود واقعة احتلال تتمثل في تهجير المدنيين واحتجازهم ونهب المدن وتفكيك النسيج الاجتماعي.

لقد قلنا منذ البداية إن الاستمرار في وصف الحرب في السودان بأنها «حرب أهلية تدور بين طرفين متساويين» يتجاهل الحقيقة السياسية والقانونية على حد سواء. 

فهذا التعريف ينتج تماثلاً مضللاً يضع الدولة الشرعية، والهيكل المسلح الذي يسعى إلى إسقاطها، والتدخل الخارجي الذي يقف وراء هذا الهيكل، ومحاولة الاحتلال، في المستوى نفسه.

لا يوجد في السودان طرفان شرعيان متكافئان. 

فمن جهة، هناك الدولة السودانية وقواتها المسلحة، المعترف بهما بموجب القانون الدولي رغم كل أوجه القصور ونقاط الضعف والأخطاء التي ارتُكبت في الماضي. 

ومن جهة أخرى، هناك قوات الدعم السريع، التي لم تتحمل يوماً مسؤولية إقامة دولة، ونمت عبر اقتصاد الحرب، وحولت النهب إلى وسيلة للتمويل، وتحافظ على قدراتها العسكرية بفضل الدعم الخارجي.

وبالتالي، فإن ما يحدث في السودان ليس صراعاً داخلياً عادياً ناتجاً عن عجز جيشين عن تقاسم السلطة. بل هو معركة من أجل بقاء الدولة الشرعية للمجتمع في مواجهة هيكل شبه عسكري مدعوم من الخارج، يتجه إلى نهب موارد البلاد ومدنها ومؤسساتها.

إن قول وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن الحرب في السودان تحولت إلى صراع بالوكالة بين دول مختلفة، أمر مهم باعتباره اعترافاً بحقيقة الوضع. لكن تعريف «حرب الوكالة» يؤدي أيضاً إلى إظهار الأطراف الخارجية وكأنها أصحاب مصالح متكافئة، بما يفضي إلى طمس علاقات المسؤولية عن الحرب.

المسألة الأساسية في السودان ليست مجرد مواجهة بين قوى إقليمية مختلفة. إنها محاولة لإسقاط دولة شرعية من الداخل، عبر هيكل مسلح مدعوم من الخارج. 

ولذلك، وبينما ينبغي الاعتراف بالبعد المتعلق بحرب الوكالة، يجب أيضاً التحدث بوضوح عن الجهة التي تدعم كل هيكل مسلح، والأهداف التي تقف وراء ذلك، حتى نصل في نهاية المطاف إلى الجناة الفعليين، وليس مجرد المشتبه بهم المعتادين.

إن سجل قوات الدعم السريع حتى اليوم يُظهر بوضوح أنها لا تحمل هدف إقامة دولة أو إدارة المجتمع. 

فالمجازر المرتكبة بحق المدنيين في دارفور، والاتهامات بارتكاب جرائم تطهير عرقي، والعنف الجنسي الممنهج، واستخدام الأطفال في النزاعات المسلحة، والتهجير القسري، ونهب الممتلكات الخاصة والمؤسسات العامة، كلها تكشف طبيعة هذا الهيكل.

والسجون التي يُحتجز فيها آلاف الأشخاص في الفاشر جزء من هذا المشهد. فإذا كان هيكل مسلح ينتج الخوف والنهب والاعتقال التعسفي بدلاً من القانون والخدمات العامة والأمن في المناطق التي يسيطر عليها، فلا يمكن القول إنه يمثل بديلاً للدولة. 

إن هذا، في أحسن الأحوال، محاولة احتلال بالوكالة.

وتتهم الحكومة السودانية الإمارات العربية المتحدة منذ فترة طويلة بتقديم دعم عسكري ومالي ولوجستي لقوات الدعم السريع. كما أن تقارير المنظمات الدولية والتحقيقات الإعلامية والنقاشات التي تجري في عدد من الدول تجعل الادعاءات المتعلقة بهذا الدعم أكثر وضوحاً يوماً بعد يوم. في المقابل، تنفي حكومة أبوظبي هذه الاتهامات.

غير أن دور الإمارات في السودان لا يمكن تناوله بمعزل عن مناطق الأزمات الأخرى في العالم الإسلامي. 

فعند النظر مجتمعة إلى الدعم المقدم لخليفة حفتر في ليبيا، وإضعاف الحكومة المركزية في اليمن بما يعزز الهياكل الانفصالية، وشبكة النفوذ التي أُقيمت عبر الموانئ والقواعد العسكرية في القرن الإفريقي، والسياسات المتماشية مع أولويات إسرائيل الأمنية بشأن غزة، والادعاءات المتعلقة بالدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع في السودان، يظهر أمامنا مسار استراتيجي أوسع من مجرد أحداث منفردة.

والنتيجة المشتركة لهذا المسار هي إضعاف الدول القوية والمستقلة والقائمة على شرعيتها المجتمعية في العالم الإسلامي، وظهور هياكل مسلحة مجزأة ومتعارضة تعتمد على الدعم الخارجي بدلاً منها.

وإسرائيل واحدة من أبرز المستفيدين من مثل هذا النظام الإقليمي. إذ إن مفهوم إسرائيل للأمن على المدى الطويل يقوم على وجود هياكل محيطة بها منشغلة بصراعات داخلية، ومجزأة، ومنفتحة على التدخل الخارجي، وليس دولاً قوية ومستقلة.

ويُعد السودان إحدى الحلقات المهمة في هذا المشهد الاستراتيجي. 

فسواحله الطويلة المطلة على البحر الأحمر، وموقعه بين إفريقيا والعالم العربي، وقدراته الزراعية، وموارده الطبيعية، وفي مقدمتها الذهب، وعمقه الجيوسياسي، تضع البلاد في قلب التنافس الإقليمي.

 ومن شأن بقاء السودان دولة قوية أن يمتلك قدرة على التأثير مباشرة في موازين القوى في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

ولهذا، فإن الصراع الدائر في البلاد لا يتعلق فقط بمن سيتولى السلطة في الخرطوم. بل يتعلق بما إذا كانت الدولة السودانية ستتمكن من الحفاظ على وجودها ووحدة أراضيها وسيادتها أم لا.

ولا يمكن البحث عن حل في السودان من خلال صيغ هجينة تخفض الدولة إلى مستوى أحد الفصائل المسلحة. 

فالحل الدائم لا يمكن أن يتحقق إلا بإعادة إرساء سلطة الدولة، ووقف الدعم العسكري الخارجي، وإخضاع جميع الهياكل المسلحة للمؤسسات الشرعية للدولة، وإنشاء مسار يمكّن الشعب السوداني من امتلاك زمام مستقبله السياسي.

الخميس، 23 يوليو 2026

في ظل رسم مسارات جديدة لهجرة العقول.. ماذا ينبغي لتركيا أن تفعل؟

 في ظل رسم مسارات جديدة لهجرة العقول.. ماذا ينبغي لتركيا أن تفعل؟

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم


 - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

بدا الخبر الذي نشرته وكالة "رويترز" قبل أيام، للوهلة الأولى، وكأنه مجرد تعديل تقني يتعلق بسياسات الهجرة في الولايات المتحدة. لكن عند قراءته بعناية، يتبين أنه ينذر بتحول ذهني تاريخي يهدد أهم رصيد أسهم في بناء التفوق العالمي للولايات المتحدة.

فما جعل الولايات المتحدة ما هي عليه اليوم لا يقتصر على حجمها الاقتصادي أو قوتها العسكرية أو تفوقها التكنولوجي. فالدافع الحقيقي الكامن وراء كل ذلك هو قدرتها، على مدى نحو قرن، على استقطاب ألمع العقول من مختلف أنحاء العالم. 

لقد استند التفوق العالمي للولايات المتحدة بدرجة كبيرة إلى مواردها البشرية، لا إلى مواردها الطبيعية. 

فمن العلماء الفارين من أوروبا، إلى أنجح المهندسين في آسيا، ومن الباحثين اللامعين في الشرق الأوسط، إلى الشباب الواعدين في إفريقيا، لم يقتصر دور ملايين الأشخاص على تلقي التعليم في الولايات المتحدة، بل شاركوا أيضاً في بناء قوتها.

ومن المستحيل تقريباً، عند التجول في أروقة أفضل جامعات العالم، من هارفارد إلى ستانفورد، ومن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) إلى بيركلي، ألا يشعر المرء بأن العالم كله حاضر هناك، وأن الولايات المتحدة هي مركزه. 

ففي المختبرات يعمل باحثون من عشرات الجنسيات معاً، وفي القاعات الدراسية يجلس طلاب من عشرات الدول المختلفة. وهذا التنوع ليس مجرد ثراء ثقافي، بل يعد أيضاً أحد أهم مصادر الإبداع العلمي.

وبحسب التعديلات الأخيرة التي أوردتها "رويترز"، يجري فرض قيود كبيرة على مدة تأشيرات الطلاب الأجانب، والباحثين المشاركين في برامج التبادل، والصحفيين الأجانب. 

فستصبح مدة تأشيرة الطلاب الدوليين بحد أقصى أربع سنوات، كما ستُخفض المهلة الممنوحة لهم للبقاء في البلاد بعد التخرج والعثور على عمل من 60 يوماً إلى 30 يوماً. 

كذلك ستصبح عملية الانتقال بين الجامعات أكثر صعوبة، بل إن تغيير طلاب الدراسات العليا لمسارهم الأكاديمي سيخضع أيضاً لقيود مشددة.

وتبرر هذه التعديلات بالزيادة في أعداد الطلاب والمشاركين في برامج التبادل القادمين إلى الولايات المتحدة. ففي عام 2024 تجاوز عدد الطلاب الدوليين الذين دخلوا الولايات المتحدة 1.8 مليون طالب، كما مُنحت في العام نفسه أكثر من نصف مليون تأشيرة للمشاركين في برامج التبادل، وأكثر من 37 ألف تأشيرة للصحفيين الأجانب. وتنظر واشنطن إلى هذه الأعداد باعتبارها عبئاً يصعب ضبطه.

غير أن تحول هذه الأرقام، التي تعكس في الحقيقة مصدر القوة الحقيقي للولايات المتحدة، إلى مصدر قلق بالنسبة للإدارة الأمريكية، لا يبشر بالخير لمستقبل البلاد.

فهذا الأشخاص ليسوا عبئاً على الولايات المتحدة، بل هم استثمار في مستقبلها. فجزء كبير من أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، وجوائز نوبل، وبراءات الاختراع، والإنجازات العلمية، يقف وراءه مهاجرون أو طلاب دوليون. 

ويمكن القول إن نموذج "استيراد العقول" الذي اعتمدته الولايات المتحدة هو ربما أنجح استراتيجية تنموية عرفها التاريخ.

ولهذا، قد تحقق هذه القرارات مكاسب على المدى القصير في السياسة الداخلية، لكنها تحمل على المدى البعيد خطر تقويض الجاذبية العالمية للولايات المتحدة. فالعالم أو الطالب لا يبحث فقط عن راتب أو منحة دراسية، بل يبحث أيضاً عن الثقة، وإمكانية التنبؤ بالمستقبل، والحرية، وأفق واضح للحياة. 

أما النظام الذي قد يحول الشخص في أي لحظة إلى فرد غير مرغوب فيه، فسيصبح أقل جاذبية تدريجياً بالنسبة لألمع شباب العالم.

وفي هذا تحديداً تكمن طبيعة المرحلة الجديدة، إذ بدأت تلوح فرص جديدة أمام بقية دول العالم. 

وفي الواقع، شهدت تركيا خلال السنوات الأخيرة تحولاً هادئاً لكنه مهم في هذا المجال. فعدد الطلاب الدوليين الذين يدرسون اليوم في الجامعات التركية بلغ نحو 380 ألف طالب. 

ويختار شباب من رقعة جغرافية واسعة تمتد من إفريقيا إلى آسيا الوسطى، ومن البلقان إلى الشرق الأوسط، تركيا وجهة للدراسة. 

كما يتزايد عدد الأكاديميين الأجانب عاماً بعد آخر. وبفضل برامج "إيراسموس"، و"مولانا"، والاتفاقيات الثنائية، ومشاريع البحث المشتركة، أصبحت الجامعات التركية لاعباً أكثر حضوراً في حركة التنقل الأكاديمي الدولية.

ولا يمكن إدراك القيمة الحقيقية لهذا التحول ونتائجه إلا عند النزول إلى الميدان.

فعند التجول، ولا سيما في سوريا التي تمر بمرحلة إعادة البناء، أو في بنغلاديش، أو أفغانستان، أو السودان، أو العديد من الدول الأخرى، يمكن أن تلتقي في كل مكان بشباب تلقوا تعليمهم في الجامعات التركية. فمنهم من أصبح أستاذاً جامعياً، ومنهم من يعمل في مؤسسات الدولة، أو يدير منظمات مجتمع مدني، أو يعمل صحفياً، أو رائد أعمال، أو سياسياً. وما يجمعهم جميعاً هو أنهم لا ينظرون إلى تركيا بوصفها مجرد بلد درسوا فيه، بل يعتبرونها وطنهم الثاني.

وهل هناك قوة ناعمة أكثر تأثيراً من ذلك؟

فاليوم لم يعد تصدير التعليم مجرد قطاع يدر العملات الأجنبية، بل أصبح أيضاً تصديراً للثقافة، واللغة، والثقة، والنفوذ. فكل طالب دولي يتخرج في تركيا، ثم يعود إلى بلده، يتحول إلى جسر حي يربط بين تركيا ومجتمعه. وتتطور التجارة، وتتوطد العلاقات الدبلوماسية، وتتوسع أوجه التعاون الأكاديمي، ويتعمق التفاعل الثقافي. فكثيراً ما تحدد الصداقات التي تُبنى على مقاعد الجامعات مستقبل الدول أكثر مما تفعله أنظمة التسليح الكبرى.

ولهذا تقف أمام تركيا فرصة تاريخية.

فانكفاء الولايات المتحدة المتزايد على نفسها، وتردد أوروبا في التعامل مع قضية الهجرة، وبحث الحركة الأكاديمية العالمية عن مراكز جديدة، كلها عوامل توفر فرصة مهمة لتركيا. لكن الاستفادة من هذه الفرصة لا تقتصر على زيادة أعداد الطلاب.

وقبل كل شيء، ينبغي أن تبذل جامعاتنا جهداً لامتلاك رؤية جامعية متماسكة، وفلسفة واضحة، وإدارة سليمة.

وثانياً، ينبغي تطوير البيئات التي تستضيف هؤلاء الطلاب وتوفر لهم التعليم بالشكل المناسب. ومن أجل ذلك، علينا التخلي عن النظر إلى مفهوم "الطالب الأجنبي" من زاوية الهجرة والأمن فقط. فجزء كبير من الشباب الذين يأتون إلى جامعاتنا سيكونون في المستقبل وزراء، وسفراء، وعلماء، ورجال أعمال، وقادة رأي. وينبغي أن ننظر إليهم لا باعتبارهم ضيوفاً مؤقتين، بل شركاء استراتيجيين لتركيا على المدى الطويل.

وثالثاً، يجب تطوير إجراءات جديدة أكثر ملاءمة للطلاب والأكاديميين الدوليين، بدءاً من إدارة الهجرة، مروراً بالبلديات، ووصولاً إلى الجامعات والحياة في المدن. وينبغي تسهيل إجراءات الإقامة، وتقليص العوائق البيروقراطية، وإنشاء آليات تدعم الاندماج الاجتماعي في المدن، ومعالجة مشكلات السكن والعمل بوتيرة أسرع. كما يجب أن تتحول المدن التي تحتضن جامعاتنا إلى بيئات يشعر فيها الطلاب الدوليون بالأمان، والتقدير، والانتماء.

ولا ينبغي أن تكتفي تركيا اليوم بكونها بلداً يستقبل الطلاب، بل يجب أن تصبح مركز جذب للعقول من مختلف أنحاء العالم.

ففي القرن الحادي والعشرين، لم تعد المنافسة الحقيقية بين الدول تقوم فقط على رأس المال أو مصادر الطاقة، بل على رأس المال البشري. فالدول القادرة على استقطاب ألمع العقول ستكون هي التي سترسم ملامح التكنولوجيا، والاقتصاد، والسياسة في المستقبل.

لقد نجحت الولايات المتحدة في ذلك طوال سنوات طويلة، وكانت مدينة بجزء كبير من زعامتها العالمية لهذه السياسة. وإذا كانت تتبع اليوم سياسات من شأنها إضعاف هذه الميزة، فإن ذلك لا يمثل خسارة للولايات المتحدة وحدها، بل يشكل أيضاً فرصة تاريخية لدول صاعدة مثل تركيا.

فضلاً عن ذلك، فإن العمق التاريخي والعلمي والثقافي والروحي الذي تتمتع به تركيا يجعلها أكثر قدرة على بناء هذه العلاقة بصورة أكثر تأثيراً مع فضاءات إنسانية وروحية أوسع بكثير.

 


السبت، 18 يوليو 2026

هل نجرؤ على مواجهة أنفسنا في مرآة التاريخ؟.. كيف تشكلت فكرة تصفية الدولة العثمانية؟

هل نجرؤ على مواجهة أنفسنا في مرآة التاريخ؟.. كيف تشكلت فكرة تصفية الدولة العثمانية؟

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم



بعد الحرب العالمية الأولى، قامت على الأراضي العثمانية التي جرى احتلالها دول عربية «بهيئة عربية»، غير أن جميع هذه الدول أسست هويتها القومية لا على معاداة القوى التي احتلتها فعليًا، بل على معاداة الأتراك. 
ففي حين لم تُبد أي عداء يُذكر للدول التي كانت تحتلها آنذاك، وتستغلها وتضطهدها، اعتبرت الدولة العثمانية – التي عاشت في ظلها أربعة قرون من الأمن والاستقرار – كيانًا أبعد وأشد عداوة.


وهذا التصور لا ينسجم مع حقائق التاريخ، لكنه كان جوهر المحتوى الأيديولوجي للتعليم القومي الذي فُرض عليها: العثمانيون والأتراك، بحسب هذا السرد، كانوا قوة استعمارية احتلالية استقرت في تلك الأراضي مدة أربعمائة عام، ولم تترك وراءها أي إرث يُذكر بالخير.

بطبيعة الحال، لم يكن هذا الخطاب منسجمًا مع الواقع المعيشي اليومي للشعوب العربية، ولا مع ما يمكن أن يقبله وجدانها الجمعي. ولذلك نشأ تناقض واضح بين ذاكرة الشعوب العربية من جهة، وبين ما كانت تُلقَّنه لأبنائها في المدارس، وما يُضخ إليها يوميًا عبر الصحف ووسائل الإعلام الرسمية من جهة أخرى. ويمكن القول إن مسار «الربيع العربي» مثّل، في أحد أبعاده، عملية تخلّص الشعوب العربية من هذه السرديات المفروضة، وعودةً إلى الالتقاء مع الأتراك خارج الأطر الأيديولوجية المصطنعة.

في سوريا
، وبعد الثورة الشعبية، أعلنت الإدارة السورية الجديدة مؤخرًا إلغاء «يوم الشهداء» الذي ظل يُحتفل به رسميًا مدة مئة عام، وعدم إحيائه بعد اليوم. وكان هذا اليوم مخصصًا لإحياء ذكرى المثقفين العرب السوريين واللبنانيين الذين أُعدموا بأمر من جمال باشا في ساحة المرجة بدمشق وساحة البرج في بيروت. ولم يكن هذا الإعلان مجرد إجراء إداري، بل رسالة واضحة بعدم منح أي مشروعية للسردية الكامنة خلف هذا اليوم، وبأن النظرة القومية العربية القديمة تجاه الأتراك لن تكون معتمدة بعد الآن.

إلغاء يوم الشهداء في سوريا: كان هذا هو المتوقع

وسبق أن أُعلن عن تنقية المناهج التعليمية الوطنية السورية من جميع الخطابات والروايات المعادية للأتراك التي كانت سائدة في السابق. 
ولا شك أن هذا يعكس مقاربة ودية من قبل الإدارة السورية الجديدة تجاه تركيا والأتراك. 
غير أن امتناع السوريين عن إثارة سياسات جمال باشا أو ممارسات ضباط جمعية الاتحاد والترقي في سوريا ولبنان، تفاديًا لإشعال فتنة جديدة مع الأتراك، ورغم كونه موقفًا نبيلاً وإيجابيًا، فإنه لا يغيّر من حقائق التاريخ.

فالحقيقة التاريخية هي أن خلق مسافات عاطفية ونفسية غير قابلة للتجسير بين العرب والأتراك كان مشروعًا اتحاديا–طورانيًا ذا طابع ماسوني، بدأ قبل الحرب العالمية الأولى بزمن طويل. 
ومن يعرف لمن تخدم المشاريع في نهاياتها، يدرك حقيقتها من نتائجها.


لقد أسهمت سياسات جمال باشا في سوريا – ولا سيما فرض اللغة التركية قسرًا، واعتماد مركزية صارمة، وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مثقفين وأعيان عرب استنادًا إلى معلومات استخباراتية خاطئة دون تمحيص – في تأجيج النزعة القومية العربية التي كانت تُشعل أصلًا، وبالأدوات ذاتها، كوسيلة لإيقاع الفتنة مع الأتراك.

وبذلك، فإن هذه الممارسات تتحمل النصيب الأكبر من المسؤولية عن نشوء القومية العربية بصيغتها العدائية، وعن أي اتهام بـ«الخيانة العربية». 
ومع ذلك، فإن العداء للعثمانيين وللأتراك لم يجد قاعدة شعبية واسعة كما يُتصور، بل إن دور الضباط العثمانيين في انهيار الدولة يفوق، من حيث التأثير، كل ما يُنسب إلى تلك «الخيانات».


كيف وصلنا إلى فكرة «الأراضي التي ليست منا»؟

سبق أن أشرنا إلى أن محاولات إحداث قطيعة وجدانية وهوياتية بين العرب والأتراك بدأت قبل سياسات جمال باشا بزمن طويل، بل قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى بسنوات. 
وربما يكون من الأدق فهم تلك السياسات باعتبارها حلقات متكاملة في مسار واحد، لفهم كيفية انهيار الدولة العثمانية.

وفي اللحظة التي بدأت فيها اكتشافات النفط، لم تكن الدولة العثمانية كيانًا منهارًا، بل دولة قائمة بمؤسساتها، وإن شابها الضعف.

فكيف حدث التحول الذهني الذي جعلنا ننظر إلى تلك المناطق بوصفها «أراضي ليست منا»؟ 
ولماذا وقع هذا التحول في ذلك التوقيت تحديدًا؟
 لماذا لم تُعتبر تلك الأراضي «غريبة» حين لم يكن فيها نفط، وحين لم تكن بريطانيا وفرنسا قد وضعتا أعينهما عليها، بل حين كانت إدارتها عبئًا أكثر من كونها مكسبًا؟
 أليس في هذا التزامن ما يستدعي التفكير؟



«يجب ألا نترك تصفية الدولة العثمانية للأعداء»… ولكن لماذا؟

في مقالات سابقة، نقلتُ عن فالح رفقي آتاي بعض الشهادات حول النقاشات التي دارت بين الضباط العثمانيين بين عامي 1906 و1908. 
وفي إحدى تلك الشهادات، وردت إشارة إلى علي فؤاد جَبَسوي، الصديق المقرّب لمصطفى كمال، والذي رافقه في تلك النقاشات. 
وفي كتابه «زميلي في الصف أتاتورك: ذكريات المدرسة والشباب العسكري» (إنقلاب وآقا، 1967)، يروي بالتفصيل كيف تبلورت آنذاك فكرة «الانسحاب» إلى حدود تشبه ما عُرف لاحقًا بالميثاق الوطني:

«لقد أُلقيت كل أعباء دولة واسعة المساحة، نصف سكانها ليسوا من الأتراك، على كاهل العنصر التركي، في حين لم تكتفِ الأقليات المسيحية بخدمة مصالحها فحسب، بل سعت أيضًا إلى الاتحاد مع الدول المجاورة من نفس العرق. أما الأتراك والعرب الذين سيبقون، فسيُحوَّلون إلى مستعمرات لدول منفصلة، وستقف العناصر غير التركية إلى جانب الدول المعادية. فهل الأفضل أن نُسحق تحت أنقاض دولة منهارة، أم أن ننسحب إلى حدود قومية ذات أغلبية تركية ونحميها؟ أرى النجاة في الخيار الثاني».


ويخلص جبسوي إلى أن المقصود من كلام مصطفى كمال هو أن تصفية الدولة العثمانية يجب ألا تُترك للأعداء، بل ينبغي أن تتولاها سلطة دستورية قادمة بقرار شجاع. فهذا – في نظره – هو طريق الخلاص.

أما كيفية تنفيذ هذه «التصفية»، فيورد جبَسوي تصور مصطفى كمال على النحو التالي: تبقى تراقيا الشرقية والغربية ضمن الدولة، تُعدَّل حدود أدرنة لصالح بلغاريا، تُمنح أقاليم أخرى وفق مبدأ الأغلبية القومية في مؤتمر يُعقد بإسطنبول، تستقل ألبانيا، يُقسَّم البوسنة والهرسك بين صربيا والنمسا–المجر، تبقى الجزر القريبة من الأناضول ضمن الدولة التركية الجديدة، وتُعطى الجزر الأخرى لليونان، وتشمل الحدود الجنوبية هاتاي وحلب والموصل، بينما تُترك بقية المناطق للعرب، دون تغيير في الشرق والشرق الشمالي للأناضول، مع تبادل الأقليات.


قد يبدو هذا الاقتباس طويلًا، لكنه ضروري لإظهار الحدث التاريخي بكل وضوحه. 
فهل كان «الميثاق الوطني» استجابة اضطرارية، أم ثمرة خطة مدروسة مسبقًا لتصفية الدولة؟ وإذا كانت التصفية لا يجوز تركها للأعداء، فلماذا خيضت حروب دامية ضدهم، وسقط فيها مئات الآلاف من الأتراك؟


كيف نُعيد اليوم قراءة ما كان يُعد خيانة بالأمس؟

كان الضباط الذين ناقشوا تصفية الدولة العثمانية قبل الحرب بسنوات يدركون تمامًا تبعات ما يفعلون. ولم يكن هذا التفكير طبيعيًا آنذاك، كما لا هو طبيعي اليوم. ويواصل جَبَسوي نقله عن مصطفى كمال قائلًا:
«أعلم أن من لا يريدون رؤية المستقبل سيعدّون التنازل عن أراضي الإمبراطورية خيانة، لكن رغم ذلك يجب تحويل هذه الأفكار إلى برنامج يُدافع عنه بقوة».

فكيف نقيّم هذه التصورات اليوم، بمنطق الوطن والواجب والولاء للدولة؟ هل نحن مستعدون لأن ننظر في المرآة، وأن نواجه هيكلنا العظمي كما هو، بلا أقنعة؟

 - يني شفق -

الجمعة، 10 يوليو 2026

بسبب هذه النقطة المضيئة ستنجح ثورة بنغلاديش

 بسبب هذه النقطة المضيئة ستنجح ثورة بنغلاديش


أكاديمي وسياسي وكاتب تركي

بعد نحو عام من زيارتي السابقة، عدت إلى بنغلاديش مرة أخرى. كنت قد زرتها قبل عام بمناسبة الذكرى السنوية لثورة يوليو/تموز، حيث أتيحت لي فرصة ملاحظة الحماس الذي رافق الثورة، واندفاع الشباب، واستعادة المجتمع أنفاسه، والأجواء النفسية التي ولّدها اللقاء الأول بين الحرية وشعب ظل مكبوتا ومقموعا لسنوات طويلة.

وللأمانة، عندما جئت هذا العام لم أستطع أن أمنع نفسي من استحضار صورة مجازية تربط بين الأمطار التي لم تستوقفني كثيرا في العام الماضي، وبين المسار الثوري الذي شهدته بنغلاديش.

ففي الحقيقة، أول ما يستقبل الزائر داكا ليس غالبا حشود الناس، بل المطر. ويعد شهر يوليو/تموز على وجه الخصوص أكثر شهور الأمطار الموسمية "المونسون" غزارة.

والمطر هنا ليس مجرد ظاهرة جوية، بل هو فاعل رئيسي يحدد إيقاع الحياة. فالفصول لا تعرف من صفحات التقويم، بل من لون السماء وشدة الهطول. وقد يبدأ اليوم بحرارة خانقة تحت شمس لاهبة، ثم لا تلبث السماء أن تتغير كليا بعد الظهر حين تتجمع السحب السوداء فجأة. فالناس الذين كانوا قبل دقائق يتصببون عرقا تحت الشمس، يجدون أنفسهم فجأة يبحثون عن مأوى من أمطار المونسون المنهمرة.

وقد حدث الأمر نفسه خلال هذه الزيارة. بقيت السماء صامتة لساعات طويلة دون أي إشارة، ثم أظلم الأفق فجأة، وخلال دقائق معدودة انهمر المطر بغزارة شديدة حتى تحولت بعض الشوارع والأزقة إلى ما يشبه البرك الصغيرة. كانت عربات "الركشة" تحاول التقدم وسط المياه، وأصحاب المتاجر يسارعون إلى حماية بضائعهم، بينما كان الناس يتعاملون مع هذا المشهد كله وكأنه جزء طبيعي من مجرى الحياة اليومية.

للوهلة الأولى تمنح هذه الأمطار شعورا بالفوضى والاضطراب. لكن ما إن تتأمل قليلا حتى تجد نفسك تفكر بأن المجتمع البنغلاديشي يحمل شيئا من طبيعة هذه الأمطار. فهذه الحياة التي تبدو من الخارج معقدة ومبعثرة وصعبة السيطرة، تخفي في داخلها نظاما خاصا بها، وقدرة فريدة على الصمود، وقوة كامنة على التحمل والثبات.
إعلان


ولعل هذا هو السبب الذي يجعل فهم بنغلاديش يبدأ بفهم مطرها. فهذا البلد، شأنه شأن أمطار المونسون المفاجئة، قادر على أن يفاجئ المراقبين بما لا يتوقعونه.

ألم تكن ثورة يوليو/تموز التي جرت أمام أنظار العالم قبل عامين مثالا واضحا على ذلك؟ فالشعب البنغلاديشي الذي أرادت الصور النمطية الاستشراقية أن تقدمه باعتباره مجتمعا شرقيا صامتا، مستسلما لقدره، وسلبيا بطبيعته، نهض فجأة ووضع حدا لدكتاتورية استمرت ستة عشر عاما. وكما فاجأت شجاعة الشباب الذين ملؤوا الشوارع آنذاك كثيرين، فإن المشهد الذي نراه اليوم، بعد عامين من الثورة، يثير بدوره أسئلة جديدة وآمالا عريضة بشأن مستقبل بنغلاديش.

بين وعود ثورة "يوليو/تموز" وواقعها

كان سبب زيارتي هذه المرة المشاركة في افتتاح مجلة "الأمة" ومنصتها الإلكترونية اللتين تصدرهما مؤسسة "أمة فاونديشن". غير أن الإنسان حين يزور بلدا للمرة الثانية أو الثالثة لا يكتفي بالنظر إلى ما يراه، بل يبدأ بملاحظة ما تغير. ففي الزيارة الأولى تشدك المشاهد، أما في الزيارات اللاحقة فإن ما يلفت انتباهك هو اتجاه التغيير.

لم تعد بنغلاديش اليوم مجرد بلد أنجز ثورة، بل أصبحت بلدا يحاول أن يعيش ما بعد الثورة. وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي. فإسقاط الدكتاتورية أسهل بكثير من بناء نظام حر ومستقر.                  

لقد علمتنا تجارب الربيع العربي أن الأمر لا يتوقف عند نجاح الشعوب في إنجاز الثورات، فالفراغات التي تظهر بعدها سرعان ما تملأها بقايا الأنظمة القديمة، أو التدخلات الخارجية، أو صراعات القوى الجديدة.

ويبدو أن الجميع في بنغلاديش اليوم يدركون هذا الخطر.

ولعل هذا ما يفسر أن الثورة هنا ما زالت حاضرة، لا بوصفها ذكرى من الماضي، بل باعتبارها وعيا حيا ومستمرا.

لم تعد بنغلاديش اليوم مجرد بلد أنجز ثورة، بل أصبحت بلدا يحاول أن يعيش ما بعد الثورة. وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي. فإسقاط الدكتاتورية أسهل بكثير من بناء نظام حر ومستقر

الخروج من نظام الخوف

لم يكن النظام الذي أسسته الشيخة حسينة طوال ما يقرب من ستة عشر عاما مجرد سلطة سياسية، بل كان منظومة خوف أحاطت بمؤسسات الدولة كافة.

فقد أصبح قمع المعارضة، وإسكات الصحفيين، وإفراغ الانتخابات من مضمونها، وتسييس القضاء، والاعتقالات التعسفية، وانتشار الفساد، جزءا من الحياة اليومية للبنغلاديشيين على مدى سنوات طويلة. واليوم، وأنت تتجول في شوارع داكا وتتحدث مع الناس، فإن أول ما يلفت انتباهك هو أنهم باتوا أكثر ارتياحا في التعبير عن آرائهم.

قد لا يكون هذا أمرا يمكن قياسه بالأرقام والإحصاءات، لكنه أحد أهم مؤشرات التحول المجتمعي. فعدم خوف الناس من الحديث في السياسة، وقدرتهم على انتقاد الحكومة، وظهور الآراء المختلفة في المجال العام، كلها من أولى ثمار الديمقراطية وأهمها.

لقد تحدثت مع كثير من الشباب. هؤلاء الذين كانوا قبل عامين أبطال الثورة ما زالوا منخرطين في الشأن السياسي. لكنهم لم يعودوا منشغلين بإطلاق الشعارات بقدر ما أصبحوا منشغلين بمناقشة كيفية بناء المؤسسات.

كيف ينبغي صياغة دستور جديد؟ وكيف يمكن ضمان استقلال القضاء؟ وما هي الآليات التي ينبغي إنشاؤها لمنع أي زعيم مستقبلي من احتكار السلطة المطلقة مرة أخرى؟

ورغم أن الصورة أصبحت أوضح مما كانت عليه في العام الماضي، فإن هذه الأسئلة ما زالت تشكل جزءا من النقاش السياسي اليومي في بنغلاديش منذ عامين. وذلك مؤشر واضح على أن الثورة بدأت تدخل مرحلة النضج.


الأجواء السائدة اليوم في البلاد تشير إلى مرحلة بدأت فيها الحماسة الثورية تفسح المجال تدريجيا لمساعي     بناء المؤسسات وترسيخها، من دون أن تفقد المطالبة بالحرية حيويتها أو زخمها                              

المرحلة الجديدة بعد الانتخابات

بعد ثورة يوليو/تموز، تولت الحكومة الانتقالية التي تشكلت بقيادة الحائز جائزة نوبل محمد يونس، مهمة تهيئة البلاد للانتخابات.

وقد دخلت الانتخابات التي أجريت في 12 فبراير/شباط 2026 التاريخ بوصفها أول انتخابات تنافسية حقيقية تشهدها البلاد منذ ما يقرب من عشرين عاما. وكان تشكيل الحكومة الجديدة عقب الانتخابات أولى المراحل الكبرى في ترجمة مطالب التغيير الشعبي إلى مؤسسات النظام السياسي.

وعلى الرغم من أن الشعب البنغلاديشي أنجز ثورته، فإنه لم يختر إعادة بناء الحياة السياسية من الصفر بالكامل. ففي الأجواء التي صاغها التأثير الكبير للشباب الذين كانوا القوة المحركة للثورة، لم يتمكن حزب الجماعة الإسلامية من تحقيق النتائج التي كانت متوقعة له انتخابيا. أما الشخصية التي وصلت إلى السلطة بعد الثورة فقد جاءت من العائلة التي تمثل التقليد السياسي الكبير الآخر في البلاد، وهي عائلة ضياء.

فمرشح الحزب الذي حقق مفاجأة انتخابية بحصوله على أكثر من ثلثي مقاعد البرلمان هو رئيس الوزراء الحالي طارق رحمن، نجل الرئيس الأسبق ومؤسس الحزب القومي البنغلاديشي (BNP) ضياء الرحمن، وكذلك نجل خالدة ضياء التي شغلت منصب رئيسة الوزراء ثلاث مرات وكانت رئيسة للحكومة قبل الشيخة حسينة.

ومن هذه الزاوية، يبدو أن البنية السياسية التي تشكلت في بنغلاديش على مدى عقود حول سلالتين سياسيتين كبيرتين لم تتغير جذريا. فالشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة التي أطاحت بها الثورة، هي بدورها ابنة الشيخ مجيب الرحمن، الزعيم المؤسس للدولة.

ولهذا السبب كثيرا ما يتردد في الأوساط السياسية البنغلاديشية توصيف مفاده أن البلاد ظلت لعقود طويلة محكومة بـ"تنافس عائلتين". فمن جهة تقف الشيخة حسينة وحزب رابطة عوامي ممثلين لعائلة مجيب، ومن الجهة الأخرى تقف خالدة ضياء والحزب القومي البنغلاديشي ممثلين لعائلة ضياء.

أما قصة رئيس الوزراء الحالي طارق رحمن فهي في حد ذاتها قصة منفى وعودة. فبعد مرحلة الوصاية العسكرية التي شهدتها البلاد خلال عامي 2007 و2008، اضطر إلى الإقامة في لندن سنوات طويلة بسبب القضايا التي رفعت ضده. وقد عاش ما يقرب من سبعة عشر عاما في منفى فعلي. وبعد سقوط نظام حسينة أسقطت أو أغلقت نسبة مهمة من تلك القضايا، فعاد إلى بلاده عام 2025، ثم أصبح رئيسا للوزراء بعد الانتخابات التي جرت بعد ذلك بعام واحد.

وعلى الصعيد السياسي، يمثل طارق رحمن امتدادا للتقليد الذي أسسه والده في الحزب القومي البنغلاديشي. فهو يؤكد على الهوية القومية البنغلاديشية، ويتبنى موقفا متحفظا تجاه السياسات الخارجية شديدة الارتهان للهند، ويدعو إلى إقامة علاقات أكثر توازنا مع تركيا وباكستان ودول الخليج والصين والغرب.

كما يدعم اقتصاد السوق الحرة والقطاع الخاص، ويمثل خطا محافظا ذا نزعة قومية لا يستبعد الهوية الدينية من المجال العام، وإن لم يكن خطا إسلاميا بالمعنى الحزبي المباشر.

ويكشف هذا المشهد أن الشعب البنغلاديشي لا يبحث بعد الثورة عن قطيعة جذرية بقدر ما يبحث عن توازن سياسي قادر على الجمع بين الحرية والاستقرار والاستقلال الوطني والتنمية الاقتصادية في آن واحد.

أما الأجواء السائدة اليوم في البلاد فتشير إلى مرحلة بدأت فيها الحماسة الثورية تفسح المجال تدريجيا لمساعي بناء المؤسسات وترسيخها، من دون أن تفقد المطالبة بالحرية حيويتها أو زخمها.

السبت، 4 يوليو 2026

انظروا إلى هذا المرتكب للإبادة الجماعية...

 انظروا إلى هذا المرتكب للإبادة الجماعية...

ياسين أقطاي 

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم

- يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

قررت الحكومة الإسرائيلية، بمبادرة من وزير الخارجية جدعون ساعر، الاعتراف بأحداث عام 1915 على أنها "إبادة جماعية للأرمن". أما مبرر القرار، فهو أشبه ما يكون بنكتة في عرض كوميدي: "المسؤولية التاريخية والأخلاقية".

إسرائيل والأخلاق، والصهيونية والمسؤولية الأخلاقية، ونتنياهو، ومشاعر إنسانية تجاه أناس غير يهود فقدوا حياتهم قبل 111 عامًا بطريقة أو بأخرى.

ماذا يمكن أن نقول؟ في الحقيقة، فإن استخدام سفاح غزة، ومرتكب إبادة جماعية واضحة لا تزال مستمرة حتى اليوم، لهذا الملف بهذه الطريقة، يمكن اعتباره دعمًا كبيرًا لتركيا. 

فإسرائيل، بوصفها دولة ترتكب الإبادة الجماعية، لا تستحق بطبيعة الحال أي شكر أو تقدير، لا في هذا الموضوع ولا في أي موضوع آخر. لكن هذا الموقف العبثي الذي اتخذته في هذه القضية يشبه اعترافًا يكشف كيف استُخدمت مسألة "الإبادة الجماعية للأرمن" حتى الآن أداةً للاستغلال السياسي الدولي. وحتى إن لم يكن ذلك عن قصد أو عن إرادة، فقد قدمت دعمًا كبيرًا لتركيا. ولو كانت هناك محكمة تقبل بها تركيا للنظر في تهمة الإبادة الجماعية، فإن مجرد كون الشاهد ضد تركيا هو إسرائيل سيكون كافيًا لصالح تركيا.

واليوم، فإن إسرائيل هي المسؤولة عن واحدة من أكبر المجازر الجماعية التي تُبث على الهواء مباشرة في تاريخ البشرية.

وأمام أنظار العالم أجمع، ترتكب إسرائيل كل يوم، وكل ساعة، وكل دقيقة، فظائع يُقتل فيها الأطفال، وتُقصف المستشفيات، ويُستهدف الأطباء، ويُباد المعلمون والصحفيون وعمال الإغاثة والنساء وكبار السن بصورة منهجية.

وما ترتكبه اليوم لا يُعرف من خلال أرشيفات ستُفتح بعد مئة عام، ولا يُستخلص من تفسيرات المؤرخين المثيرة للجدل، ولا يقوم على افتراضات، بل يُسجل مباشرة، ويُصور، ويُوثق، ويدخل في تقارير المنظمات الدولية، ويتحول إلى ملفات قضائية.

وفي الوقت الذي يحدث فيه كل ذلك، فإن إقدام حكومة نتنياهو على استخدام ورقة "الإبادة الجماعية للأرمن" ضد تركيا لا يُكوّن رأيًا ضد تركيا، بل يشبه رهينة يتمسك بها القاتل كورقته الأخيرة للهرب. وهذه الرهينة، أي مزاعم الإبادة الجماعية للأرمن، ينبغي إنقاذها من أيدي قتلة مثل إسرائيل.

وفي الحقيقة، ألم يكن هذا هو الوضع الأخلاقي لمزاعم الإبادة الجماعية للأرمن طوال سنوات؟ فجميع الدول التي اعترفت بهذه المزاعم في برلماناتها كانت تحمل في حقائبها الاستعمارية الحديثة عددًا لا يحصى من الجرائم ضد الإنسانية. والغريب أن الدول التي كانت ولا تزال تتحمل المسؤولية الرئيسية عن غياب الديمقراطية في العالم الإسلامي، وعن بقاء الديكتاتوريات الدموية، جعلت من حادثة مضى عليها أكثر من قرن بابًا لتطهير نفسها من جميع خطاياها. 

ولم يكن لدى أي منها ذرة تعاطف أو اهتمام بآلام حدثت قبل مئة عام. بل إن أحدًا لم يكن يعرف على وجه الحقيقة ما الذي جرى آنذاك. لكنهم كانوا يجدون لأنفسهم شعورًا متوهمًا بالتفوق في سرديات تاريخية متخيلة.

إن خطابًا سياسيًا يتجاهل الجرائم التي تُرتكب اليوم أمام أعين العالم، ثم يوزع الدروس الأخلاقية استنادًا إلى أحداث وقعت قبل مئة وأحد عشر عامًا، وقد رحل جميع أطرافها إلى التاريخ، ولم يبق لها شهود، وما زالت النقاشات مستمرة حول ظروف تلك المرحلة، وتبقى مفتوحة لتفسيرات جديدة كلما ظهرت وثائق جديدة، هو خطاب يستهلك في النهاية ثقة الناس بجميع شعارات حقوق الإنسان.

وفي الحقيقة، فإن لهذه التحركات، فضلًا عن كل شيء آخر، جانبًا يمثل إساءة منفصلة إلى الضمير الإنساني المشترك. لأن الذين يلتزمون الصمت أمام جريمة تُرتكب اليوم، ثم يحاولون إعطاء البشرية دروسًا باسم أحداث وقعت قبل 111 عامًا، لا يعززون الشعور بالعدالة، بل يعتدون عليه بصورة أكبر.

واللافت في الأمر أن إسرائيل، التي احتكرت طوال سنوات مفهوم الإبادة الجماعية وقصرته على الهولوكوست الذي تعرض له اليهود، لم تكن مستعدة أصلًا للاعتراف بتعبير "الإبادة الجماعية للأرمن". فلم تأخذ إسرائيل يومًا في الاعتبار مزاعم الإبادة الجماعية، لا للأرمن ولا لأي شعب آخر. لأنها كانت ترى أن هذا الحدث لا يمكن أن يكون قد وقع إلا لأبناء شعبها.

وبعبارة أدق، فإن إسرائيل فضلت الحفاظ على احتكارها حتى للمكاسب السياسية الهائلة التي أنتجتها من مزاعم الإبادة الجماعية. وبهذه الطريقة، كانت تُظهر نفسها وكأنها تقف إلى جانب تركيا في مواجهة جماعات الضغط الأرمنية في الولايات المتحدة، وكانت في المقابل تُحمّل تركيا باستمرار دينًا معنويًا. وهكذا أظهرت أداءً مثيرًا للدهشة في الاستفادة من خطاب الإبادة الجماعية من جميع جوانبه.

كما شعرت تركيا طوال سنوات بأنها مدينة لإسرائيل بسبب هذا الموقف الاحتيالي المخادع. ومع ذلك، كنا نقول دائمًا آنذاك إن الشيء الوحيد الذي ينبغي على تركيا فعله أمام هذه الديون المصطنعة الناتجة عن مثل هذه الأساليب الاحتيالية هو ألا تنخدع بهذه اللعبة، وألا تعترف أصلًا بهذا الدين. نعم، ينبغي كشف هذه الممارسات المخادعة، وفضح النفاق الكامن وراء ما يسمى بالحساسية تجاه الإبادة الجماعية. كما ينبغي باستمرار مواجهتهم بنفاقهم المتمثل في استخراج ديون من قضية أصبحت جزءًا من التاريخ، بينما يلتزمون الصمت تجاه الإبادات الجماعية التي تقع اليوم.

وفي الوقت نفسه، فإن تحويل ما حدث للأرمن إلى دين يُطالب به في الحاضر لا يحل مشكلات الأتراك والأرمن. فما زال الشعبان مضطرين إلى العيش معًا، وإن بقائهما أسيرين للماضي يشكل أكبر عقبة أمام بناء المستقبل معًا.

وفي هذا السياق، أرى أن موقف رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان كان أكثر الردود عقلانية ورقيًا. فعند قراءة تصريحاته بعناية، يتبين أن أرمينيا أيضًا بدأت تدريجيًا تدرك هذا الاستغلال.

فبدلًا من تقديم قرار إسرائيل بوصفه انتصارًا دبلوماسيًا، فضل اتخاذ موقف متحفظ من تحويل القضية الأرمنية إلى أداة في الصراعات الجيوسياسية. وكان موقفه تعبيرًا عن إدراك أن القضية الأرمنية استُخدمت طوال المئة عام الماضية، في معظم الأحيان، من قبل أطراف أخرى أكثر مما استُخدمت من قبل الأرمن أنفسهم.

فتارة كانت في حسابات روسيا، وتارة في حسابات فرنسا، وتارة في حسابات الولايات المتحدة، واليوم في حسابات إسرائيل. وهذا هو الأمر الذي أدركه باشينيان أيضًا؛ وهو تحويل معاناة الشعب الأرمني إلى وسيلة تستخدمها دول أخرى لتصفية حساباتها مع تركيا.

ولا يمكن نقل هذه القضية إلى أرضية ذات معنى إلا إذا نوقشت بين الأتراك والأرمن أنفسهم. وفي الواقع، فإن بعض التصريحات الصادرة من يريفان خلال السنوات الأخيرة تُظهر أن إرادة بناء المستقبل أصبحت أقوى من العيش أسيرًا للتاريخ. 

فليس لدى أي من هذه الدول ذرة تعاطف أو رحمة أو قرب من الشعب الأرمني. ويكفي أن فرنسا أثبتت ذلك عندما دفعت بالأرمن إلى الخطوط الأمامية خلال الحرب العالمية الثانية للعمل في إزالة الألغام. أما الآخرين، فلا داعي حتى للتطرق إليهم.

ومن هذا المنطلق، فإن إسرائيل، بفضل تسببها في صدور هذا الموقف من باشينيان، قد خدمت، من حيث لا تدري ولا تريد، في إظهار الحقيقة إلى العلن.

وبالطبع، لسنا بصدد تقديم الشكر لها.