‏إظهار الرسائل ذات التسميات ياسين أقطاي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ياسين أقطاي. إظهار كافة الرسائل

السبت، 10 أكتوبر 2026

الخصومة العمياء.. لماذا خان ماكس فيبر منهجه عند تفسير الإسلام؟

 الخصومة العمياء.. لماذا خان ماكس فيبر منهجه عند تفسير الإسلام؟

أكاديمي وسياسي وكاتب تركي.


كان كتاب برايان س. تيرنر "ماكس فيبر والإسلام: مقاربة نقدية"، الذي ترجمته إلى التركية قبل سنوات طويلة، يكشف عن واحدة من أكثر المفارقات لفتا للنظر في علم الاجتماع عند فيبر. فقد كان ماكس فيبر أحد رواد منهج "علم الاجتماع التفهمي" الذي أحدث تحولا كبيرا في علم الاجتماع الحديث. وكان يرى أن فهم الفعل الاجتماعي يقتضي الانطلاق من المعاني التي يضفيها الناس أنفسهم على سلوكهم.

غير أن فيبر، عندما يصل إلى الإسلام، يعلق منهجه إلى حد بعيد؛ فلا ينطلق من الطريقة التي يفهم بها المسلمون عالمهم، بل يلجأ إلى القوالب التي ظل الغرب ينتجها عن الإسلام منذ قرون.

تكمن أصالة منهج فيبر في أنه لم يكن يفسر الواقع الاجتماعي باختزاله في جملة من الأسباب الخارجية، بل كان يرى ضرورة الدخول أولا إلى عالم الفاعل الاجتماعي. فعندما كان يدرس السلوك الاقتصادي البروتستانتي المسيحي، كان يأخذ على محمل الجد معتقداته المتعلقة بالقَدَر والخلاص والمهنة والنجاح الدنيوي.

ولم ينظر إلى البروتستانتية باعتبارها مجرد انعكاس للمصالح الطبقية أو الظروف الاقتصادية، بل حاول فهم الكيفية التي يشكل بها الاعتقادُ الديني سلوكَ الإنسان. كما سعى في دراساته للهند والصين واليهودية القديمة إلى النفاذ إلى العوالم المفهومية الخاصة بهذه الأديان.

والسؤال الأساسي الذي يطرحه تيرنر في كتابه هو: لماذا لم يتعامل فيبر مع المسلمين بالسخاء المنهجي نفسه؟

يصور فيبر الإسلام، إلى حد كبير، بوصفه "دين المحاربين". فبحسب تصوره، أعادت مصالح المحاربين العرب تشكيل رسالة النبوة التوحيدية التي ظهرت في مكة.

وفي تفسيره لانتشار الإسلام، تتراجع إلى الخلف معاني الإيمان والأخلاق والبحث عن العدالة وتأسيس أمة جديدة، لتحل محلها دوافع الغنيمة والفتح ومصالح الطبقات المحاربة. وبهذه الطريقة، يجري إقصاء المعاني التي يضفيها المسلمون أنفسهم على أفعالهم، ويضع عالم الاجتماع محلها أسبابا مادية يحددها من الخارج.

الأهم من ذلك أن تصوير فيبر للإسلام يحمل آثار السجالات المسيحية في العصور الوسطى وآثار الاستشراق في القرن التاسع عشر. فالخطاب الدفاعي القديم الذي كان يزعم أن الإسلام انتشر بالعنف والشهوة والخداع يعود عند فيبر في صورة مصطلحات سوسيولوجية

وكما يقول تيرنر، فإن فيبر يقترب، في تفسيراته المتعلقة بالإسلام، اقترابا مدهشا من النموذج التفسيري الحتمي لدى ماركس. ففي تصويره للمجتمعات الإسلامية، تتعاقب مفاهيم مثل "أخلاق المحاربين"، والدولة الأبوية الإرثية (الباتريمونيالية)، والحكم الاعتباطي، وغياب القانون العقلاني، وعدم نشوء المدن المستقلة. ثم ينتهي إلى القول إن المجتمع الإسلامي لم يكن يمتلك القدرة على إنتاج الرأسمالية أو البرجوازية المدينية أو العقلانية القانونية.

لكن هذا السرد لم يبدأ مع فيبر. فالشرق عند هيغل هو فضاء لم تتطور فيه الحرية، ولا يكون فيه حر إلا الحاكم. أما في مفهوم نمط الإنتاج الآسيوي عند ماركس، فالدولة هي المالك الحقيقي للأرض، في حين أن القرى الآسيوية منغلقة على نفسها، راكدة، وتعيد إنتاج الاستبداد.

ومفهوم فيبر عن "الدولة الأبوية الإرثية الشرقية"، وإن استخدم معجما سوسيولوجيا مختلفا، فإنه واصل هذا السرد إلى حد بعيد. وكما يبين تيرنر، فإن تصوير فيبر للمجتمع الإسلامي يشبه آراء ماركس وإنجلز حول المجتمعات الآسيوية أكثر مما يُظن عادة.

والأهم من ذلك أن تصوير فيبر للإسلام يحمل آثار السجالات المسيحية في العصور الوسطى وآثار الاستشراق في القرن التاسع عشر. فالخطاب الدفاعي القديم الذي كان يزعم أن الإسلام انتشر بالعنف والشهوة والخداع يعود عند فيبر في صورة مصطلحات سوسيولوجية.

إذ يقول إن النساء عُدِدن غنائم للمحاربين، وإن العالم الآخر في الإسلام صُور بوصفه جنة حسية للجندي، وإن ميل المسلمين إلى الترف والمظاهر حال دون نشوء تراكم اقتصادي عقلاني. أما التصوف فيراه تدينا جماهيريا عاطفيا لا ينتج أخلاقا دنيوية للمهنة والعمل. ويرى تيرنر أن فقرات فيبر هذه توحي بـ"خصومة شخصية ونفور" أكثر مما تعكس حيادا علميا (ماكس فيبر والإسلام، ص 241-244).

غير أن الواقع التاريخي للإسلام لا يمكن اختزاله في هذا السرد الأحادي. فالإسلام لم يكن دين المحاربين وحدهم، بل كان أيضا دين التجار الحضريين والحرفيين والفقهاء والمتصوفة والفلاحين وفئات اجتماعية شديدة التنوع. وقد خرجت قيادة المجتمع الإسلامي الأول من الوسط التجاري في مكة. كما أن لغة القرآن غنية جدا بمفاهيم البيع والدَين والكسب والميزان والأمانة والعقد.

ويلفت تيرنر النظر إلى وجود أوجه تشابه مهمة بين كتاب محمد بن الحسن الشيباني "كتاب الكسب" والعمل الذي كتبه ريتشارد ستيل حول أخلاق المهنة البروتستانتية. فالعمل والكسب عند الشيباني ليسا مجرد نشاطين مباحين، بل قد يتحولان، ضمن شروط معينة، إلى واجب ديني. وهذا المثال وحده يكشف مدى الانتقائية في تقديم الإسلام بوصفه نقيضا للسلوك الرأسمالي.

ويظهر معيار مزدوج مشابه في تناول فيبر للقانون الإسلامي. فقد جعل من "عدالة القاضي" رمزا للقضاء غير المنضبط والخاضع للأحكام الشخصية والاعتباطية، ورأى أن هذا الغموض القانوني حال دون تطور الرأسمالية.

لكنه يعترف في الوقت نفسه بأن القانون الإنجليزي لم يكن بدوره قانونا عقلانيا منظما من الناحية الشكلية. فإذا كان القانون الذي يصنعه القضاة في إنجلترا لم يمنع تطور الرأسمالية، فلماذا يُعد التعدد القانوني في المجتمعات الإسلامية سببا حتميا للتخلف الاقتصادي؟

المفارقة أن منهج البيروني أكثر وفاء لعلم الاجتماع التفهمي، الذي دافع عنه فيبر نظريا، من دراسات فيبر نفسه حول الإسلام. فبينما يظهر فيبر في دراسته لبعض الأديان الأخرى مؤسسا من مؤسسي علم الاجتماع الحديث، يبدو عند وصوله إلى الإسلام حاملا لأحكام موروثة من هيغل وماركس ومستشرقي القرن التاسع عشر

ويشير تيرنر كذلك إلى أن فيبر لم يدرك بما يكفي الفرق بين الفقهاء والقضاة، ولا الموقف المعارض الذي اتخذه العلماء أحيانا في مواجهة السلطة السياسية، ولا الدور الذي أدته الشريعة في التعبير عن استقلالية سكان المدن في مواجهة الحكم المطلق.

وهنا تظهر المشكلة المنهجية الأساسية. فحين يفسر فيبر معتقدات المسلمين، لا يبحث في المفاهيم التي يستخدمونها هم للتعبير عن إيمانهم. ولا يأخذ في الاعتبار التمييزات التي يقيمها القرآن بين المؤمنين والمنافقين والأعراب والمهاجرين والأنصار، وبين مستويات الالتزام المختلفة.

وبدلا من أن يحاول فهم أسباب انتماء المسلمين إلى الإسلام انطلاقا من أقوالهم وشهاداتهم، يفترض أنهم جميعا اعتنقوه بدافع المصلحة المادية والغنيمة. وهكذا يجري التخلي عن المبدأ الأساسي في علم الاجتماع التفهمي، أي الدخول إلى العالم الذاتي للفاعل الاجتماعي، ويُلبس المسلمون تفسيرا أُنتج من خارج عالمهم.

وهذه النقطة تجعل احتمال تأثر فيبر بالبيروني، بل وربما أخذه بعض أفكاره المنهجية عنه من دون الإشارة إليه، أكثر إثارة للاهتمام. وقد سبق أن طرحنا هذا الاحتمال، لا باعتباره حكما قاطعا بوقوع الانتحال، بل بوصفه سؤالا جديا يستحق البحث.

فقد بيّن البيروني، قبل فيبر بتسعة قرون، الشرط الأساسي لفهم دين آخر ومجتمع آخر: أن تتعلم لغته أولا، وأن تفهم مفاهيمه داخل عالمه الدلالي، وأن تنقل بصورة صحيحة ما يقوله أتباعه عن أنفسهم.

فعندما درس البيروني الهندوسية، لم يسخر من معتقدات الهندوس ولم يختزلها في مقولاته الخاصة؛ بل تعلم السنسكريتية، ورجع إلى نصوصهم، وحاول فهمهم من داخل عالمهم.

والمفارقة أن منهج البيروني أكثر وفاء لعلم الاجتماع التفهمي، الذي دافع عنه فيبر نظريا، من دراسات فيبر نفسه حول الإسلام. فبينما يظهر فيبر في دراسته لبعض الأديان الأخرى مؤسسا من مؤسسي علم الاجتماع الحديث، يبدو عند وصوله إلى الإسلام حاملا لأحكام موروثة من هيغل وماركس ومستشرقي القرن التاسع عشر.

ولا يتعلق الأمر بتجريد فيبر من قيمته العلمية جملة واحدة. وإنما يتعلق بإدراك أن أقوى المناهج في العلوم الاجتماعية لا تحرر أصحابها تلقائيا من تحيزاتهم. إن موقف فيبر من الإسلام يقدم لنا درسا مهما: لا يكفي امتلاك منهج لفهم عوالم الآخرين؛ بل لا بد من امتلاك قدر من الاتساق الأخلاقي والعلمي يسمح لنا بتطبيق هذا المنهج نفسه على المجتمعات التي تتحدى أحكامنا المسبقة أكثر من غيرها.

الأربعاء، 7 أكتوبر 2026

7 أكتوبر... أفق الحرية الذي فتحه شعب بتضحيته بنفسه للإنسانية

 7 أكتوبر... أفق الحرية الذي فتحه شعب بتضحيته بنفسه للإنسانية



ياسين أقطاي
قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم



- يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

اليوم 7 أكتوبر، ذكرى «طوفان الأقصى» بوصفه خروجًا من شأنه أن يغلق عصرًا ويفتح عصرًا آخر. قبل ثلاثة أعوام، في صباح 7 أكتوبر، عندما استيقظ العالم، لم يكن أمامه مجرد عملية تجاوزت جدران إسرائيل التي كان يُعتقد أنها عصية على الاختراق. كان هناك صرخة شعب يهتف في وجه القوة التي تحاول محوه من التاريخ: «أنا هنا!». 

شعب حوصر لسنوات، وانتُزعت أراضيه منه قطعة تلو أخرى، وهُدمت بيوته فوق رؤوسه، وقُتل أطفاله أمام أعين العالم، كانت تلك الصرخة التي أطلقها شعب باتجاه من يحاصرونه قد اخترقت أيضًا الصمت الذي أطبق على العالم بأسره. 

لقد كان حدثًا، مثل ابتسامة إسماعيل الذي جرى تجاهله واستبعاده وإذلاله، يسخر من منظومات القيم كافة التي أطبق بها العالم على نفسه، ومن أنظمة الأمن التي يتفاخر بها، ويكشف أن باطنها فارغ تمامًا.

لنتذكر. قبل «طوفان الأقصى»، كانت القضية الفلسطينية مسألة ينبغي الحديث عنها، لكن يمكن تأجيلها. كانت إدانة الاحتلال الإسرائيلي تصدر، ثم تستمر الحياة من حيث توقفت. 

وبينما كان الناس يموتون في غزة، كان العالم يجد طرقًا للتعوّد على هذه الوفيات. حياة تضيق أكثر كل يوم، وحصار يتسع أكثر، واحتلال يتقدم أكثر؛ كان يُفسَّر كل ذلك بأنه «حقائق المنطقة المعقدة». لقد بدأت البشرية تعتبر الصمت أمام الظلم الذي علت صرخاته نوعًا من التعقل، كما بدأت تعتبر صمت الفلسطينيين نوعًا من السلام.

كان 7 أكتوبر صاعقة سقطت في خضم هذا الاعتياد. كان رفضًا من شعب لأن يعيش منتظرًا الموت. 

كان هناك من يعرفون ما سيكلفه إقدام ذلك الصباح. لكن حسابهم لم يكن الحساب الذي نجريه وفق راحة حياتنا اليومية. 

لقد كانوا، داخل شعب يقتله الحصار قليلًا كل يوم، مستعدين للمخاطرة ليس بالبقاء على قيد الحياة فحسب، بل بالحياة الحرة أيضًا. ولم يدفعوا ثمن نضالهم كي يجعلوا الآخرين يدفعونه، بل دفعوه بوضع حياتهم هم على المحك.

ثم تقدمت إسرائيل بكل قوتها على غزة. وهدمت مدينة حجرًا حجرًا، وشارعًا شارعًا. وقصفت المنازل والمستشفيات والمدارس ودور العبادة؛ وأجبرت الناس على النزوح والجوع والبحث عن أقاربهم تحت الأنقاض. 

وأفادت وزارة الصحة في غزة، في بيان صادر في 4 أكتوبر، بأن أكثر من 74 ألف فلسطيني قتلوا، وأصيب أكثر من 175 ألفًا منذ بداية الهجمات. 

وحتى خلال فترة وقف إطلاق النار، استمرت الوفيات. لا يمكن إدراج أي من هذه الأرقام في حساب نصر. فكل واحد منها اسم إنسان، وضوء منزل، وحياة عائلة لم تكتمل.

كلما ازداد الدمار الذي تعرضت له غزة، تقلص النصر الذي روته إسرائيل للعالم. لأنها لم تجد أمامها شعبًا راكعًا على ركبتيه. 

فبعد كل قائد قتلته، خرج شاب جديد؛ وبعد كل صوت أسكتته، ارتفعت آلاف الأصوات. وما عجزت عن إخضاعه كان إرادة لا تقاس بعدد الأسلحة. 

كان لدى الجيش الإسرائيلي طائرات وقنابل واستخبارات؛ أما غزة، فكان لديها أمهات ينهضن من جديد بعد أن يوارين أبناءهن الثرى، وآباء يقرؤون القرآن عند الأنقاض، وأطفال يقولون «لن نرحل من هنا» حتى وهم جرحى. ولم تكن هاتان القوتان الشيء نفسه على ميزان العالم.

وتسجل البيانات الرسمية الإسرائيلية نفسها التكلفة العسكرية للحرب أيضًا: إذ يعلن الجيش الإسرائيلي مقتل 970 من جنوده وإصابة 6 آلاف و424 جنديًا. لكن خسارة إسرائيل الحقيقية تتجاوز هذه الأرقام بكثير. فقد انهارت أسطورة الأمن التي جرى تلميعها لسنوات. وتحطمت في غضون ساعات صورة الدولة التي ترى كل شيء وتسيطر على كل شيء. ولم تتمكن السنوات الثلاث التالية من إعادة بناء هذه الأسطورة. فكلما عظّمت إسرائيل قوتها، لم تعزز أمنها، بل زادت الغضب؛ وكلما عمقت احتلالها، لم تعزز هيمنتها، بل زادت المقاومة.

وكانت أكبر الخسائر هي الحصانة التي مُنحت لها. فقد غطت إسرائيل احتلالها لعقود بلغة الأمن؛ وتركت كل كلمة تتعلق بفلسطين تحت ظل تهديد بالاتهام، لإسكات المعترضين. وقد بددت صور غزة ذلك الظل. وخرج شباب العالم إلى الساحات؛ ورفعت الجامعات والنقابات والفنانون والأكاديميون والناس العاديون أصواتهم في وجه صمت حكوماتهم. وأصبح العلم الفلسطيني ليس علم فلسطين وحدها، بل علم كل من يعترض على الاستعمار والعنصرية والهيمنة.

أظهرت غزة للبشرية جمعاء من جديد ما هي الحرية. فالحرية ليست مجرد إذن يمنحه الأقوياء. بل هي، على العكس من ذلك، إصرار شعب محاصر، حين يحين الوقت، على أن تكون له كلمة في تقرير مصير حياته، رغم كل الاستحالات. وأحيانًا تكون القدرة على الجلوس فوق أنقاض منزلك وقول «أنا هنا». وأحيانًا أخرى تكون التمسك بأرضك والاستمرار في الضحك، بينما لا يعرض عليك أقوياء العالم سوى الصمت والرحيل.

إن أثقل جوانب هذه الملحمة هو أن ثمنها دُفع بأرواح البشر. وتجاهل ذلك، أو قياس ذلك الثمن من بعيد وطرح سؤال «هل كان الأمر يستحق؟»، كلاهما يعني عدم فهم غزة. فلا يمكن قياس إرادة شعب غزة وفق راحة الشعوب الأخرى. لقد أرادوا، في مكان يأتي فيه الموت إلى أبوابهم كل يوم أصلًا، أن يحددوا بأنفسهم ليس فقط متى سيموتون، بل كيف سيعيشون أيضًا.

بعد ثلاثة أعوام، ما لدينا ليس نصرًا مكتملًا، بل نضال لم ينته بعد. فما زالت إسرائيل تقتل وتهدم وتحاصر. وما زال الشعب الفلسطيني يحزن، ويداوي جراحه، ويحاول العودة إلى أرضه. لكن العالم لم يعد قادرًا على مواصلة طريقه من دون أن يرى وجود هذا الشعب ومطالبته بالحرية.

إن الثغرة التي فتحها «طوفان الأقصى» لم تُغلق؛ بل اتسعت. لقد أظهر شعب، بتضحيته بنفسه، أفقًا جديدًا للبشرية جمعاء. ومهما كان الظلم عظيمًا، فإنه لا يستطيع أن يحاصر رغبة الإنسان في الحرية بالكامل.

وبشكل أكثر تجسيدًا، فقد حدث ما قلناه في بداية مقالنا. لقد انتهى عصر. وبدأت موازين القوى العالمية تُعاد صياغتها تحت تأثير هذه الحروب. وبفعل موجات «طوفان الأقصى»، سقط نظام القمع الذي حكم سوريا لمدة 14 عامًا. وأقيم نظام يستند إلى شعبه. 

واضطرت إيران وحزب الله، للمرة الأولى منذ 40 عامًا، إلى خوض حرب حقيقية مع عدو غير المسلمين، أي مع إسرائيل، وبسبب هذه الحرب شهد وعي أمة المسلمين في العالم تحسنًا. واليوم انهارت الهيمنة الأخلاقية التي تستخدمها الولايات المتحدة وأوروبا على المسلمين وبقية أنحاء العالم إلى أقصى حد. وانكشفت العنصرية والرغبة في الاستغلال الكامنتان تحت الهيمنة التي أقامتها على العالم بأسره باسم حقوق الإنسان. 

واتضح بجلاء أن النظام العالمي الصهيوني، الذي يحمّل العالم بأسره عبئًا من الديون يتعذر سداده ويزداد مع كل ما يدعي أنه إبادة جماعية عاشها، لا يمكن أن يكون مقياسًا ولا مصدرًا لأي قيمة أخلاقية. وفي المقابل، أظهرت غزة، من خلال مظلوميتها، ومن دون أن تنتج عبئًا من الديون على العالم، أن عالمًا آخر، وحياة أخرى، ونمطًا آخر من الوجود، أمور ممكنة.

ولعل أحد مظاهر العصر الجديد الذي فتحته أمواج «طوفان الأقصى» كان تقارب الدول المسلمة من بعضها بعضًا. ولا شك أن تحالف مكة الذي تشكل اليوم يحمل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أثر هذا الطوفان.

لكن آه.. ليت تحالف مكة كان قد تشكل قبل هذه المرحلة بكثير، وباسمه هذا، في مواجهة العدوان الإسرائيلي الإبادي وتهديده المحتوم، وغطرسته، وتجاوزه كل الحدود.

 

الجمعة، 2 أكتوبر 2026

هكذا انتصر"البخاري"على الاتحاد السوفياتي

هكذا انتصر"البخاري"على الاتحاد السوفياتي

ياسين أقطاي
أكاديمي وسياسي وكاتب تركي.

لعلّ أكثر النماذج طموحا للسياسة الثقافية التي تبنتها أوزبكستان في الآونة الأخيرة لا يوجد في سمرقند أو بخارى، بل في طشقند. فقد افتُتح في مارس/آذار الماضي، إلى جوار مجمّع حضرة الإمام، مركزُ الحضارة الإسلامية في أوزبكستان. وهذا المجمّع الضخم، الذي تتجاوز مساحته عشرة هكتارات، ليس مجرد متحف؛ بل هو مشروع كبير يهدف إلى جمع ذاكرة الحضارة الإسلامية تحت سقف واحد، من خلال مكتبته ومجموعات مخطوطاته وأرشيفه ووحداته البحثية والتعليمية.

وفي قاعة القرآن الواقعة تحت القبة التي يبلغ ارتفاعها 65 مترا، يُعرض مصحف عثمان الشهير. وفي أوقات محددة، يُقام في القسم ذي التصميم المعماري المهيب عرض ضوئي تظهر فيه حروف عربية تنساب من السماء نحو المصحف، في تمثيل رمزي لنزول الوحي. ومن خلال هذا التمثيل، تُبنى رواية تاريخية شاملة تمتد من آسيا الوسطى قبل الإسلام، مرورا بالنهضة العلمية الكبرى بين القرنين التاسع والثالث عشر، ثم العصر التيموري، وصولا إلى أوزبكستان الحديثة.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، كان على الدولة المستقلة أن تجيب عن سؤال: أي ماضٍ تريد أن تكون؟… وفي عهد شوكت ميرضيائيف لم تعد شخصيات مثل البخاري والماتريدي وبهاء الدين نقشبند تُذكر بوصفها مجرد شخصيات عظيمة من الماضي، بل أصبحت، من خلال مراكز البحوث ومسارات الزيارة والتعريف الدولي، شخصيات تُستخدم في رواية قصة أوزبكستان المعاصرة

هذا المكان، في الحقيقة، أشبه بخلاصة مكثفة للعلاقة التي تريد أوزبكستان إقامتها اليوم مع ماضيها. فالتراث العلمي للبيروني والخوارزمي وابن سينا وأولوغ بيك وغيرهم من العلماء، إلى جانب المخطوطات والآثار التاريخية، يُعرض للزائر بلغة متحفية شديدة الحداثة، مصحوبا بالشاشات الرقمية والتطبيقات التفاعلية والمعارض الافتراضية والتقنيات السمعية البصرية.

كما أن تسجيله في أبريل/نيسان لدى موسوعة غينيس بوصفه "أكبر متحف للحضارة الإسلامية في العالم" يكشف ضخامة المشروع واتساع نطاقه.

لكن السؤال الأساسي في هذه المقالة يطرح نفسه هنا بكل ثقله: هل يعني جعلُ التراث العلمي والفكري الهائل للحضارة الإسلامية مرئيا من خلال أحدث تقنيات العرض إحياءَ هذه الحضارة بالفعل، أم يعني تحويلها إلى حضارة قابلة للمشاهدة داخل متحف ضخم؟

أعتقد أن الجواب لا يضطرنا إلى اختيار أحد الأمرين وإلغاء الآخر. فمن المؤكد أن الحضارة لا يمكن إعادة بنائها داخل متحف؛ إذ لا يمكن إعادة إنتاج عقل البيروني في واجهة زجاجية، ولا فكر الماتريدي على شاشة رقمية، ولا الدقة العلمية للبخاري في عرض ضوئي. بل إن مثل هذه العروض المهيبة قد تحجب أحيانا الفكر نفسه. فقد يخرج الإنسان من المتحف وهو يقول: "يا لها من حضارة عظيمة!" ثم يمضي في طريقه من دون أن يتساءل عمّا كانت تفكر فيه تلك الحضارة.

وهذا هو، في الحقيقة، أكبر خطر دلالي للمتحفة: أن نجعل آثار الحضارة مرئية، بينما نجعل العقل الذي أنتجها غير مرئي.

لكن ينبغي أيضا إنصاف هذا الجهد؛ فهذه، إلى حد كبير، هي لغة عصرنا. ففي عالم يتحدث من خلال الصورة والتكنولوجيا الرقمية والمتاحف والعمارة والضوء والتجربة، ليس أمرا قليل الشأن أن تصبح حضارة دُفعت قرونا إلى ظلمات النسيان مرئية من جديد.

قد يتأثر الشاب الذي يدخل هذا المركز الضخم في طشقند بالتكنولوجيا والعمارة أولا، لكنه إذا خرج منه وهو يسأل: "من كان البيروني؟"، و"ماذا قدّم الخوارزمي؟"، و"كيف كانت البيئة العلمية في سمرقند أولوغ بيك؟"، يكون المتحف قد أدى مهمته. ذلك أن وظيفة المتحف ليست أن يكون هو الحضارة نفسها، بل أن يكون بابا مفتوحا عليها.

وقد عشنا انطباعا مشابها، ولكن بصورة أشد كثافة، خلال العرض الضوئي الموسيقي في ساحة ريغستان في سمرقند.

عندما يحل المساء، تمتلئ الساحة المقابلة للمدارس الثلاث العظيمة بالناس. يجلس الزوار على الدرج وفي أرجاء الساحة، ويجهزون هواتفهم وتُفتح الكاميرات. وبعد قليل، تتحول واجهات المدارس التي تقف هناك منذ قرون إلى شاشة عرض عملاقة. تتغير الألوان، وتتخذ القباب ألوانا جديدة، وتُرسم المآذن مرة أخرى بالضوء. وهكذا يمتزج التاريخ والعمارة وتقنيات العرض الحديثة بعضها ببعض.

لقد أقامت الحداثة السوفياتية مسافة بينها وبين الماضي، ولا سيما الماضي الديني، حتى تتمكن من بناء "الإنسان الجديد". أما أوزبكستان اليوم فتفعل العكس تماما؛ إذ تستدعي ماضيها من جديد لكي تتمكن من بناء مستقبلها

يقول هذا العرض الضوئي الكثير عن المعنى السوسيولوجي للتاريخ الذي جرى تحويله إلى مادة متحفية. فالسياحة الحديثة لا تزور الماضي فحسب، بل تعيد تشكيله أيضا. لم تعد المدرسة التاريخية مجرد بناء كانت تُدرّس فيه العلوم ذات يوم. لقد تحولت كذلك إلى خلفية لالتقاط الصور، وصورة يجري تداولها على إنستغرام، وتجربة تُختزل في مقطع فيديو لبضع دقائق، وعرض يستهلكه آلاف الأشخاص في وقت واحد.

وهنا تظهر، بصورة جديدة، القضية التي أشار إليها فالتر بنيامين عندما تحدث عن تحوّل "هالة" العمل الفني في العصر الحديث. فالأثر التاريخي لا يزال قائما في مكانه، لكن علاقتنا به قد تغيرت. وهكذا لم تعد ريغستان مجرد تاريخ نذهب لمشاهدته، بل تحولت إلى حدث يبدأ في ساعة معينة، وتنتظره الحشود، وترتفع الهواتف في الهواء لتصويره في اللحظة نفسها.

إعلان

ثم إن العرض لا ينتهي في الساحة؛ فالعرض الحقيقي يبدأ بعد ذلك. إذ تدخل ريغستان إلى ذاكرة آلاف الهواتف، ثم تنتشر بعد دقائق في مختلف أنحاء العالم عبر إنستغرام وتيك توك ويوتيوب ومجموعات واتساب. وبهذا يتحول المتفرج الموجود في الساحة إلى ناشر متطوع للسياحة الأوزبكية. فالإنسان لا يستهلك الصورة فقط، بل يعيد إنتاجها وتوزيعها.

أليست هذه إحدى أكثر آليات العولمة إثارة للاهتمام؟ فلم يعد انتقال المحلي إلى المجال العالمي يحتاج بالضرورة إلى قنوات تلفزيونية كبرى أو حملات دعائية باهظة الثمن. إذ قد يتحول الهاتف الذي يرفعه سائح واحد أحيانا إلى أكثر وسائل الترويج لبلد ما تأثيرا.

والواقع أن الزيادة التي شهدتها السياحة في أوزبكستان خلال السنوات الأخيرة تشكل الإطار الأوسع لهذه الظاهرة. فوفقا لبيانات هيئة الإحصاء الأوزبكية، بلغ عدد الزوار الأجانب الذين دخلوا البلاد لأغراض سياحية عام 2025 نحو 11.7 مليون زائر. وبفضل ذلك، تتحول أوزبكستان تدريجيا إلى بلد أكثر ظهورا وحضورا على الخريطة العالمية، وأكثر استقبالا للزوار.

ومن المؤكد أن المسألة لا تتعلق بالاقتصاد وحده. فالسياحة هي أيضا اقتصاد للذاكرة. وأي الشخصيات يختارها مجتمع من ماضيه، وأي المباني يرممها، وأي الساحات يضيئها، وأي القصص يرويها للسياح، وأيها يتركه بلا رواية.. كل هذه اختيارات نموذجية لسياسات الهوية.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، كان على الدولة المستقلة أن تجيب عن سؤال: أي ماضٍ تريد أن تكون؟ خلال عهد إسلام كريموف، تحول الأمير تيمور إلى أحد أبرز رموز الدولة القوية والاستقلال. وقد أظهرت الدراسات التي تناولت متاحف تلك المرحلة ونُصبها العامة الكيفية التي جرى بها تمثيل التراث التيموري لخدمة هذا الهدف.

أما في عهد شوكت ميرضيائيف، فقد اندمجت الرواية التاريخية نفسها مع سياسة ثقافية وسياحية أكثر انفتاحا على الخارج. ولم تعد شخصيات مثل البخاري والماتريدي وبهاء الدين نقشبند تُذكر بوصفها مجرد شخصيات عظيمة من الماضي، بل أصبحت، من خلال مراكز البحوث ومسارات الزيارة والتعريف الدولي، شخصيات تُستخدم في رواية قصة أوزبكستان المعاصرة. كما أن البيان الذي أصدرته الدولة حول مركز الحضارة الإسلامية يعلن بوضوح أن الهدف هو نقل هذا التراث إلى الأجيال الجديدة والتعريف به في العالم.

غير أن انقلابا شديد الدلالة يحدث هنا.

إن حبس البخاري أو الماتريدي أو نقشبند أو أولوغ بيك داخل الحدود القومية الحديثة لا يضيف إلى عظمتهم التاريخية، بل يقلّل منها

لقد أقامت الحداثة السوفياتية مسافة بينها وبين الماضي، ولا سيما الماضي الديني، حتى تتمكن من بناء "الإنسان الجديد". أما أوزبكستان اليوم فتفعل العكس تماما؛ إذ تستدعي ماضيها من جديد لكي تتمكن من بناء مستقبلها. لكن الماضي المستدعى لا يعود في صورته القديمة. ولعل أضواء ريغستان أجمل استعارة تعبّر عن ذلك.

قبل قرون، كان العلم الذي يُدرّس في المدرسة هو الذي يجعلها مرئية ومؤثرة. أما اليوم، فأحد الأشياء التي تجعلها مرئية هو أجهزة العرض الضوئي. ولا أقول ذلك بوصفه نقدا للسياحة الحديثة. بل ينبغي، على العكس، الاعتراف بأن العرض الضوئي بالغ التأثير والجمال.

إن جمع آلاف الأشخاص أمام بناء تاريخي، وتوجيه انتباههم إلى عمارة يعود عمرها إلى قرون، إنجاز لا ينبغي التقليل من شأنه. ولعل أحد الأطفال الذين حضروا العرض في تلك الليلة يتساءل في اليوم التالي عن هوية أولوغ بيك. وربما يقرر شخص في مكان آخر من العالم، بعدما يشاهد الفيديو، أن يأتي إلى سمرقند.

إن المشكلة ليست في الضوء نفسه، بطبيعة الحال، بل في الشيء الذي يسلّط الضوء عليه.

وهنا لا بد من إجراء تصحيح تاريخي مهم؛ فالساحة بأكملها ليست من صنع حاكم واحد ولا من نتاج حقبة واحدة. فقد بُنيت مدرسة أولوغ بيك في مطلع القرن الخامس عشر خلال العصر التيموري، بينما أضيفت مدرستا شيردار وتيلا كاري إلى الساحة في القرن السابع عشر. وحتى الهيئة الحالية لريغستان تخبرنا أن التاريخ ليس خطا واحدا مستقيما، بل إن قرونا مختلفة تقف جنبا إلى جنب في الساحة نفسها.


إهذه المدن ليست ملكا لأوزبكستان وحدها، كما أنها ليست ملكا للتيموريين وحدهم. إنها ملتقى حضاري كبير تلامس فيه الأتراك والفرس والعرب، والجماعات المختلفة التي مرت من هنا عبر التاريخ، بعضهم ببعض. ولذلك فإن حبس البخاري أو الماتريدي أو نقشبند أو أولوغ بيك داخل الحدود القومية الحديثة لا يضيف إلى عظمتهم التاريخية، بل يقلّل منها.

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

التاريخ في متاحف أوزبكستان.. ماذا يقول ولمن؟

التاريخ في متاحف أوزبكستان.. ماذا يقول ولمن؟



ياسين أقطاي 

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم

ترجمة وتحرير ترك برس

ربما يمكن رؤية المثال الأكثر طموحًا للسياسة الثقافية التي تبنتها أوزبكستان في الآونة الأخيرة، ليس في سمرقند أو بخارى، بل في طشقند. فقد فتح مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، الذي شُيّد بجوار مجمع حضرة الإمام، أبوابه في مارس/آذار الماضي. وهذا المجمع الضخم، الذي تزيد مساحته على عشرة هكتارات، ليس مجرد متحف؛ بل هو مشروع كبير يهدف إلى جمع ذاكرة الحضارة الإسلامية تحت سقف واحد، من خلال مكتبته ومجموعات مخطوطاته وأرشيفه ووحدات البحث والتعليم فيه. ويُعرض في قاعة القرآن، الواقعة تحت القبة التي يبلغ ارتفاعها 65 مترًا في وسطه، مصحف عثمان الشهير. وفي أوقات محددة، تمثل حروف عربية تتدفق من السماء باتجاه هذا المصحف، من خلال عرض ضوئي يُقام في القسم ذي التصميم المعماري الرائع الذي يوجد فيه المصحف، نزول الوحي. وهذا التمثيل يقيم سردية تاريخية شاملة تمتد من آسيا الوسطى قبل الإسلام إلى النهضة العلمية الكبرى في القرنين التاسع والثالث عشر، ومن عصر التيموريين إلى أوزبكستان الحديثة.

في الواقع، هذا المكان هو بمثابة ملخص مكثف للعلاقة التي تريد أوزبكستان إقامتها مع ماضيها اليوم. إذ تُقدَّم الثروة العلمية التي خلفها البيروني والخوارزمي وابن سينا وأولوغ بيك وغيرهم الكثير من العلماء، والمخطوطات والآثار التاريخية، للزائر بلغة متحفية حديثة للغاية؛ مصحوبة بشاشات رقمية وتطبيقات تفاعلية ومعارض افتراضية وتقنيات سمعية بصرية. كما أن تسجيله في أبريل/نيسان من قبل موسوعة غينيس باعتباره «أكبر متحف للحضارة الإسلامية في العالم» يُظهر حجم المشروع. لكن هنا تحديدًا يطرح السؤال الأساسي لهذا المقال نفسه بكل ثقله: هل جعل التراكم العلمي والفكري الهائل للحضارة الإسلامية مرئيًا من خلال أحدث تقنيات العرض هو بالفعل إحياء لها من جديد، أم أنه جعل حضارة ما قابلة للمشاهدة داخل متحف هائل؟

أعتقد أن الإجابة ليست مضطرة إلى اختيار أحد الأمرين. فمن المؤكد أنه لا يمكن إعادة بناء حضارة داخل متحف؛ فلا يمكنكم إعادة إنتاج عقل البيروني في واجهة عرض، أو فكر الماتريدي على شاشة رقمية، أو الدقة العلمية للبخاري في عرض ضوئي. بل إن مثل هذه العروض الفخمة قد تحجب الفكر نفسه أحيانًا. فقد يخرج الإنسان من المتحف وهو يشعر قائلًا: «يا لها من حضارة عظيمة!»، ثم يواصل طريقه من دون أن يتساءل ولو قليلًا عما كانت تلك الحضارة تفكر فيه. في الواقع، يكمن هنا أكبر خطر دلالي لتحويل الحضارة إلى متحف: جعل العقل الذي أوجد الحضارة غير مرئي، في الوقت الذي نجعل فيه أعمالها مرئية.

لكن ينبغي أيضًا أن نعطي كل ذي حق حقه: هذه إلى حد كبير هي لغة عصرنا. وفي عالم يتحدث من خلال الصورة والتكنولوجيا الرقمية والمتحف والعمارة والضوء والتجربة، فإن إعادة حضارة دُفعت إلى ظلمة الذاكرة على مدى قرون إلى دائرة الضوء ليست أمرًا يستهان به. فإذا كان الشاب الذي يدخل هذا المركز الضخم في طشقند سيتأثر في البداية بالتكنولوجيا والعمارة، لكنه خرج منه وهو يطرح أسئلة من قبيل: «من كان البيروني؟»، «ماذا فعل الخوارزمي؟»، «كيف كانت البيئة العلمية في سمرقند أولوغ بيك؟»، فإن المتحف يكون قد أدى وظيفته. لأن مهمة المتحف ليست أن يكون الحضارة نفسها، بل أن يكون بوابة تفتح الطريق إلى الحضارة.

وفي الواقع، رأينا انطباعًا مشابهًا، ولكن بصورة أكثر كثافة، في عرض الموسيقى والضوء في ميدان ريجستان بسمرقند.

عند حلول المساء، يمتلئ الميدان المقابل للمدارس الدينية الثلاث الضخمة بالناس. ويجلس الناس على الدرج وفي الميدان؛ وتُجهَّز الهواتف، وتُفتح الكاميرات. وبعد فترة، تتحول واجهات المدارس الدينية القائمة هناك منذ قرون إلى شاشة عرض ضخمة. تتغير الألوان، وتتخذ القباب ألوانًا أخرى، وتُعاد رسم المآذن بالضوء. ويمتزج التاريخ والعمارة وتقنيات العروض الحديثة بعضها ببعض.

ويقول هذا العرض الضوئي الكثير عن المعنى الاجتماعي لتحويل التاريخ إلى متحف. وقبل كل شيء، فإن السياحة الحديثة لا تكتفي بزيارة الماضي؛ بل تعيد تشكيله. فلم تعد المدرسة الدينية مجرد مبنى تاريخي أُقيمت فيه الدروس. بل أصبحت في الوقت نفسه خلفية لالتقاط الصور، وصورة يجري تداولها على إنستغرام، وتجربة تتحول إلى مقطع فيديو لبضع دقائق، وعرضًا يستهلكه آلاف الأشخاص في الوقت نفسه.

وهنا تبرز من جديد، بصيغة مختلفة، المسألة التي أشار إليها والتر بنيامين عندما تحدث عن تحول «هالة» العمل الفني في العصر الحديث. فالعمل التاريخي يواصل الوقوف في مكانه، لكن علاقتنا به تتغير. وهكذا يتحول ريجستان من كونه تاريخًا نذهب إليه ونراه، إلى حدث يبدأ في ساعة محددة، تنتظره الحشود، وترتفع فيه الهواتف في الهواء في الوقت نفسه.

وفوق ذلك، لا ينتهي العرض في الميدان، بل إن العرض الحقيقي يبدأ بعد ذلك. فبعد دقائق، ينتشر ريجستان، الذي دخل ذاكرة آلاف الهواتف، في جميع أنحاء العالم عبر إنستغرام وتيك توك ويوتيوب ومجموعات واتساب. وهكذا يتحول المشاهد في الميدان في الوقت نفسه إلى ناشر متطوع للسياحة في أوزبكستان. فالإنسان لا يستهلك الصورة فحسب؛ بل يعيد إنتاجها وتوزيعها.

أليس هذا أيضًا أحد أكثر آليات العولمة إثارة للاهتمام؟ فلم تعد هناك حاجة بالضرورة إلى القنوات التلفزيونية الكبرى أو حملات الترويج المكلفة من أجل عولمة المحلي. فقد يتحول هاتف يرفعه سائح أحيانًا إلى أكثر أدوات الترويج فاعلية لدولة ما.

وفي الواقع، فإن الزيادة التي شهدتها أوزبكستان في السياحة خلال السنوات الأخيرة تشكل السياق الأوسع لذلك. ووفقًا لبيانات لجنة الإحصاء الأوزبكية، بلغ عدد الزوار الأجانب الذين قدموا إلى البلاد لأغراض سياحية 11.7 مليونًا في عام 2025. وبفضل ذلك، تتحول أوزبكستان تدريجيًا إلى دولة أكثر ظهورًا وإلى وجهة يزورها عدد أكبر من الناس.

وبطبيعة الحال، فإن المسألة لا تتعلق بالاقتصاد وحده. فالسياحة هي أيضًا اقتصاد للذاكرة. أي الشخصيات التي يختار مجتمع ما إبرازها من ماضيه، وأي المباني التي يرممها، وأي الميادين يضيئها، وأي القصص يرويها للسياح، وأيها لا يرويها... كلها خيارات نموذجية لسياسات الهوية.

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، باعتبار أي ماضٍ كانت الدولة المستقلة ستقدم نفسها بوصفها امتدادًا له؟ في عهد إسلام كريموف، تحول الأمير تيمور إلى أحد أبرز رموز فكرة الدولة القوية والاستقلال. وقد أظهرت الدراسات التي أُجريت حول متاحف تلك الحقبة والنصب العامة فيها، كيف جرى تمثيل الإرث التيموري لهذا الغرض. أما في عهد شوكت ميرضيائيف، فقد اندمجت السردية التاريخية نفسها مع سياسة ثقافية وسياحية أكثر انفتاحًا على الخارج. فلم يعد يُشار إلى أسماء مثل البخاري والماتريدي وبهاء الدين نقشبند باعتبارهم مجرد عظماء من الماضي؛ بل تحولوا، من خلال مراكز البحث ومسارات الزيارة والترويج الدولي، إلى شخصيات تروي أوزبكستان اليوم. ويكشف البيان الذي أصدرته الدولة بشأن مركز الحضارة الإسلامية بوضوح عن هدف نقل هذا الإرث إلى الأجيال الشابة والتعريف به في العالم.

لكن هنا يحدث تحول عكسي مثير للاهتمام للغاية.

فقد وضعت الحداثة السوفييتية مسافة بينها وبين الماضي، ولا سيما الماضي الديني، من أجل بناء الإنسان الجديد. أما أوزبكستان اليوم، فعلى العكس تمامًا، تستدعي ماضيها من جديد من أجل بناء مستقبلها. لكن الماضي الذي يُستدعى لا يعود الآن بصورته القديمة. وربما تكون الأضواء في ريجستان أجمل استعارة على ذلك.

قبل قرون، كان الشيء الذي يجعل المدرسة الدينية مرئية هو العلم الذي كان يُدرَّس فيها. أما اليوم، فأحد الأشياء التي تجعلها مرئية هو أجهزة العرض الضوئي. وأنا لا أقول هذه الجملة باعتبارها نقدًا للسياحة الحديثة. بل على العكس، ينبغي الاعتراف بأن العرض الضوئي مؤثر للغاية. إن جمع آلاف الأشخاص أمام مبنى تاريخي وتوجيه انتباههم إلى عمارة تعود إلى عدة قرون، هو بحد ذاته نجاح لا يستهان به. وربما يتساءل أحد الأطفال الذين كانوا هناك في ذلك المساء في اليوم التالي عن هوية أولوغ بيك. وربما يقرر شخص في مكان آخر من العالم، بعد أن يشاهد الفيديو، أن يأتي إلى سمرقند.

وبالطبع، فالمشكلة ليست في الضوء نفسه؛ وإنما في الشيء الذي يضيئه الضوء.

وهنا ينبغي إجراء تصحيح تاريخي مهم بشكل خاص. فالميدان بأكمله ليس من أعمال حاكم واحد أو حقبة واحدة. ففي حين بُنيت مدرسة أولوغ بيك في بداية القرن الخامس عشر خلال العصر التيموري، أُضيفت مدرستا شيردار وتِلا كاري إلى الميدان في القرن السابع عشر. وحتى المظهر الحالي لريجستان يخبرنا بأن التاريخ ليس خطًا واحدًا. ففي الميدان نفسه تقف قرون مختلفة جنبًا إلى جنب.

هذه المدن ليست ملكًا لأوزبكستان وحدها؛ وليست ملكًا للتيموريين وحدهم أيضًا. إنها ملتقى حضاري كبير تلامس فيه الأتراك والفرس والعرب والمسلمون ومختلف الجماعات التي مرت من هنا عبر التاريخ بعضها ببعض. ولذلك، فإن حبس البخاري والماتريدي والنقشبندي أو أولوغ بيك داخل الحدود الوطنية الحديثة ينتقص من عظمتهم التاريخية.


 ياسين أقطاي - يني شفق -

الجمعة، 18 سبتمبر 2026

بعد 10 قرون.. ما زال البيروني أكثر أهمية من ماكس فيبر لهذه الأسباب

 بعد 10 قرون.. ما زال البيروني أكثر أهمية من ماكس فيبر لهذه الأسباب

الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

الأشقياء لا يحكمون العالم

الأشقياء لا يحكمون العالم


قاطع الطرق لا يحكم العالم لكن ما رأيناه أنه سيطر على العالم حقاً
إن احتلال "إسرائيل"، قاطع طريق العالم، للقدس هو صورة لاحتلال تل أبيب للعالم بأسره وسيطرته عليه، ذلك أن القدس هي مرآة العالم، فما يحدث بتلك المدينة المقدسة يعكس ما يحدث بالعالم.

إن النظام المسيطر على العالم هو نسخة وانعكاس للنظام السائد في القدس، ولهذا السبب فمن أراد تأسيس نظام عالمي فإن مهمته تبدأ من القدس، والعكس صحيح، ومن أراد إنقاذ القدس فعليه أولاً البدء بالعالم، هناك من يعتبر أن العالم عبارة عن القوى الخمس الكبرى، ويظن أن هذه الفرضية مقبولة قبولًا مسبقًا، ولهذا فهو يقبل بهذا ويرضى به، واليوم نرى هؤلاء لا يتفوهون، بل هم عاجزون عن أن يتفوهوا بشيء أمام ما يحدث في القدس، ذلك أنّ القدس هي مرآة حالهم هم أيضًا.. إنّ حرية من هم واقعون تحت الاحتلال ومفتاحها في القدس، فطوال التاريخ كانت القدس مرآة لما يحدث حول العالم، كما كان العالم مرآة لما يحدث في القدس.

إنّ وقوع القدس تحت وطأة حكم قطاع الطرق يحدث برضا ورغبة وتدخل من الولايات المتحدة نفسها، إنّ العالم بأسره يعارض هذا الاحتلال ويشعر بالانزعاج بسبب سيطرة قطاع الطرق هؤلاء، حتى وإن كان عاجزاً عن الاعتراض علنًا لحصوله على رشوة من النظام العالم أو لقربه أو لشعوره بالخوف، لكن أحدًا غير قادر على رفع صوته أو الاعتراض، فهذا العالم هو عالم المخاوف والرشى والصعاب، وما يحدث في القدس هو مرآة مطابقة تمامًا لهذا العالم.

لكن بالرغم من ذلك، فهناك أيضًا من يقاومون في القدس، ثمة من لا يستسلمون حتى وإن كان العالم أجمع قد بيع أو استسلم جميع الخلق بسبب مخاوفهم أو اشتركوا في هذا الظلم بهذه الطريقة أو تلك، بالضبط كما أنه لم ينته من يتصدون لنظام قطاع الطرق المنتشر في ربوع العالم، لا يمكن للظلم أن يبقى أبد الدهر، فمهما ارتقت أقوى جيوش ظلم قطاع الطرق، فإن القوة المنقذة ترتقي هي الأخرى، ولا ريب أن مع كل عسر يسرًا وضد كل ظلم مقاومة.

هناك من يصمدون صمود الشجعان في القدس، هناك من يقاومون دون أن يفقدوا ذرة من قدرتهم على المقاومة بعدما بترت أقدامهم في الهجوم الوحشي الذي تعرضوا له خلال المقاومة السابقة، فهم يقاومون هذه المرة جالسين على ركبهم، فغزة ورام الله والقدس تنتفض بشبابها وعجزتها ورجالها ونسائها لتعلن للعالم أجمع في شموخ فريد أن سيطرة قطاع الطرق على العالم لن تستمر أبد الدهر، يقولون: 
"لن يكون قطاع الطرق حكاماً للعالم أبداً!".

إن هذا الصوت يتحول إلى كابوس بالنسبة لـ"إسرائيل" التي تعتبر جناحاً لقطاع الطرق هؤلاء في فلسطين، فهي تخشى حتى ظله، فهذا الشعور يتحول إلى خوف مفزع وجنوني لا تستطيع السيطرة عليه داخل قلبها بالرغم من كل أسلحتها القوية، فأسلحة الدول الإسلامية المزعومة المجاورة لها، والمشتراة بمئات المليارات من الدولارات، لا تخيفها، لكنها تخشى ذلك الحجر الذي يرميه الشاب القعيد المبتور القدمين وهو جالس على كرسيه المتحرك، لأنها تعلم جيداً أن من يقهره سيتحول في نهاية المطاف إلى حجارة، كما تعلم علم اليقين أنها تحل محل جالوت وتشبهه وتؤدي دوره.

يقف الطفل الفلسطيني في مواجهة جالوت في هيبة داود ليعلن نهاية جالوت في هيبة ملك الموت، فمن سيقهر "إسرائيل" ليست الدول الإسلامية المزعومة بحياتها المترفة وأسلحتها المجمعة من خلال مشتريات أعطت قبلة الحياة للولايات المتحدة، بل تلك الحجارة التي يحملها الأطفال الفلسطينيون في غزة ورام الله.

لا شك أن إضاعة الوقت هي من نصيب كل من ينتظر رد فعل ومقاومة بارزة من دول أوروبا في مواجهة هذا الظلم، فتلك الدول –في الواقع– هي المسؤول الأول عن احتلال "إسرائيل" وتمردها وظلمها، فمن غير المنطقي أن ينتظر أحد من تلك الدول أن تقول شيئاً إزاء الدماء التي تراق على تراب فلسطين، ربما لأنها تريد التخلص من المشكلة اليهودية التي تؤرقها أو لأنها وقعت رهينة للشبكة الصهيونية العالمية، أو ربما لأنها فقط، وبمنتهى البساطة، تشعر بالخوف.

وعلى أقصى تقدير يكون رد فعلها مثلما فعلت بريطانيا، فرئيسة وزرائها تريزا ماي أدلت بتصريح "صوري" مندد بالإرهاب والمجازر التي ترتكبها "إسرائيل" هذه الأيام في سبيل جعل القدس عاصمة لها؛ إذ قالت: "بريطانيا لا توافق على جعل القدس عاصمة لـ"إسرائيل" وتتابع التطورات بقلق"، فمحاولة الدولة التي أسست "إسرائيل" أن تتحايل على ما يحدث اليوم لهو مثال صارخ على نفاق لم نر له مثيلاً، فلو كانت لندن مخلصة في هذا الأمر، فهناك الكثير من الأشياء التي كانت لتفعلها، بيد أنها هي أكبر شريك في كل الجرائم والمجازر التي ترتكبها "إسرائيل" اليوم.

غزة تتبرع بدمائها للأمة
غزة لا تدمي بل تتبرع بدمائها للأمة التي لا دم لها، إن الشباب والنساء والأطفال من سكان غزة ليسوا أبداً هم أكثر المساكين المتضررين من إرهاب الدولة "الإسرائيلية"، بل المساكين هي الدول الإسلامية المزعومة التي لا تجرؤ على النظر أمامها، فتلتفت يمنة ويسرة حتى لا تتحمل أي مسؤولية عما يحدث.

إن الدماء تسيل على تراب غزة، لكن تلك الدول الإسلامية هي التي تنزف جروحها، تلك الدول التي تدعو في كل صلاة من الصباح إلى المساء بخبث وزيف "اللهم انصر إخواننا في فلسطين!" وهي تدعم في كل سياساتها وتجارتها ومواقفها "إسرائيل" التي تقتل إخوانهم في فلسطين، وكما قال الشاعر: 
"جثث على قيد الحياة، فمن ذا الذي سيحيها؟".

وكانت سيدة من غزة قد قارنت بأفضل طريقة بين هؤلاء وأوضاع سكان القطاع، وبكلامها أختم: 
"من يعتقد أن غزة تنزف عليه أن ينظر إلى نفسه.. فالأمة تعرضت لفقدان دم كبير، وغزة تتبرع بدمائها إلى الأمة".

أ.د. ياسين أقطاي
 19 مايو 2018